وهم يمارسون ذلك بالجحد والنكران الصريح، وحتى أنه أضحى من المألوف في كتابات زعمائهم وأئمتهم عبارات من أمثال "قتل الألوهية" أو "قتل اللَّه" -تعالى اللَّه وجلَّ عما يقولون علوًا كبيرًا-، وغير ذلك من العبارات المؤدية إلى هذا المعنى الخبيث، مثل قول نزار قباني:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا
على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
[ ١ / ٢٩٧ ]
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (^١).
وقول توفيق صايغ:
(قلبي بحر لم يعد يمشي عليه الألم
طارد الإلهَ من بعد، وإمّا قضى
احتوى جثمانه ثلاث ليال
قلبي قبر أفلت منه جثمان الإله) (^٢).
وفي موضح آخر ينفي وجود الإله ويقرنه بالغبار رمز العدم والضياع فيقول:
(لففت العباءة حولي
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله
نجوٌ بقمتي الجرداء) (^٣).
ويعبر البياتي عن جحد الألوهية وعقيدته القائلة بقتل الإله -جلّ اللَّه وتعالى- فيقول:
(رأيت الإله على المقصلة
رأيت الديوك على المزبلة) (^٤).
أمّا أستاذ الضلال الحداثيّ أدونيس فله في هذا المجال الدنس أوسع باع، فها هو يقول تحت عنوان "الإله الميت":
(اليوم حرقت سراب السبت سراب الجمعة
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة ٣/ ٣٤٢.
(٢) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص ٤٠٩.
(٣) المصدر السابق ص ٣٠٤.
(٤) ديوان البياتي ١/ ٤٩٢.
[ ١ / ٢٩٨ ]
اليوم طرحت قناع البيت
وبدلت إله الحجر الأعمى وإله الأيام السبعة
بإله ميت) (^١).
فالجمعة رمز المسلمين، والبيت قبلتهم، والحجر الأسود ركن البيت، واللَّه تعالى هو إله الأيام السبعة، كلها عنده محل تهكم وسخرية واستخفاف، ويحتم ذلك كله بلفظ "إله ميت"، والمعنى نفسه يكرره في موضع آخر فيقول:
(كان في أرضنا إله نسيناه مذ نأى
وحرقنا وراءه هيكل الشمع والنذور
نحن صغنا من القباب
صنمًا من تراب
ورجمناه بالحضور
بالطريق الذي كان أن يبدأ) (^٢).
أي فجاجة إلحادية أصرح من هذه الأقوال؟، وأي جرأة على اللَّه تعالى أخبث من هذه الجراءة؟.
وهذا الطاغوت الحداثيّ الأكبر الذي تتبعه مناهج الحداثة العربية وتعده في قمة السلم الحداثيّ وفي منزلة من الاقتداء لا تضاهى، يخط بكلامه هذا وأمثاله معالم الحداثة العربية، ويترسم الأتباع خطواته في عمى، وإن لم يقل بعضهم مثلما يقوله سادن الحداثة هذا، إلّا أنه فتح أمامهم أبواب الاجتراء على اللَّه تعالى ودينه ورسوله في مثل قوله: (دم الآلهة طريٌ على ثيابي) (^٣).
ويبحث عن أضرابه من المشككين والملاحدة ليتخذهم منطلقًا لإفكه وضلاله، ويمتدح الأفاك الأثيم النصرانيّ جبران خليل جبران ويستشهد
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٣٤٦.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٣٨٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٠٦.
[ ١ / ٢٩٩ ]
بقوله: (إن بلية الأبناء في هبات الآباء، ومن لا يحرم نفسه من عطايا آبائه وأجداده يظل عبد الأموات؛ حتى يصير من الأموات) (^١)، ثم يضيف شارحًا: (وفي هذه المقطوعة يسمى اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة، شأن الزواج الذي هو عبودية الإنسان لقوة الاستمرار، والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية للتحرر) (^٢).
ولهذا القول دلالات عديدة منها:
١ - أنه يتخذ جبران سلفًا له في إلحاده وضلاله، ويتخذ قوله رصيدًا لهذا التوجه.
٢ - أن القول الحداثيّ العام العائم الذي لا تظهر دلالاته أول وهلة يكون له عند الحداثيين دلالات أخرى، وشاهد ذلك النص السابق الذي أخذه أدونيس من كتاب المجنون لجبران ليقوم بعد ذلك بشرحه وتمرير عقيدته من خلال التواطؤ المعنويّ بين المعتقدين الفاسدين.
٣ - يصف أدونيس أسس عقيدة المسلمين "الإيمان باللَّه والنبوات والمعاد" بأنها مجرد ألفاظ قررتها الأجيال الماضية، وهي موجودة الآن بحكم الاستمرار وقوته، وليس بقوة الحقيقة.
وهذا القول إضافة إلى كونه إلحادًا صريحًا وكفرًا بواحًا، فهو أيضًا مجرد دعوى يخبط بها هذا المتردي في وجوه المنتكسين والمرتكسين والإمعات، فيعمي به أبصارهم وبصائرهم، ويقذف في قلوبهم الجرأة على ممارسة الإجرام والإفك الثقافيّ والاعتقاديّ.
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٨٧.
