وهذا من لوازم جحدهم لقدرة اللَّه تعالى، وتأليههم لغير اللَّه سبحانه، وخاصة تأليههم للإنسان، وهي أمشاج من الضلالات وأخلاط من الخرافات، ذلك أن حقيقتهم كما أخبر اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ (^٢).
ومن أدل المواقف على أنهم أحق الناس بهذه الأوصاف ما نراه في كلامهم من مثل قول أدونيس في تلمود الحداثة: الثابت والمتحول: (النظرة الجديدة هي الخروج من قدر الطبيعة والدخول في إرادة الإنسان، هي الخروج من الثبات إلى التحول. . . هي الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا، قادر على صنع التاريخ. . .) (^٣).
فليغير أصحاب النظرة الحديثة ما قضاه اللَّه من تتابع الليل والنهار وتتابع الفصول الأربعة!!، وليبطلوا قوانين الكون والحياة الثابتة ليصلوا إلى مجال التحول والتحديث!! وليغيروا -إن استطاعوا- أقدار اللَّه تعالى في الخلق من إحيائه -سبحانه- لمن يشاء وإماتته لمن يشاء، وإعزازه لمن يشاء، وإذلاله لمن يشاء!!.
فإذا استطاعوا فإنهم -حينئذٍ- يستطيعون صنع التاريخ!!.
_________________
(١) ليلة القدر: ص ٤٠.
(٢) الآية ١٧٩ من سورة الأعراف.
(٣) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٨٣.
[ ٢ / ١٥٢٠ ]
وما هم بقادرين على ذلك، بل عجزهم في تغيير نواميس الحياة وقوانين الكون أو تجاوز قضاء اللَّه الكوني فيما قدر وأراد ﷾ مثل عجز أوليائهم عن خلق ذباب ولو اجتمعوا له، قال ربنا تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ (^١).
وما الظن بقوم يكفرون باللَّه الخالق المدبر، ويؤمنون بالأوثان والأصنام الجاهلية ويجعلونها معيارًا للتقدم والقوة ورمزًا للصراع؟ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (^٢).
ولنأخذ على هذا مثالًا فيما نحن بصدده في هذا المبحث:
يقول أدونيس:
(عائشة جارتنا العجوز يا فينيق، مثل قفص معلق
تؤمن بالركام والفراغ والطرر
وبالقضاء والقدر) (^٣).
يورد محمد جمال باروت في كتابه الحداثة الأولى، هذا النص الوثني ثم يعقب عليه قائلًا: (يعطي فينيق فراغ العالم، وحياة الإنسان فيه، معنى بالتزامه الوجودي الكياني بـ "سر مهجته"، وهي هنا في النص "التجدد" والتحرر من الهرم الحضاري للذات القومية - الحضارة، لكأن فينيق الطائر يتحرر باكتشافه سر التجدد والحرية في ذاته من هذا العالم "عائشة العجوز" الذي ليس إلّا "مثل قفص معلق" وبهذا المعنى تغدو سيرورة العلاقة في مرجع النص، قائمة على التمرد والانفصال بين طائر "الفينيق" وبين هذا
_________________
(١) الآيتان ٧٣ - ٧٤ من سورة الحج.
(٢) الآية ٢٦ من سورة الفتح.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٦٣.
[ ٢ / ١٥٢١ ]
"القفص المعلق" ومثلما يخنق "الإنسان - الجمهور" "الشخص الإنساني" في الوجودية، فإن "القفص المعلق" يخنق الوجود الحر للفرد البطل، الفادي لـ "فينيق"، إن وعي "الشخص" في مثله الجمالية المتعددة هنا، أو في الحقل الدلالي لها هو الذي يقود إلى الاغتراب والنفي عن "الإنسان - الجمهور" الذي يعادل عند أدونيس "الحاضر" أي الراهن والسائد، وكل حرية وجودية تقود إلى النفي. . .) (^١).
