وهذا مما دأب عليه أهل الأدب العربي المعاصر، واجترأوا عليه حتى
_________________
(١) توفيق صايغ حداثيّ فلسطينيّ، ولد لأسرة نصرانية سنة ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٣ م، درس في صغره على يد مبشرة أمريكية، ثم في مدرسة الفنون الأمريكية في صيدا، ثم التحق بالكلية العربية في القدس والتي أنشأها الإنجليز، عاش في بيت له نزعة نصرانية قوية ثم درس في الكلية الأسقفية، ثم حاز على منحة من مؤسسة روكفلر لدراسة الشعر والنقد في جامعة هارفرد، ومنحة أخرى من المجلس الثقافيّ البريطانيّ فدرس في جامعتي أكسفورد وكامبردج، ثم عمل محاضرًا في كامبردج، ثم عاد إلى بيروت ليكون ضمن عصابة مجلة شعر، ثم أنشأ مجلة حوار الممولة والموجهة من المخابرات الأمريكية، ولما انكشفت عمالته أغلق المجلة وغادر إلى أمريكا ليعمل في جامعاتها وبقي هناك إلى أن هلك في ١٣٩٠ هـ/ ١٩٧١ م، له ديوان شعر سقيم العبارة هابط التركيب، سخيف المبنى والمعنى، مليء بالانحرافات الاعتقادية والتجاوزات اللغوية المقصودة. انظر: كتاب توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى، لمحمود شريح، وتاريخ الشعر العربي والحديث: ص ٧٣١.
(٢) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص ٣٠٤.
(٣) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٨.
[ ١ / ١٩٦ ]
أصبح من شبه المسلمات لديهم، فيسمون الإنسان خالقًا وكذلك الشاعر والفنان، ويدعون أن الإبداع خلق ثانٍ للكون.
ومما لا ريب فيه أن من تجرأ على جحد وجود اللَّه ونفي خلقه للكون فإن جرأته على تسمية غير اللَّه خالقًا ونسبة الخلق لغير اللَّه أشد، وهذه من رواسب ذلك الفكر الإلحاديّ الماديّ، وبقية من رعونات التصورات الضالة التي تردى فيها أصحاب الزيغ والهوس الدنيويّ الدهريّ، تحت شعارات براقة خادعة أقاموا عليها المنهج الفكريّ والعمليّ من أمثال حرية الإنسان وإنمائه وتحقيق الذات، والتطور. . . إلخ.
وكأن هذه الأمور لا تتحقق إلّا في سياق ماديّ إلحاديّ قوامه جحد الإله -جلَّ وعلا-، ودعامته الحملة الضارية على الدين ونظمه وما ينبثق عنه من أعراف اجتماعية ومقومات خلقية.
وكما أن الإسلام يقوم على مبدأ التوحيد للَّه تعالى في ذاته وصفاته وألوهيته، فإن الفكر الحداثي يقوم على الضد من ذلك، على التعددية في الربوبية والألوهية، زاعمين أن ذلك هو أساس التقدم والإبداع والحرية، وهذا الذي يسمونه تعددًا هو عين "الشرك" بالمصطلح الشرعيّ الإسلاميّ، والذي هو اعتقاد شريك مع اللَّه تعالى في خلقه وملكه أو في ألوهيته وعبادته.
وإذا كان المشركون الأوائل يتنصلون من وصفهم بالشرك كما أخبر اللَّه تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (^١)، فإننا نجد أن مشركي هذا الزمان يفاخرون بذلك ويعدونه عين التفوق والتقدم، مخادعين أنفسهم وكاذبين على غيرهم مرتكسين في الوثنية صراحة وبدون مواربة أو غطاء، يعدون الوثنية اليونانية والإغريقية المثل الأعلى للحداثة؛ لما تحتويه من "تعددية" حسب تزيينهم وتلبيسهم، وبدلًا من أن يصفوا الوثنيات بالجهل والشرك والتمزق كما هو حالها حقيقة، نراهم يصفونها بالتحديث والامتياز، ويجعلونها أساس حداثتهم، وجذر عقيدتهم، كتب أحدهم تحت عنوان "مقاربة الحداثة": (لم تتجل الحداثة طوال العصور
_________________
(١) الآية ٢٣ من سورة الأنعام.
[ ١ / ١٩٧ ]
السابقة إلّا مرتين في مكانين متقاربين وزمانين متباعدين، المرة الأولى تجلت الحداثة في اليونان القديمة وأطلقنا عليها الحداثة الزراعية وكان ذلك قبل الميلاد بعدة قرون، والمرة الثانية تجلت الحداثة في القارة الأوروبية، وكان ذلك بعد الميلاد بكثير من القرون وأطلقنا عليها الحداثة الصناعية. . .) (^١).
ثم عاد يتحدث عن الحداثة اليونانية قائلًا: (إنهم لأول مرة في التاريخ وقفوا في وجه فوضى الأسطورة، فجعلوا لها منطقًا خاصًا من جهة، ومنحى إنسانيًا من جهة ثانية، كانوا يأتون بالإله الشرقيّ ويجردونه من مظاهر الحيوانية ويعيدون إليه المحيا البشريّ والجسد الإنسانيّ. . . وقد جعلوا العلاقات بين الآلهة كالعلاقات بين البشر تقوم على التآلف والتخالف والتفرقة والتحالف والرضا والغضب، وكما تجد العلاقات بين الناس تجدها بين الآلهة فهم يأكلون ويشربون ويعربدون ويخونون زوجاتهم. . . فإدخال المنطق في الأسطورة فعل حداثيّ كبير جعل دراسة الأساطير لا تختلف عن دراسة الناس ونفسياتهم، والصيغة التي أدت إلى فعل الحداثة هي الصيغة الوثنية القائمة على التعدد والحرية. . . هذا الوضع. . . أدى إلى قيام الصيغة الوثنية التي أسقطت القداسة عن الملوك والآلهة ففتحت بذلك باب حرية الفكر، في حين لم تستكمل الوثنية صيغتها في الشرق. . . وقد ظهرت الوحدانيات الشرقية قبل أن تستكمل الوثنية صيغتها فاعتمدت على المقدس والمدنس في الدرجة الأولى وظهرت قوائم التحريم والتحليل. . .) (^٢).
ثم ينعطف على ذكر الفلسفة الإغريقية فيقول: (لو نظرنا في مذاهبهم الفلسفية والأدبية لتبين لنا أن الصيغة الوثنية هي صيغة تعددية ظهرت فيها كل المذاهب. . . هذا النشاط الذي قام به الإغريق سميناه الحداثة الأولى أو الحداثة الزراعية ومازلنا حتى الآن نلجأ إلى استلهامها ولم نستطع أن نتجاوز الحدود التي وصلت إليها طبعًا في الأدب والمسرح والفلسفة والشعر. . .
_________________
(١) و(^٢) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير ١٩٨٩ م / ١٤٠٩ هـ: ص ٣٢ - ٣٤ من مقال بعنوان "مقاربة الحداثة" لحنا عبود.
[ ١ / ١٩٨ ]
استمرت الحداثة الأولى في فعلها طوال بضعة قرون تقريبًا إلى أن ظهرت الوحدانية المسيحية في الشرق، وما كانت الوحدانية أن تظهر إلّا في المشرق حيث لم تستكمل الوثنية صيغتها ولم تتخذ كامل أبعادها كما لدى الإغريق، وقد تمكنت هذه الوحدانية من التسرب إلى الغرب والانتشار في الطبقات الدنيا من عبيد وجنود وخدم وحراس قصور، حتى أن الامبراطور قسطنطين وجد نفسه يقود جيشًا من الوحدانيين المسيحيين فأعلنها ديانة رسمية، وبذلك تحولت الدولة إلى مؤسسة تخدم وتستخدم الوحدانية المسيحية فتفرضها فرضًا، مما جعل القداسة والدناسة دستورًا واحدًا تحظر مخالفته، ومما جعل الصيغة الوثنية تتراجع تراجعًا شبه نهائي في أواخر القرن الخامس، وحلت محلها الصيغة الوحدانية المسيحية التي دشنت فاتحة العصر الوسيط في حوض البحر المتوسط، عصر سيادة الوحدانيات، وهو العصر الذي بات رمزًا لكل ما هو جامد ومتخلف، ولم تقدم الوحدانية أي مظهر من مظاهر الحداثة، بعد أن عملت على سيادة الإيمانية والتسليمية. . . من أهم مفردات الوحدانية التقديس والتدنيس والتحليل والتحريم وهي مفرزات إيمانية بعد أن تحول التقديس إلى عصمة وتحول التدنيس إلى إدانة، فدخل حوض البحر الأبيض المتوسط في عصر المحظورات والممنوعات المادية والمعنوية) (^١).
ثم يستدرك على نفسه مبينًا أن الوثنية انتشرت من جديد وأنها هي التي ورثت للدنيا العالم الحديث فيقول: (والحقيقة أن الصيغة الوثنية وجدت لها ملجأ في بيزنطة، فكمنت فيها مع ما بقي من آثارها، وقد كان لها نشاط إلى هذه الدرجة أو تلك، ولولا بيزنطة لما كان هناك ما نطلق عليه العالم الحديث فقد احتفظت بالمؤلفات والآثار الوثنية ولكن بيزنطة كانت محاوطة بالوحدانية المتشددة شرقًا وغربًا مما أجهض كل المحاولات الساعية إلى إعادة الصيغة الوثنية) (^٢).