(٢) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٨٧.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفي هذه الدعوى المجردة أكبر دليل على أن الأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة ما كان لها أن تعيش، وهي تحمل بذور فنائها فيها، لولا وجود قوة خادعة، وألفاظ موهمة وشعارات عاطفية، كما صنع هذا الباطنيّ حين خلص من دعواه الباطلة في جحد وجود اللَّه والأنبياء والآخرة ليقرر بعد ذلك بأن هذا هو سبيل التحرر، وكم جنت دعاوى التحرر وشعاراته على المسلمين حين رفعها حداثيّ مفتتن، وعلمانيّ مُستَرق، فما أفاد المسلمون منها إلّا تشكيكًا في دينهم وقدحًا في عقيدتهم، وتشويهًا لشريعتهم وسخرية بتاريخهم، وولاء لعدوهم، وعداوة لأمتهم.
إن المشيحين عن دين الحق والهدى والرشاد من رؤوس الكفر وأذنابه، لم يفقهوا هذا الدين ولم ينظروا إلى حقائقه نظرة إنصاف وبحث عن الحق، بل تجارت بهم أهواء الباطل كما يتجارى الكَلَب بصاحبه لا يذر عرقًا ولا مفصلًا إلّا دخله، وهؤلاء استحوذت عليهم سنة تقليد الضعيف للقويّ، فانماعوا في الباطل وأشربوا حبه، حتى صارت معرفتهم به وتعمقهم فيه واستمساكهم به أشد وأقوى ما يكون الاستمساك، ثم يتطاولون على الإسلام وحقائقه القاطعة وبراهينه المؤكدة مع أن معرفتهم بالشبه والافتراءات المثارة حول الإسلام، أكثر من معرفتهم بحقائق الإسلام ذاته.
٤ - يسمي أدونيس الإيمان باللَّه وأنبيائه واليوم الآخر تقاليد، وهذا ملمح من ملامح الحداثة العربية، يمارسه بعض أتباعها، الذين لا يعلنون ما يعلنه أدونيس والبياتي وغالي شكري وأنسي الحاج وقباني من كفر وإلحاد، ولكنهم يتوجهون إلى هدم الدين بطريق ملتو ومسالك مريبة منها محاربة التقاليد البالية والتقاليد القديمة، ونحو ذلك من عبارات أمثال: الرمال الضريرة، والكهوف الميتة، والأعشاب اليابسة، والزمان الحرون، وما أشبه ذلك من رموز وألفاظ تحتها أفاعٍ وحيات.
فمحاربة التقاليد أساس حداثيّ، وفي النص الأدونيسيّ التفسير الجليّ لمرادهم بالتقاليد.
[ ١ / ٣٠١ ]
٥ - زعمه بأن التحرر لا يقوم إلّا على الإلحاد والكفر باللَّه تعالى وهو ما عبر عنه بقوله: (على كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد كمقدمة ضرورية لتحرره) (^١)، وقد سبق أن قال بأن اللَّه والأنبياء والآخرة ليست إلّا تقاليد.
والزعم بأن التحرر لا يقوم إلا على الإلحاد، زعم كاذب وادعاء أجوف، فها هي أوروبا التي يتخذها قبلة له تغرق في نتائج انفلاتها من الدين، وتسقط في حمأة الانحرافات الخلقية والنفسية والاجتماعية إلى حد جعل بعض عقلائهم ينادي بالعودة إلى الدين والأخلاق ووضع ضوابط للحرية، وذلك بعد أن أذاقهم اللَّه لباس القلق النفسيّ والتوتر العصبيّ، حين أعرضوا عن الهدى، واستكانوا إلى الإلحاد والمادية، فكثر الظلم والعدوان وحقد القلوب وفساد الضمير والأنانية المفرطة، والإجرام المنظم والدعارة والشذوذ والربا والجشع، والتفكك الأسريّ والاجتماعيّ، والأمراض الجنسية والنفسية، وغير ذلك من نتائج هذا التحرر الإلحاديّ الذي ينادي به أدونيس وغيره من رواد الحداثة وأتباعها.
إن ربط التحرر بالإلحاد والكفر باللَّه تعالى هو أحد أهم المضامين الاعتقادية الحداثية، وسوف يأتي في ثنايا هذا المبحث إثبات ذلك، وقد سبق في الفصل الأول من هذا الباب ذكر شيء من ذلك.
ثم إن تحررهم المزعوم من عبادة اللَّه تعالى ومن الإقرار بألوهيته لم يخلصهم من العبودية لغيره، بل ارتكسوا في تأليه غير اللَّه وعبادة غير اللَّه من مناهج ونظم وعقائد وأفكار وأحزاب، وهذه الحقيقة مما اعترف به بعض الحداثيين حين قال: (. . . التخلص من الإله، في الفكر الماديّ، دفع إلى ابتداع إله آخر، هو الذات الثورية) (^٢).
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٤٣ من مقال بعنوان "أسئلة عن الثقافة الطبقة والتشكيلات الاجتماعية" لعصام خفاجي.
(٢) ديوان الفيتوري ١/ ٣٩٣.
[ ١ / ٣٠٢ ]
إن سعيهم الحثيث في تحطيم معاني الألوهية وجحد حقائقها قابله في الوقت نفسه تأليه وعبودية للمخلوقين ونتاج المخلوقين، وخالطه بؤس وألم وضنك، كما اعترف بذلك محمد الفيتوريّ في مرحلته السابقة حين أغرق نفسه في ظلمات الحداثة والعلمانية العربية، يقول:
(احترقت ستائر الإله
حتى أنائي الأزليّ شاه
أنائي المقدس انحطم
بالفظاعة الألم) (^١).