ثم يورد قولًا لزوج أدونيس المسماة خالدة سعيد، ثم بقية أقوال أدونيس في المناجاة العبادية لأدونيس، ثم يقول: (هكذا يندغم المؤثر الوجودي كتجربة كيانية، وليس كمؤثر "دوغماتي" في المثال الجمالي التموزي، حيث يعطي "فينيق" معنى لحريته بفعله الحر والداعي في هذا العالم "الفارغ، القفص، القضاء والقدر" الذي ينفيه ويمحقه) (^٢).
فهل هناك أصرح وأوضح من هذه الألفاظ الصارخة بالوثنية الجاهلية؟ وهل هناك أي حجة للذين يقولون إن هذه الوثنيات مجرد رموز لها إشعاعات فنية، وليست مرتبطة بعقيدة مّا أو مضمون أو مقصد أو غاية؟.
وإن من السذاجة وخبال العقول أن تجد مثل هذه الأقاويل الخادعة منفذًا لها إلى بعض الأناسي الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون!.
ها هو أدونيس -بإقرار باروت- يقرر أن فينيق الوثن الجاهلي ينفي العالم وما فيه من قضاء وقدر، ويغيره! فأين تكون الوثنية إن لم تكن هذه؟!.
ومن العجائب أن قضايا التفجير والتجديد مرتبطة عند أدونيس، وعند باروت الشارح، وعند أتباع الحداثة، مرتبطة بالوثنية الجاهلية القديمة مثل فينيق وأدونيس وبرومثيوس سارق النار وغيرهم، ومرتبطة بالوثنية الجاهلية الحديثة المتمثلة في مناهج ومذاهب فكرية تدور في التخوم الوثنية وتتلبس بها وتنسجم معها غاية الانسجام!.
_________________
(١) و(^٢) الحداثة الأولى: ص ١٥٤ - ١٥٥.
[ ٢ / ١٥٢٢ ]
ومن جنس هذه الأقوال التي يزعمون فيها أنهم بالوثنية الحداثية قادرون على نفي القدر وإبعاده بقدر حداثي، يستطيع تغيير مجرى القدر المكتوب، والقضاء الكوني الكائن، قول جابر عصفور السابق نقله في سياق امتداحه لمقطوعة حداثية لأحد أتباع الحداثة المحليين، يقول عصفور: (النص الشعري الذي يحرك الرعب الاجتماعي من الحداثة، وينطق رفض المقولة المضمنة عن الإنسان المجبور، فيفجر صورة الإنسان الخانع، الراضي بما قسم له، ويستبدل بها صورة إنسان آخر، مختار، مريد، قلق، متوهج برغبته في التجاوز متلهب بحلمه في الصعود إلى ما ينفي به جبرية سجنه في طقوس القدر) (^١).
وفي وقفة سريعة مع هذا الادعاء الضخم الذي طالما تشدق به الحداثيون في مقولاتهم وكرروه حتى الإملال، يُمكن القول بأن زعمه بأن النص الحداثي الشعري يرفض مقولة الإنسان المجبور، وهو يعني بذلك -حسب فهمه الجاهلي- الإيمان بالقضاء والقدر، وتجاوزًا لهذه الفرية، نقول بأن الحداثي قد أدخل نفسه في إطار من الجبرية الفكرية والسلوكية، لا ينفك يردد عباراتها مثل حتمية التطور والتقدم، وحتمية التجديد والتحديث، وحتمية صراع الطبقات، وغير ذلك من الحتميات الجبرية التي التزموا بها وأثرت فيهم غاية التأثير، وأعظم حتمية جبرية أخذتهم إلى مسارات لازمة، قولهم بنفي وجود اللَّه تعالى، أو قولهم بنفي ألوهيته، وهم يظنون بناء على هذه الحتميات أن ذلك هو أساس التقدم والنمو والازدهار!!.