_________________
(١) و(^٢) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٣٢ - ٣٤ من مقال بعنوان "مقاربة الحداثة" لحنا عبود.
[ ١ / ١٩٩ ]
ثم يتحدث عن وحدانية الإسلام ودور المسلمين عند فتحهم للقسطنطينية فيقول: (وظلت الحداثة مغيبة عن حوض البحر الأبيض المتوسط طوال العصور الوسطى، وعندما استطاعت الوحدانية التركية أن تدك حصون القسطنطينية وجهت ضربة أليمة إلى بيزنطة، ولكن بيزنطة المنكوبة قدمت للعالم الأوربي أعظم هدية يعرفها التاريخ وهي مؤلفات اليونان والرومان وتراثهم الوثنيّ الذي حمله علماء بيزنطة المهاجرون إلى الأقطار المجاورة وإيطاليا على وجه الخصوص هربًا من الوحدانية التركية المنتصرة.
ليس غريبًا أن تبدأ النهضة الإيطالية ثم منها الأوربية في أعقاب سقوط القسطنطينية فقد كان التراث اليونانيّ أشبه بلمسة سحرية أيقظت العقول والنفوس، وهنا يُمكن أن نسأل: لماذا لم يستطع التراث الوحدانيّ أن يفعل ما فعل التراث اليونانيّ مع أن الأول أنتج من الآثار الشيء الكثير؟) (^١).
ثم يجيب على هذا السؤال بقوله: (إن كل الدعوة الوحدانية المسيحية تنحصر في تحرير الجسد وتلبية مطالبه ولكن في عالم غير هذا العالم الذي ختمت عليه بالإدانة وبأنه عالم الفساد والشرور، وأن على الإنسان أن يتألم ويزهد في هذا العالم ليحيا في العالم الآخر حياة النعمة. . . فالوحدانية تتناقض كل التناقض مع الحرية، إن وحدانيتها تحول دون تحقيق وعودها فلا حرية مع الوحدانية. . . لذلك نجد النهضة الأوربية حاولت إعادة الصيغة الوثنية التعددية، فقد وجدت فيها التعبير الأكمل لحرية الإنسان فكرًا وجسدًا وهنا تبدأ الحداثة الثانية. . .، ويُمكن تلخيص مطالب الحداثة الصناعية بمطلب واحد هو تحرير الإنسان ليس فقط من الوحدانية بل أيضًا من المشاريع الكبرى التي تبين أنها مشاريع ساحقة للإنسان. . . وقد كانت الدعوة إلى الصيغة الوثنية واضحة كل الوضوح لدى رجال النهضة. . . إن الظروف الصناعية عدلت الكثير من الصيغة الوثنية للحداثة الزراعية ولكنها أبقت على نواتها الأساسية، أمّا النواة الأساسية التي أبقت عليها فهي إسقاط
_________________
(١) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٣٢ - ٣٤ من مقال بعنوان "مقاربة الحداثة" لحنا عبود. وانظر له أبشع من هذا الكلام وأخطر في كتابه "الحداثة عبر التاريخ مدخل إلى نظرية": ص ١٩٦ - ٢٠١.
[ ١ / ٢٠٠ ]
القداسة عن كل شيء، لم يعد هناك شيء خالد قدسيّ أبديّ لا في عالم الفكر ولا في عالم المادة. . .
وعلى هذا يُمكن القول: أن الحداثة الصناعية أو الحداثة المعاصرة هي محاولة استعادة الصيغة الوثنية للحداثة الزراعية. . . أمّا القاسم المشترك فهو إسقاط القداسة عن كل شيء فلا العروض ولا القوافي والأوزان والإيقاعات والكلمات والتصريحات، ولا العقائد والأفكار والمذاهب والآراء والعادات والتقاليد والطقوس والممارسات، ولا الأحزاب والكتل والفئات والمجموعات والأفراد، ولا الأنظمة والقوانين والدساتير، ولا المكان والزمان والشهور تحظى بأي قدسية. . .
ومن هنا كان تشديدنا وتأكيدنا أن الحداثة ليست مذهبًا أو عقيدة أو مدرسة واحدة، ولا يُمكن أن تنحصر في مذهب أو عقيدة أو مدرسة، الحداثة هي الوضع المناقض تمامًا للوحدانية، أي وحدانية أدبية كانت أو غير أدبية، عقائدية أو غير عقائدية. . .) (^١).
وقد نقلت هذا الكلام بطوله لأهميته في تصور الحداثة ومعرفتها على وجه الحقيقة، بعيدًا عن شبهة المعاداة لها أو التحامل عليها كما يدعي المنبهرون بالحداثة والمتعلقون برموزها، ويتضمن هذا النص عدة أمور حقيقية وعدة مغالطات، وهي:
١ - ربط الحداثة الفكرية بالحداثة الزراعية والصناعية في العهدين القديم والحديث مغالطة واضحة، وافتئات على الحقيقة، ومراده الرفع من شأن الحداثة وجعلها أساس كل تقدم وازدهار، وهذه مجازفة ادعائية وكذب صريح فإن جهد الإنسانية في هذا المجال مشترك، والجهد البشريّ في الإنتاج الماديّ غير خاضع للعقائد والديانات (^٢) بقدر خضوعه لإرادة دنيوية
_________________
(١) المصدر السابق نفسه.
(٢) المراد هنا أصل النشاط الإنساني والانتاجية، أما ما يصحب ذلك من بركة أو محق، وما يثمره ذلك الإنتاج من خير أو ضر، وسعادة أو شقاوة؛ فهو رهن الإيمان كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
[ ١ / ٢٠١ ]
كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ (^١)، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ (^٢).
٢ - المزج بين الحداثة الإنتاجية والحداثة الفكرية مغالطة أخرى طالما كررها أتباع الحداثة وجعلوا ذلك ذريعة للوصول إلى مآربهم غشًا وتدليسًا، فإنه قد يوجد الإنتاج من مؤمن وكافر، وليس من شرطه لا عقلًا ولا واقعًا أنه لايصدر إلّا من كافر ملحد (بل قامت حضارة القرن العشرين في العلوم التطبيقية وفي العلوم البحتة على أكتاف متدينين -غير ملحدين- من المسيحيين واليهود) (^٣).
٣ - جعله تعدد الآلهة والأرباب كما كانت عليه الوثنية اليونانية سببًا في التقدم والتحرر، وهذه مغالطة، فإن الإنسان مفطور على التعبد لشيء والخضوع لإله مّا، وهؤلاء الوثنيون الذين يشيد بتعدد آلهتهم ليسوا في الحقيقة إلّا قطيعًا من الأنعام أو الأناسيّ المرضى في عقولهم، فإنهم عوضًا عن التعبد لإله واحد أحد فرد صمد، تشعبت عبودياتهم وانفصمت عقولهم ونفسياتهم، وتناقضت حياتهم كما هو معروف من سيرهم وفلسفاتهم؛ وذلك لتناقض الأرباب التي اتخذوها من دون اللَّه ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (^٤).
٤ - قوله بأن اليونان جعلوا العلاقات مع أربابهم وآلهتهم مثل العلاقة بين البشر، هذه حقيقة، ولكنه أراد أن يخلص منها إلى الاقتداء بجهالات أهل الجاهلية ووثنيات أهل الخرافة فنعامل الإله الحق العظيم -﷾- معاملة الملاحدة لأوثانهم التي ابتكروها من عند أنفسهم، وشتان بين من يتعجد لرب مالك متصرف إله عظيم تشهد بوجوده ووحدانيته وألوهيته كل الحقائق العقلية والحسية
_________________
(١) الآية ١٨ من سورة الإسراء.
(٢) الآية ٢٠ من سورة الشورى.
(٣) لن تلحد، لأبي عبد الرحمن بن عقيل: ص ٢١٢، وكان الأولى أن يقول: نصارى كما سماهم القرآن بدلًا من نسبتهم إلى المسيح ﵊.
(٤) الآية ٢٩ من سورة الزمر.
[ ١ / ٢٠٢ ]
والتجريبية، ومن يتعبد لإله اخترعه من عقله الكاسد وذهنه الفاسد.
٥ - قوله بأن المنطق دخل الأسطورة وحولها إلى فعل حداثيّ، هذه حقيقة من حيث وصف محاولة اليونان إضفاء المنطق والعقل على وثنياتهم وجاهلياتهم لتسويغها وتبريرها، أمّا كون المنطق العقلي السليم يتفق مع الأساطير والأرباب، فهذا باطل وكذب فكري صريح.
٦ - قوله بأن الصيغة الوثنية أسقطت القداسة عن الملوك والآلهة ففتحت بذلك باب حرية الفكر عكس الحقيقة، فقد كان اليونان يقدسون أربابهم المتخذة من دون اللَّه ويؤلهونها ويخضعون لسلطانها وكانوا أرقاء لهذه الآلهة.
٧ - يحتوي كلامه تمجيدًا وإطراءً للوثنيات المختلفة، وذمًا وتدنيسًا للتوحيد، وهذا من مقتضيات فكره الوثني الإلحاديّ، ومن لوازم الكفر الماديّ الحداثيّ الذي يريد نصرته وإيجاد الأرضية القبلية له.