وإحساس الفيتوريّ بالألم جراء هذا الاجتراء على اللَّه الإله الحق المبين، هو من بقايا الفطرة في نفسه ومن بقايا تربيته المنزلية ودراسته الشرعية، وهو في هذا على عكس أدونيس صاحب الجذور النصيرية والتربية النصرانية اليهودية والممارسة الشيوعية، وكذلك أشباهه مثل الخال وأنسي الحاج وجبرا الذين يجاهرون بالكفر، ويفتخرون به، ويمتدحون أهله، ويتلذذون بدعوتهم إليه وممارستهم له، كما قال أدونيس في وصفه لخطته ومنهجه وطرائق تفكيره ودعوته:
(أسير في الدرب التي توصل اللَّه.
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله) (^٢).
وما هو بقادر على تبديل ما حفظه اللَّه ولا تغيير ما وعد اللَّه ببقائه واستمراره (وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟، واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟،. . . وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلّا ما قال اللَّه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ
_________________
(١) و(^٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٠٥.
[ ١ / ٣٠٣ ]
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾) (^١) (^٢).
والمتتبع لكتابات أدونيس وآرائه يتضح له أن هذا الرجل الباطنيّ وجد في الحداثة بغيته في الوصول إلى عقول وقلوب بعض أبناء المسلمين، من خلال شعارات التحديث والتجديد الأدبيّ واللغويّ والشعريّ والفنيّ والنقديّ وما أشبه ذلك من عناوين خادع بها أتباعه من بعده.
فهو لا يفتأ يمتدح نفسه ويشيد بخطواته، ويجعل من ذاته وأفكاره أساسًا لهدم الألوهية وتمزيق الإله -حسب تعبيره الكفريّ- فهو يقول:
(للإله الذي يتمزق
في خطواتي
أنا مهيار هذا الرجيم
أرفع الميتين ذبيحه
وأصلي صلاة الذئاب الجريحه) (^٣).
ويقول أيضًا:
(. . . غير أنا غدًا نهز جذوع النخيل
وغدًا نغسل الإله الهزيل
بدم الصاعقة
ونمد الخيوط الرفيعة
بين أجفاننا والطريق) (^٤).
غسيل الإله الهزيل عبارة واضحة للكفر وجحد الألوهية ودم الصاعقة
_________________
(١) الآية ١٨ من سورة الأنبياء.
(٢) تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي ٢/ ٢٩ - ٣٠.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٤٩.
(٤) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٩٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
رمز للحداثة والتغيير الثوريّ وهو "صدمة الحداثة" كما في أحد أجزاء تلمود الحداثة الثابت والمتحول.
وحين يتحدث عن الإسلام، ينفث سمه وصديد أفكاره، ويصدر أقبح الأوصاف باللَّه تعالى ودينه وكل الرموز العلمية والتاريخية المتعلقة بالإسلام، يقول أدونيس في "رحيل في مدائن الغزاليّ":
(قافلة كالناي، والنخيل
مراكب تغرق في بحيرة الأجفان
قافلة - مذنب طويل
من حجر الأحزان
آهاتها جرار
مملوءة باللَّه والرمال:
هذا هو الغزاليّ) (^١).
فهو يرمز للتخلف والرجعية بالناي والنخيل والغرق وبحيرة الأجفان والمذنب الطويل وحجر الأحزان والآهات والجرار والرمال، ويريد بها اللَّه تعالى ودينه ورسوله وورثة وحيه وهديه (. . . وأي بارقة أمل في شبيبة ترتاح لمجمل هذا الأدب أو بالأحرى لأخص خصائص قبحه. . .، إله يغرق في الرمال، كلمة كافرة مفلسة يؤنس شبيبتنا بها طائفيّ، ويراد منه أن يكون رائدًا وموجهًا ومعلمًا لأدبنا الحديث!!.
. . . هؤلاء صناع الحضارة وصائغوا قوانين العلم لم يدعوا أن الإله يغرق في الرمال، بل أقروا بإله حي قيوم محيط بكل شيء؛ لما بهرهم من عظمة الخلق ونظامه؛ ولأنهم رأوا بتلسكوباتهم ما لم يره ذلك الطائفيّ بعينه العوراء.
وهذا الطائفيّ الذي خرج من وراء الكواليس ليكون من قدر أمتنا
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١٢١.
[ ١ / ٣٠٥ ]
الخائب (^١) أن يكون هو وأضرابه من معالم الأدب الحديث: افترى على الحضارة ما ليس فيها وليس عنده بديل صحيح، إنه يتكلم بأسلوب البحث العلمي تارة، وبهيبة الأدب الحديث تارة عن ميتافيزيقيات طائفية هي منتهى الخرافة والتخلف والرجعية، يبشر بهذه الكهانة الوثنية بعد تعتيم شديد، ويصب اهتمامه على تحطيم الثوابت الحضارية في أمتنا، إن وثنيهم الكبير يصوغ قصيدة الغبار ليمزج شبيبتنا بالريح) (^٢).
إنه لا يتردد أن يقول بكل وقاحة وجرأة:
(لم يبق نبي إلّا تصعلك لم يبق إله. . .
هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت
نفتح للشمس طريقآ غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك
للحالم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (^٣).
