يتعمد كتاب وشعراء الحداثة -لكي يظهروا تحررهم من الدين- أن يسبوا اللَّه عدوًا، وينالوا من جلاله المقدس، ويسخرون من ذاته العلية ويستخفون باسم الخالق والرب، ويحاولون إنزال قداسة الربوبية بتشبيهات كافرة، ومساواة بين الخالق والمخلوق، بل وتقديم للخالق على المخلوق. . ويجعلون الربوبية كما وردت في الشرع الحنيف والملة
_________________
(١) المصدر نفسه: ص ١٣ - ١٨.
(٢) المصدر نفسه: ص ٣١ - ٣٢.
[ ١ / ٢٥٥ ]
الحقة محل استخفاف، ويعدون الإيمان بربوبية اللَّه تخلفًا ورجعية، وفيما سبق من الانحرافات في هذا الباب ما يدل دلالة واضحة على كل هذه الأمور.
وفي هذا المبحث زيادة بيان لحال هؤلاء، ولنبدأ بطاغوت الحداثة "أدونيس"، وذلك حين يتحدث عن قصة الإسراء والمعراج، على أساس أنها مجرد حكاية وأسطورة يضيف إليها من عنده أكاذيب وخرافات وسخرية بالرب تعالى، فيقول:
(. . . وانطلق الرفرف، صار يعلو
وحطني في حضرة الإله - ما رأيته
لم تره عين، وما سمعته
لم تسمعه إذن
نوديت لا تخف
خطوت خطوة كأنني خطوت ألف عام
أحسست حول كتفي
يدًا، ولم تكن محسوسة
فأورثت قلبي كل علم) (^١).
ويقول:
(وللكلام شجر، وللخطى حنين
واللَّه في البيوت
يموج كالبحيرة) (^٢).
_________________
(١) ديوان أدونيس ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ١٦٣.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وفي افتخار بنفسه وتعالٍ باسمه يكتب تحت عنوان "قادر أن أغير: لغم الحضارة - هذا هو اسمي":
(الأمة استراحت
في عسل الرباب والمحراب
حصنها الخالق مثل خندق
وسدّه
لا أحد يعرف أين الباب
لا أحد يسأل أين الباب) (^١).
فالأمة عنده متخلفة عاطلة بسبب المحراب والصلاة والعبادة؛ ولأن الخالق اللَّه -﷾- حصنها أي وضع في طريقها الأغلال والحواجز والسدود حتى أصبحت الأمة لا تعرف المخرج من الفوضى والتخلف.
هكذا وبأوسع أبواب التهكم والسخرية باللَّه تعالى ودينه وشرعه يجترئ هذا الباطنيّ على أغلى وأعلى مقدسات المسلمين.
وفي موضع آخر يقرن بين اللَّه تعالى والملحد الشيوعيّ "ماو (^٢) " في صورة تهكم واضحة، فيقول: (الفانتوم لدايان، والنفط يجري إلى مستقره،
_________________
(١) ديوان أدونيس ٢/ ٢٧٣.
(٢) ماوتسي تونغ الزعيم الشيوعيّ الصينيّ، ولد سنة ١٣١٠ هـ/ ١٨٩٣ م، وهلك سنة ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م، تأثر سنة ١٩٢٠ م بكتاب البيان الشيوعيّ لماركس واعتنق الشيوعية وبعد عام أصبح أمينًا للمؤتمر الأول للحزب الشيوعيّ الصينيّ وتحرك للثورة على كاي شك، وبدأ يؤلف على خلاف النظرة الماركسية التقليدية في صراع الطبقات، وتولى زعامة الحزب ١٣٥٤ هـ/ ١٩٣٥ م، وأصبح في ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م رئيسًا للحكومة الشيوعية في الصين بعد حرب مع كاي شك، وأعلن رفضه للماركسية السوفيتية وشقَّ الحركة الشيوعية في العالم، وألف الكتاب الأحمر الذي أصبح كتابًا مقدسًا للشيوعيين في الصين وغيرها، ولما توفي انحسر نفوذ مذهبه وأخذت زوجته إلى السجن وأذلت بتهمة التآمر على أمن الدولة. انظر: موسوعة السياسية ٥/ ٦٩٨ - ٢٠٧.
[ ١ / ٢٥٧ ]
صدق اللَّه ولم يخطئ ماو) (^١).
وتتكرر منه هذه الصور التهكمية والكذب على اللَّه تعالى وعلى ملائكته ﵈، وينضح قوله بأبشع أنواع الاستخفاف، وذلك في قوله:
(كثيرًا حبس الخالق الشمس والقمر تأديبًا
كان حين يتوبان
ويستأذنان بالشروق
يأتي إليهما ملاك يأخذ بآذانهما ويطلعهما
من باب التوبة
كان الخالق حين يخرج أنثى إلى الأرض
يبعث إليها ملاكين
يضع الأول يده بين ثدييها
يضع الثاني يده في مكان آخر (^٢)
حين يتعب المكان
يحملانها إلى ظل تحت شجرة المحنة
أمر الخالق ما يسمونه الوطن أن يجلس على
كرسي من الزجاج بهيئة السرطان وحوله تماثيل) (^٣).