٨ - قوله بظهور الوحدانيات في الشرق إثر الوثنيات التي كانت موجودة في اليونان قول مخالف للحقيقة؛ فإن الإنسان الأول آدم ﵊ وذريته كانوا مؤمنين موحدين ثم طرأ الكفر على أجيال لاحقة، ثم تتالت الأنبياء بدعوات التوحيد، وكلما انحرفت البشرية وتمادت في الغواية بعث اللَّه لها رسولًا يعيدها إلى توحيد اللَّه، فالوثنية طارئة والتوحيد هو الأصل في البشرية.
٩ - قوله بتأثير التعددية الوثنية "الشرك" في الفلسفات اليونانية حق.
١٠ - قوله بأن الحداثة الثانية ويقصد المعاصرة ما زالت تستلهم التعددية الوثنية اليونانية حق، وهذا هو محور الاهتمام والصراع والمعارك المتجددة بين الإسلام والحداثة، وهذا القول شهادة كبرى من أحد رواد الحداثة على أن الحداثة المعاصرة في عقيدتها وفكرها جاهلية وثنية ذات امتداد وثني وجذور إلحادية وأعماق كفرية منحرفة.
١١ - الزعم بأن كل وثنيّ هو تعدديّ تحرريّ منفتح، وكل وحدانية فهي ركود وجمود وتخلف، مغالطة وتوثب واجتراء على معاكسة الحقائق، وتعميم يحتوي من البطلان على قدر عموميته؛ لأن في حقائق التاريخ
[ ١ / ٢٠٣ ]
ومعايير الأخلاق وبراهين العقول ما يثقل كاهل هذا المغالط إذا كان يريد أن يتكلم ببرهان وليس بالدعاوى العريضة، ومن يطلع على تاريخ البشرية وتاريخ الأديان يجد أن الإنسان كلما قرب من الدين الحق كانت معاني الرقي العقليّ والخلقيّ فيه أكبر وأظهر، وكلما ارتكس في الوثنية والإلحاد كلما انعدمت فيه المعاني الراقية وأخلد إلى الأرض يتبع هواه ويسير على عمى وضلال، وليس دليلًا أظهر على هذا من حال الغربيين اليوم، فهم على ما وصلوا إليه من تقدم ماديّ محسوس، إلّا أنهم انحدروا في أخلاقهم وعقائدهم ونظم حياتهم إلى أهبط المستويات باعترافهم هم (^١).
١٢ - تسمية الإسلام بالوحدانية التركية مغالطة دليل مفضوحة فإنه يستحيل -بيقين- أن تند عن ذهن هذا الكاتب الذي يتظاهر بالعلم والمعرفة والفلسفة أن يعلم أن الأتراك الذين فتحوا القسطنطينية كانوا مسلمين موحدين معتزين بذلك منتمين إليه فوق كل انتماء، وجهادهم لفتح القسطنطينية كان بالإسلام وللإسلام وليس للعرق التركي أو غيره.
١٣ - وصفه الحياة الغربية المعاصرة أو ما أسماه بالنهضة الأوروبية، بالوثنية والارتباط بالوثنية اليونانية، وأن الدعوة إلى الصيغة الوثنية واضحة كل الوضوح لدى رجال النهضة، هذا صحيح في مجمله وينقصه أن التصور الوثنيّ اليونانيّ ضارعه عند الغربيين التصور النصرانيّ والمشروع اليهوديّ.
١٤ - قوله بأن النواة الأساسية للحداثة المعاصرة إسقاط القداسة عن كل شيء، هذا صحيح وواقع.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: رواية ضياع في سوهو لكولن ولسن، وله أيضًا سقوط الحضارة: ص ٦، وص ٩، وص ١٠، وص ١٤، وص ٢٥، وص ٢٧، وص ٢٩، وص ٣٥، وص ٤٢، وص ٦١، وص ٦٤، وص ٦٧، وص ١٥٢، وغيرها كثير. وانظر له أيضًا: كتابه "رحلة نحو البداية" مليء بالشواهد في هذا الموضوع، وانظر: رواية "أنا" وهو للبرتو مورافيا، و"العجوز والبحر" لأرنست همنغواي، و"جولة في عالم التيه والضياع" لنجيب عبد اللَّه الرفاعي. وسيأتي في الفصل المختص بالأخلاق شواهد من هذه الكتب وغيرها.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وخلاصه القول في كل ما سبق: إن قضية نسبة الخلق إلى غير اللَّه وتسمية غير اللَّه خالقًا ما هو إلّا اقتباس من الوثنيات اليونانية الإغريقية، التي قامت على تعدد الأرباب، وهؤلاء الذين يزعمون الانعتاق من التقليدية والنمطية والماضوية "حسب تعبيراتهم" نجدهم بكل صراحة يرتمون في تقليد الهوس الوثنيّ والخبال الأسطوريّ، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم قد قطعوا شوطًا في التقدم والارتقاء، وذلك بـ (إحلال التنوع والتمايز مكان الواحدية وإحلال المتغيرات مكان الثوابت وفك الاشتباك بين الطبقات والمؤسسات والعقائد) (^١).
فلا غرابة حينئذٍ أن تجد هؤلاء التلاميذ البررة للفكر الغربىّ يرددون مقولات أساتذتهم وينقلونها نقلًا مترجمًا إلى لغة العرب.
ومن هذا المنطلق تجدهم يحاربون الوحدانية ويشيدون بالوثنية ويعتبرون اعتقاد التوحيد والوحدانية في خلق العالم وفي نظام الحياة سببًا للتردي والضعف والخمول والرجعية، ويعدون التعدد الإلهيّ الوثنيّ سببًا للتقدم والازدهار (^٢).
وعلى هذه القاعدة الإلحادية الجوفاء سار الحداثيون في التنظير والممارسة، وسوف أسرد فيما يلي بعض الشواهد على هذه القضية:
ولتكن البداية مع كاهن الحداثة "أدونيس" القائل في وصف ثورة أهل الهدم الحداثيّ:
(بلى في بلادي خالقون
وساع كآفاقها الواسعة
نقيون كالشمس في عريها
فتيون كالأنجم الطالعة. . .
_________________
(١) مجلة الناقد، عدد ٩، مارس ١٩٨٩ م/ الموافق ٥/ ٨/ ١٤٠٥ هـ: ص ١٧.
(٢) انظر في هذا: حداثة السؤال، لمحمد بنيس: ص ٤٤، ٦٤.
[ ١ / ٢٠٥ ]
بلى في بلادي أنا خالقون
بنبض شرايينها عمروها
محو عثمة اليأس واليائسين بأجفانهم
بفرحتهم لامتلاك الوجود بأحزانهم
هنا دفقوا دمهم في الزمان
هنا اختصروا عمرهم في ثواني
هنا ملأوا كل شيء يقينا) (^١).
هذه الكلمات من ضمن مقطع أطلق عليه اسم "الفراغ" يتحدث فيه عن أرض المسلمين أرض العرب بتهكم وازدراء ويصفها بالتخلف والرجعية ويرمز لذلك (بالشبح والسراب والرمل واليبس والدكنة والمحل والملل والمقابر والأنين والمجازر والحقد والصقيع) (^٢)، ثم يتحدث عن ماضي المسلمين دينًا وتاريخًا فيرسل سيل شتائمه المكرورة (فالدين أساطير مغلقة، وأجفان مخيطة بالغبار، وأص المسلمين فراغ وانطفاء وضياع، أحرق البلدان وبذر بذور الموت وخرب الأعمار) (^٣)، فانحطت البلاد في فراغ وتلويث ويأس، ثم يسأل أسئلة المستنكر:
(لمن جيلنا يحرق البخور لمن يسجد
وأي إله ترى يعبد؟
لمن ينتمي ويشد يديه اعتدادا
ويحيا له صحة وجهادا) (^٤).
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ١٢٩.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ١٣٠.
(٤) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٣٢.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وهي لهجة استنكار على أن الجيل المعاصر ما زال رغم المحاولات المارقة لأدونيس وأضرابه يسجد ويعبد اللَّه تعالى.
ثم ينادي بثورة حداثية عارمة ضد هذا:
(فراغ فراغ ألا ثورة
تشيد لنا بيتنا
وتجري معاصرها زيتنا
وتملأ بالحاصدين الحقولا
وتملأ بالخلق بالثورة العقولا
ألا ثورة في الصميم تنشئنا من جديد
وتمحق فينا هوان العبيد؟) (^١).
ثم يتحدث عن هذه الثورة وأعمالها وأوصافها وأوصاف القائمين بها، والمقصود بها الثورة الحداثية القائمة على الإلحاد والانحراف، ووصف الثورة بالخلق ووصف أتباعها بالخالقين وامتلاك الوجود، وقدرتهم على أن يملأوا كل شيء يقينا!!.
وكيف يرجى من النار بارد الماء؟، وكيف يطلب من حفرة الحش ماء طهورًا؟، وكيف يرجى من ثوار الحداثة المرتابين المنحرفين أن يملأوا كل شيء يقينا؟.