أي دعاية للكفر والإلحاد أعظم من هذا الكلام؟ وأي مناقضة حاقدة للإسلام أشهر من هذه الكلمات الكافرة؟.
إنه تحدٍّ صارخ للإسلام عقيدة وشريعة وحضارة وتاريخًا وواقعًا، وتطاول من قزم طائفيّ موتور، ليس له هم إلّا تحطيم الثوابت وإزاحة الحقائق وتزييف البراهين، واقتناص الشبيبة الجاهلة وتلويثها فكرًا وعقيدة وشعورًا، وتسخيرها في مهاوي الجهالات، مستسلمة لهذا الطفيليّ الطائفيّ الحاقد وأشباهه، تنقل فكره وترفع ذكره وتدافع عنه، وتستجدي مكانة في ثقافة الصحف الهادمة من خلال ترديدها ومحاكاتها لأقواله وأفكاره، التي قام هو بأخذها عن أساتذته الملاحدة وشيوخه الباطنيين.
_________________
(١) هذا قول يحتاج إلى تفصيل، فإن كان قصده بالقدر تقدير اللَّه تعالى فلا يصح هذا القول ولا يجوز، وإن كان قصده بالقدر المقدور فيصح وهذا مثل إطلاق الشر في القدر، فالقدر خيره وشره يراد به المقدور لفلان خيره وشره، انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٥٤٢.
(٢) القصيدة الحديثة وأعباء التجاوز لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: ص ١٢٢ - ١٢٤.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٢٦٦.
[ ١ / ٣٠٦ ]
إن إسقاط الألوهية والعبودية بعد جحد وجود اللَّه وربوبيته من أهم الأسس التي تمارسها الحداثة في سائر منطلقاتها وأعمالها على حد ما عبر به أدونيس في قوله:
(أنا المتوثن والهدم عبادتي) (^١).
وهدمه يبدأ حسب ما صرح بها مرارًا وتكرارًا بهدم الألوهية وتحطيم معاني العبودية لله تعالى وهو ما قرره في تلمود الحداثة الثابت والمتحول فقال: (لم يعد الإنسان عبدًا للَّه ولا خاضعًا له، أي: لم تعد علاقته به علاقة عبد بسيد. . . ولم تعد هذه العلاقة علاقة مخلوق بخالق. . .) (^٢).
وحتى عند الذين قد لا يعدون من غلاة الاتجاه الحداثيّ، أو يشار إليهم بأنهم يمارسون حداثة متعقلة متزنة أو غير ملحدة ونحو ذلك من عبارات التوفيق والتلفيق.
حتى عند هؤلاء نجد النفس الإلحاديّ والتأصيل الشكيّ الهدميّ في مواجهة الدين وأصوله وقواعده، ولنأخذ على ذلك مثالًا بإحسان عباس (^٣) الباحث والناقد المعروف صاحب الباع الطويل في التصنيف الأدبيّ الحداثيّ، خاصة في حقل الهوية الفنية للنص والدراسات النقدية التطبيقية من حيث المضمون الفنيّ والفكريّ، وخاصة في كتابه اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر، وهو الذي سوف نورد منه النص المقصود.
ذلك أنه بعد أن تحدث عن مفهوم التطور والتحول في الشعر الحديث
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٦٤٢.
(٢) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٧٣.
(٣) إحسان عباس ولد في فلسطين عام ١٣٣٨ هـ/ ١٩٢٠ م، تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة ثم منها حصل على الماجستير والدكتوراه عام ١٣٧٣ هـ/ ١٩٥٤ في الأدب العربيّ، عمل أستاذًا للأدب العربيّ في الجامعة الأميركية في بيروت ١٣٨١ - ١٤٠٦ هـ/ ١٩٦١ - ١٩٨٦ م، ثم أستاذًا في جامعة برنستون، له العديد من الدراسات والبحوث والكتب النقدية من منطلق حداثيّ بحت، وفي هذا البحث نقولات عديدة عنه تكشف موقفه الفكريّ والاعتقاديّ. انظر: غلاف كتابه اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر، والصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٥٩.
[ ١ / ٣٠٧ ]
باعتباره قانونًا لا فكاك منه، شرح المراد فقال: (. . . وأصبح التطور لا يعني انتقال سمات مذهب شعريّ -في حقبة ما- إلى سمات مذهب آخر، في حقبة أخرى، بل أصبح حركة متسارعة بعدد الأفراد الذين يقولون الشعر، وبذلك قضى على فكرة الخلود الكلاسيكية، وأصبح التميز -في الدائرة الشعرية- مرحليًا، وصحب هذا كله إيمان بأن كل قيمة ثابتة -أيًا كان منبتها ومهما تكن مدة ثباته- فهي تشير إلى الركود أو التخلف والجمود، سواء أكانت تلك القيم تتصل بالدين أو بنمط حياة أو طريقة تفكير، وكان هذا الوجه من النظر يصيب أكثر ما يصيب مؤسسة قائمة على ثوابت ضرورية مثل الدين -وخاصة الدين الإسلاميّ في صورته السنية- من حيث أنه صورة كبيرة من صور التراث، والحق أن الإنسان الحديث حين يعتقد أنه يعيش في كون قد غابت عنه الألوهية، فإنه لابد أن يعيد النظر في كثير من القيم التي كانت تتصل بالنواحي الغيبية، ولكن الإسلام ليس قاصرًا على هذا الجانب، وإنّما هو أيضًا نظام حياة وأسلوب تنظيم، وبما أن التنظيم يعني ثبات قيم معينة، فإن الثورة على التراث كانت تتناول هذا الجانب منه أيضًا. . .) (^١).