ولا يتوانى أدونيس أن يكرر هذه الألفاظ والمعاني الساقطة في كثير من كلامه النثريّ والنقديّ والشعريّ، وفيه اجتراء صريح وسخرية واضحة باللَّه تعالى، وبالوحي المعصوم، وبالملائكة الأبرار، ثم يقال هذا هو الإبداع،
_________________
(١) ديوان أدونيس ٢/ ٢٩٥.
(٢) يقصد الفرج.
(٣) ديوان أدونيس ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وهذه هي الحداثة، ومن خالفها فهو المتخلف، ومن عارضها فهو رجعيّ متجمد.
ثم يأتي بعد ذلك مغرور جاهل يدافع عن هؤلاء وأضرابهم ويزعم أنهم مجرد أدباء يسعون لتحديث أساليب وأشكال الأدب، وأنه يُمكن الجمع بينهم وبين أهل الإسلام، بل بعضهم يرى أنه يُمكن الجمع بين عقائدهم الحداثية والإسلام، على طريقة الذين يقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^١).
رغم أن الحداثيين بسائر دركاتهم يجمعون على عدة أمور هي عندهم بمثابة الأساس لمنطلقهم الفكريّ والعقديّ، منها على سبيل المثال النقد الجذريّ للدين والأخلاق، فمنهم من يدعو إلى النقد الهدام صراحة ومنهم من يلبس مراده بعبارات خادعة موهمة على طريقة دعاة الباطنية القدماء؛ لأنه لو صرح في بيئته أو مجتمعه لرفض وحورب.
أمّا من كان في مجتمع أو بيئة قابلة للتصريح، فإنه لا يتردد في ذلك، فها هو أدونيس يصول ويجول بأقواله الكفرية دون أدنى رقيب، ويسخر ويستهزئ، ويهدم ويسعى لتدنيس كل مقدس عند المسلمين كما في الأقوال السابقة ذكرها، وكما في كتابه الثابت والمتحول حين يتحدث عن نيتشه وجبران بإعجاب ومحبة فيقول: (كل نقد جذريّ للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية ويؤدي إليها، وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة "موت اللَّه"، وقد رأينا أن جبران قتل اللَّه هو كذلك -على طريقته- حين قتل النظرة الدينية التقليدية إليه، وحين دعا ابتكار قيم تتجاوز الملاك والشيطان أو الخير والشر، والواقع أننا بعد أن ننتهي من قراءة المجنون نشعر أن ثمة تاريخ من القيم ينتهي.
ومن الواضح أن جبران لا يحلل تحليلًا فلسفيًا أو علميًا القيم التي يهدمها، وإنّما يعرضها بشكل يجعلها مشبوهة، فمتهمة، فمرفوضة، إنه
_________________
(١) الآية ٦٢ من سورة النساء.
[ ١ / ٢٥٩ ]
يحاول بتعبير آخر، أن يظهر خطأ التفسيرات التي تقدمها الأديان والأخلاق التقليدية للعالم والإنسان فيما يدعو إلى محو المذهبية القيمية، ويؤكد على فاعلية الحياة والإنسان الذي يبتكر القيم الجديدة، الأخلاق التقليدية هي التي تعيش الخوف من اللَّه، وتنبع من هذا الخوف، الأخلاق التي يدعو إليها جبران هي التي تعيش موت اللَّه) (^١).
سبحان اللَّه وتعالى عما يصفون.
وفي هذا النص الخبيث عدة أمور:
أولًا: أن الهدم أصل حداثيّ، منه ينطلقون وعلى محاوره يتحركون.
ثانيًا: أن أول شيء يريدون هدمه هو الإيمان باللَّه تعالى؛ لينطلقوا بعد ذلك إلى هدم الدين كله والخلق والقيم والنظم التي قامت على هذا الدين.
ثالثًا: أن من أساليبهم عرض عدميتهم وإلحادياتهم المبتدئة بهدم الإيمان باللَّه؛ عرضها بشكل تدريجي وخطوات شيطانية، "بشكل يجعلها مشبوهة فمتهمة فمرفوضة" كما قال أدونيس في النص السابق.
ومن الواضح جدًا لمن تتبع أمر الحداثة العربية أنها تسلك هذا المسلك وتختط هذا المنهج وتسير عليه، ومن هنا أشكل أمرها على بعض الناس؛ لجهلهم؛ ولقوة تلبيس أبالسة الحداثة عليهم.
رابعًا: أن الأخلاق والقيم الفكرية والسلوكية التي يدعو إليها الحداثيون تبتدئ بجحد وجود اللَّه وربوبيته وألوهيته، ثم بجحد كل ما ينبني على ذلك من شرائع وشعائر وأخلاق ونظم، كما قال أدونيس: (الأخلاق التي يدعو إليها جبران هي التي تعيش موت اللَّه، وتنيع من ولادة إله جديد، إنه إذن يهدم الأخلاق التي تضعف الإنسان وتستعبده ويبشر بالأخلاق التي تنميه وتحرره، إنه يهدم الأخلاق السلبية التي تقبل الراهن الموروث من القيم، ويبشر بالأخلاق الإيجابية الفعالة التي تخلق هي نفسها القيم، إنه يريد بالتالي
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٧٨.
[ ١ / ٢٦٠ ]
أن يحل محل الفكر المأخوذ بأخلاق المستقبل محل الفكر المأخوذ بأخلاق الماضي؛ ولهذا فإن كتاب المجنون دعوة لقلب نظام القيم) (^١).