وهذه الكلمات التي غصت بالمديح والخطابية والثناء المفرد للحداثة، والهجاء المقذع لما سواها والتوقعات الكثيرة والآمال الكبيرة للحداثة وأهلها، وهي قضايا طالما انتقدها الحداثيون في الشعر القديم، غير أنهم إذا لزم الأمر تجردوا من مبادئهم وارتدوا ثياب غيرهم التي ما انفكوا ينتقدونها في كل مناسبة، ثم يختم أدونيس هذا المقطع بدعوى انتفاشية صارخة فيقول:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٣٣.
[ ١ / ٢٠٧ ]
(بلى في بلادي لكل الزمان لكل المصير اكتناه
وإن شوهوه
وفيها لخلق لصيرورة الحياة إله
وإن أنكروه. . .) (^١).
هنا مربط الحداثة الفكريّ: تأليهها ووصفها بالقدرة الخارقة على الخلق ليس للحياة فحسب بل ولخلق صيرورة الحياة ومستقبلها؛ وذلك لكونها "إله" وإن أنكره المنكرون، إنها ديانة وثنية يتعبد لها هؤلاء، وإله الحداثة الخالق -بزعمهم- للحياة وصيرورتها إله موجود لا يضره إنكار المنكرين له.
وفي الحقيقة أن أدونيس لم يتجاوز الحقيقة في وصفه "للملة الحداثية" ولم يخطئ حين بين أنهم عبيد لهذا الإله المزعوم "إله الثورة الحداثية"، ولا عجب من إقراره بهذا الواقع بل العجب من إنكار بعض الناس هذه الحقيقة واستماتتهم في الدفاع عن هذه "الملة"!!.
وفي مقطع آخر بعنوان "الثائر" يكرر أدونيس نفس المعاني، ممتدحًا ومبجلًا وغارقًا في ألفاظ الفخر والمديح أشد ما يكون الغرق وهو الذي طالما انتقد أغراض الشعر القديم، يقول أدونيس:
(زندك المتعب يجري نهرًا يرفع بيتًا
وهو في قنديلنا الشاحب يسّاقط زيتًا
هاهنا يسبح غيمة
وتعاريش وخيمة
أنت صليت عليها وانحنيت:
زند يا متعب يا خالق من أين أتيت؟) (^٢).
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٣٦.
(٢) المصدر نفسه ١/ ١٤٧ - ١٤٨.
[ ١ / ٢٠٨ ]
فهو لم يكتف أن أضحى "الثائر الحداثي" عنده رمزًا للحياة والمجد والبقاء والضياء، بل تجاوز قدر كل هذه المدائح الفارغة ليصبح خالقًا ويناديه في عبودية خاضعة وابتهاج طفوليّ بقوله: (يا خالق) وهو الذي سبق له أن صلى وانحنى للغيمة والخيمة، هذه الطقوس الحداثية الجديدة مجال التقديس والإجلال العباديّ.
كل هذا يؤكد أن هذا الاتجاه الذي يحاول أدونيس غرسه في دروب المسلمين ليس إلّا نحلة وثنية جديدة تتستر بالتحديث والتجديد ودعاوى التقدم والحضارة، إلّا أن ألفاظ ومصطلحات التعبد والتأله ولوازم التدين الوثني تأبى إلّا أن تبرز حقيقة هؤلاء.
ومن هذه اللوازم أنه يتصور نفسه وهو يبشر بدينه الحداثيّ يعيش في غربة وحصار وتفرد، متشبهًا في ذلك بأصحاب العقائد والأديان الذين يعيشون المشاعر نفسها ويصورون معاناة الغربة ويأخذون منها زادًا معنويًا لاستمرارهم.
أدونيس يتمثل هذه المعاناة وهو يقوم بدور الداعية الإلحاديّ الوثنيّ فيقول تحت عنوان "نشيد الغربة" مخاطبًا "فينيق (^١) ":
(غربتك التي تميتُ غربتي
غربتك التي تحب تنتشي
غربتك التي تموت هلعًا لغيرها
غربتك التي تموت ولعًا بغيرها
_________________
(١) فينيق طائر أسطوريّ موطنه بعلبك، تقول الأكذوبة بأنه يحترق كلما أدركه الهرم، لينبعث فتيًا من رماده، ومن هنا أخذ الحداثيون هذه الأسطورة وطاروا بها اعتزازًا وانتماءً، والفينقيون قوم يتكلمون السامية سكنوا الشاطئ الشرقيّ من البحر المتوسط، واستقروا في فينيقيا وكانت أكبر مدنهم صور وصيدًا، وكانت لهم ثقافة وفلسفة ونظام دولة، ويعود الأوروبيون اليوم بجذورهم الفكرية والفلسفية إلى هؤلاء. انظر: الموسوعة العربية ٢/ ١٣٥٦، والديانات والعقائد ١/ ٢٢٦، والحداثة الأولى: ص ١٤٨ - ١٥٢.
[ ١ / ٢٠٩ ]
غربتك الوحيد فيها غربتي
غربة كل خالق يحترق
يولد فيها الأفق) (^١).
يصف الغربة التي يعيشها "فينيق" والتي يعيشها السائر على دربه "أدونيس" بأنواع من الأوصاف ذات الأبعاد الدينية، ثم يضفي على فينيق وعلى نفسه صفة الخلق ويشبهه ويشبه نفسه بالخالق ولكن في صورة تدنيسية "غربة كل خالق يحترق" وفي مضمون وثني بحت يقوم على التصورات الإغريقية الوثنية البدائية.
وإذا كنت أقول بأن أدونيس يمارس ديانة إلحادية يبذل جهده من أجل نشرها وتوزيع أفكارها على الناس، وعلى المسلمين خاصة، فإن هذا القول ليس مجرد دعوى أو رمي بالظنون، بل هو ما تثبته كتابات أدونيس النثرية والشعرية، وقد سبق في هذا البحث ذكر مقاطع عديدة تدل بوضوح على هذا الذي قلناه، وسوف يأتي -إن شاء اللَّه- من الدلائل ما يؤكد هذا المعنى.
بيد أنه من المناسب أن أذكر هنا كلمات لأدونيس فيها تلخيص لعقيدته وموجز لملته التي يدعو إليها ويدور فكره وشعره ونثره حولها، قال:
(أسير في الدرب التي توصلُ اللَّه.
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله) (^٢).
وإذا سأل سائل عن هذا البديل الذي يريده "أدونيس" فإنه يجد الجواب واضحًا في الخليط الاعتقاديّ الذي يرتكز على الكفر باللَّه ورسله ودينه وشرعه.
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٠٥.
[ ١ / ٢١٠ ]
فلا تناقض عنده أن يكون إغريقيًا نصرانيًا باطنيًا شيوعيًا سورياليًا ليبراليًا ما دامت كل هذه المذاهب في صف آخر غير صف الحق والدين القويم، ولا ضير عنده أن يجحد وجود اللَّه وربويته، لينتسب إلى جاهلية الحداثة التي يؤله من خلالها غير اللَّه تعالى وينسب إلى غيره الخلق والتصرف، وينطرح عبدًا يؤدي طقوس العبادة لآلهة وأرباب غير اللَّه تعالى.
نقرأ له وهو يمارس الترتيل التعبديّ لفينيق ويصفه بالخلق، وسواء أراد بهذا فينيق الوثن الإغريقيّ، أو أراد به المرموز عنه: "الثائر، الرافض، الحداثيّ، العلمانيّ" فإن الأمر لا يختلف كثيرًا من حيث أن كلا المرادين انحراف وضلال.
يقول في مقطوعة بعنوان "ترتيلة البعث":
(فينيق فينيق
يا طائر الحنين والحريق
يا ريشة
ساحبة وراءها الظلام والبريق
مسافر خطاك عمر زهرة
لفتتك انخطافة وناظراك منجم
مسافر زمانك الغد الذي خلقته
زمانك الغد الحضور السرمديّ في الغد
لموعد:
به تصير خالقًا، به تصير طينة
تتحد السماء فيك والثرى. . .) (^١).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٦٥.
[ ١ / ٢١١ ]
وينتقل أدونيس من وصف فينيق أو مثاله المعاصر بالخلق إلى وصف زوجته بذلك فيقول:
(أسأل ماذا أُنشد
لزوجتي، لهذه الوالهة الخالقة الحب على مثالها) (^١).
أمّا إذا تحول إلى مهيار فإنه ينغمس في مديح وتمجيد غير معهودين حتى عند شعراء البلاط المستجدين بشعرهم، بل إنه يستغرق في ثناء عبوديّ صوفيّ وتهالك منقطع النظير، ففي مقطع بعنوان "البربريّ القديس" يقول:
(ذاك مهيار قديسك البربريّ
يا بلاد الرؤى والحنين
حامل جبهتي لابس شفتي
ضد هذا الزمان الصغير على التائهين
ذاك مهيار قديسك البربريّ
تحت أظفاره دم وإله
إنه الخالق الشقيّ. . .) (^٢).
ومهيار هو القناع الحداثيّ لأدونيس الباطنيّ وأفكاره وعقائده الوثنية، فهو المراد بالقول السابق وهو المراد بقوله: (أحمل هاويتي وأمشي أطمس الدروب التي تتناهى، أفتح الدروب الطويلة كالهواء والتراب - خالقًا من خطواتي أعداءً لي، أعداءً في مستواي، وسادتي الهاوية والخرائب شفيعتي. . .
ولا شريان عندي لهذا العصر - إنني مبعثر ولا شيء
يجمعني.