وقوله بأن الشعر الحداثي يفجر صورة الإنسان الخانع قول مفترى، إلّا فيما يخص خضوع الإنسان لربه وخالقه وإلهه وهاديه، وهذا هو مراده من هذا القول القبيح وهو مراد أصيل لجميع الحداثيين، بيد أنهم لم ينفكوا عن الخنوع والخضوع، فلقد خنعوا لإفرازات المذاهب الأرضية، وخضعوا للتصورات الجاهلية، وقائل هذا النص من أوضح الأدلة على ذلك، فهو لم يَعْدُ قدْرَه في تقليد ومحاكاة أساتذته العلمانيين والماديين، ولم يتجاوز
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ١٩٣.
[ ٢ / ١٥٢٣ ]
مذاهبهم وآراءهم إلّا بمقدار ما يسمح التابع للمتبوع، ولكن الاستكبار الجاهلي يغطي على عيونهم وبصائرهم، فيحسبون أنهم على شيء وليسوا إلّا على أكوام من الرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (^١).
أمَّا قوله عن الإنساني الحداثي بأنه مختار مريد قلق متوهج برغبته في التجاوز الفكري فهذا مثال لاختياره ضمن إطار التابع والمتبوع، والغالب والمغلوب، أمَّا أنه مريد، فنعم يريد الشر والرذيلة والجاهلية فهو إذن "مريد" تمرد على الحق والخير والهدى، واستلقى تحت أقدام أسياده متوهج برغبته في التجاوز!!.
نعم تجاوز حدود العقل بالفوضوية الفكرية، وحدود المنطق بالعشوائية المنهجية، وحدود الحق بالأباطيل الجاهلية، وحدود الفضيلة بالرذائل الخلقية.
قال ربنا -جلَّ وعلا-: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ (^٢).
وهل هناك أعظم من الغي الذي يجعل غاية منهجه ومسعاه الصعود إلى ما ينفي به سجنه في طقس القدر؟ -حسب قول جابر عصفور في النص السابق- أو قوله في نص آخر عن الإنسان الجديد الذي سيكون في مواجهة صدامية حتمية مع القدر (^٣)؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (^٤).
_________________
(١) الآية ٢١ من سورة الفرقان.
(٢) الآية ١٤٦ من سورة الأعراف.
(٣) انظر: الإسلام والحداثة: ص ١٩٤.
(٤) الآية ٥٦ من سورة غافر.
[ ٢ / ١٥٢٤ ]
هذا المخلوق الضعيف يزعم أنه يصادم القدر، وهذه الآية أوضح تصوير لهذا الذي ينسى أنه كائن صغير لا يستمد وجوده ولا حياته من قوته وذاته، ولكنه حين ينفصل عن منهج اللَّه ودين اللَّه وينقطع اتصاله بالحق المبين والهدى المستبين تراه ينتفخ ويتورم ويتشامخ ويتعالى في كبر وصلف أجوف، مقلدًا أستاذه الأول إبليس الرجيم الذي تكبر على أمر اللَّه فأناله اللَّه خزي الدنيا والآخرة، وترى هذا الكائن الحقير يجادل في آيات اللَّه ويكابر ثم يزعم أنه إنّما يناقش لأنه لم يقتنع، ويجادل لأنه غير مستيقن ولكن ما ثم إلا الكبر، والتطاول إلى ما هو أكبر من حقيقته، والتعالي إلى أخذ مكان ليس له، ولا تؤهله له قدراته، وهو لا يمتلك على ذلك أدنى سلطان من برهان أو دليل من نظر عقلي أو حسي، إنّما هو ذلك الكبر وحده، والانتفاش والتورم الذي يخفي تحته الفراغ والمرض، هؤلاء هم أهل الحداثة الذين يزعمون مصادمة القدر الرباني، ويدعون القدرة على صياغة الإنسان والحياة والأقدار كما يريد ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (^١).