وهذا الهيام الفوضويّ الذي يشيد به أدونيس ويدعو إليه هو أحد منطلقات التدمير الحداثيّ.
ومن وسائلهم في ذلك السخرية باللَّه تعالى والاستخفاف بربوبيته وألوهيته -جلّ وعلا-، ولذلك من المعتاد عندهم أن تجد في كلامهم مثلًا: (. . . كل ما في الدنيا مجانيّ لا ثمن لشيء؛ لأن الرب مجاني. . .) (^٢).
وتجد:
(باسمك تلك المومس
ترقص بقناع الرب
باسمك يتدحرج
رأس الرب) (^٣).
وتجد أحدهم يقول: (مأساتك السوداء كانت منذ قال اللَّه فليكن الوجود وكان، ثم بدا له أن يصنع الشمس اللعينة والحياة) (^٤).
والآخر يقول:
(لماذا خلقني؟
وهل كنت أوقظه بسبابتي كي يخلقني) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ٣/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ. من حوار مع أنطون مقدسي: ص ٢١ أجراه سعد اللَّه ونوس.
(٣) معين بسيسو الأعمال الشعرية الكاملة: ص ٢٥١.
(٤) سميح القاسم في ديوانه: ص ٣٠٦.
(٥) محمد الماغوط في الآثار الكاملة: ص ٢١٨.
[ ١ / ٢٦١ ]
والآخر يسأل بتهكم: (توقفت أمام اصطبل الحيوانات، اتهجت إلى ركن وجلست مسندًا يدي على ركبتي متقرفصًا، دخنت واحدة وحلمت قليلًا، هل تعمد اللَّه أن يخلق هذا العالم على هذا الشكل من الفوضى والتنوع؟ رائحة الحيوانات كريهة. . .) (^١).
وحتى عند السياق الجدليّ السوفسطائي تجد التهكم الهابط في مثل قول علاء حامد: (إذا كان لا يوجد خلاف حول وجود قانون يحكم الكون بدقة شديدة، وأن خلف هذا القانون إرادة منظمة امتزجت به حيث يُمكن القول أن القانون هو اللَّه. . . واللَّه هو القانون. . . يُمكن القول إنه تعبير لمضمون واحد سمه ما شئت: اللَّه. . القانون. . الوجود. . فهي كلها أسماء بشرية لا دخل للإله فيها لكنها تعبر عن فكرة جوهرية) (^٢).
وفي السياقات الروائية والقصصية تقرأ أنواعًا من التهكم والسخرية والاستخفاف باللَّه -جلَّ وعلا- وربوبيته والتشكيك في ذلك:
فمثلًا في رواية سقوط الإمام تقول نوال السعداوي (^٣): (. . . الصف وراء الصف متعرج كجيش نمل بلا ملكة وعيونهم تدور باحثة في الكون عن الرب، أين أنت يارب؟) (^٤).
(. . . وإذا سأله المدرس سؤالًا تلفت حوله متحيرًا وبدأ بتهتهة، وحين يضحك التلاميذ يقول: لو كانت هناك عدالة في الكون لما
_________________
(١) محمد شكري في الخبز الحافي: ص ١١١.
(٢) مسافة في عقل رجل: ص ١٢٨ ونحوه في ص ١٢٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦٣.
(٣) نوال السعداويّ، دكتورة، وكاتبة في شؤون المرأة العربية من وجهة نظر علمانية إباحية، تعارض الإسلام صراحة، وتنادي بمناقضته جهرة، وتتبنى معاداته بحقد ظاهر، وتسعى لفرض النموذج الغربي الإباحي في المجتمع والمرأة خاصة، خرجت في مظاهرة في أمريكا تضم أكثر من ٣٠٠ ألف شاذ يطالبون بمزيد من الحرية للشواذ، ودافعت في مؤلفاتها عن الشذوذ الجنسيّ، والبغاء الجماعيّ، ملبسة ذلك كله بلبوس علمي كاذب. انظر: العقلانية هداية أم غواية: ص ٥٨، ٩٩ - ١٠٠.
(٤) سقوط الإمام: ص ٦٨.
[ ١ / ٢٦٢ ]
خلقني اللَّه، اتهته وجميعهم لا يتهتهون، وهمس في أذني بصوت خافت: اللَّه غير موجود لأن العدالة غير موجودة، وهمست في أذنه بدوري: لو كان اللَّه موجودًا لما كان الوفاء يقابله الخيانة والخيانة يقابلها الوفاء، وكنت يا أمي تلميذًا في التاسعة من عمري وهو زميلي وربط بيني وبينه الإيمان العميق بعدم وجود اللَّه، وظلت قدرتي على الإيمان باللَّه مرتبطة بقدرتك على خيانة أبي. . .) (^١).
وفي رواية مدن الملح أشياء من هذا القبيل، ومن أمثلة ذلك قوله: (. . . يا رب يا صاحب الخيمة الزرقاء أنت العالي وتعرف بالقلوب احرس الوادي وجنبه البلاء) (^٢).
وقوله: (آكوب أقوى من ربهم) (^٣).
وقوله: (أخطر شيء في هذه الحياة بعد اللَّه والمال هو السروال، إذا كانت دكته قاسية أتعب، وإذا ارتخت دكته أشقى وأتعب) (^٤).
وفي رواية ألف وعام من الحنين قول من أشنع الأقوال -أستغفر اللَّه من إيراده- يقول الملحد: (المنامة. . . بلدة تعودوا أن يقولوا عنها بأن اللَّه تبرزها في يوم من أيام الغضب) (^٥).
ويقول: (. . . ينبغي أن تكون راضيًا في تقليد اللَّه فهو كذلك وحيد لكنه على ما يرام وأنت تعلم أنه لا شقيق له ولا فيا لخرابنا) (^٦).
ومن أمثلة الاستخفاف والسخرية باللَّه تعالى: جعل اللَّه تعالى في صفة امرأة كما قال يوسف الخال: (ليس ضروريًا أن يصف الشاعر امرأة يحبها،
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٥.
(٢) مدن الملح ١/ ٥٩.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٦٤.
(٤) المصدر السابق ٥/ ٩٥ وهناك أمثلة أخرى في هذه الرواية منها ٣/ ٢٦٧، ٥/ ٦٢، ٥/ ٢٩٦.
(٥) رشيد بوجدرة ألف وعام من الحنين: ص ١١ - ١٢.
(٦) المصدر السابق: ص ٣٨.
[ ١ / ٢٦٣ ]
أن يصف عينيها وصدرها وجسدها، العيون الخضر والقامة البيلسان وما إلى ذلك. . من وحي هذه المرأة قد يكتب قصيدة عن اللَّه) (^١).
ومن أمثلة السخرية والتدنيس والاستخفاف قول السياب:
(وأبصر اللَّه على هيئة نخلة كتاج نخلة يبيض
في الظلام
أحسه يقول: يا بني يا غلام
وهبتك الحياة والحنان والنجوم) (^٢).
وقوله:
(هل أن جيكور كانت قبل جيكور في خاطر اللَّه.
في نبع من النور) (^٣).
وقوله:
(لولاك ما كان وجه اللَّه من قدري) (^٤).
وقول نازك الملائكة:
(وأضحك ضحكة رب كئيب تَمرد مخلوقه الكافر) (^٥)
ويقول البياتي:
(فاسكبي روحك الحنون بروحي لأرى من صفائه وجه ربي) (^٦)
وقول صلاح عبد الصبور:
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ٣٠١.
(٢) ديوان السياب: ص ١٤٧.
(٣) المصدر السابق: ص ١٨٨.
(٤) المصدر السابق: ص ١٩٠.
(٥) ديوان نازك ٢/ ٥٣.
(٦) ديوان البياتي ١/ ٦٩.
[ ١ / ٢٦٤ ]
(يا ربنا العظيم يا معذبي
يا ناسج الأحلام في العيون
يا زارع اليقين والظنون
يا مرسل الآلام والأفراح والشجون
اخترت لي
لشدما أوجعتني
ألم أخلص بعد
أم ترى نسيتني؟
الويل لي نسيتني نسيتني نسيتني) (^١).
ويقول عن لوركا (^٢) الشيوعيّ الأسبانيّ:
(. . . أمّا الكلمات الحلوة والممرورة
فقد انسابت جدول
يمضي حيث سقطت، وعض التراب فمك
حتى يغفى في حضن اللَّه الغاضب
يرجوه أن يعفو عن خفراءٍ بلداء
قتلوا آخر أبناء الرب) (^٣).
ويصف الخال الرب -جلَّ وعلا- بأوصاف خبيثة فيقول:
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٢) لوركا: شاعر وكاتب مسرحيّ أسبانيّ شيوعيّ قتل في أوائل الحرب الأهلية ١٣٥٤ هـ/ ١٩٣٦ م، امتدحه كتاب وشعراء الحداثة العربية ورددوا ذكره كثيرًا. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ١/ ٥٩٢.
(٣) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٢٣٠.
[ ١ / ٢٦٥ ]
(وحين أموت خذوا جسدي
ولا تدفنوه
لئلا يقوم مع الفجر يومًا
ويكشف سر الإله
مع الشوق يحلو لنا الانتظار
وإن فرغت خمرة في الكؤوس
فها هو ذا الرب بين الحضور) (^١).
ويقول جبرا إبراهيم جبرا:
(واللَّه يهدر صوته بين الشجر) (^٢).
ويقول:
(يا حمل اللَّه الحامل خطايا العالم ارحمنا) (^٣)
ويقول توفيق صايغ:
(من جير دم لجوليا
الحوارية العذراء
عذرتها ألهتها
أهلت أمها أن تُمسي
حماةَ اللَّه) (^٤).
ويقول:
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال ص ٣٥٤.
(٢) المجموعة الشعرية الكاملة لجبرا: ص ١٢٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٣٩.
(٤) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٠٥.
[ ١ / ٢٦٦ ]
(الإله الصبيّ
كيف يُشيخُنا
يقلبنا زبانية؟
المكتنز الخدين كإليتين
كيف يحفر في خدودنا
وتحت عيوننا الجور؟) (^١).
ويقول:
(الهتي الحية اللاتموت
آسى، الهتي، لكِ) (^٢).
ويقول أنسي الحاج:
(تقتل الكلمة جسد اللَّه بعد قتل اللَّه روحًا وجسدًا) (^٣).
ويقول:
(العشق الأول الأقرب ما يكون إلى دهشة اللَّه الأولى بمن خلق) (^٤).
ويقول:
(اللهو المجنون من صفات الألوهية، الفخان في لحظة الخلق فلذة إله) (^٥).
ويقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣١١ - ٣١٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٨٠.
(٣) خواتم: ص ١٩.
(٤) خواتم: ص ٣٤.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٨.
[ ١ / ٢٦٧ ]
(سوء التفاهم يرافق كل نفس، كل عمل؟
اللَّه خلق الإنسان وسرعان ما ندم وقال: ما هكذا كان المقصود أن يصير) (^١).
ويقول:
(حيث العلاقة هي مع اللَّه لا مع كائنات منحطة
وحين أتمرد على الخالق لا على عبيد متسلطين) (^٢).
ويقول:
(تعكس البركة زرقة السماء أنقى مما يعكسها النهر
اللَّه في البركة مطمئن وفي النهر منزعج
الصمد يرتاح في جمود الحركة ويراقبها بعيون الغدران
والمستنقعات
هل يستطيع اللَّه أن يبطل إلهًا) (^٣).
وكلامه من هذا الصنف كثير.
ويقول سعدي يوسف (^٤) في مقطع بعنوان "رفض":
(أنا في انتظار يديكَ يا ربًا يسير على الرمال
. . . وبقيت أنت. . .
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٨.
(٤) سعدي يوسف، حداثيّ عراقيّ، ولد في البصرة عام ١٣٥٢ هـ/ ١٩٣٤ م، وانتمى للشيوعية وكتب عنها، ولما يصل إلى الثامنة عشرة من عمره، له دواوين عديدة جمعها في مجلد كبير بعنوان الأعمال الشعرية الكاملة، مليئة بالأفكار والعقائد الماركسية الإلحادية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٧٣٣.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الهي الرملي مجهول الصفات
إلّا من الألم المقدس في انتظاري
وأنا أشق الرمل لكني أغوص
أحصي اللانهاية في النهاية
كنبيك الممنوع صلبًا عن طواطمهم
متألمًا حتى الشهادة) (^١).
ويقول مظفر النواب (^٢) (^٣):
(هل تاب النورس من ثقل جناحين المكسورين؟
وهل تاب الطين الفاغم في رفع امرأة خاطئة؟!.
فأتوب!
هل تاب الخالق من خمر الخلق
ومسح كفيه الخالقتين لكل الأوزار الحلوة في الأرض
فتلك ذنوب
تعال لبستان السر
أريك الرب على أصغر برعم ورد
_________________
(١) ديوان سعدي يوسف: ص ٥١٧.
(٢) مظفر بن عبد المجيد النواب جاءت أسرته من الهند واستوطنت العراق، ولد في بغداد عام ١٣٥٢ هـ/ ١٩٣٤ م لأسرة شيعية، انتمى للماركسية وأصبح من غلاة الشيوعيين، وسبب له ذلك أنواعًا من السجن والتشريد حتى استقر أخيرًا في دمشق، وهو شاعر حداثيّ بذيء العبارة غارق في الجنس والخمر والشتائم السياسية، والسب للَّه ولدينه وللمؤمنين. انظر: مظفر النواب شاعر المعارضة السياسة: ص ٩ - ١٢.
(٣) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية قراءة في تجربته الشعرية لعبد القادر الحصيني وهاني الخير: ص ٦٢.
[ ١ / ٢٦٩ ]
يتضوع من قدميه الطيب
قدماه ملوثتان بشوق ركوب الخيل
وتاء التأنيث على خفيه تذوب) (^١).
ويقول:
(يا من رأى اللَّه شاحنة ليس تلوي) (^٢).
ويقول:
(فالبلاد التي هو منها
سراب
تخاف الحقائق منه
فإن سكن الخلق
يأخذ عزلته بزوايا من اللَّه عابقة بالشراب
ويثمل باللَّه سبحانه
والبلاد التي درجات الكحول بها
لم تصلها الخمور
وبالوهم يسكرها بين حين وحين) (^٣).
ويقول أمل دنقل:
(وانظر نحو عينيك
فترعشني طهارة حب
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٣ وص ١١٨ وص ١١٩.
(٢) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية قراءة في تجربته الشعرية لعبد القادر الحصيني وهاني الخير: ص ١٤١.
(٣) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ٤٨.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وتغرقني اختلاجة هدب
وألمح -من خلال الموج- وجه الرب
يؤنبني
على نيران أنفاسي يقبلني. . .
. . . وأهرب نحو عينيك
يطالعني الندى واللَّه والغفران
وأسقط بين نهديك
لتحترق الرؤى
وأغرق فيهما بالنار والشك) (^١).
ويقول:
(شفتاي نبيذ معصور
صدري جنتك الموعودة
وذراعاي وساد الرب) (^٢).
ويقول:
(من يفترس الحمل الجائع
غير الذئب الشبعان
ارتاح الرب الخالق في اليوم السابع
لكن. . لم يسترح الإنسان) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨٠.
(٢) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ١٤٨.
(٣) الأعمال الشعرية لنزار ١/ ٤٩٣.
[ ١ / ٢٧١ ]
وأمّا نزار قباني فقد أغرق وأكثر من السخرية والاستخفاف باللَّه تعالى، وسوف أذكر ههنا بعض ذلك:
يقول عن محبوبته:
(إني أحبك من خلال كآبتي
وجهًا كوجه اللَّه ليس يطال) (^١).
ويقول:
(امرأة ناهية كالرب في السماء) (^٢).
ويقول:
(أريد البحث عن وطن. . .
ورب لا يطاردني) (^٣).
ويقول:
(ما دمت يا عصفورتي حبيبتي
إذن فإن اللَّه في السماء) (^٤).
ويقول مخاطبًا محبوبته وأنه حين يحبها:
(يكون اللَّه سعيدًا في حجرته القمرية) (^٥).
ويقول:
(اللَّه يفتش في خارطة الجنة عن لبنان) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٢٣.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٩٧.
(٣) المصدر السابق ١/ ٧٣٧.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١٨٨.
(٥) و(^٦) المصدر السابق ٢/ ٣٢٣ و٣/ ٥٨٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ويقول:
(طلبوا منا بأن ندخل في مدرسة القتل
ولكنا رفضنا
طلبوا أن نشطر الرب نصفين
ولكنا اختلجنا
إننا نؤمن باللَّه
لماذا جعلوا اللَّه هنا من غير معنى) (^١).
ويقول عن عشيقته:
(حين وزع اللَّه النساء على الرجال
وأعطاني إياك
شعرت. .
أنه انحاز بصورة مكشوفة إليّ
وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها
فأعطاني النبيذ وأعطاهم الحنطة
ألبسني الحرير وألبسهم القطن
أهدى إلي الوردة
وأهداهم الغصن
حين عرفني اللَّه عليك
ذهب إلى بيته
فكرت أن أكتب له رسالة
_________________
(١) الأعمال الشعرية لنزار ٢/ ٣٥١ و٣/ ٦١٧.
[ ١ / ٢٧٣ ]
على ورق أزرق
وأضعها في مغلف أزرق
وأغسلها بالدمع الأزرق
أبدؤها بعبارة: يا صديقي
كنت أريد أن أشكره
لأنه اختارك لي. .
فاللَّه -كما قالوا لي-
لا يستلم إلّا رسائل الحب
ولا يجاوب إلّا عليها
حين استلمت مكافأتي
ورجعت أحملك على راحة يدي
كزهرة مانوليا
بست يد اللَّه.
ويبست القمر والكواكب
واحدًا. . واحدًا) (^١).
ويقول:
(لأنني أحبك
يحدث شيء غير عادي
في تقاليد السماء
_________________
(١) الأعمال الشعرية لنزار ٢/ ٤٠٤.
[ ١ / ٢٧٤ ]
يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب
ويتزوج اللَّه حبيبته) (^١).
ويقول محمود درويش:
(نامي فعين اللَّه نائمة عنا وأسراب الشحارير) (^٢)
ويقول:
(هكذا الدنيا
وأنت الآن يا جلاد أقوى
وُلد اللَّهُ
وكان الشرطيّ) (^٣).
ويقول:
(تتحرك الأحجار
هذا ساعدي متمايل كالرعب
ليس الرب من سكان هذا القفر) (^٤).
ويقول:
(يومُكِ خارج الأيام والموتى
وخارج ذكريات اللَّه والفرح البديل) (^٥).
ويقول معين بسيسو:
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٤٤٢.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٢٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٦٤، ٢٦٦، ٢٦٨.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٨٠.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٥٤.
[ ١ / ٢٧٥ ]
(لم يبق سوى اللَّه.
يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد
ويتبعه الكذب على فرس شهباء
سنطارده، سنصيد لك اللَّه.
من باعوا الشاعر يا سيدتي
سيبيعون اللَّه) (^١).
ويقول:
(مولاتي:
تيمور على أبواب سمرقند، وتيمور هو اللَّه.
ملائكة اللَّه، شياطين اللَّه.
بطانته، عسكره، ماذا أفعل) (^٢).
ويقول:
(وطرقت جميع الأبواب
أخفتني عاهرة
كان اللَّه معي
لكن اللَّه هناك يدلي بشهادته
في مركز بوليس
- فُتح المحضر. . .
- ما اسمك؟
_________________
(١) الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص ٣٤١.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٧٢.
[ ١ / ٢٧٦ ]
- كم عمرك. . .؟
- ما عنوانك. . .؟
- مهنتك. . . وكانت مهنته اللَّه.
صبغوا بالحبر أصابعه
أخذوا بصمات اللَّه.
والتقطوا صورته
كان اللَّه معي
لكن اللَّه ورائي كان هو المخبر
آلة تسجيل قد غرست في قلبي
آلة تسجيل قد غرست في قلب اللَّه) (^١).
ويقول عن بيروت:
(أيتها المدينة السحابة الرصاصة الرغيف
. . . . . . .
ها أنت مثل اللَّه.
في يديه السلسلة
لا أنت سنبلة
لا أنت قنبلة) (^٢).
ويقول سميح القاسم:
(واللَّه نحن نشاؤه بغرورنا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٤٠ - ٤٤١.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٣٦.
[ ١ / ٢٧٧ ]
شيئًا له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا) (^١).
ويقول عن هروشيما:
(من أي أعماق البشر
يتفجر الموت الزؤام على البشر؟!
ولأي كهف ينزوي اللَّه المعفر بالغبار
وبالدخان وبالشرر؟) (^٢).
ويقول:
(حين قيل: انقضى كل شيء
كانت المئذنة
شارب اللَّه تحت النعال الغريبة) (^٣).
ويقول:
(الحزن ياسمين
في وطن العجائب السبعين
والفقر موسيقى
وقتل اللَّه في كمين
خبزٌ) (^٤).
ويقول توفيق زياد وهو درزيّ فلسطينيّ وماركسيّ حداثيّ:
(وإلى الأشجار أو العمدان
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٣١٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٤١٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٦٥٤.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وإلى الريح وجه اللَّه العريان) (^١).
ويقول عبد العزيز المقالح في قصيدة بعنوان "البرجوازي":
(احذروه. . . إنه يبدو عطوفًا ورقيقًا
وهو قد يظهر أحيانًا لأيام رفيقًا
ويناجي اللَّه في صمت ويدعوه طليقًا
ثم لا يلبث كالشيطان -كفرًا- أن يفيقا
فيبيع اللَّه والإنسان والحب العميقا) (^٢).
ويقول:
(يكاد النهار على أفقهم أن يموت
ويحتضر اللَّه والعقل خلف معابدهم
في البيوت) (^٣).
ويقول:
(تحت جلدي تعيشين نبكي معًا ونصلي نجوع
ونعري، نجدف في اللَّه والشعب يضبطنا عسس الليل) (^٤).
ويقول محمد الماغوط (^٥):
(يا رب
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ٥١٣.
(٢) ديوان المقالح: ص ٧٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٣٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٣٥.
(٥) محمد الماغوط، شاعر روائيّ حداثيّ من سورية، عمل في مجلة شعر وهي التي أظهرته واحتفت به، يكتب بالشعر المنثور، وله مجموعة شعرية ومؤلفات منها: سأخون وطني، ويعتبر من أبرز الثوار على الشعر العربيّ، وأول من أتى بقصيدة النثر، التي تبنتها بعد ذلك عصابة شعر وسارت على منوالها. انظر: مقدمة الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٧ - ١٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
أيها القمر المنهوك القويّ
أيها الإله المسافر كنهد قديم
يقولون أنك في كل مكان
على عتبة المبغى، وفي صراخ الخيول
بين الأنهار الجميلة
وتحت ورق الصفصاف الحزين
كن معنا في هذه العيون المهشمة
والأصابع الجرباء
أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر) (^١).
ويقول:
(إنني أعد ملفًا ضخمًا
عن العذاب البشريّ
لأرفعه إلى اللَّه.
فور توقيعه بشفاه الجياع
وأهداب المنتظرين
ولكن يا أيها التعساء في كل مكان
جُلَّ ما أخشاه
أن يكون اللَّه أميًّا) (^٢).
ويقول محمد الفيتوري:
_________________
(١) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٦١.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٦٥.
[ ١ / ٢٨٠ ]
(لا شيء لكي أكتب كلمة
فالكلمة في شفة اللَّه.
واللَّه على الأرض سجين) (^١).
ويقول أيضًا:
(عندما غسلتني المحبة
أبصرت في وجهها اللَّه.
حدقت في مقلتيه المفرغتين
من الشمس والحلم
حتى تساقط نصف القناع) (^٢).
ويقول ممدوح عدوان في تهكم واضح:
(فسبحان من خلق الطاعة البشرية
سبحان من صنع العظم مثل العجين
مطيعًا لكل القوالب
صاغ الدموع بكل المقاييس
سبحان من جعل العنق صالحة للمشانق
والأمن منسجمًا مع عتم الجون
وأنشأ للكفر ناطحة للسحاب
وأنشأ أقبية في بلادي
وسبحانه
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ٣٧٨.
(٢) ديوان الفيتوري ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٢٨١ ]
كيف أخفى معاجزه عن عيوني
فلم أتعجب
سوى خلقه للجمال
ورفع السماء بلا عمد
كن. . أكن. . لا تكن) (^١).
ويقول أيضًا:
(ويباغتني اللَّه في نعمة
تنتقي صفوة القوم
كيف أصدق أن لدى اللَّه نبع حنان
ولا يتطلع يومًا إلى قهرنا
ولا يرى البشر الساكنين زرائب
والآكلات بأثدائهن بلا شبع
حيث صنعة العهر أمان من الفقر
والموت جوعًا
وكيف تغافل كي لا يرى الآكلين النفايات
في مدن من مناسف
لا يسند القلب في ضعفه
تحت عبء الهموم
إلهي الذي قيل لي إنه صاغني مثله
كنت أرغب لو صغته شبهي
_________________
(١) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان جـ ٢ لابد من التفاصيل: ص ٧٧ - ٧٨.
[ ١ / ٢٨٢ ]
كنت أسكنته وطنًا
يتفنن كيف سيبكيه في كل يوم
يشكك في خلقه
ويطالبه أن يصفق للظلم. . .) (^١).
إلى أن يقول:
(فتبارك هذا الإله
الذي كان يرفض أن يتمرغ في عيشنا
لم يكن يتقن اللعب فوق المزابل
لم يعرف السير في قسوة الوعر
لم يعرف النوم جوعًا
ولم يعطنا ما يواجه هذا البلاء
ها هو اللَّه يأتي أخيرًا
على هيئة الطير
ينقر أرواحنا. . .) (^٢).
إلى آخر هذا الكلام الخبيث المليء بالاستهزاء والسخرية باللَّه الخالق العظيم.