وهذا النص يحتوي عدة قضايا:
الأولى: أن التطور -أصل الأصول الحداثية- لا يعني التجديد الفنيّ، بل القضاء على فكرة الثبات والأصول والقواعد والضوابط الاعتقادية والفكرية والخلقية.
الثانية: أن أول قضية يتصدى لها "مبدأ التطور الحداثيّ" هي قضية الدين، وتصديه لها بطريقة الزحزحة والإزاحة والإذابة والإبعاد.
الثالثة: أن الدين المقصود والمستهدف من هذه الخطة الإبليسية الحداثية هو دين الإسلام، وعقيدة أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص.
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر لإحسان عباس: ص ١١٣.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الرابعة: أن المراد بالتراث عند حديثهم عن مواجهة التراث وهدم التراث ومحاكمة التراث وإزاحة التراث هو الدين الإسلاميّ.
الخامسة: اعتقاد الحداثيين أن الإنسان الحديث يعيش في كون غابت عنه الألوهية، وهذا هو مربط مقاصدهم في مصطلحات التطور وعدم الثبات والتجديد في مقابل الجمود والتراث.
ولعاقل أن يسأل: أي إنسان تريدون؟ إن كان الإنسان الغربيّ حيث القبلة التي وجهتهم لها وجوهكم، فليس هو المعيار لإثبات هذه الدعوى التي تتذرعون بها لجحد الدين ونسف علاقة الإنسان به وإن كان الإنسان المراد هو الإنسان العربيّ حيث الكلام عن حداثة عربية فلاريب أن العربي مهما بلغ تفريطه العصيانيّ ما زال يؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -ﷺ- نبيًا، ولايستثنى من ذلك إلّا المرتدون من أبناء المسلمين من شيوعيين وعلمانيين وحداثيين وباطنيين وأضرابهم، أمّا أصحاب الكفر الأصليّ من نصارى ويهود العرب فهذا هو مضمارهم.
السادسة: أن جحد الألوهية والزعم بغيابها عن واقع الإنسان -والمراد الألوهية التوحدية حسب العقيدة الإسلامية- لا يقتصر عند مجرد الجحد النظريّ بل يمتد إلى كل مقتضيات الألوهية، إلى الإسلام نظام حياة وأسلوب تنظيم؟ لأن النظام ثبات، والإسلام ثبات، ولابد من تقويض الثابت والمؤسس والمنظم والمؤصل، كيما تسود الحداثة الهادمة الفوضوية التخريبية.
السابعة: أن هذا النص وإن كان وصفًا تحليليًا لواقع الحداثة إلّا أنه إقرار ضمنيّ من صاحبه بسلامة وصحة هذا المنحى الإلحاديّ الذي وصفه وشرحه، وهو في أحسن الأحوال يصف وكأن الأمر -أمر الألوهية والدين الإسلاميّ- لا يعنيه من قريب أو بعيد.
ولما كانت الحداثة بهذه المثابة من التصور والاعتقاد، وجدنا أن كتابها ومنظريها ودعاتها وأتباعها يحومون حول هذه المعاني سعيًا لقطع الصلة بالإسلام أولًا؟ لكونه يشكل القوة الفاعلة المناقضة لاعتقاداتهم الباطلة؟
[ ١ / ٣٠٩ ]
ولكونه عالج مشكلات الانحراف الاعتقاديّ والعمليّ منذ أول وهلة في صراعه مع الكفر والشرك والإلحاد والوثنية، وكشف عوار هذه الانحرافات التي أوبقت الإنسان وردته في أسفل سافلين، ولكون الإسلام يحتوي على القوة البرهانية الدامغة، ويتحدى بقوة حقيقية كل ألوان وأشكال الزيف والردة والانحطاط.
فصراع الحداثة مع الإسلام ليس إلّا امتدادًا للصراع القديم بين الإسلام والكفر والإيمان والجاهلية، وحزب الرحمن وحزب الشيطان، والذي يتصور الصراع على غير هذا الوجه وبغير هذه المثابة واهم أو جاهل أو مغرض، لايعرف الحقيقة على وجهها، أو يعرفها ويتجاهلها.
وأكبر دليل على ذلك أنك تجد أشد شيعة الحداثة عتوًا، ركزوا جهدهم منذ البداية على نسف الحقائق الأولية لدين الإسلام، الربوبية والألوهية على وجه الخصوص، ثم النبوة والوحي والغيبيات، فها هو أحدهم يتحدث بطريقة تقريرية خطابية قائلًا: (ما عاد الإنجاز يقاس بالانسجام مع مفاهيم غيبية بل مع عمل يتجه صوب أهداف موضوعية عقلانيًا، وفي إيجاز فإن السلوك بدأ يقاس في ضوء قيم جديدة. . . فالإنسانية إذًا هي خالدة وحدها دون سواها، مستبدلًا بفكرة الألوهية فكرة البشرية كما فعل كونت) (^١).