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٠٢.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٢٧٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
أخلق شهوة كلمات التنين. . . .
إنني نبي وشكاك. . .
إنني حجة ضد العصر. . .) (^١).
ويقول ممتدحًا نفسه ومفتخرًا بمبادئه:
(أفتح بابًا على الأرض أشغل نار الحضور
في الغيوم التي تتعاكس أو تتوالى
في المحيط وأمواجه العاشقة
في الجبال وغاباتها، في الصخور
خالقًا لليالي الحبالى
وطنًا من رماد الجذور
من حقول الأغاني من الرعد والصاعقة
حارقًا مومياء العصور) (^٢).
إنه لون جديد وتعبير معاصر يماثل التعبير الجاهلي القديم القائل: "لنا العُزى ولا عُرى لكم" (^٣)، افتخار بالباطل والإثم والضلال، حين يرمز لها "بالباب والنار والحضور والغيوم والليالي الحبالى والحقول" ومضادة للخير والحق والفضيلة حين يرمز لها "بالرماد ومومياء العصور".
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٩٦.
(٣) من أقوال أبي سفيان بن حرب لما كان قائدًا للمشركين في أحد، وقد أمر النبي -ﷺ- أن يجيبه المسلمون فقال: "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم". أخرجه البخاري ٧/ ٢٦٩، ٢٧٢ في كتاب المغازي، باب: إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وباب: غزوة أحد، وفي كتاب الجهاد، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٩٣ من حديث البراء ﵁ ١/ ٢٨٧ و٤٦٣ من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٢١٣ ]
وينتقل أدونيس إلى حقل التفلسف التمرديّ، فيخاطب الأرض على أنها خلقت في سبعة أيام ثم أنها قامت بخلق غيرها من الموج والأفق، وقد يُظن لأول وهلة أن أدونيس لا يجحد أن اللَّه هو الخالق للأرض، فعلى ما في قوله من كذب في زعمه أن خلق الأرض تم في سبعة أيام أضاف بأن هذا القول كله لغز وأحجية وليس من الحقيقة في شيء، كل هذا في قوله تحت عنوان "الأيام السبعة":
(أيها الأمة التي تسخر
من حبي ومقتي
أنت في سبعة أيام خُلقت
فخلقت الموج والأفق
وريش الأغنية
وأنا أيامي السبعة جرح وغراب
فلماذا الأحجية
وأنا مثلك ريح وتراب) (^١).
ونتيجة ذلك أنه يخلق مثلما الأرض خلقت غيرها -حسب قوله- وقد صرح بهذا في مقطع واضح الدلالة بعتوان "أخلق أرضًا" حيث يقول:
(أخلق أرضًا تثور معي وتخون
أخلق أرضًا تحسستها بعروقي
ورسمت سماواتها برعدي
وزينتها ببروقي
حدها صاعق وموج
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٩٧.
[ ١ / ٢١٤ ]
وراياتها الجفون) (^١).
فكما هو الواضح في هذا القول الرديء أنه ينسب إلى غير اللَّه الخلق وينعت نفسه بالخلق، ولا يغيب عن البال أنه لا يريد الخلق الإنشائي للأرض فذلك مما يعجز عنه أهل الأرض جميعًا ولكنه يقصد بخلق الأرض إنشاء أرض جديدة وأناس جديدون يثورون على ماضيهم ويهدمون تراثهم ويحرقون تاريخهم وينقلبون على كل معاني الحق والهدى والرشاد، لينتج بهم وبأفكارهم أرضًا جديدة تقوم على الإلحاد باللَّه والشرك به والجحد بالنبوة والمعاد.
وأيًّا كان الأمر في ظاهر اللفظ أو مقصده فإن الذي يهمنا في هذا الصدد أن أدونيس استخدم عبارة الخلق استخدامًا منحرفًا كان له أثره البالغ على أتباع الحدائة حتى استهانوا بصفة "الخلق" واسم "الخالق" ودنسوها باستعمالاتهم الباطلة.
وفي موطن آخر يتطاول الباطنيّ على مقام الربوبية فيقول: (أخلق للريح صدرًا وخاصرة وأسند قامتي عليها، أخلق وجهًا للرفض وأقارن بينه وبين وجهي. . .، كالهواء أنا لا شرائع لي -أخلق مناخًا تتقاطع فيه الجحيم والجنة أخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباق وفي رهان. . . أطلق سراح الأرض وأسجن السماء. . .) (^٢).
هذا الهراء الذي كتبه أدونيس نثرًا وبقي هكذا عنده وعند أتباعه ثم طرأ له بعد عام ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٥ م أن يعتبره شعرًا (^٣)، فصار شعرًا عنده وعند المقلدين له!!.
وهذا نفسه حصل في موضع آخر من "الأعمال الشعرية الكاملة" في مقطع بعنوان "تحولات العاشق" حيث اعتبرها مزيجًا من الشعر والنثر مع غلبة
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٤٣.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٤٠٥.
(٣) انظر: المصدر نفسه ١/ ٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
النثر (^١)، وهذا المقطع عبارة عن أوصاف جنسية، وتفاصيل للعملية الجنسية، ورموز جنسية عن عورات الرجال والنساء، وأوصاف لجسد المرأة واعتبارها مجرد متعة وموضع لتفريغ الطاقة الجنسية، وهذه هي حقيقة الدعوة التحررية التي ينادي بها العلمانيون والحداثيون، وفي هذا المقطع الجنسيّ يقول:
(يا امرأة
كما خلقتك اشتهيني
كما شئتك انسكبت فيّ
تدخلين في إيقاعي
تدهنين ثدييك بكلماتي وتغرقين في قرارة الحب) (^٢).
ولا يحتاج أدونيس إلى تبرير أو تفسير أقواله هذه وأشباهها؛ لأنه تجاوز حد النقد بما وضعه من قواعد وأصول تقوم على اعتبار أن الإبداع فوق المناقشة والمحاكمة.
ولذلك نجده في أحد المقاطع يعود إلى جذوره الاعتقادية الوثنية، إلى "بابل" الوثنية مريدًا إحياءها وإنعاشها وبث روح الحياة في عظامها النخرة، وما من شيء يدعوه لذلك وهو الذي يتبرأ من العقائد كل العقائد كما يزعم ويتخلص من كل الثوابت كما يدعي.
والتفسير الوحيد لهذا أنه لما تصدى لمشروع كبير اسمه الحداثة وجد أن في طريقه عوائق تعترض قدرته على ترسيخ هذا المشروع ونشره، وأضخم وأثبت هذه العوائق هو الإسلام العظيم، فلجأ إلى نقائضه الوثنية القديمة والحديثة لعله يستطيع أن يتقوى بها، ولكنه كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ
_________________
(١) انظر: المصدر نفسه ١/ ٧.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٥٢٥.
[ ١ / ٢١٦ ]
أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (^١).
والمقطع الذي أشرت إليه هو قوله:
(لا أعطي لغتي إلا للجذر، وعادة صوتي
أن يتبطن شمس الرغبة - بابل، عادة صوتي
أن يخلق بابل كي يتغير هذا الزمن
أن يخلق بابل كي يتبرأ هذا الوطن
أخلق بابل في الأجناس وفي الأنواع وأخلق بابل في
الصلوات وفي الشهوات وأخلق بابل في الأرحام
وفي الأكفان، وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق
وأخلق بابل في الأصوات وفي الأسماء وفي الأشياء
وأظل اللهب الضارب في الأشياء
خارج هذا الورق الرملي أدشن أنحائي. . .) (^٢).
ويعتز أدونيس بموقعه ومشاريعه الإلحادية، ويفتخر بأتباعه الذين ينظرون إليه باعتباره "خالقًا" فيقول:
(أجمل ما تكون أن تخلخل المدى. . .
والآخرون - بعضهم يرى إليك زبدًا
وبعضهم يرى إليك خالقًا. . .) (^٣).
_________________
(١) الآيات ٤١ - ٤٣ من سورة العنكبوت.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٣٥٩.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ٤٥٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
لا غرو أن يكون أدونيس بهذا الشعور المتعالي وهو يرى أن التابعين له ينظرون إليه بهذه النظرة التقديسية الهائلة التي ما كان يحلم بها (^١).
ولما استخف أتباعه فأطاعوه اعتلى به غروره وكبرياؤه فأعلن على رؤوسهم:
(أنا العالم مكتوبًا
وأهدابي تهيمن على الأرض
هكذا
أخرج قصائدي من طين خطواتي
أرجم الزمن بأحوالي
وأصرخ: أنا المعنى) (^٢).
ويخضع الأتباع في إذعان ومحاكاة صنمية عمياء على نحو ما قررته خالدة سعيد في مقالة لها عن أدونيس تتحدث فيها عن الشعراء الشباب قائلة: (. . . إنهم يكملون ما بدأه أدونيس، إنهم الباحثون عن الذات المستقبلية)، وتقسم الشعراء إلى فئتين: (فئة الذين يسقطون في لغة أدونيس ويصرّفون عبرها شوقهم الخاص، يضيعون صوتهم الخاص، وفئة الذين يحاورون أدونيس) (^٣).
