وهذا قد أغرقوا فيه وبالغوا فيه أبعد المبالغة، وحاكوا فيه أساتذتهم من الغربيين، وجروا في نفس منوالهم، والغربيون ساروا في هذا على وفق جذور عقائدهم ومرجعياتهم الفكرية، حيث يمدون أسبابهم إلى ثقافة الإغريق وفلسفته وعقائده، وهي الثقافة القائمة على تعدد الأرباب وتعدد الآلهة، ونسبة الخلق والإيجاد والتصريف إلى هذه الأوثان التي اتخذوها من دون اللَّه.
والأرباب المتخذة عند الإغريق أرباب أرضية، ولذلك اتجهوا بدياناتهم إلى الأرض، واعتقدوا أن آلهتهم تسكن الأرض وتصعد الجبال وذرى الأشجار، وتهبط إلى أعماق الأرض والآبار، والتصقوا بمسائل الفلاحة والزراعة، وقدسوا عناصر الخصب؛ ولذلك كله تعددت آلهتهم وأربابهم الباطلة التي اتخذوها من دون اللَّه، من آلهة الأرض إلى آلهة الخصب والنماء، ومن آلهة الطهر إلى آلهة العهر التي يباح معها ما أسموه بالدعارة المقدسة التي تستباح فيها الأعراض وتنتهك فيها المحرمات.
وهي آلهة وأرباب تتصارع وتتقاتل وتموت وتحيا، وتميت وتحيي وتضر وتنفع إلى آخر ما في تلك القائمة الوثنية من خرافات وضلالات (^٢)، ولقد استمدت أوروبا روح هذه الوثنيات الإغريقية، ومدت جذور فكرها إليها، وتأثرت بها في العصر الحاضر في ميادين عديدة اعتقادية وسلوكية
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة، لممدوح عدوان ٢/ ٧٣ من مقطوعات تحت عنوان "لابد من التفاصيل".
(٢) انظر: الديانات والعقائد في مختلف العصور، لأحمد بن عبد الغفور عطار ١/ ٢٢٦ - ٢٣٥.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وفكرية وتطبيقية، ومن هذه الأجواء انبثقت الحداثة وتصاعدت نيرانها مرتكسة في تلك الوثنيات القديمة بأقوى ما يكون الارتكاس، متخذة من أساطير اليونان وأباطيل بابل وغيرها خلفية فكرية اعتقادية، تقوم على تعدد الأرباب، وتفتخر بأنواع الألوهيات وتعتمد على أصناف الشركيات، وتعد ذلك أساسًا للتحرر والانطلاق نحو آفاق إبداعيه مستقبلية ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (^١).
ثم جاءت الحداثة العربية بتقليدها ومحاكاتها للحداثة الغربية، تردد الأفكار والعقائد ذاتها، ولقد (. . . كانت متشربة إلى أبعد حد بالنموذج الثقافيّ الشعريّ الغربيّ، حيث طرحت إشكالية الحداثة كتأصيل في الهوية الحضارية. . .) (^٢).
وحين كتب أدونيس قصيدته "أرواد يا أميرة الوهم" قال بأنه اعتمد فيها (على الأسلوب الشعريّ القديم في فينيقيا وما بين النهرين، وهو الأسلوب الذي ورثته التوراة في أروع أشكاله، وتأثر به كثير من شعراء أوروبا وطوروه. . . وآمل في استخدام هذا الأسلوب من التغيير الشعريّ، أن أضع مع زملائي الشعراء حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم) (^٣).
وإذا كانت مجلة شعر وعصابتها تعتبر عند الحداثيين الموافقين والمخالفين لها نموذجًا تقدميًا، والشعراء التموزيون على وجه الخصوص أكثر تقدمية من غيرهم، فإن شعر والتموزية كان لها أبلغ الأثر في الشعر الحديث المستعرب على دروب الانغماس الوثنيّ (لقد مضت حركة مجلة شعر بعيدًا في النفاذ إلى رموز التاريخ الثقافيّ الحضاريّ ما قبل الإسلاميّ (الوثنيّ) ممثلة في الأساطير الأكثر التصاقًا بطبيعة الرؤيا في الشعر) (^٤).
_________________
(١) الآية ٢٤ من سورة النمل.
(٢) الحداثة الأولى، لمحمد جمال باروت: ص ١١٠.
(٣) مجلة شعر، عدد ١٠، ربيع ١٩٥٩ م/ ١٣٧٨ هـ السنة الثالثة: ص ٧ - ٨.
(٤) الحداثة الأولى: ص ١١١.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والتموزيون مصطلح أطلقه جبرا إبراهيم جبرا (^١) على كل من أدونيس والخال والسياب وخليل حاوي وجميعهم كانوا من شعراء مجلة شعر (^٢).