تعاظمت عندهم أنفسهم فاستكبروا وانتفخوا وطغوا طغيانًا كبيرًا، وتضخمت مشاعرهم نحو ذواتهم حتى شغلهم ذلك عن رؤية الحقيقة وتقديرها، والناظر في كلامهم يجد أنهم بلغوا مرتبة من الاستكبار لم يعودوا يحسون فيها إلّا بأنفسهم الجوفاء، ومذاهبهم الفارغة فراغ عقولهم، حتى ليحسبون أنهم وما يعبدون وصلوا إلى درجة أن يكونوا آلهة من دون اللَّه، فيا لها من مهزلة غرقوا فيها، ويا لها من متاهة جاهلية ضلوا فيها!! فالحمد للَّه على نعمة الإيمان.
نأخذ قولًا آخر لجابر عصفور يؤكد هذه القضايا، وذلك في سياق هجومه على عقيدة القضاء والقدر فبعد أن ذكر المتطوعة الإلحادية لعبد العزيز المقالح من ديوانه "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" وهي مقطوعة مليئة بالإلحاد في ديوان يدل اسمه على مضمونه حيث جعله كتابة بسيف المرتد
_________________
(١) الآية ٢١ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٥٢٥ ]
الزنديق علي بن الفضل (^١)، وهو رمز للإلحاد والإباحية وفي استخدامه أبلغ الدلالة على عقيدة صاحب الديوان ثم على المدافعين عنه، ومنهم جابر عصفور، وصلة النسب الفكرية بين عموم الحداثيين وعلي بن الفضل صلة قوية، غير أن بعضهم يدلي بجهتين مثل المقالح وعصفور وأدونيس، وبعضهم يدلي بجهة واحدة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ (^٢).
يقول المقالح في مقطوعته من ديوانه "الكتاب بسيف الثائر علي بن الفضل":
(كان اللَّه -قديمًا- حبًا كان سحابه
كان نهارًا في الليل
وأغنية تتمدد فوق جبال الحزن
كان سماء تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض
أين ارتحلت سفن اللَّه، الأغنية، الثورة؟
_________________
(١) هو: علي بن الفضل بن أحمد القرمطي، رحل من اليمن إلى الكوفة وكان إماميًا اثنى عشريًا فالتقى بميمون القداح فاعتنق مذهب القرامطة ثم عاد إلى اليمن داعيًا إسماعيليًا، وجمع حوله الناس، واستولى على أكثر مخاليف اليمن في الجبال والتهائم، ثم ادعى النبوة وأباح المحرمات، وهو القائل: خذي الدف يا هذه واضربي وغني هزاريك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم وجاء نبي بني يعرب أحل البنات مع الأمهات ومن فضله زاد حل الصبي ولا تمنعي نفسك المعزبين من الأقربين أو الأجنبي وحكم اليمن ١٣ سنة عاث فيها فسادًا بالقتل وهتك الحرمات حتى سمه طبيب من أهل بغداد اسمه شريف سنة ٣٠٣ هـ. انظر: الأعلام ٤/ ٣١٩، والحركات الباطنية في العالم الإسلام للخطيب: ص ٦٥ - ٦٦.
(٢) الآيتان ١١٢، ١١٣ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ١٥٢٦ ]
صار اللَّه رمادًا
صمتًا
رعبًا في كف الجلادين
أرضًا تتورم بالبترول
حقلًا تنبت سبحات وعمائم
بين الرب الأغنية الثورة
والرب القادم من هوليود
في أشرطة التسجيل
في رزم الدولارات
رب القهر الطبقي
ماذا تختار؟
أختار اللَّه، الأغنية الثورة) (^١).
سبحان اللَّه العظيم، وتقدس وتعالى جد ربنا.
يدافع جابر عصفور عن المقالح، ويسميه الشاعر الكبير والناقد اللافت (^٢) ويقول: (إن دلالة عنوان القصيدة نفسه -الاختيار- لافتة بما تؤكده من تمرد على "الجبر" و"القدر" الملازمين لمفاهيم الإنسان التي ينطوي عليها الخطاب النقلي الاتباعي ويبررها. . .) (^٣).