ويصف أحد نقاد الحداثة هذه السوق الحداثية الأدونيسية بأنها (ساحة محكومة كسوها بقوانين عرض وطلب، وسوق تعامل ورساميل رمزية أو غير
_________________
(١) انظر على سبيل المثال كتاب "مسار التحولات قراءة في شعر أدونيس" لأسيمة درويش: ص ١٥ - ٢٠، وبقية الكتاب في تبجيل أدونيس وإعلاء شأنه بصورة مباشرة أحيانًا وغير مباشرة في أحيان كثيرة؛ وذلك بتغليف إعجابها بأدونيس بغلاف النقد والدراسة لشعره.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٢٤٩.
(٣) مجلة الناقد، العدد الأول، يوليو ١٩٨٨ م: ص ٦٣.
[ ١ / ٢١٨ ]
رمزية وأصول تبادل ومجاملة وبروتوكولات تضامن وممالأة معروفة كلها للجميع) (^١)، وهو يعني بهذه السوق الشبكة الدولية الحداثية المبتدئة من باريس ولندن وغيرها من مدن الإنتاج والمنتهية بالسوق العربية حيث الاستهلاك الأعمى، والاعتناق البدائي لأفكار وعقائد فلاسفة وأدباء مدن الإنتاج.
ويضيف هذا الكاتب أن أدونيس يعيش افتضاحًا فراغيًا خلال لغة صاخبة تفضي إلى أن (. . . يتساءل كثيرون عما يُمكن أن يفعلوا بهذه الآلة اللغوية البالغة الصخب التي تشكل كل شعر أدونيس أو تكاد.
وليس من المبالغة في شيء القول إن الكثيرين يجدون أنفسهم مجبرين على الإجابة بـ لا شيء أو لا شيء تقريبًا، إن هذا الشعر يبهر بعض القوم؛ لأنهم بالأساس باحثون عما يبهر، والحق أن أدونيس يبهر هؤلاء ويسدي لهم خدمة كبيرة، هي في الأوان ذاته أكبر إساءة وأكبر تمييع للشعر، إذ يمكنهم من توهم قول الشعر بأيسر التكاليف، وادعاء النبوة بأسهل السبل، والتشبه بالحداثة بفضل أبسط الألعاب اللغوية، لكل إن ينتطح للشعر بمجرد أن يتلاعب بخرز الكلام، ولكل مهما كان من فقر تجربته في الوجود ومغامرته في اللغة أن يعد نفسه رائيًا. . .) (^٢).
ثم يفسر هذا الناقد الحداثيّ بعض أسرار هذا الإعجاب والانبهار بأدونيس وأولها أنه صاغ من نفسه بطلًا وصور ذاته معلمًا من معالم التقدم والازدهار، فقال: (هو أولًا شعر مكرس منذ بداياته منذ "قصائد أولى" (^٣) و"أوراق في الريح" (^٤) و"مهيار" (^٥) بخاصة لانتظار البطل، بطل رومانسيّ، مخلص مأمول، تمنح له جميع الصفحات. . .
وهو ثانيًا شعر قائم على السرانية (من السر) سرانية تظل مع ذلك لفظية يصرح بها دون أن يمثل عليها. . . سرانية أو إخفاية تبلغ في بعض
_________________
(١) أدونيس متحلًا، لكاظم جهاد: ص ١٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣.
(٣) و(^٤) و(^٥) أسماء لمقاطع يسميها أدونيس شعرًا.
[ ١ / ٢١٩ ]
القصائد حدود الكاركاتورية "أشرد في مغاور الكبريت" أعانق الأسرار، في غيمة البخور في أظافر العفريت" (^١). . . .
وهو ثالثًا شعر الأنا المفحمة المنتفخة المتمركزة. . . هذه الأنا المضخمة التي ستكشف شيئًا فشيئًا عن فراغيتها تسود عمل أدونيس كله، تبدأ في مهيار بعمومية كونية. . . إلى هذيان مضجر حول الاسم الشخصي "كيف أسكن أسمائي. . . مشكل هذه الأنا الفراغية التي لا تجد خلاصًا. . . إلّا في مطالعة ذاتها في مرآة مفخمة مرآة الكون ومرآة الاسم. . . ولما كانت جميع الشواهد الشعرية تأتي لتثبت لنا أنه امتلاء كاذب وانتفاخ رنان فإن هذا ينتهي إلى شعر مُسقم لا عمق فيه ولا حداثة) (^٢).
هذه شهادات من داخل البيت الحداثيّ تؤكد أن ما ذكرناه في هذا الصدد حق، والحق ما شهدت به الأعداء.
ولا يفتأ أدونيس يكرر تفخيمه لنفسه كلما حانت له فرصة، ففي مقطع جنسيّ شهوانيّ طويل بعنوان "جسد" يتطاول في صلف وغرور قائلًا:
(. . . أتدحرج بين أنا الجمر وأنا الثلج
وبين
الياء
والألف
اتدلى
أخلق في اليوم يومًا آخر
_________________
(١) كلمات لأدونيس يستشهد بها كاظم جهاد على ما سماه "السرانية الإخفائية" وهي في الحقيقة نزعة باطضية أثرت في أعماله تأثيرًا كليًا بحكم نشأته النصيرية، وسوف يأتي تفصيل ذلك.
(٢) أدونيس منتحلًا: ص ١٣ - ١٤.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وأربط بحبل الدقائق أهوائي. . .) (^١).
وإنه لمن عجائب الأمور أن تجد الحداثيين يتمردون على اللَّه تعالى وشرعه ودينه، وعلى القيم والأخلاق والنظم والعقل، ثم ينخرطون في تبعية هذا المتعالي بنفسه، المنتفش بالجهل والكذب والانحراف والضلال، فإذا وصف نفسه بأنه رب أو إله أو ضوء أو نهار أو نهر فلا تجد من الأتباع إلّا الموافقة والتصفيق والإعجاب!!!.
ها هو يكتب عن نفسه أو عن فكرته ويرمز لها بالضوء، وينعته بالخلق فيقول:
(أيها الضوء
خلقت إلهًا ويرفضك الظلام
ألهذا كنت العين الوحيدة التي خلقت من أجل
أن تسكنها الظلمات
ألهذا كنت الخالق يلبس شكل الخليقة. . .) (^٢).
ومع ذلك لا تجد من أتباع أدونيس -وأكثر الحداثيين أتباع له- إلّا التصديق والانقياد والقبول؛ لأنه صور لهم أنهم سيكونون بمجرد اتباعهم له ومحاكاتهم لفكره وشعره في منزلة أعلى من البشر وأرفع من الإنسان، إنها منزلة "الربوبية" التي طالما خادعهم بأنهم سيرتقون إليها في مثل قوله: (الإنسان كائن خلاق -يشارك في الخلق الإلهي، وليس الخلق الشعريّ إلّا صورة للخلق الكونيّ بكامله. . .) (^٣).
لقد سولت لهم أنفسهم سوء أعمالهم وأضلهم "سامريّ الحداثة" فأخرجه لهم عجلًا جسدًا له خوار هو عجل الحداثة الذي ألهوه وعبدوه من
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١.
(٣) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٥٧، ونحوه في ص ٢٤٨.
[ ١ / ٢٢١ ]
دون اللَّه وقالوا لن نبرح عليه عاكفين قائلين: (ليس الشعر رسمًا بل خلق) (^١) و(. . . الشاعر هو من يخلق أشياء العالم بطريقة جديدة) (^٢)، وإذا سألتهم من أنتم؟ أجابوا: (نحن هدامون وكل منا قائد اللوعة والرماد. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا تعرف ذلك سنعمقها سنوسعها، سنصنع لها أجنحة من الريح والضوء) (^٣).
وإن استفسرت عن وسيلتهم في هذا الهدم والضلال قالوا: الحضور الشعريّ: (هذا الحضور الوحيد الفاجع المعزول، والذي هو مع ذلك الحضور البهي الصامد الباقي العنيد حتى الحجر وحتى الريح، هذا الحضور مطلق ينظم الواقع حوله، وفق اشعاعه، وبحسب دفعته، إنه معطٍ، خالق، وليس وارثًا، نحن نخلق ولا نرث) (^٤).
وفي سراديب ضلال وانحراف وإفساد يتقلب بهم كاهن الحداثة من عجل إلى صنم إلى وثن، متخذًا لهم آلهة وأربابًا من دون اللَّه، فبينما الشعر وسيلة هدم ونسف إذا به فجأة "المطلق والخالق" وإذا بهم ينقلبون فجأة كذلك من كونهم عبيدًا للحضور الشعريّ والإبداع إلى كونهم خالقين، ويصرخ بهم في تشجيع وتحفيز قائلًا لهم: (اللاتقليديّ، الرائد، إنسان الرفض المستبق الخالق السهم الراثي البكر النقيّ المغسول، إنسان البداية والنموذج أبدًا، هذا ما نتطلع إليه ونبشر به، هذا هو مجتمعنا وقارئنا وصديقنا هذا هو عالمنا) (^٥).
وأي صراحة أوضح من هذه على أن القوم يشقون لهم ديانة جديدة وملة حديثة، يدعون إليها ويبشرون، ملة تقوم على نفي وجود اللَّه تعالى ونسبة الخلق والإيجاد إلى غيره -جلَّ وعلا-، وتسمية غيره خالقًا، وإسناد
_________________
(١) زمن الشعر: ص ١١.