وهؤلاء يشتركون في تصوير حاضر العرب المسلمين عقيدة وسلوكًا وقيمًا وانتماءً؛ تصويرًا مليئًا بالشتم والاستخفاف، يصورونها أرضًا خرابًا ماتت فيها القيم الإنسانية ومعالم الحضارة، ثم يلوحون بقيم جديدة وعقائد جديدة، ويرون أن بلوغ العالم الجديد الذي يتوقون إليه وينتمون عقديًا إليه لا يكون إلّا بالموت والهدم الذي يعقبه البعث والخصب أي بعث الآلهة تموز وأدونيس (^٣).
وفي محاولة لتعميق جذورهم في واقع المسلمين نجد محاولاتهم التضليلية التي تقوم على اعتبار أن وثن "تموز" ليس غريبًا على العرب بل هو موجود في عاداتهم ومعتقداتهم الشعبية، يقول جبرا عن الرمز التموزيّ بأنه (ليس بالرمز الجديد علينا كأمة ويها من العادات والمعتقدات الشعبية كثير من أسطورة تموز بأشكالها المتعددة) (^٤).
وحركة شعر وما استتبعها من نشاطات ليست إلّا شجرة نبتت بجذور مختلفة نصرانية صليبية، وغربية مادية، ويونانية وثنية.
يتضح ذلك بالتأمل في أسسها والتي منها "الحزب القوميّ السوريّ" (^٥)
_________________
(١) جبرا إبراهيم جبرا، شاعر وناقد حداثيّ نصرانيّ من فلسطين، رأس مجموعته الشعراء التموزيين، له ديوان "تموز في المدينة" وعالم بلا خرائط باشتراك مع عبد الرحمن منيف، وأحد أهم أعضاء عصابة مجلة شعر، تأثر بجيمس فريرز، وكتابه الغصن الذهبيّ، وترجم جزءًا منه باسم "أدونيس" وسعى في ترويج أفكار فريزر ونشرها، توفي من قريب. انظر: الحداثة الأولى: ص ١١٢ - ١١٥، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٧٢٦، وكتابه البئر الأولى فصول من سيرة ذاتية.
(٢) انظر: الحداثة الأولى: ص ١١٢.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١١٢ - ١١٣.
(٤) مجلة شعر، عدد ٧ - ٨، صيف ١٩٥٨ مقال بعنوان "المفازة والبئر" و"اللَّه حول البئر المهجورة" ليوسف الخال: ص ٥٧.
(٥) انظر: إثبات ذلك في الحداثة الأولى: ص ١١٤، ١١٨، ١١٩.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الذي أسسه أنطون سعادة الذي كان له فيهم أبلغ التأثير بنشاطاته وكتبه، وخاصة كتابه "الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ" وقد أكد ذلك أدونيس حين تحدث عن هذا الكتاب قائلًا: (كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وفي توجُّهي الشعريِّ؛ ولأنه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءًا من سعيد عقل وصلاح لبكي (^١) ويوسف الخال وفؤاد سليمان (^٢)، وانتهاءً بخليل حاوي. . . وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية والنقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر والمشكلات التي أثارتها) (^٣).
بل إن أكثر شعراء مجلة شعر الذين أسسوها كانوا ينتمون إلى الحركة القومية الاجتماعية التي أسسها وقادها أنطون سعادة، ولا يستثنى منهم سوى جبرا والسياب (^٤)، فما الذي أسسه أنطون سعادة في مجلة شعر؟، وما الذي استتبع ذلك من تأثيرات على مستوى الحداثة العربية جمعاء وعلى الاتباع الطيعون من التلامذة الجدد؟.
لقد أسس أنطون سعادة نظرة جديدة تتناول القضايا الكبرى في الحياة وأوجد رؤية اعتقادية حديثة، وكان يرى أن (الأدب والفن لا يُمكن أن يغيرا أو يتجددا إلّا بنشوء نظرة فلسفية جديدة يتناولان قضاياها الكبرى، أي قضايا الحياة والكون والفن التي تشتمل عليها هذه النظرة) (^٥)، وكان يسعى إلى
_________________
(١) صلاح لبكي، محام وأديب وشاعر لبنانيّ، والده نعوم لبكي سياسيّ نصرانيّ، ولد صلاح عام ١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٦ م، وله مؤلفات عديدة ودواوين وكان رئيسًا لجمعية أهل القلم في بيروت وهي التي دعت إلى مؤتمر عام لجميع الأدباء العرب عام ١٣٧٣ هـ/ ١٩٥٤ م، توفي بعد ذلك بعام، كان من المتأثرين بدعوة أنطون سعادة. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٣٨٥.
(٢) فؤاد سليمان، شاعر لبنانيّ، من أتباع أنطون سعادة وحزبه ومن المتأثرين به، له ديوان أغاني تموز. أنظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٧٣٨.