وهكذا نرى كيف أراد جابر عصفور أن يغسل الغائط الإلحادي الذي أفرزه عقل المقالح، بغائط مثله!!، وما أصدق الوصف القرآني فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (^٤).
_________________
(١) الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل: ص ٥ - ٩.
(٢) انظر: الإسلام والحداثة: ص ١٩٦.
(٣) المصدر السابق: ص ١٩٨.
(٤) الآية ٢٨ من سورة التوبة.
[ ٢ / ١٥٢٧ ]
ويقول أنسي الحاج: (. . . الحب هو القوة الوحيدة القادرة على تغيير مجرى القدر. . .) (^١).
ويقول: (اضيئي وظللي في رأسي أيتها الملكة الماجنة احكمي قدري والعالم أنت القدر وعالمي) (^٢).
وفي دعاية باردة وتبجيل هابط للشعر الحداثي الذي لا يصح أكثره أن ينسب إلى كلام العقلاء من عامة الناس فضلًا عن تسميته شعرًا!!، يجعل منه أنسي الحاج مغيرًا للأقدار، وتاللَّه إنهم ومن وراءهم ولو ظاهرهم الإنس والجن لا يستطيعون تغيير قدر واحد في شأن أصغر المخلوقات، فكيف بالهراء الحداثي المسمى شعرًا؟!.
يقول أنسي الحاج: (ما أريده للشعر هو أن يغير الأقدار لا أن يحاكي إيقاع الحالات) (^٣).
أمَّا السياب فيقول:
(يا أمة تصنع الأقدار من دمها لا تيأسي، إن سيف الدولة القدر) (^٤)
ويقول البياتي نازعًا إلى عقيدته الشيوعية وناسبًا التقدير إلى الطبيعية في قوله:
(فهذه الطبيعة الحسناء
قدرت الموت على البشر
واستأثرت بالشعلة الحية في تعاقب الفصول) (^٥).
ويقول ممتدحًا صنوه في الشيوعية "جيفارًا" (^٦) مادًا جذوره الفكرية إلى
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ٣١٩.
(٢) خواتم: ص ٤٧.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢٧.
(٤) ديوان السياب ص: ٨١٢.
(٥) ديوان البياتي ٢/ ١٦٠.
(٦) سبقت ترجمته: ص ٨١٤.
[ ٢ / ١٥٢٨ ]
الوثنية الإغريقية، ثم واصفًا الثورة الشيوعية بالحتمية اللازمة والقدر المحتوم!!:
(لا تجريا فرات حتى أكمل النشيد
كقدر الإغريق
كالموت كالطاعون كالحريق
محتومة تظهر في السماء
علامة الثورة فوق السم والشرور) (^١).
ثم يقول عن جيفارا والثورة الشيوعية:
(أيتها العلامة
يا قدر التاريخ والمصير للوجود) (^٢).
ثم يخاطب جيفارا قائلًا:
(يا قدري المحتوم) (^٣).
وهي عبارات معهودة من الشيوعيين الذين طالما ناضلوا عن خرافة الحتمية الماركسية، فأراهم اللَّه تعالى موت الشيوعية ودمار الماركسية وفناء الحتميات المادية، ولكن الجهل الضارب بأرسانه في عقول العلمانيين والحداثيين يأبى أن تزول الغشاوة الضاربة بظلامها على أذهانهم!!.
فها هو البياتي يتجاوب مع الشيوعية منذ أول تجاربها في فرنسا عام ١٨٧١ م/ ١٢٨٧ هـ وهو ما يعرف بكومونة باريس (^٤)، ويمتدح رجال الثورة
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ١٦٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٦٣.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٦٤.
(٤) انظر: موسوعة السياسية ١/ ٤٧٠ و٥/ ٢٦٤.
[ ٢ / ١٥٢٩ ]
العمالية التي حدثت هناك، وذلك تحت عنوان "من كتابات بعض المحكومين بالإعدام بعد سقوط كومونة باريس" وهذا من أوضح الأدلة على عمق تأثير العقائد في أصحابها، تأثيرًا يجعل من الإنسان المتأثر يعيش وجدانًا وفكرًا، وتاريخًا وواقعًا وفق العقيدة التي يؤمن بها، فالبياتي يذكر كيف أنه ولد "مأخوذًا" للفكرة الشيوعية والمطرقة الحمراء التي هي الأقدار أو صانعة الأقدار، وذلك في قوله:
(احفر في قصائدي نفق
إلى سماء قريتي الزرقاء
مهاجرًا مع الطيور ولغات كتب الثوار
ولدت مأخوذًا، وكانت قدمي الريح، وقلبي في يد الأقدار مطرقة حمراء) (^١).
وعندما يحاول أن يبحث له عن جذور فكرية أو تاريخية فإنه لا يجد سوى وثنيات قديمة وجاهليات غابرة، مثل الآشورية التي يجعل من بعض شخصياتها فأسًا في يد الأقدار (^٢).
ونحو من ذلك وأصرح منه قوله:
(ملكية هذا العشق الداهم صاعقة كالقدر الإغريقي الأعمى
لا مهرب منه) (^٣).
ويقول صلاح عبد الصبور:
(علقت أقداري على خيط رفيع من ضياء) (^٤).
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٢٦٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٧١.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤٤٣.
(٤) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٦٨.
[ ٢ / ١٥٣٠ ]
ويزعم أمل دنقل قدرته على مراغمة القدر فيقول:
(لكنني حين رأيت الآن صورة لها
في مهجري
أيقنت أن ماسنا ما زال
حي الجوهر
وأننا سنلتقي
رغم رياح القدر) (^١).
أمَّا نزار فيعلن أنه سيثور على قدره ويغالبه، فيقول:
(أثور أنا على قدري
على صدأي على عفني) (^٢).
ويطيش به كبره وانتفاخه الأجوف إلى حد القول:
(لو لم تكوني أنت في لوح القدر
لكنت كونتك يا حبيبتي
بصورة من الصور) (^٣).
ومن أراد مثالًا تطبيقًا لما قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (^٤) فليقرأ لنزار قوله:
(مشيئة الأقدار لا تردني
أنا الذي أغير الأقدار) (^٥).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص ٩٥.
(٢) الأعمال الشعرية لنزار ١/ ٥٨٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٦٨.
(٤) الآية ٢١ من سورة الفرقان.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٣٢٩.
[ ٢ / ١٥٣١ ]
وقوله:
(أبا تمام: إن الشعر في أعماقه سفر
وإبحار إلى الآتي وكشف ليس ينتظر
ولكنا جعلنا منه شيئًا يشبه الزفه
وإيقاعًا نحاسيًا يدق كأنه القدر) (^١).
ومن يطلع على أقوال الحداثيين يجد أنهم أكثروا وبصورة مكرورة مملة من أمثال هذه الدعايات التجارية للشعر الحديث، والعبارات التبجيلية التسويقية لهذه البضاعة المقلدة المستوردة، ذات الأحرف العربية والمضامين الغربية!!.
أمَّا توفيق زياد الشيوعي الفلسطيني فقد أثبت بقصيدة له بعنوان "أمام ضريح لينين" كيف يكون الحج الوثني والعبادة الماركسية، والتذلل الشيوعي، والقبورية المادية!! حيث يقول:
(أمامه وقفت خافض الجبين
ضريحك الذي يعيش في القلوب
يا لينين
أحسست أنني أنا المعذب الشقي
المعدم الذي تصيبه من الحياة كوخ طين
أملك كل شيء
أقوى من الزمان والقضاء
وأنني
أقدر أن أقتحم السماء) (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٣٥١.