(٢) المصدر السابق: ص ١٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٢٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٢٨.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٤٠.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الخلق والأمر إلى أي شيء سوى اللَّه تعالى، وتلقي الأوامر والتشريعات والنظم والمناهج من كل أحد سوى اللَّه -جلَّ وعلا-، أمّا من هو هذا السوى؟ فإن الحداثة العربية تجيبك بأنه كل إله يمكنهم اتخاذه شريطة ألا يكون هذا الإله هو اللَّه -ﷻ-.
وهذا هو منطق الكفر منذ القدم كما أخبر اللَّه تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (^١).
(والآية تصف واقعة حال على عهد النبي -ﷺ- حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم، وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد، ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان، فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى اللَّه وحده إلهًا، وإلى شريعة اللَّه وحدها قانونًا، وإلى منهج اللَّه وحده نظامًا، حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد، هؤلاء هم بعينهم الذين يصور اللَّه نموذجًا منهم في هذه الآية، وهم بذاتهم في كل زمان ومكان، هم الممسوخو الفطرة، المنحرفو الطبيعة الضالون المضلون، مهما تنوعت البيئات والأزمنة، ومهما تنوعت الأجناس والأقوام) (^٢).
وإذا أردنا أن نستدل لهذه الحقيقة القرآنية التي بها تجلت نفسيات هؤلاء، وعقلياتهم القائمة على الصدود والإعراض عن اللَّه الملك الحق المبين، والاستكبار الواهن الضعيف على اللَّه القوي الشديد؛ فإننا نجد الكثير الوفير من أقوالهم ومواقفهم، وقد سبق منها جملة مفيدة في الدلالة على هذا الشأن، ولا بأس بالإثبات بجملة أخرى تؤكد أن هذا المعنى -في نسبة الخلق إلى غير اللَّه- وهو نوع من الانحراف في توحيد الربوبية -ليس
_________________
(١) الآية ٤٥ من سورة الزمر.
(٢) في ظلال القرآن، لسيد قطب ٥/ ٣٠٥٥.
[ ١ / ٢٢٣ ]
مختصًا بكاهنهم الرجيم أدونيس، وإنّما هو عند غيره من الكهنة وأتباعهم، وكيف لا يكونون كذلك وأستاذهم هو الذي قرر لهم بأن (الإبداع عمل إيجابيّ محض، وهو خلق ثان للكون. . .) (^١)، وبأن (. . . الشاعر يعمل على إعادة خلق العالم ورسمه بخطوط وألوان مختلفة) (^٢).
وكيف لا يكونون كذلك؟ وهم وإياه رضعاء ثدي الحياة المادية الغربية الإلحادية، فلا غرو أن تتشابه أقوالهم؛ لأن قلوبهم قد تشابهت، ومواردهم تماثلت، ومقاصدهم تشابكت، فها هو أحدهم يقول مفتخرًا بجهله وضياعه: (لا ثقة لدي ولا يقين) (^٣) فماذا يعمل إذن هذا التائه؟ إنه يجيب بجواب لا يتفق مع عقيدة الشك والتيه، إنه يقفز ليقول بكل جراءة: (. . . يجب إذا متابعة التنفس -أخذًا وعطاءً- فنشارك الخالق في عمله الخارق. . .) (^٤).
سبحان اللَّه العظيم وبحمده، كيف تجرأ هذا الذي يصف نفسه ويفتخر بانعدام الثقة واليقين ليتطاول على مقام الربوبية العظيم؟!.
قال اللَّه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ (^٥).
(ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير، بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته، وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة، فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير لتبدو المفارقة كاملة والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين: مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين. . .) (^٦).
_________________
(١) رأيهم في الإسلام: ص ٣٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٤.
(٣) رأيهم في الإسلام: ص ٥٧ في مقابلة مع رشيد الضعيف وهو نصراني من لبنان.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٩.
(٥) الآية ٤ من سورة النحل.
(٦) في ظلال القرآن ٤/ ٢١٦٠.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وهو دأب لجميع هؤلاء، لم يبرأ منه أحد منهم ولم يخلص، وفي التدليل على ذلك من الشواهد الشيء الكثير، غير أني أكتفي ببعض ذلك، مما يصور لنا عقائد القوم، يقول أحدهم:
(صار اللَّه رمادًا
صنمًا
رعبًا في كف الجلادين
أرضًا تتورم بالبترول
حقلًا ينبت سبحات وعمائم
بين الرب الأغنية الثورة
والرب القادم من هوليود
في أشرطة التسجيل
في رزم الدولارات
رب القهر الطبيعيّ
ماذا تختار؟
اختار اللَّه. . الأغنية الثورة) (^١).
تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
وعلى الرغم من وضوح دلالات هذه الكلمات وشدة انحرافها وضلالها إلّا أننا نجد كاتبًا حداثيًا يدافع عنها ويرد على مجلة الدعوة السعودية حين نقدتها، ويرد على الشيخ عوض القرني حين أشار إليها في كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام) (^٢) وبين وجه الإلحاد والكفر والضلال فيها.
_________________
(١) الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل لعبد العزيز المقالح، مقطع بعنوان "الاختيار": ص ٥ - ٩.
(٢) انظر: الحداثة في ميزان الإسلام، للشيخ عوض القرني: ص ٨٦.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وينبري هذا الحداثيّ يدافع عن شريكه في العقيدة الإلحادية، وينافح عن هذه القصيدة المترعة بالكفر، ساكبًا أصباغ خداعه ومغالطته على القول وقائله فيقول: (. . . ثمة قصيدة نالت دون غيرها أكبر قدر من هذا الحراب ونال صاحبها أكبر قدر من الهجوم، بوصفه رمز الحداثة والتحديث البارز في هذه المنطقة، أعني الدكتور عبد العزيز المقالح، الشاعر اليمنيّ الذي تجاوز إبداعه أفق المنطقة، وصار أحد أعمدة الشعر العربيّ المعاصر) (^١).
ثم ينفتل إلى الكلمات الإلحادية يؤولها ويحللها ويتحدث عنها بكلام اعتذاريّ تبريريّ هو أقرب إلى السفسطة منه إلى الحقيقة، وفيه من لطخات الانحراف مثل ما في الكلام المتصدّى له، يقول: (. . . وتتجاوب الدلالات الرأسية مع الأفقية ليبرز من الثنائية المتعارضة في طرفها الأول، الدال المنفيّ -"رب القهر الطبيعي"- الذي يغدو علامة على عصور يشيخ فيها الحب "الإنسان" والشعر "الإبداع" وسلاحًا يلازم سوط الجلادين ورعب المجلودين، وتبريرًا تأويليًا يضع الشرع في خدمة الحكم، فيتقلص الشرع إلى سبحات وعمائم ورزم من دولارات، تبرر كف الجلادين، وتبارك الرب القادم من هوليود، كيس يسرق أرضًا تتورم بالبترول، بين الأمس القاتل واليوم المقتول.
إن نفي الدال الذي ينطوي على "رب القهر الطبيعيّ" يبدأ بوضعه إزاء نقيضه "رب الأغنية - الثورة" والمدلول المراوغ الذي يومئ إلى منتجي صورة هذا "الرب" يعابثه الدال الذي يكشف -بالمجاورة- عن تلازم ما تخفيه "العمائم" أو تتجه إليه "سبحات" المسبحين من "رزم الدولارات" من ناحية، و"الرب القادم" في "أشرطة التسجيل" من "هوليود" من ناحية ثانية، وذلك تقابل يفرض نفسه على القارئ، كي يختار بدوره، في سياق الصراع الاجتماعيّ المكبوت، والنص الأوسع لما لايقال بين "رب القهر الطبيعيّ" في التأويل النقليّ الاتباعيّ و"رب العدل" الذي يتجلى مناقضًا للأمس القاتل واليوم المقتول، وقرين الأغنية التي تذيب جبال الحزن وتغسل بالأمطار
_________________
(١) الحداثة والإسلام: ص ١٩٥ من مقال لجابر عصور بعنوان "إسلام النفط والحداثة".
[ ١ / ٢٢٦ ]
الخضراء تجاعيد الأرض، ومباركًا الفعل الإنساني "الحب، الشعر" الذي تتولد منه شموس التكوين وأفعال الخلق، وإذ تقوم الحركة الأفقية للدوال على التقابل بعين هذا "الرب" وذاك فإن التقابل يسقط نفسه رأسيًا فيلازم "رب القهر" غياب الحب والخصب والإبداع. . .) (^١).
ترى أي فرق من حيث الانحراف بين هذا النص المدافع والنص الذي يدافع عنه؟.
هذا القول حاشية شرح على المتن، والجامع بينهما السخرية من اللَّه تعالى، وإضافة الخلق إلى غير اللَّه، ووصف غيره من المخلوقين بصفات الربوبية، تعالى اللَّه ربنا عما يقول هؤلاء علوًا كبيرًا.
ويظل هذا الطرح من محاور الفكر والممارسة الحداثية إلى حد أصبح من المعتاد في كلامهم أن تقرأ أن (النقد الحقيقي هو النقد الخالق) (^٢).
وفي ابتهاجهم بعقائدهم واحتفالهم ببعضهم تقرأ مثلًا: (فلنرقص معًا للحياة أيها الكادح الخلاق) (^٣) و(الجهل الخلاق) (^٤)، والشاعر -عندهم- خلاق له كرامة وكبرياء (هنالك كرامة بل لا قل كبرياء لا تغادر الخلاق حتى في قعر انذلاله) (^٥).