(٣) مجلة الكفاح العربي، عدد ٣٠١، في ١٦/ ٤/ ١٩٨٤ م/ ١٤٠٤ هـ: ص ٥١، مقال لأدونيس بعنوان "نحو فهم آخر للتجديد الشعري".
(٤) انظر: الحداثة الأولى: ص ١١٩.
(٥) الصراع الفكري في الأدب السوريّ، لأنطون سعادة: ص ٦٦.
[ ١ / ٢٣٦ ]
(إنشاء أدب جديد فيه كل عوامل التجديد ودوافع البعث) (^١).
ولكن ما الهوية التي يريد تشكيلها لهذا الاتجاه؟ بعد أن قرر بأن الأمة ضائعة الشخصية وهو يبحث لها عن هوية لكنها ليست قومية عربية من جهة العرق، وليست انتماءً دينيًا من حيث الاعتقاد (إنه لا يرى في العرق والدين مقومين من مقومات الأمة. . .، بل تغدو العروبة انتماءً لغويًا ثقافيًا حضاريًا تضرب جذوره في مرجعية أعمق وأبعد تاريخيًا، هي مرجعية الموروث "السومريّ، الكنعانيّ، الآراميّ، البابليّ" الذي يرى فيه سعادة الينبوع الحضاريّ الأول في العالم) (^٢).
ومن هذا المنطلق يدعو أنطون سعادة أتباعه (ولا ريب أن الحداثيين جميعًا تأثروا بأنطون سعادة بصورة مباشرة أو غير مباشرة) (^٣) يدعوهم إلى عبادة الآلهة الوثنية، فها هو يتوجه بنداء إلى (الأدباء الواعين أن يحجوا ويسبحوا إلى مقام الآلهة السورية فيعودوا من سياحتهم حاملين إلينا أدبًا يكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور) (^٤).
وبهذا التنظير الوثنيّ وأشباهه أصبحت الأسطورة الوثنية إحدى مقومات الشعر الحديث عامة، والشعر العربيّ المعاصر خاصة (وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام. . . وثمة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة -منذ القديم- سداه ولحمته. . . أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة. . . وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر. . . لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٢.
(٢) الحداثة الأولى: ص ١٢٣.
(٣) سوف يأتي إثبات ذلك -إن شاء اللَّه- في الفصل الرابع من الباب الأول.
(٤) الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ: ص ٨٦.
[ ١ / ٢٣٧ ]
محموم- يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية "عشتاروت تموز" أو مصرية "أوزوريس" أو حثية "أتيس" أو فينيقية "أدونيس، فينيق" أو يونانية "أورفيوس، برميثيوس، عولس، أوديس إيكار سيزيف، أدويب. . . إلخ" أو مسيحية. . . بل إنه ذهب إلى بعض حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية "زرقاء اليمامة. . . اللات". . .) (^١).
ولم تبق الأسطورة عند هذه المكانة لدى شعراء وكتاب الحداثة، بل أصبحت معيارًا للتقدم، والحرية والإبداع، وأساسًا عقديًا للحداثة المعاصرة في مضامينها المتنوعة.
وهذا ما قرره أحدهم قائلًا: (لم تتجل الحداثة طوال العصور السابقة إلّا مرتين. . . المرة الأولى في اليونان القديمة. . .، والمرة الثانية في القارة الأوربية. . . قيام الصيغة الوثنية التي أسقطت القداسة عن الملوك والآلهة، ففتحت بذلك باب حرية الفكر. . . إن الصيغة الوثنية هي صيغة تعددية. . . وهذا النشاط الذي قام به الإغريق سميناه الحداثة الأولى أو الحداثة الزراعية، وما زلنا حتى الآن نلجأ إلى استلهامها ولم نستطع أن نتجاوز الحدود التي وصلت إليها. . .) (^٢).
من هذا كله نستطيع أن نفهم ظاهرة الانحراف العقديّ في ما يتعلق بتوحيد الربوبية وخاصة في نسبة الربوبية إلى غير اللَّه، إنها وبكل بساطة ووضوح عقيدة وثنية ورثها هؤلاء عن أسلافهم وأخذوها عن أسيادهم، فارتكسوا في حمأة الضلال، ودخلوا إلى الخرافة والتخلف الفكريّ من أوسع الأبواب.
وأمثلة هذه الظاهرة كثيرة في كتابات الحداثيين وسوف أورد بعض النماذج في هذا الصدد.
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر لإحسان عباس: ص ١٢٨، وقد أدخل جملة من الحقائق في إطار الأساطير وعد من ذلك المسيح ويحيى ﵉ والخضر ﵇، وحادثة الإسراء والمعراج والمهدي المنتظر.