(٢) ديوان توفيق زياد: ص ٣١ - ٣٢.
[ ٢ / ١٥٣٢ ]
إلى آخر هذه المقطوعة التي تمثل نموذجًا صارخًا ومثالًا واضحًا للتعبد والخضوع والخشوع، على رغم ادّعائهم المادية والجدلية والديالكتيكية، وأنهم ضد التدين وضد الغيبيات وضد العبادات، ولكننا نراهم في شقاء وثني يرتكسون وفي انحطاط جاهلي يتقلبون، وذلك من أظهر الأدلة على أن الأوثان والأصنام ليست محدودة بزمن ما قبل البعثة النبوية في جاهلية العرب الأولى، بل إنها تتمثل في نظم ومناهج ومذاهب وأشخاص وأضرحة!! والكفر ملة واحدة والطاغوت جنس واحد وإن تنوعت الأسماء وتعددت الألقاب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. . .﴾ (^١) فكيف إذا كان الأنداد المتخذون من دون اللَّه، يحبون من دون اللَّه ويؤلهون ويقدسون؟ فكيف إذا كان مع ذلك كله البغض للَّه ولدينه وأنبيائه؟.
وهذه هي أحوال أهل الحداثة والعلمنة ممن انقلبوا على أعقابهم خاسرين وارتدوا في حمأة الجاهلية داخرين، عياذًا باللَّه من الضلال وسبله وأهله.
ومن نسبتهم التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى قول المقالح عن أبرهة الأشرم:
(اسمع صوت اللئيم
يحفر لاهيا على ظهور أهلنا مهزلة القدر) (^٢).
وهكذا يتضح أن المذهب المادي الذي خرجت الحداثة من تحت ردائه، ينفي قدرة اللَّه تعالى، ويجحد وجود القضاء والقدر جملة وتفصيلًا، ولكنه يؤمن في الوقت نفسه بحتمية جبرية، وقدرية دنيوية، من صنع الإنسان أو من صنع الطبيعة -حسب رأيهم- أو من صنع الأحوال والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولا أدل على ذلك من الحتمية الجدلية الماركسية
_________________
(١) الآية ١٦٥ من سورة البقرة.
(٢) ديوان المقالح: ص ٣٢٣.
[ ٢ / ١٥٣٣ ]
المتمثلة في الجبرية الاقتصادية التي يزعمون معها أنه لا اختيار للإنسان أمامها ولا فكاك له من تأثيرها عليه، وكذلك الحتمية التطورية التي يقول بها جميع الماديين وجميع المتأثرين بهم من حداثيين وعلمانيين، حيث يجعلون التطور والتحول والصيرورة قوة جبرية تخضع الإنسان وأعماله لسلطانها القاهر، وتؤثر في فكره ونفسه ومشاعره وعقيدته وفنه وسائر مناشطه.
وهم مع ذلك يقولون بأن مذهبهم يقوم على التحرر من كل مؤثر خارج الإنسان، ويزعمون أنهم يؤمنون بالإنسان على أساس أنه القوة الفاعلة في هذا الوجود، وبالإنسانية في صورها الرفيعة النبيلة!!.
ثم لا يردهم هذا التناقض الصريح وهذه المغالطة الواضحة من التشدق بادعاءات كبيرة، ومزاعم ضخمة، منها إجلال الإنسان والإنسانية، علمًا بأن إيمانهم بالإنسان لا يؤدي إلى تكريمه كما يظهر من هذه الدعوى، بل إيمانهم به قائم على أساس أنه "مادة" وهذه غاية الإهانة له، ثم هم يرمون من وراء ذلك إلى نفي وجود اللَّه الخالق المدبر، وهذه إهانة أخرى للإنسان وللإنسانية جمعاء، وهذا كله وغيره من الأباطيل يؤكد أن المذهب المادي والذي تخرجت الحداثة في مدرسته: عدو للإنسان والإنسانية.