ويقول أحمد دحبور (^٣):
_________________
(١) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان جـ ٢ للخوف كل الزمان: ص ١٧ - ١٨.
(٢) المصدر نفسه: ص ١٧.
(٣) أحمد دحبور، شاعر حداثيّ، فلسطينيّ، ولد سنة ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م، في حيفا، خرج إلى لبنان، ويستقر الآن في سورية، تتلمذ شعرًا في نشأته على يد موريس قبق الذي بغض إليه الشعر العربيّ وعلقه بالحداثة وعلمه كيف يكون حداثيًا، وبدأ بتقليد خليل حاوي واتهج بلقاء الفرنسيّ جان جينيه، ملأ شعره بمضامين الملة الحداثية. انظر: مقدمة ديوان أحمد دحبور: ص ١٦ - ٢٦.
[ ١ / ٢٨٣ ]
(على القناة علامة
ودم على الجولان
وأسأل: أين وجه اللَّه.
تأخذني كواكب سبعة وتعيدني مئة) (^١).
ويقول:
(أنشد راحة نفسي فأفتح المذياع:
"والتفت الساق بالساق
إلى ربك يومئذٍ المساق"
فليبارك الرب لهاثنا وآثامنا الضرورية
بمزيد من الظلام الضروريّ) (^٢).
ويقول محمد علي شمس الدين (^٣) في ديوانه غيم لأحلام الملك المخلوع:
(احتفال بمجيء الليل
"فطم" احتفلت بمجيء الليل
أخذت زينة نهديها
وتعرت لتصير أشد نقاء من قلب اللَّه) (^٤).
وكلامهم الخبيث النجس من هذا النوع كثير، أكثر من قدرتي على إحصائه، وأوسع من حيز هذا البحث، وفي الشواهد السالفة ما يدل بجلاء
_________________
(١) ديوان أحمد دحبور: ص ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٢) ديوان أحمد دحبور: ص ٧٣٧.
(٣) محمد علي شمس الدين، شاعر حداثيّ، شيعيّ من جنوب لبنان.
(٤) غيم لأحلام الملك المخلوع: ص ٣١.
[ ١ / ٢٨٤ ]
على مقاصد هؤلاء في تحطيم الدين ومحو آثاره من النفوس وتدنيس أجلِّ وأعظم شيء في عقيدة المسلمين.
وقد اتخذوا ذلك منهجًا وأساسًا من أسسهم، ومحورًا من أهم المحاور التي انبثقت منها حداثتهم وإبداعهم، وهذا ما يطلقون عليه أحيانًا تدنيس المقدس، وأحيانًا أخرى يسمونه نقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، في شبكة من الإلحاد والكفر والشرك والباطنية والنصرانية والإباحية الخلقية والعلمانية الحكمية إلى آخر سوءات هذا الاتجاه.
ونقل المقدس إلى الحقل الإنساني عنوان عريض كبير أدخلوا تحته كل ألوان انحرافاتهم وكفرهم الصريحة والمبطنة (وهكذا تطلع الشعر والنص الإبداعيّ عامة إلى النهوض بالدور الفلسفيّ والفكريّ والاجتماعيّ وبالدينيّ أو الأسراريّ. . . وإذا كانت الحداثة حركة تصدعات وانزياحات معرفية قيمية؛ فإن واحدًا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراريّ من مجال العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش، وإذا كان جبران يشكل إنجازًا مهمًا على هذا المستوى من حيث إقامة المصالحة بين الغيبيّ والإنسانيّ عبر تداخل الدلالات، واستعارة اللغة المقدسة للزمنيّ، فإن ديوان أغاني مهيار الدمشقيّ قد شكل أول انقلاب بين العالمين ونقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، ولابد من القول في هذا المجال أن ديوان "لن" لأنسي الحاج قد أسعهم في تجريح المقدس ورفع لواء العصيان البشريّ وإقامة لغة التجديف، غير أن مهيار يصوغ التجديف بلغة تبني الدينية الضدية، وترسم إله الدمار والتفكك، وتؤسس لانقلاب القيم ومواقع المقدس، هذا الانزياح علامة تاريخية كبرى. . .) (^١).
وفي هذا النص وفي الشواهد التي قبله من التوضيح والصراحة ما يكفي في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بانهماك الحداثيين في هذه اللغة الإلحادية،
_________________
(١) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م من مقال لخالدة سعيد: ص ٨٤.
[ ١ / ٢٨٥ ]
بل وإفحام الأتباع الذين يدافعون عن الحداثة ويقسمونها إلى أقسام يُمكن أخذ بعضها ورد البعض الآخر، إذ أن (النواة الأساسية "للحداثة" (^١) التي أبقت عليها هي إسقاط القداسة عن كل شيء، لم يعد هناك شيء خالد قدسيّ أبديّ لا في عالم الفكر ولا في عالم المادة. . .) (^٢).
هذا هو المراد الحقيقي، والمنهل الذي يردون عليه ويصدرون عنه، وهذه هي أهم معالم انحرافاتهم فيما يتعلق باللَّه تعالى وجودًا وربوبية.
• • •
_________________
(١) كلمة توضيح ليست من النص المنقول.
(٢) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٣٣ من مقال بعنوان مقاربة الحداثة لحنا عبود.
[ ١ / ٢٨٦ ]