وهكذا بكل ادعائية يقرر أن السلوك الإنسانيّ بدأ يقاس في ضوء قيم جديدة هي القيم المادية الإلحادية بعيدًا عن الغيبيات وبعيدًا عن الألوهية التي ذهبت -على حد زعم الكاتب- وجاء بديلًا عنها فكرة تأليه الإنسان؛ لأن الإنسانية خالدة!!.
إنه التبشير المنحط بعقيدة دنيئة أنتجتها الصليبية والصهيونية والماسونية والعلمانية، لإسقاط شباب الأمة في مطحنة الضياع والتيه، وتذرية الأمة
_________________
(١) المثقفون العرب والغرب لهشام شرابي نقلًا عن قضايا وشهادات ٢/ ١٨ من مقال لسعد اللَّه ونوس بعنوان "بين الحداثة والتحديث".
[ ١ / ٣١٠ ]
بكاملها في أعاصير التخلف الوثنيّ، وذلك بنزع يقينها بدينها وزعزعة إيمانها بخالقها وإلاهها.
وفي هذا المضمار الإلحاديّ الكفريّ تتحدث إحدى الكاتبات عن المضمون ذاته فتقول: (أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون، ويشكل مبدأ القيم والغايات وعندئذِ ترسخت الحركة الإنسانوية. . . توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس وحلت مشروعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون استثناء ودون اعتبار اللون والعرق أو المذهب والدين، ألم تطرح الماركسية نفسها بديلًا إنسانيًا عالميًا لكل عصور الاضطهاد والاستعباد السالفة، ورسمت الحلم الذي لا يشيب بحق الإنسان في المساواة والتحقيق الذاتيّ الإنسانيّ والانعتاق من الاغتراب) (^١).
هذا الكلام مجرد ترجمة لأفكار وعقائد الغرب وتاريخ الغرب في صراعه مع الدين النصرانيّ المحرف، ولكنه في الوقت ذاته إسقاط علمانيّ خبيث على المسلمين، وتنزيل مغرض على واقع يخالف الواقع الغربيّ جملة وتفصيلًا.
وإلّا فمن هو الإنسان الذي نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره إلّا الإنسان الغربيّ الماديّ الملحد، وليس هو الإنسان المسلم الذي يؤمن باللَّه إلهًا وخالقًا ومدبرًا حتى وهو في أشد حالات عصيانه وضعفه الإيمانيّ.
وأي أرض تراجع عنها مفهوم الألوهية؟ إنها ليست أرض المسلمين ولا بلاد المسلمين على الرغم من الأنظمة العلمانية الطاغوتية المفروضة عليها، وعلى الرغم من محاولات المسخ الإعلاميّ والثقافيّ والتربويّ
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ١٠٢ من مقال بعنوان "امرأة الحداثة العربية" للدكتورة أنيسة الأمين.
[ ١ / ٣١١ ]
والاجتماعيّ الموجه إليها، إلّا أنّ بلاد المسلمين لم تتأله لغير اللَّه، ولم تتعبد لغير الخالق المدبر -جلَّ وعلا-، وها نحن نشاهد اليوم حالات التوق الشديد لدى المسلمين في الانفلات من ربقة الأئمة المضلين من رؤوس الضلال المسلطين على رقاب المسلمين وبلادهم، ولكن العلمانيين والحداثيين لا يفقهون.
ولا أدل على ذلك من المثل الذي ذكرته هذه الكاتبة حين أشادت بالماركسية باعتبارها الممثل لفكرة الإنسانوية -حسب تعبيرها- والبديل الإنسانيّ العالميّ لكل عصور الاضطهاد والاستعباد، والحلم الذي لا يشيب. . . إلى آخر تلك العبارات الممتدحة للنموذج العلمانيّ الحداثيّ، الإنسانيّ، حسب زعمهم.
وقد رأينا ورأى العالم أجمع كيف تمزقت الماركسية وانهارت بعد أن مارست أبشع أنواع الكفر والاستبعاد والاضطهاد، فإذا هي أثر بعد عين، وإذا أبناؤها الذين تلقوا تعاليمها وتشبعوا بعقائدها المفلسة هم الذين يسعون في هدمها ويشتدون في تحطيمها، وإذا الشعوب التي رزحت تحت التسلط والجبروت الإلحاديّ العلمانيّ الحداثيّ الماركسيّ تنتفض بقوة وصلابة تطالب بالحرية وتنشد أنسام الحياة الإنسانية بعيدًا عن هذه المبادئ الملحدة الظالمة.
ولسوف يشهد العالم كيف تتهاوى المبادئ والنظم الغربية الليبرالية الرأسمالية البرجماتية، بل إن علائم هذا الانحسار والاندحار تلوح في الآفاق ولايبصرها إلّا أولو الألباب، أمّا الذين عشيت أبصارهم من وهج المخادعة، وما زالت عقولهم في حالة الدهشة والإغماء فإنهم يستبعدون ذلك غاية الاستبعاد.
ومن الأمثلة على ذلك مقال لتركي الحمد (^١) بعنوان "هل أن الغرب
_________________
(١) تركي الحمد، ولد في بريدة سنة ١٣٧٢ هـ، ودرس بعد الجامعة في كلورادو، ومن جامعتها حصل على الماجستير في العلوم السياسية والدكتوراه من جامعة جنوب =
[ ١ / ٣١٢ ]
يسقط؟ " يتحدث عن ذوي التفكير الرغبويّ الذين يقولون بأن الغرب سيسقط، ويعني بذلك كل مسلم يؤمن بقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ (^١)، وقوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ (^٢).