(٢) مجلة الناقد، عدد ٨، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٣٤ من مقال لحنا عبود بعنوان "مقاربة الحداثة".
[ ١ / ٢٣٨ ]
فمنها ما انتشر في كلام أدونيس "رائد الحداثة العربية الأول وأستاذ مبدعيها" فهو يتحدث عن نفسه باعتباره الرائد والقائد الذي سن الطريق لمن جاء بعده، فيقول:
(. . . فعبرت المفازة
وتركت ورائي الطريق
باسم رب يخط كتابه
في كهوف العذاب العتيق
ارفع هذا الحريق) (^١).
يجعل نفسه مغامرًا يعبر المفازات التي هي الماضي والأصالة والتراث، ثم ربًا يخط الكتابة رمز التقدم، ويرفع الحريق رمز التدمير والهدم لكل ثابت أصيل وهو المعنى الذي ردده في موضع آخر:
(- من أنت؟
- رمح تائه
- رب يعيش بلا صلاة) (^٢).
هكذا بكل صفاقة يجعل من نفسه رباَ، وذلك يقتضي أن يؤلَّه عند أتباعه الذين يقرأون هذا الكلام ويتشبعون بمضامينه، وكيف لا وهو يدندن مفتخرًا بنفسه بمناسبة وغير مناسبة؟ والأتباع يصيخون السمع بإعجاب وانبهار، وهو يقول لهم:
(يولد في أسمائي
بشر
يزدحمون ويقتتلون/ خذيهم
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٣٤٧.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤١٧.
[ ١ / ٢٣٩ ]
دليهم واحتضنيهم
كوني طرقًا لهم وفتوحات يا أسمائي
فأنا الأبد المتشرد خارج أسمائي
أبديًا) (^١).
ومن الأمثلة قول أحد الماركسيين العرب ممتدحًا الشيوعية، وشعارها المتمثل في المطرقة والمنجل ودولتها الإلحادية "الاتحاد السوفيتي"، وينقل هذه الأبيات ماركسي آخر في احتفالية باهتة فيقول: (وإذ اندلعت الحرب الكونية أعلن إلياس خليل زخريا (^٢) موقفه بوضوح حيث هو موقعه، فوقف ضد النازية والفاشية بطبيعة الحال واختار المعسكر الذي رأى فيه معسكر التحرر والتقدم والتغيير فهتف للاتحاد السوفياتي تحديدًا، وغنى بطولات شعوبه وجيشه الأحمر ومجد ملحمة ستالينغراد حيث إحدى ذروات الدفاع عن الوطن وعن إنسانية الإنسان وحريته:
منجله في الوغى ربه … والمطرق الفولاذ صوت الرسيل
يا فارس النور فداك الضحى … أحد الليالي وتسقّ الرعيل) (^٣)
وإذا انعطفنا إلى المؤسسين الأوائل للحداثة العربية السياب والبياتي فإننا نجد هذا اللون من الانحراف قد أخذ جانبًا من التركيب الفكريّ
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ٢/ ٣٦١.
(٢) إلياس خليل زخريا، ولد في البترون في لبنان عام ١٣٢٩ هـ/ ١٩١١ م، ودرس في الكلية العلمانية في حمص ثم في الجامعة اليسوعية في بيروت، ودرس العلوم الأدبية في السوربون، وهو شاعر وناثر وصحافي عمل في عدد من الصحف والمجلات، وكانت له مساهمات سياسية حيث شارك في حركة قومية اسمها الغساسنة، وجمعية أهل العلم، توفي في ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م. انظر: شخصيات وأدوار: ص ٢٥٩.
(٣) شخصيات وأدوار لمحمد دكروب: ص ٧٠ - ٧١.
[ ١ / ٢٤٠ ]
والعقدي لديهم، فالسياب يطرح أسئلة شك في اللَّه تعالى ويسأل هل يؤمن الناس بأن في السماء مدبرًا سمعيًا بصيرًا؟:
(نرى العراق يسأل الصغار في قراه
ما القمح؟ ما التمر؟
ما الماء؟ ما المهود؟ ما الإله؟ ما البشر
فكل ما نراه
دم ينز أو حبالٌ، فيه، أو حفر. . .
أكانت النساء والرجال مؤمنين
بأن في السماء قوة تدبر
تحس تسمع الشكاة تبصر
ترق ترحم الضعاف تغفر الذنوب؟) (^١).
ويسترسل السياب في هذه القصيدة مؤلهًا أوثان اليونان:
(ليعوسر بروس في الدروب
وينبش التراب عن إلهنا الدفين
تموزنا الطعين. . .
أواه لو يفيق
إلهنا الفتيُّ لو يبرعم الحقول. . .
عشتار ربة الشمال والجنوب. . .
ليعوسر بروس في الدروب
لينهش الآلهة الحزينة، الآلهة المروعة
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٤٨٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
فإن من دمائها ستخصب الحبوب
سينبت الإله، فالشرائح الموزعة
تجمعت تململت، سيولد الضياء
من رحم ينز بالدماء) (^١).
فمن الارتماء في الشك في وجود اللَّه تعالى وفي كونه يسمع ويبصر ويدبر، يبتدئ التسلسل الفكريّ للسياب في هذه القصيدة، وإن كان قد جعل هذا المقطع في وسط القصيدة، ثم ينحدر إلى الوثنيات اليونانية ورموزها ليضفي عليها صفات الألوهية ويصفها بالقدرة على إحياء أرضنا "يبرعم الحقول" "ستخصب الحبوب" وينعتها بالنور والضياء بل بالقدرة على وهب الضياء للآخرين!!
وهكذا انطلقت الحداثة -من أول تجاربها- في هذا الميدان تجحد الحقيقة وتقدس الوهم والخرافة، وتؤله الأوثان، وتتخذ من أسمائها رموزًا للتقدم والرقيّ والحياة الجديدة، فتموز رمز الإحياء والبعث القوميّ يناديه باسم الرب ويطلب منه العون والسقيا والحياة:
(تموز هذا، أتيس
هذا، وهذا الربيع
يا خبزنا يا أتيس
أنبت لنا الحب وأحي اليبيس
التأم الحفل وجاء الجميع
يقدمون النذور
يحيون كل الطقوس
ويبذرون البذور
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٤٨٣ - ٤٨٥.
[ ١ / ٢٤٢ ]
سيقان كل الشجر
ضارعة والنفوس
عطشى تريد المطر
شدد على كل ساق
يا رب، تمثالك
فلتسق العراق
فلتسق فلا حيك عمالك. . .
. . . شدوا على كل ساق
يا رب تمثالك
فاسمع صلاة الرفاق. . .
تمثالك البعل
تمثالك الطفل
تمثالك العذراء
تمثالك الجانون والأبرياء) (^١).
وإذا كان السياب قد انحدر إلى التموزية بعد الماركسية، فإن البياتي -وهو من المؤسسين لحركة الحداثة العربية- تقلب في انحدارات اعتقادية عديدة أشهرها الشيوعية التي لازمت فكره وشعره وشعوره وولاءه، حتى لتكاد حين تقرأ له تعده من روسيا أو الصين الشيوعية.
وحينما أراد أن يثبت عروبته جاء بالمضامين الشيوعية الإلحادية، ففي قصيدة أغنية إلى جمال عبد الناصر (^٢)، يقول:
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٤٣٤ - ٤٣٩.
(٢) جمال عبد الناصر، قائد ورجل دولة وعسكريّ، ثار مع مجموعة من الضباط على =
[ ١ / ٢٤٣ ]
(باسمك في قريتنا النائية الخضراء
في العراق
في وطن المشانق السوداء
والليل والسجون
والموت والضياع
سمعت أبناء أخي باسمك يلهجون
فدى لك العيون
يا واهب الربيع للقفار
ومنزل الأمطار في قريتنا الخضراء. . .) (^١).
وطالما انتقد الحداثيون الشعراء القدامى لمدائحهم في الملوك والخلفاء والسلاطين ولكننا نجد هذا عندهم وبصورة أبشع وأشنع.
فالقدامى مدحوا ملوك المسلمين الحاكمين بشرع اللَّه المجاهدين في سبيل اللَّه، وهؤلاء مدحوا كل ساقط في فكره وعمله وعقيدته بمدح لم يُسبق إليه، فهم يضفون عليهم صفات الألوهية والربوبية، وفي المقطع السالف أوضح دليل على ذلك، فهو يضفي على عبد الناصر صفات الربوبية "واهب الربيع، منزل الأمطار" وإن كان يريد بها المعاني الضمنية لهذه
_________________
(١) = الملك فاروق عام ١٣٧١ هـ/ ١٩٥٢ م، ثم انقلب على زميله الضابط محمد نجيب، رسخ النظام العلمانيّ ممارسة، وتقلب بين الإنجليز والأميركان والروس، وحارب دعاة الإسلام وعلماءه وزج بهم في السجون وقتل سيد قطب وغيره من إخوانه ومارس سياسات متقلبة، فقد نبغ على يد الأمريكان كما أثبت ذلك مايلز كوبلاند في لعبة الأمم، ثم اتجه إلى الاتحاد السوفيتيّ، وشارك في إنشاء منظمة عدم الانحياز، وزج بجيشه في اليمن فهلك أكثره، وسلمه غنيمة باردة لليهود في حزيران ١٩٦٧ م/ ١٣٨٦ هـ، توفي فجأة سنة ١٣٩٠ هـ/ ١٩٧٠ م بعد أن عاث في الأرض طغيانًا وفسادًا. انظر: موسوعة السياسة ٢/ ٧٥.
(٢) ديوان البياتي ١/ ٢٠٧.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الأوصاف، مما قد يتذرع به الذين ينافحون عن الذين يختانون أنفسهم.
غير أننا نجده في موضع آخر يصرح بنسبة الربوبية لغير اللَّه فيقول:
(عندما أستيقظ حبي
فإن ثلج العالم الأسود ربي) (^١).
أمّا النصرانيّ يوسف الخالط فتنعكس عقيدته في أقواله الساخرة باللَّه تعالى، ومنها:
(. . . وحين أموت خذوا جسدي
ولا تدفنوه
لئلا يقوم مع الفجر يومًا
ويكشف سر الإله
مع الشوق يحلو لنا الانتظار
وإن فرغت خمرة في الكؤوس
فها هو ذا الرب بين الحضور. . .
وفي الحب تنكشف الأحجيات
فلا يتدحرج صخر القبور
ولا يصعد اللَّه نحو السماء. . .) (^٢).
وبالنَفَس النتن نفسه يتحدث النصراني الآخر توفيق صائغ، فيقول:
(أي أم أحبت أطفالها
حب يسوع بلفظ البركة
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٥٣.
(٢) الأعمال الكاملة ليوسف الخال: ص ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وعاقر بعد من قال
إنما هي من الحور الحسان
حلم المؤمن
فإن لم تلد، فلا لعقم
بل منحة من الأرباب:
أن تنعم باللذة
الخصبة خصب المتئمات) (^١).
فمن منبعه النصراني إلى رؤيته الوثنية في اعتقاد الأرباب، ثم إلى اعتقاد نفسه ربًا حيث يقول:
(أنا رب قديم
تقصد موحاه الأمم
فتحت الكوة أتلصص
فألفيتني مقعدًا أجش
وكبوت) (^٢).
ومن كبواته الاعتقادية ينفث أقواله الممتزجة بالنصرانية المحرفة مع الجاهلية، مع الكلام المفكك الركيك، يقول:
(رفرف على أرضنا
يا ضبابًا معزي
وحل علينا
_________________
(١) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٩٠ - ٩١.
(٢) المصدر السابق: ص ١٠١.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أخف أعز الضيوف
وامتسح بالدخان
أنفاس رب أب
يا جناح ملاك رؤوف. . .) (^١).
وفي هذا النص دلالة واضحة على عمق التأثير النصراني في أفكار وعقائد ونتاج توفيق صائغ، فهو برغم عكورة مشاربه الحديثة من مادية وإلحادية وعلمانية، وبرغم مزاعمه الانتماء إلى الفكر التحرريّ اللادينيّ، إلّا أنه لم يستطع أن يتخلص من جذوره النصرانية، التي من أول شركياتها التثليث القائل بالأب والابن وروح القدس، ويعنون بالأب الرب - جلَّ وعلا وتقدس عما يقولون.
أمّا نزار قباني فإن نرجسيته وتعاليه بذاته جعلته ينسب الربوبية إلى نفسه:
(لا تخجلي مني فهذه فرصتي لأكون ربًا أو أكون رسولًا) (^٢)
(ولا تحسبي أن قلبي تحجر
فاليوم أخلق منك إلهًا
وأجعل نهدك قطعة جوهر) (^٣).
ويقول:
(كوني حقل بهار يلذع
كوني الوجع الراتع إني
أصبح ربًا إذ أتوجع) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٨١.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة ٢/ ٧٦١.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٤٧٠.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٨٠.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ذلك أنه قد انغرس في قلبه الشك في اللَّه تعالى، وفي كونه ربًا حقيقيًا، حيث يقول:
(يا إلهي
إن تكن ربًا حقيقيًا. . فدعنا عاشقينا) (^١).
فأضحى -بناء على هذه الريب الدنسة- يصف بالربوبية غير اللَّه العظيم فمرة نفسه كما سبق ومرة ثغر خدينته:
(قد كان ثغرك مرة
ربي فأصبح خادمي) (^٢).
ومرة يصف والده بذلك:
(أمات أبوك؟
ضلال. . أنا لا يموت أبي
ففي البيت منه
روائح رب، وذكرى نبي) (^٣).
ويصف الهلال، رمز المسلمين بالربوبية والجمود والتحجر وهي إضافة مقصودة، وجمع بين لفظ الرب ورموز التخلف وعباراته، مع نسبته الربوبية لغير اللَّه تعالى، يقول قباني:
(يا هلال
أيها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشًا ونعاس
_________________
(١) المصدر نفسه ٢/ ٦٥.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٣٤٧.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٣٥٤.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أيها الرب الرخامي المعلق
أيها الشيء الذي ليس يصدق
دمت للشرق. . لنا
عنقود ماس. .
للملايين التي قد عطلت فيها الحواس) (^١).
وإذا انتقلنا إلى ما يسمى بشعراء المقاومة العربية، إلى شعراء من فلسطين فسوف نجد المضامين نفسها تتكرر في قوالب وعبارات مختلفة، فها هو الشاعر الشيوعيّ الفلسطينيّ سميح القاسم (^٢) يتحدث عن نفسه وشعره وفكره وعقيدته وكتبه:
(ربما تكسد في الأسواق كتبي
ربما ينقلب الأنصار أعداءً، وقد ينفض مني الكف صحبي
ربما أبقى وحيدًا
أنا والحزن ودربي
ربما. . لكنني أقسم بالحرف الملبي
بكيان من صنيعي صار ربي صار ربي
أن أسوق النار من كل طريقِ
واذريك رمادًا عن حريقي) (^٣).
أمّا الكيان الذي صار ربًا له فهو الكيان الشيوعيّ الذي انتمى إليه
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٢) سميح القاسم، حداثيّ فلسطينيّ شيوعيّ المعتقد، إسرائيليّ الهوية، أحد أعضاء الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ "راكاح" شارك في مهرجانات عديدة ضمن الوفد الإسرائيليّ، له دواوين عديدة، مليئة بالانحرافات. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٢٧.
(٣) ديوان سميح القاسم: ص ٤٧٥.
[ ١ / ٢٤٩ ]
سميح القاسم فكرًا ومسلكًا وانطرح عند أبوابه مادحًا مبجلًا لرموزه وتاريخه (^١)، يقول في قصيدة بعنوان "طلب انتساب للحزب":
(إلى مايرفلنر وشيوعيون
لا أعرف أسماءهم من أسيوط واللاذقية
وفولفوا غراد ومرسيليا ونيويورك
وأزمير، ومن جميع المدن والقرى
وأكواخ الصفيح والعرائش
المتشبثة بكوكبنا - بكرتنا الأرضية
اعطني إزميلك المسكوب من صلب المرارة
. . . اعطني مطرقة من منجم الحقد المصفى
علني انسف ما ظل من الأصنام
نسفا) (^٢).
ويقول:
(أجل عادت مع الصوت
رؤى نسلي الذي أقسمت أن يأتي
ووجه الأرض مخلوق من البدء
بصورة سفر تكوين
يسمى الاشتراكية
_________________
(١) انظر أمثلة لذلك في ديوانه: ص ١٠٧، ١٢٥ - ١٢٦، ١٨٣، ٢٦٥ - ٢٦٩، ٢٨١، ٢٨٥.
(٢) ديوان سميح القاسم: ص ٢٧١ - ٢٧٢.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وفي البدء
تعوم الأرض في الضوء
وكيف نشاء
سنرسم صورة الأفلاك والأمواج والأحياء
رفيقي - آه يا إيفان الكسييفتش
أتاني الصوت. . صوت الجد اكتوبر
أتاني طيبًا أخضر
وقال: تعال يا ولدي الشقي تعال
. . . سلامًا يا سواعد أخوتي العمال
سلامًا يا مداخنهم
سلامًا يا منازلهم
سلامًا للجسور الشهل
للآلات للأبراج للأزهار للأطفال
لطهر حدائق العشاق. . .) (^١).
هذا هو الكيان الذي اتخذه ربًا، واتخذ معه الاشتراكية إنجيلًا وسفر تكوين وبداية، ورؤى أمل وحياة، وطقوس عبادة وتأله، بعد أن كفر باللَّه تعالى واستكبر عليه وعلى دينه.
يقول تحت عنوان "رسالة إلى اللَّه":
(سيد الكون أبانا
ألف آمنا وبعد
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٢٩١ - ٢٩٢.
[ ١ / ٢٥١ ]
من حقول البؤس هذه الكلمات
. . . يا أبانا، يا أبًا إيتامه ملوا الصلاة
يا أبانا، نحن مازلنا نصلي من سنين
يا أبانا نحن مازلنا بقايا لاجئين
. . . يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء
لن نصلي لك كي تمطر قمحًا
لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا
نحن أنجبنا على الحزن كبار الأنبياء
وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . ربًا
شق من مأساتنا للفجر ربًا. . .) (^١).
إنه الدين الجديد الذي انتحله هذا الحداثي بعد جحده ربوبية اللَّه وألوهيته، خاطب اللَّه تعالى بالعبارة الكفرية النصرانية الشهيرة "أبانا الذي في السماء تقدس اسمك" والتي يزعم النصارى أنها من الإنجيل، وهي ليست منه بل مما كتبت أيديهم، ثم بعد هذا الخطاب النصرانيّ توجه بإلحاد وعناد إلى اللَّه تعالى بأنه لن يصلي له، ولن يأخذ بدينه؛ لأنه دين خرافات وحجب ورقية -حسب زعمه- ولن يتبع نبي الإسلام؛ لأن عقيدته الشيوعية الماركسية قد أنجبت له كبار الأنبياء وأوجدت له ربًا يعبده ويخضع له من دون اللَّه.
وفي موضع آخر يخاطب ربه الجديد قائلًا:
(أيها الرب الترابيّ الذي يخشى عبيده
. . . أيها الرب فكن ما شئت. . واحكم وتحكم. . .) (^٢).
_________________
(١) المصدر نفسه: ص ٦٣ - ٦٥.
(٢) ديوان سميح القاسم: ص ٤٧٥ - ٤٧٦.
[ ١ / ٢٥٢ ]
أمّا زميله الماركسي الآخر توفيق زياد (^١) فعلى المنوال نفسه، فمن نشأة وأصل طائفيّ درزيّ، إلى فرع شيوعي ماركسيّ، وقد غرق في محبة الشيوعية وتمجيدها، إلى آذانه، وخبط في خوضها المنتن إلى حد جعله يتغنى بأمجاد الشيوعية قبل قيام الدولة الماركسية في الاتحاد السوفيتيّ الهالك، فهو يمتدح ثورة باريس المسماة كومونة باريس (^٢)، وينسب إليها سيادة الكون فيقول:
(حبي الأول أنت
شرف الحرية، فارسها المغوار
سيد هذا الكون
وسيد كل الثوار
الحر الأول أنت
أول عبد يتجرأ أن يمشي منتصب الظهر) (^٣).
وتوفيق زياد هو صاحب ديوان "شيوعيون" يقول فيه:
_________________
(١) توفيق زياد درزيّ فلسطينيّ ماركسيّ متعصب أحد عملاء اليهود، وأشهر المداحين للماركسية ورموزها، إلى حد تقديم طقوس العبادة لرموزها، مثل قصيدته عند قبر لينين، وشعره يدور على مستنقع الماركسية في خطابية فجة، وارتماء بيد، والشيء من معدنه لا يستغرب، هلك عام ١٤١٦ هـ، وهو على تمسكه بالحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وعلى مبادئه المعادية للإسلام وقضاياه. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٢٨، والمرشد تراجم الكتاب والأدباء: ص ٤٤.
(٢) الكومونة أو البلدية هي وحدة الحكم المجلس المحلي في فرنسا، ويراد به عند الماركسيين ما حدث في سنة ١٧٩٢ م عشية الاستيلاء على سجن الباستيل وانطلاق الثورة الفرنسية حيث بادر مجموعة إلى تشكيل لجنة دائمة مقرها بلدية باريس أطلقت عليها كومونة ثورية متطرفة مسلحة وقامت بأعمال إبادة ومجازر للملكيين واتخذت تدابير مضادة للنصرانية ثم ثار عليها الناس وأعدم أصحابها. انظر: موسوعة السياسة ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٦.
(٣) ديوان توفيق زياد: ص ٥٦٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
(قالوا: شيوعيون. قلت: أجلّهم
حمرًا بعزمهم الشعوب تحرر
قالوا: شيوعيون. قلت: منية
موقوتة للظالمين تقدر
قالوا: شيوعيون قلت: أزاهر
بأريجها هذي الدنا تتعطر
قالوا: رعاع. قلت: ذلك محتدي
شرف يزين عروبتي وينور. . .
. . . يا سائلي. . لا تستتب أمورنا
حتى يظللنا اللواء الأحمر) (^١).
ويقول تحت عنوان "إلى عمال موسكو":
(معكم أنا. .
يا أخوتي العمال في موسكو أنا معكم
لدهر الداهرين
معكم. . مع الحزب الذي نقل الرعاع
إلى قباب الكرملين
ومع اللواء الأحمر العالي. . لوائك يا لينين
. . . . يا أخوتي أحفاد لينين العظيم
الغارزين لواءكم عند السماء السابعة
الضاربين سرادقًا فوق النجوم
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ٧ - ٨.
[ ١ / ٢٥٤ ]
هذه يد العمال للعمال
ملحًا في عيون الكارهين) (^١).
ويقول في عبادة وخضوع ونسك شيوعيّ إلحاديّ، في مقطوعة بعنوان "أمام ضريح لينين":
(أمامه وقفت خافض الجبين
ضريحك الذي يعيش في القلوب
يا لينين
أحسست أنني أنا المعذب الشقيّ
المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين
أملك كل شيء
أقوى من الزمان والقضاء
وانني أقدر أن أقتحم السماء) (^٢).