وعلى مائدة الانحراف الاعتقاديّ تجد قول بعضهم:
(ما نحن إلّا نفضة رعناء من ريح سموم
أو منية حمقاء
_________________
(١) الحداثة والإسلام: ص ١٩٩ - ٢٠٠ من مقال لجابر عصور بعنوان "إسلام النفط والحداثة".
(٢) شخصيات وأدوار، لمحمد دكروب: ص ٢٣. وانظر: شبيه ذلك في خواتم لأنسي الحاج: ص ١٠٩.
(٣) المصدر السابق لمحمد دكروب وهو يخاطب حنامينه: ص ٩٢.
(٤) خواتم لأنسي الحاج: ص ١١٢.
(٥) المصدر السابق: ص ١١٠.
[ ١ / ٢٢٧ ]
والشيطان خالقنا ليجرح قدرة اللَّه العظيم) (^١).
فأيّ انحراف أكبر من هذا؟ وأيّ مضادة لعقيدة الإسلام أوضح من هذه المضادة؟.
إذا لم يكن هذا هو الانحراف بعينه والإلحاد والكفر باللَّه تعالى فأين يا ترى يوجد الإلحاد؟.
وعندما تتجاوب قلوب وعقول الأتباع مشيدة بهذا الشاعر ممتدحة له فإن ذلك يؤكد سريان هذا الداء الإلحاديّ إلى حد أصبح فيه تآمر الفارغين -من الطائفيين والصليبيين والعلمانيين- على ديننا وعقيدتنا وشريعتنا هو عين الإبداع وقمة الريادة!!.
وليس هذا فحسب، بل هو تبجيل لثمار المؤامرة الدنيئة التي أنتجت هؤلاء، ومؤسسات "حوار" و"مواقف" و"الآداب" و"فصول" و"شعر" و"إبداع" و"أصوات" و"ألف" و"الناقد" وغيرها من صحف ومجلات الغثاء.
لقد ادعوا التحرر والانطلاق، والقدرة على التحويل والتغيير، فكان تحررهم هو الخروج عن الدين، وانطلاقهم هو الجري في ساحات الإلحاد، وتغييرهم هو التقلب في عرصات الجاهلية الوثنية القديمة والحديثة، ومن بعض شأنهم في هذه المضامير المظلمة "تأليههم للشعر والشاعر" فـ (الشعر فعل إيمان الحياة وفعل وحدة الكون. . . إنه ما قبل الإنسان وإنه الإنسان، وما وراءه وفوقه وبعده، وهو خالق الدين والفن والجمال والحب، هو بطانة الروح بل روحها، الشاعر ليس رائيًا فحسب، فهذه صفته السكونية، بل هو سيد آمر منشئ يلعب بالعالم ويداه آلتا تدمير ورحمتا تكوين. . . يظن بعض المؤلفين أن التفرد هو غاية الخلق في الأدب والفنون. . . غاية الخلق "إذا كان للخلق من غاية نعرفها" ليست هي التفرد، بل التفرد هو جزء طبيعيّ من الخلق وفي أساس تكوينه، الشاعر الفنان متفرد بالسليقة. . .) (^٢).
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٣٨.
(٢) خواتم لأنسي الحاج ١٢٨ - ١٢٩.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وهكدا يسترسل هذا العبث الحداثيّ مرة بجحد وجود اللَّه، ومرة بجحد ربوبيته، وثالثة بمساواة الشاعر باللَّه تعالى في خصائص صفاته -جلَّ وعلا- كما قال أحدهم: (ولعل الشاعر الأول خلق القصيدة الأولى في سبعة أيام كما خلق اللَّه الكون في سبعة. . .) (^١).
وفي الجملة نجد أن شعراء وكتاب الحداثة قد تمادوا في هذا النوع من الانحراف تماديًا يصح معه أن يقال بأن هذه أصبحت من ظواهر "إبداعهم" وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
يقول نزار قباني:
(من ينتقي؟
لي من كروم المشرق
من قمر محترق
حُقًّا غريب العبق
آنية مسحورة خالقها لم يخلق. . .) (^٢).
ويقول:
(فاليوم أخلق منك إلهًا وأجعل نهدك قطعة من جوهر) (^٣)
ويقول:
(قد كان ثغرك مرة
ربي فأصبح خادمي) (^٤).
ويقول:
_________________
(١) ديوان سعدي يوسف، مقدمة طراد الكبيسي لهذا الديوان ١/ ٢١.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ١/ ٢٨٤.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٧٠.
(٤) المصدر السابق ١/ ٣٤٧.
[ ١ / ٢٢٩ ]
(لا تخجلي مني فهذي فرصتي
لأكون ربًا أو أكون رسولًا) (^١).
ويقول ساخرًا من الهلال رمز المسلمين:
(يا هلال أيها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشًا ونعاس
أيها الرب الرخاميّ المعلق
أيها الشيء الذي ليس يصدق. . .) (^٢).
ويقول محمود درويش:
(طوبى لمن يعرف حدود سعادتي
طوبى للرب الذي يقرأ حريتي
طوبى للحارس الذتي يحبس طمأنينتي) (^٣).
ويقول:
(وسرحان يرسم شكلًا ويحذفه: طائرات ورب قديم) (^٤).
ويقول: (خريف جديد لامرأة النار: كوني كما خلقْتكِ الأساطير والشهوات. . . كوني ملائكتي أو خطيئة ساقين حولي. . .) (^٥).
ويقول معين بسيسو:
(باسمك تلك المومس
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٧٦١.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٢٢ ونحو ذلك في ٣/ ١٠٧.
(٣) ديوان محمود درويش: ص ٣٨٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٥١.
(٥) ورد أقل: ص ٨٧.
[ ١ / ٢٣٠ ]
ترقص بقناع الرب
باسمك يتدحرج
رأس الرب) (^١).
ويقول عبد العزيز المقالح (^٢) في وصف جريمة اعتداء مزين ومصفف شعور النساء على إحدى النساء اللاتي قام بتصفيف شعرها ثم اغتصبها وزنى فيتحدث عنه المقالح معتذرًا ومبررًا جريمته قائلًا:
(لا تصلبوه
الخالق الذي أحب ما خلق
بكفه سوى الجبين الذهبي والحدق
لا تصلبوه) (^٣).
ويقول محمد الفيتوري (^٤):
(لوددت لو أني سكبتك في دمي
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ٢٥١.
(٢) عبد العزيز المقالح حداثيّ يمانيّ، من كبار دعاة العلمنة والحداثة، صاحب ديوان الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل، الذي سخر فيه باللَّه تعالى وتجرأ بالشتم على مقام الألوهية المقدسة، غنى للشيوعية والشيوعيين، نال الدكتوراه عام ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م في موضوع الشعر العاميّ في اليمن، وعمل مندوبًا لليمن في جامعة الدول العربية ودرس في جامعة صنعاء ورأس مركز الدراسات والبحوث اليمنية. انظر: هموم الثقافة العربية: ص ١٣٩، والحداثة في ميزان الإسلام: ص ٨٦.
(٣) ديوان عبد العزيز المقالح: ص ١٣٥.
(٤) هو: محمد مفتاح الفيتوريّ، شاعر حداثيّ سودانيّ الأب، مصريّ الأم، ليبيّ الجنسية، أسود البشرة قصير القامة دميم الوجه، ألْر ذلك عليه نفسيًا فعاد بإحباط عليه وتعصب للزنجية وغنى للعنصر الأسود بعنصرية، ولد عام ١٣٤٨ هـ/ ١٩٣٠ م، درس في الكتاب وحفظ القرآن ودخل الأزهر، له ديوان شعر حداثيّ مليء بالعنصرية السوداء، ثم اليسارية الرعناء، يقال أنه تاب أخيرًا من الحداثة، واللَّه أعلم بحاله الآن. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٦٨ - ٦٦٩.
[ ١ / ٢٣١ ]
عرقًا إلهيًا وعطرًا
لوددت لو أني خلقتك
صورة، تنمحي دهرًا فدهرًا) (^١).
ويقول:
(وكنت لا أعي
كنت أنا التمثال والأزميل والخالق) (^٢).
ويقول ممدوح عدوان (^٣):
(السفينة ربانها خالق قادر
كن
أكن
لا تكن
أترنح بين تلال من الماء والريح
بين رغائبه
ثم أذعن
هذي السفينة ربانها خالق قادر
يأمر القلب بالخفقان
_________________
(١) ديوان الفيتوريّ ١/ ٤٠٤.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٨٠.
(٣) ممدوح عدوان شاعر حداثيّ سوريّ، ولد عام ١٣٦٠ هـ/ ١٩٤١ م، أصدر ١٢ مجموعة شعرية، يعتبر عند الحداثيين من أهم الشعراء العرب بعد جيل رواد الحداثيين، يعمل في الصحافة السورية، وله مشاركات في المؤتمرات الأدبية الحداثية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٧٠٣، وغلاف ديوانه الأعمال الشعرية الكاملة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولأمر بالرجفان) (^١).
وأشباه هذا الكلام كثير في نتاج هذه الفئة.
ومن مظاهر انحرافاتهم في هذا الباب: