وهذا من الانحرافات الاعتقادية عند أدباء الحداثة العربية وهو شائع في نتاجهم الأدبيّ والنقديّ والفكريّ، إبحارًا من الانحراف الإلحاديّ السابق، واستعادة لدروس أساتذتهم الماديين، وترديدًا أجوفًا وشقشقة عمياء، وتجاويف فكرية خاوبة على عروشها، من جنس قول الطائفي المحترق أدونيس:
(أعرف الآن
أين يكون الليل إذا جاء النهار
والنهار إذا جاء الليل
أعرف أن جنس الربوبية يتأصل في أحشاء الأرض ويتناسل
أعرف الأرض بالأرض
والسماء بنور الأرض
هكذا أظهر في قميصي الجديد) (^٣).
وهكذا في كلمات مفلسة شائنة -من طائفيّ يراد له أن يكون رائدًا وموجهًا ومعلمًا وأستاذًا لجيل- تتحدر هذه الكلمات الجوفاء، فاسدة التركيب ضالة المعنى، فالليل -كما يظهر لي من النص- رمز الظلام
_________________
(١) الحب تحت المطر: ص ٣٨ - ٣٩ نقلًا عن كتاب أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب د/ سيد أحمد فرج: ص ٧٠.
(٢) أدب نجيب محفوظ د/ سيد أحمد فرج: ص ٧٠.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ١٥٢ ]
والتخلف والانحطاط يريد به الإسلام وأهله وتاريخه وحضارته، والنهار رمز التقدم والإبداع هو الأجنبي وفكره وفلسفته المادية وأخلاقه الرعناء، وجحده وإلحاده وتكبره على خالقه -جل وعلا-، وها هو يستف من غبار مناهج الإلحاد فينفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا مالكًا بيده ملكوت كل شيء، ويندفع في باطنية حاقدة، وإلحاد ماديّ متمرد، ليعلن أنه لا ربوبية خارج الأرض وأهل الأرض، بل فيها تأصلت الربوبية وتناسلت وهي خالقة نفسها -حسب خرافات المادية- التي أُوقع في فخاخها بعضٌ من أبناء المسلمين، مرة بأسلوب البحث العلمي الموضوعيّ المتجرد، حسب زعمه أو حسب انكسار ومهانة أتباعه بين يديه، ومرة بهيبة الحداثة التي صنعت ونشرت بين أبناء المسلمين وأعطيت مكانة وثنية جعلت ضعفاء العقول والإيمان يلوذون بها لئلا يوصفوا بالتخلف والرجعية وإن لم يفهموا منها شيئًا ولم يفقهوا من مراداتها إلّا النزر القليل.
كل ذلك لكي ترتكس الأمة في الإذعان الفكريّ والاعتقاديّ مثلما ارتكست في غيره من فخاخ السياسة والاقتصاد، غير أنه مع تباشير إصباحيات الصحوة الإسلامية المباركة الراسخة سيضمحل ليل الضياع والفراغ بإذن اللَّه تعالى.
وعودة إلى الباطنيّ أدونيس الذي يقول:
(مسافر تركت وجهي على
زجاج قنديلي
خريطتي أرض بلا خالق
والرفض انجيلي) (^١).
بهذا ينشئ التمرد على اللَّه وعلى دينه، ويتلقى الأتباع هذا على أنه تحرر وإبداع، وتقدم وحياة جديدة، تحذلق لفظيّ يزين الكفر ويشجع على التمرد
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٣٦.
[ ١ / ١٥٣ ]
والرفض، فيزعم أن أرضه الحقيقية أو المجازية "كناية عن الفكر والثقافة والفن والأدب" لا تخضع لخالق ولا تدين لإله، ولا تتعبد لغير الرفض الإبليسيّ.
وتنجرف الأذهان العاجزة الكسيحة في الإعجاب والاقتداء بهذا الحاقد الطائفيّ، وتأخذ أقواله بتلقائية عجفاء وتلقينية باردة، في الوقت الذي ينتقدون فيه على المسلمين الأصلاء أنهم نصوصيون يأخذون علمهم بالحفظ والتلقين، ويعدون ذلك عيبًا ومعرة، مع أنهم يملأون أدمغتهم بالهدى بحفظ كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله -ﷺ-، وهؤلاء الفارغون يسدون فراغ عقولهم بكلام وثنيّ طائفيّ ماديّ نجس تلقاه أستاذهم -أدونيس- عن أساتذته من الباطنيين حيث النشأة والمنبت، والماديين حيث الهوى والقبلة، فحين تقرأ له:
(واللَّه في البيوت
يموت كالبحيرة) (^١).
لا تجد إلّا نيتشه في زيّ آخر، وقد سبق له أن امتدح عبارته الخبيثة "موت اللَّه" وأثنى على مقتضياتها عند جبران (^٢).
واستطرادًا مع مقصده الهابط من جحد ربوبية اللَّه تعالى يتناول مسألة التقدم والتخلف، معتبرًا أن الأمة متخلفة بسبب المحراب والصلاة وإيمانها باللَّه وشرعه ودينه، معتبرًا ذلك أغلالًا وخندقًا مسدودًا لا باب له، ورملًا وقشًا، وغير ذلك من العبارات التي يرمز بها إلى التخلف، فيقول:
(الأمة استراحت
في عسل الرباب والمحراب
حصنها الخالق مثل خندقٍ
وسدّة
لا أحد يعرف أين الباب
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ٢/ ١٦٣.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٧٨.
[ ١ / ١٥٤ ]
لا أحد يسأل أين الباب) (^١).
ويقول:
(نادر أن ينطق البحر ولكن
نطق البحر يبسنا
يبس التاريخ من تكراره
في طواحين الهواء
سقط الخالق في تابوته
سقط المخلوق في تابوته
والنساء ارتحن في مقصورة
ينتشلن الليل من آباره) (^٢).
وهكذا تتشابك المفاهيم الإلحادية في هذا الطرح البليد، فمن البحر الذي هو عنده رمز الغرب والتقدم والحركة والإبداع، والأمل المرتجى والثورة المرتقبة يستمد قوته ومجده وحضارته ضد حضارة الإسلام وتاريخه وعقائده التي تبدأ من الإيمان بالخالق البارئ -﷾- ثم ضد الممارسات الاجتماعية المتمثلة في عفة المرأة وحجابها.
وفي عبارات أخرى غامضة ملتوية التواء العقيدة الباطنية يقول:
(العمل يصعد
من الأرض إلى اليد من اليد إلى التاريخ
من التاريخ إلى هباء البدايات) (^٣).
هذا هو جوهر الحداثة: ممارسة الشك في اللَّه تعالى، وبث العدمية
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ٢/ ٢٧٣.
(٢) و(^٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٢٨٣.
[ ١ / ١٥٥ ]
ونشر الدهرية، فما دامت البدايات هباء فكل شيء ضياع وعدم وانفلات، هكذا حسب المفهوم الأدونيسي الإبلبيسيّ.
وليس هذا مقصورًا عليه فعصابة الحداثة ملة واحدة وإن اختلفت بينهم الطرائق وتباعدت البلدان، فها هو حداثي آخر من المغرب العربي يردد نفس المعنى الذي قاله أدونيس تحت عنوان (النقد أساس الإبداع) (^١).
وقد يظن القارئ لأول وهلة أن المراد هو النقد الأدبيّ البحت أو الفنيّ أو اللغويّ لارتباط كلمة الإبداع بالأدب والفن واللغة، ولكن الحداثيّ يفسر هذا العنوان العريض ويبين مراده بالنقد الذي هو أساس الإبداع فيقول: (أول ما يجب أن يتجه إليه النقد هو المتعاليات بمختلف تجلياتها، ليس الغائب الذي هو يخلق الحاضر والمستقبل، بل الإنسان هو خالق حاضره ومستقبله، لا تستصغروا المتعاليات، إنها المتحكمة في وعينا ولا وعينا. . . إن المتعاليات كمجال معرفيّ تعتمد قناعة أساسًا، وهي أن الإنسان موجود بغيره لا بنفسه، شبح عابر في دنياه، صورة لمثال، مصيره فوقه لا بين يديه تغطيه السماء بحنينها مرة، وتحتفظ له الظلمات بالردع هنا أو هناك) (^٢).
إنها محاولة لهدم الدين باسم النقد، ومحو الإسلام باسم الإبداع.
وهذا هو دأب الهدامين من المتفرنجين المقتدمين بملاحدة الافرنج، تقديسُ الكفر باسم الإبداع، ونقد الإسلام وعقيدته باسم التحديث والتطوير الأدبيّ والفكريّ.
فهل صعب على هذه العقول الكليلة أن تبدع إلّا على أساس الكفر باللَّه وجحد ربوبيته ونقد "المتعاليات" والمقصود بها اللَّه تعالى ودينه ونبيه وسائر الغيبيات؟، فالإنسان -عندهم- موجود بنفسه، وهو خالق حاضره ومستقبله، هكذا ادعاءً ووقاحة وجراءة على الباطل، وكأن شرط الإبداع أن
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٥٤١.
(٢) حداثة السؤال بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة، لمحمد بنيس: ص ١٩.
[ ١ / ١٥٦ ]
يبدع أحدهم في نطاق الإلحاد والكفر والرذيلة الخلقية والكذب الفكريّ وإلّا فليس مبدعًا ولا أديبًا!!.
إنهم في الحقيقة تمردوا على اللَّه تعالى ودينه فسقطوا في كهنوت الحداثة ووثنيتها كما اعترف بعضهم قائلًا: (. . . تأثر النقد الماركسي العربي بالكهنوتية في بداية الخمسينات من هذا القرن -كما يقول غالي شكري (^١) - وما أن بدأ يتخلص من التبسيط المخل والنظرة الآحادية الجانب والاختزال الايديولوجيّ بل السياسيّ للفنون، ومن ثم المصطلحات الغامضة الاستعلائية، حتى هبت رياح الحداثة في السبعينات وقد تلبستها طقوس الكهنوت وأسراره المقدسة، أي: أن التخلف المعرفي ظل ساري المفعول داخل أكثر الأفكار عقلانية ولكنه ترك الماركسية وغزا الحداثة، لم يكن انتقال الوباء من المصادفات. . .) (^٢).
نعم إنهم كذلك ولابد؛ إذ لا ينفك الإنسان من عبودية وتأليه، فأمّا المسلم فإنه يعبد ربه الخالق الواحد الأحد، وأمّا الكافر فإنه يعبد هواه وشهوته، وشياطين الجن والإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.
فها هم بشهادة أحدهم يمارسون طقوس العبادة الوثنية الكهنوتية للحداثة، وشهادة الواقع أكبر دليل على ذلك فإن الناظر في كتاباتهم يرى بوضوح كيف تغلي مراجلهم حماسة وولهًا لنحلتهم الجديدة، ويلحظ بجلاء أنهم يخضعون باستكانة أمام شعارات الحداثة إلى حد التقديس والورع العباديّ، وهذا أيضًا ما شهد به بعضهم حين قال: (ما من كلمة
_________________
(١) غالي شكري حداثيّ مصريّ نصرانيّ الأصل قبطيّ الهوى، يساريّ الانتماء، من نقاد الحداثة ومنظريها وكبار عتاتها، له كتب كثيرة منها الأقباط في وطن متغير، وديكتاتورية التخلف العربيّ، وإنهم يرقصون ليلة رأس السنة، وذكريات الجيل الضائع، وشعرنا الحديث إلى أين، وغيرها.
(٢) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م من مقال للماركسيّ اللبناني محمد دكروب بعنوان محنة الشعر العربي الحديث في العلاقة بين الشاعر والناقد والقراء: ص ٢٢٠.
[ ١ / ١٥٧ ]
بعد الحداثة يجري استعمالها بورع طقوسي وجهل لكنهها وجوهرها وكيفية تحققها ككلمة الإبداع) (^١).
وقد مر معنا قول حسن حنفي في أنه لا مجال للتحرر والعلمانية إلّا بإبطال العقيدة المثبتة لربوبية اللَّه أو ما يسميه الثنائية التي تقسم العالم إلى خالق ومخلوق (^٢).
وغير مستغرب هذا من رجل يعترف بأنه كافر وأنه ماركسيّ وضعيّ، وذلك في معرض رده على مناقش خشي عليه أن يكون "مؤمنًا" فأجابه قائلًا: (. . . فأنت تعني الإيمان السلفيّ التاريخيّ. . . إلخ والمتوارث عبر التاريخ وهو الشيء الذي تخافه عليّ؛ لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا، وبالتالي فإن القضية بالنسبة لنا هي التحدي. . . وأعتقد أن الأخوة العلمانيين يستعجلون التقدم، إنهم يريدونه إيجابيًا فقط، وأنا أريد أولًا أن أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير، فإذا ما استطعت ذلك عندئذ أسلّم المجتمع العربي إلى الأخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا، ومن ثم أنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب وهم ماركسيون شيوخ هذا تقسيم لأدوار العمل. . . وفي ما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي، فكما بينت لكم، أنا مفكر وضعيّ، أقصد أنا وضعيّ منهجيّ ولست وضعيًا مذهبيًا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل، أضعه بين قوسين. . .) (^٣).
إذن نحن أمام زمرة من الملاحدة الذين يعلنون بتبجح كامل كفرهم باللَّه ربًا وإلهًا وبالإسلام دينًا، وسيلتهم في ذلك التضليل والكذب، ومكابرة الحقائق وجحد البراهين، والتلبيس على أعشار المثقفين، واستجلابهم إلى وهدة الضلال بعبارات الجحود والشك، وزركشات الألفاظ الرنانة والدعاوى العريضة.
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ٤٩.
(٢) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٣٨٨.
(٣) الإسلام والحداثة: ص ٢١٨ - ٢١٩.
[ ١ / ١٥٨ ]
جاؤوا لمحاربة الدين والتراث بدعوى عدم التقليد، فاجتروا الأفكار الأرضية وقلدوها، وتخمرت في عقولهم المستطرقة كل الأحقاد ضد الإسلام وأهله من النصارى واليهود والملاحدة والوثنيين، فالنصرانية يبشر بها الخال وخليل حاوي (^١) وأنسي الحاج وأنطون سعادة (^٢)، وأمّا اليهود فيخدمهم سعيد عقل (^٣) في ملحمة بنت بفتاح، كما قال ذلك خليل حاوي وأنطون سعادة (^٤)، أمّا الملاحدة فقد مر الكثير عنهم في كلام أدونيس وحسن حنفي ونجيب محفوظ وعلاء حامد وغيرهم، أمّا الوثنيون فسيأتي ذكرهم في الفصل الرابع من هذا الباب بإذن اللَّه تعالى، وقد لوثت هذه البصمات الاعتقادية الضالة وجه الثقافة العربية المعاصرة، وصبغت أدبها الحديث
_________________
(١) خليل حاوي حداثيّ لبنانيّ نصرانيّ وجوديّ، حاز على الدكتوراه في الفلسفة، غامض الشعر، أسطوري المنزع، انضم إلى عصابة مجلة شعر، ثم تركهم وواصل في أسلوبه الرمزيّ الضبابيّ الغائم، وقلده مجموعة كبيرة من إمعات الحداثة، له ديوان نهر الرماد وبيادر الجوع والناي والريح وهي مليئة بالمضامين الحداثية المنحرفة، انتحر إثر دخول القوات اليهودية إلى بيروت عام ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٩٦، ورفاق سبقوا: ص ١٧٥ - ٢٢٥.
(٢) أنطون سعادة، ولد سنة ١٣٢٢ هـ/ ١٩٠٤ م لأسرة نصرانية مارونية، درس في البرازيل ونشأ هناك ثم عاد إلى لبنان سنة ١٣٥١ هـ/ ١٩٣٢ م ليعمل مدرسًا في الجامعة الاْمريكية، وأنشأ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، حاول القيام بثورة فقتل سنة ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٦ م، مبشر بالنصرانية والفينيقية، وله أثر كبير في الحداثيين العرب وخاصة عصابة شعر الذين كانوا من أتباع الحزب السوريّ، ولكتابه الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ أعظم التأثير فيهم وفي غيرهم، جعل الأساطير الوثنية محور فكرته وأساس دعوته، وربط الإبداع والنهضة بهذه التصورات وكون لنفسه هالة من التعظيم وخلب عقول أتباعه ومنهم أدونيس، وكان يرى نفسه نبيًا، وكانوا يرون فيه القوة المقدسة والمخلص والبطل والمنقذ. انظر: موسوعة السياسة ١/ ٣٦٤، والموسوعة الميسرة في الأديان: ص ٤٠٩، والحداثة الأولى: ص ١١٩.
(٣) سعيد عقل نصرانيّ لبنانيّ معروف، دعا إلى الفينقية الوثنية واللغة العامية وكتب بها، وحارب العربية الفصحى والتراث العربي، يشابه نزار قباني في الشعوبية والمفردات والألفاظ الجنسية والتكرارية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٩٧، وأسئلة الشعر لمنير العكش: ص ١١ - ٢٢، وقضايا الشعر الحديث: ص ١٢٥.
(٤) انظر: الحداثة الأولى لمحمد جمال باروت: ص ١٧٠.
[ ١ / ١٥٩ ]
بصباغ الانحراف والتضليل، وجعلت الإطار الأصولي لهذا الفكر ردة وابتعادًا عن دين الإسلام الحنيف، فقد سمحوا لكل فكر ومفكر أن يلج من أبوابهم إلّا إذا كان فكرًا مسلمًا، ولشد ما عادوا مصطلح الأدب الإسلامي لمجرد هذا الانتساب، في الوقت الذي فتحوا فيه عقولهم وقلوبهم لجميع الأسماء والانتماءات، الوجودية والسوريالية والواقعية، أمّا الإسلام والإيمان ونعت الأدب به فجرم ثقافيّ خطير، ومما يؤسف له أن بعض الأدباء من المسلمين انسحب في هذا المجرى ورد هذه التسمية بحجج أوهن من بيت العنكبوت ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (^١).
وفي مجال نفي الربوبية، وجحد كون اللَّه تعالى خالقًا مدبرًا يقول أحدهم في تدليس متعمد، واستشهادٍ بهيجل (^٢):
(سفر الهجرات
"الإنسان أجمل ازدهارات الطبيعة"
هيجل) (^٣).
والمعنى نفسه يردده عبد الرحمن المنيف (^٤) فيقول: (. . . طبيعة
_________________
(١) الآية ٤٧ من سورة التوبة.
(٢) هو: جورج وليام فريدريك هيجل، ولد سنة ١١٨٣ هـ/ ١٧٧٠ م، وتوفي سنة ١٢٤٦ هـ/ ١٨٣١ م، من أكبر الفلاسفة الغربيين تأثيرًا في الحياة الغربية، ولا يُمكن عزل الوجودية والماركسية والبرجماتية عن فلسفة هيجل الألمانيّ ذات الأساس الماديّ، حيث كان لا يؤمن بإله، وذلك هو أساس فلسفة الموضوع والنقيض التي طرحها هيغل وأخذها بعد ذلك ماركس وطورها ليصل إلى الإلحاد صراحة. انظر: الموسوعة الفلسفية: ص ٥١١، وموسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٥٦٩.
(٣) غيم لأحلام الملك المخلوع، شعر محمد علي شمس الدين: ص ٣٥.
(٤) عبد الرحمن المنيف من أهل الجبيل، ومن قيادات حزب البعث في العراق، حداثي كبير، بل قدوة للحداثيين المحليين وصاحب أكبر رواية عربية وهي "مدن الملح"، تقلب في العلمانية من البعثية إلى الاشتراكية التي تلقاها في إحدى دول أوروبا الشرقية الشيوعية، وفيها اعتنق الفلسفة الماركسية، ثم استقر أخيرًا في الليبرالية الديمقراطية كما =
[ ١ / ١٦٠ ]
الصحراء تجعل للأسماء أهمية تفوف غيرها، وهذه لم تخلق نتيجة الرغبة أو في لحظة من لحظات الجنون، وإنما خلقتها الطبيعة ذاتها وأعطتها من الأسماء ما يوازي أهميتها أو الصفات التي تحملها) (^١).
ويقول وهو يتحدث عن ثروة البترول على لسان أحد شخصيات روايته: (الصدفة خلقت هذه الثروة والصدفة هي التي دفعتني إلى هنا. . .) (^٢).
ويكرر المعنى نفسه ناسبًا الخلق إلى الطبيعة والصدفة، وهذا يعني بدلالة الالتزام نفي كون اللَّه خالقًا ويعني بدلالة المطابقة نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى يقول: (. . . إن المدن إذا خلت من المعالم التي تجعلها دائمة ومتميزة فإنها لا تستحق التوقف أو الإشارة، لا يهم أن تكون المعالم ما خلقته الطبيعة أو ما صنعه الإنسان) (^٣).
وبالجحود والتفسير الماديّ نفسه يتحدث علاء حامد فيقول في روايته مسافة في عقل رجل: (لماذا خلقنا أجنة فأطفال فشباب فكهول مثلنا مثل الحيوان والنبات والحشرات، ينسج التطور قانونه المحكم على كل صغيرة في حياة الأحياء، مرحلة تلو مرحلة لتعود من جديد إلى نفس المرحلة نقطة البداية) (^٤).
ويقول: (. . . الإنسان ليس سوى مخلوق أرضي جاء نتيجة تطور مذهل في عالم ماديّ عمره ملايين السنين نتيجة تفاعلات كيميائية منذ اللحظة التي انقسمت فيها خلية الأمبيا ليشملها التطور إلى الإنسان أرقى الحيونات) (^٥).
_________________
(١) = في كتابه الأخير الديمقراطية أولًا الديمقراطية دائمًا، لا يرى في الإسلام أي حل واقعيّ عملي للحياة. انظر: رأيهم في الإسلام: ص ١٣ - ٢٢.
(٢) مدن الملح جـ ١ التيه - عبد الرحمن المنيف: ص ٩ - ١٠.
(٣) مدن الملح جـ ٢ الأخدود - عبد الرحمن المنيف: ص ٤٢٥.
(٤) مدن الملح جـ ٣ بادية الظلمات: ص ٢٨٣.
(٥) مسافة في عقل رجل: ص ٩. والصواب فأطفالًا فشبابًا فكهولًا.
(٦) مسافة في عقل رجل: ص ١٢٥.
[ ١ / ١٦١ ]
وهذا ليس سوى ترديد أبله لنظرية داروين، التي أثبت العلم الحديث بكافة فروعه زيفها وبطلانها، غير أن المأخوذين بنظريات الكفر والإلحاد سرعان ما يفرحون بما يظنون علمًا فرح الجعل بدحروجته.
ومن أوائل الحداثيين وطلائعهم بدر شاكر السياب (^١) وقد قال بهذه النظرية في قصيدته مرتبة الآلهة:
(كأن الأميبيّ توأم وهو توأم لها فهو في منجًى من الموت قابع)
ثم قال في الهامش: (الأميبي حيوان ذو حجيرة واحدة، وهو خالد لا يموت لانعدام شخصيته) (^٢).
وعودة إلى هرطقات علاء حامد في نفيه لوجود اللَّه ونسبة الخلق إلى الخلية الواحدة والتمرغ في غبار نظرية دارون، يقول على لسان أحد أشخاص روايته رادًا على من يقول بخلق اللَّه للإنسان والكون: (ورواية الخلق التي تحدثت عنها ليست سوى تدخل مباشر من اللَّه لصنع الإنسان مع أن قانون التطور من الامبيا إلى الإنسان يسد مثل تلك الثغرات وهذا النقص) (^٣).
وإذا كان أتباع الحداثة قد أشربوا في قلوبهم عجل نظرية دارون المادية الإلحادية فإنهم بكل غباوة يعتنقون ما أثبت الغربيون الماديون الذين جاؤوا بعد دارون بطلانه وفساده، في حين أن المخدوعين من أبناء الشرق الضعيف
_________________
(١) بدر شاكر السياب أول من سن الحداثة الشعرية، ولد عام ١٣٤٤ هـ/ ١٩٢٦ م في قرية جيكور جنوب البصرة لأسرة شيعية، تخرج في دار المعلمين ودرس، وتقلب في عدة وظائف، انتمى للحزب الشيوعيّ العراقيّ ثم إلى زمرة الشعراء التموزيين، وعصابة شعر، وشارك في مؤتمر روما الذي أشرف عليه اليهود والمخابرات الأمريكية، أصيب بالشلل ومكث يستجدي زملاءه وأصدقاءه فلم يجيبوه حتى مات في الكويت عام ١٣٨٣ هـ/ ١٩٦٤ م، شعره مليء بالرموز الوثنية، والانحرافات الفكرية والسلوكية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٥٥، والصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٥٢، وكتاب بدر شاكر السياب لإحسان عباس.
(٢) ديوان بدر شاكر السياب: ص ٣٤٩.
(٣) مسافة في عقل رجل: ص ١٢٦ - ١٢٧.
[ ١ / ١٦٢ ]
انبهروا بالنظرية والفلسفة التي أدت إلى ظهورها، وأثرت في تطبيقها بعد ظهورها، وخلب لبهم اسم "العلم التجريبي" فرضخوا للدعاوى الملبسة بهذا الاسم اعتقادًا منهم أنها حقائق نهائية لا مجال لمناقشتها فضلًا عن ردها والاعتراض عليها، وتوقفوا أمام هذا الصنم الكبير بكل خشوع وخضوع، ولم يعلم هؤلاء -أرقاء العقول- أن العلم التجريبيّ ما زال في طفولته رغم الاكتشافات الكثيرة، وما زال يتقدم فيصل إلى أشياء جديدة ويلغي ما كان يعد بالأمس أنه حقائق قاطعة، وأتباع الغرب من الشرقيين لاتصلهم الأنباء إلّا متأخرة، فنظرية دارون كتب عنها بعض أتباعها ما يؤكد أنها مجرد وهم (^١)، حتى قال أحدهم: (إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلّا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يُمكن حتى التفكير فيه) (^٢).
وأثبتت الدراسات والتجارب المخبرية أن هذه النظرية زائفة وغير صحيحة، وخاصة الأبحاث التي تمت من قبل علماء الأحياء والتي قرروا فيها بعد تجارب كثيرة ومتنوعة أن المادة الميتة لا يُمكن أن تتحول ذاتيًا إلى مادة حية، وأن الحي لابد أن يتولد عن حي أو يشتق من حيّ (^٣).
أمّا الأدلة العقلية والبراهين المنطقية الهادمة لهذه النظرية وفروعها فأكثر من أن تحصى، ولكن أتباع الإلحاد لايفقهون، كما قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ
_________________
(١) وهو جوليان هكسلي من علماء الداروينية الحديثة الذي ألف كتابًا بعنوان "الإنسان في العالم الحديث" وفيه أبطل جذور نظرية داروين فيما يخص الإنسان وأثبت أنه متفرد في كل شيء في نشأته وتكوينه. انظر: معجم الفلاسفة: ص ٦٤٩، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٥٠١ - ٥٠٢، والإنسان بين المادية والإسلام لمحمد قطب: ص ٢٠.
(٢) هذا قول سير آرثر كيث وهو من المتمسكين ببعض شعب نظرية النشوء والارتقاء وهو ما يسميه مذهب التطور الذاتيّ. انظر: كواشف زيوف للميداني: ص ٣٢١.
(٣) ممن قرر ذلك ونشره من علماء الأحياء "أغاسيز" والفرنسي الشهير "باستور" الذي تنسب إليه عملية التعقيم للأغذية المسماة "البسترة". انظر: كواشف زيوف: ص ٣٢٥.
[ ١ / ١٦٣ ]
أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^١).