فهو يصف من يفكر ويستشرف المستقبل على ضوء كلام اللَّه المعصوم بأنه (غير قادر على التعامل التاريخيّ مع الواقع المعاش، وأنه يعيش خوفًا دفينًا وعدم ثقة بالنانس وتفكيرًا رغبويًا خادعًا، وخطابًا أيديولوجيًا مغلقًا، وممارسة لعمليات النكوص والهروب والتضخيم والاختزال، وعدم فهم لجدلية هيجل، وممارسة التعصب القائم على ثنائية صارمة قوامها الصواب والخطأ والصديق والعدو، وغير ذلك من مؤشرات السقوط والموت والذبول) (^٣).
ثم يختم هذه الألقاب الهجائية بقرار "رهبويّ تبعيّ" فيقول: (. . . إن المعطيات الموضوعية تقول: إن الغرب وخلال المستقبل المنظور غير آيل للسقوط أحببنا ذلك أم كرهنا) (^٤).
_________________
(١) = كاليفورنيا، عمل أستاذًا في جامعة الملك سعود - كلية العلوم الإدارية، له دراسات وبحوث ومقالات عديدة ومثاركات ثقافية مختلفة، كان ينحى المنحى الجدليّ الديالكتيكيّ، ثم انتقل محاكيًا محمد عابد الجابري وسائرًا على خطاه، ثم هو يتبنى اليوم الليبرالية الغربية والبرجماتية السياسية والفكرية، ويدافع عن الطروحات التحررية من وجهة نظر لائكية بحتة. انظر: دليل الكتاب والكاتبات: ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) الآيتان ١٦ - ١٧ من سورة الإسراء.
(٣) الآيات ٨ - ١٠ من سورة محمد.
(٤) انظر: مقال تركي الحمد "هل أن الغرب يسقط"، جريدة الشرق الأوسط، عدد ٤٧٢٤ في ١٤/ ١١/ ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ١٩.
(٥) المصدر السابق.
[ ١ / ٣١٣ ]
ولو أردنا أن نحاكم سقوط هذا الكاتب واضطراب موازينه واختلال انتماءاته لوجدنا الشيء الكثير، والذي قد يتذرع له ويعتذر عنه بالنسبية الفكرية، وعدم القطع، وبالذرائعية الوصولية، وبالتطور المستمر للفكر، وغير ذلك من المعاذير الواهية.
لقد كان هذا الكاتب المنافح عن بقاء الغرب والمستعير لمفاهيمه وفكره وطموحاته إلى حد التقديس؛ كما قال عنه أحد زملائه في أنه (يعطي الأفضلية للإيديولوجية الغربية في مفهوم المواطنة) (^١)، وأنه طرحه (يدل على البؤس الفكريّ والأيديولوجيّ الذي يؤصل مفاصل الكثيرين من المثقفين العرب) (^٢).
كان هذا الكاتب يتخذ من العلماني الكبير محمد الجابري (^٣) رمزًا كبيرًا، ومفكرًا كبيرًا، وأستاذًا عظيمًا، وقدوة في العقيدة والفكر، بل كان يتقمص أفكاره وكتاباته ويعيدها بصياغة أخرى، ثم بعد حرب الخليج الثانية كتب عنه عدة مقالات بعنوان "رمز هوى. . . الجابري وزلزال الخليج" بين فيها سقوط الجابري وزيف فكره وضعف تحليله وقلة بصيرته، فما المانع أن يسقط الشق الماديّ الغربيّ كما سقط الشق الماديّ السوفيتيّ وكما سقطت فلسفاته عند الحمد وكما سقط الجابري؟.
_________________
(١) مجلة اليمامة، عدد ١١٩٩ - ٢٢ رمضان ١٤١٢ هـ، مقال لإسحاق الشيخ يعقوب: ص ٦٠ وهو يحاكم التوجه الغربيّ لدى تركي الحمد من منطلق ديالكيتكي. انظر: اليمامة عدد ١٢٠٣: ص ٤ في ٢٦/ ١٠/ ١٤١٢ هـ، واليمامة عدد ١٢٠٠ في ٢٩ رمضان ١٤١٢ هـ.
(٢) محمد عابد الجابري، كاتب ومتفلسف مغربيّ، يعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة محمد الخامس - كلية الآداب في الرباط، له مجموعة من المؤلفات والدراسات عن التراث الإسلاميّ مثل نحن والتراث ومعالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلاميّ، وإشكالية الفكر العربيّ المعاصر، ونقد العقل العربيّ، وتكوين العقل العربيّ وغيرها وكلها تنطلق من أساس علمانيّ فلسفيّ. انظر: هموم الثقافة العربية لفرحان صالح: ص ٥ - ٢٧، ومداخلات لعلي حرب: ص ٧ - ١٢٧، والحداثة في ميزان الإسلام: ص ١١٠.
(٣) نشرت هذه المقالات في جريدة الشرق الأوسط، عدد ٤٥٧١ في ٤/ ٦/ ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ و٤٥٧٢ في ١٢/ ٦/ ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ، ومقال في ٢٣/ ٦/ ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ، ومقال في ١/ ٧/ ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ.
[ ١ / ٣١٤ ]
والمذهب الإنسانيّ الذي تتبناه الحداثة وتدعو إليه وتتخذه إلهًا من دون اللَّه هو الفرع الفلسفيّ للشجرة المادية الغربية، وقد اقتطعه الحداثيون والعلمانيون وجاءوا به إلى بلاد الإسلام؟ ليستنبتوه كما استنبتوا من قبله الفلسفات الأخرى كالوجودية والماركسية والقومية والوطنية.
إن الحداثة في توجهها إلى النزعة الإنسانية واتخاذها قاعدة ومنطلقًا لا تبتعد عن الأرض التي تجمع بينهما أرض المادية الكافرة الملحدة، ومن طبائع الأمور أن تجد هذا النحو من الاشتراك والتداخل والتشابك.
والشأن هنا في هذا النظام المعرفيّ الماديّ، الذي يراد له أن يكون الرائد والموجه الفكريّ والثقافيّ في أوطان المسلمين، ولعقول أبناء أمة الإسلام.
إن الاختناق العقليّ الإلحاديّ الذي تعيشه أوروبا بعد سلسلة طويلة من الزيغ والانحراف أمر له ما يبرره نظريًا، ولكن الأمر الذي لا يفهم إلّا على أنه مؤامرة مقصودة هو نقل هذه الفضلات الفكرية إلى أمة لديهما حقائق اليقين بالبرهان لا بالادعاء، وبالتذوق والتخلق، لا بمجرد الانتساب.
ولنأخذ على ذلك مثالًا بسيطًا، وهو ما نشاهده اليوم بين المسلمين من بقايا أخلاق وثوابت عقيدة، رغم ما لدى المسلمين من ضعف فيها، إلّا أن أجهل المسلمين خير من كثير من علماء المادية الغربية الذين لا مانع عند أحدهم أن يكون ولده شاذًا وابنته زانية، بل ربّما كان هو يمارس الشذوذ وزنا المحارم، وإذا نزلت به نازلة انتحر، والمسلم لا يفعل ذلك مهما انحطت درجة التزامه بالإسلام، نعم لقد تقدموا في النواحي المادية، ولكن أمتنا خير من أمة الغرب مهما تأخرت ماديًا، وأولئك شرٌّ منا مهما حققوا من تقدم ماديّ، ويكفي أن يطلع المنصف على حقيقة الغرب الاستعمارية الظالمة، وتسلطه المباشر وغير المباشر، وظلمه الموزع على بقاع الأرض، وخاصة على المسلمين، وما أحداث البوسنة والشيشان وفلسطين وكشمير والسودان إلّا أمثلة على الطغيان والظلم الغربيّ، أمّا الأمراض الاجتماعية والنفسية والفكرية فالحديث عنها قد امتلأت به الكتب والصحف الغربية المهتمة بهذا الشأن.
[ ١ / ٣١٥ ]
تنطلق الحداثة الغربية والعلمانية وفروعها العربية من منطلق جعل الإنسان "إلهًا" وجعل "الإنسانية" دينًا، وفصل علاقة الإنسان باللَّه ربًا وإلهًا.
وقد أخذ الحداثيون العرب هذا المفهوم من أساتذتهم الغربيين، تحت ستار تلاقح الثقافات، والعقلانية، ونحو ذلك من العبارات التي يشوشون بها على ضعفاء الدين والعقل، يقول أحد المفكرين الغربيين وهو يؤصل النزعة الإنسانية: (. . . الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة الذي يصور عادة في شكل آلهة سماوية، أو جنات مقيمة ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأنه مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه وإلّا فلن تجدهما على الإطلاق) (^١).
هذا المعنى الإلحاديّ منقول بحذافيره -إن لم يكن نصًا مترجمًا فمعنًى مؤصلًا- عند أكثر الحداثيين والعلمانيين العرب.
فها هو يوسف الخال ومحمد جمال باروت يقرران أن (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج إلهيّ أبديّ بل وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه، لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا، ومن هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم تغيرًا جذريًا، فلا شيء محرم على العقل، فعوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع، وجد الإنسان نفسه، شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت
_________________
(١) القول لـ "لامونت" وقد نقلته من قضايا وشهادات، من مقال لمحمد جمال باروت ص ٢٥٩ وعنوانه "تجربة الحداثة ومفهومها" في مجلة شعر.
[ ١ / ٣١٦ ]
مضى، مقياس كل شيء، إذ أن العصر الحديث عصر علمانيّ بدأ حين وعى الإنسان قدرته وأخذ يعرب عن وجهة نظره الفردية المستقلة إلى نفسه واللَّه والكون، ولقد تأتّى له أن يشك، وفي شكه عزم على الاكتشاف لنفسه وبنفسه) (^١).
ويؤكد يوسف الخال هذا الاتجاه الكفريّ حين يقول: (. . . إذا فقد الإنسان سندًا له في نظام إلهيّ أبديّ، يرئسه (^٢) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا) (^٣).
وهو المعنى الذي أشار إليه أدونيس في مؤتمر روما حين قال: (. . . لا يقدر الشعر أن يتفتح ويزدهر إلّا في مناخ الحرية الكاملة - حيث الإنسان مصدر القيم لا الآلهة ولا الطبيعة) (^٤).
وتكرر خالدة سعيد كلام زوجها حين تقرر بأن (الشعر يحل مكان الدين ويصبح ميتافيزيقيا المجتمع الحديث حيث يلعب الشاعر دور الآلهة التي اختفت) (^٥).
وعلى هذه الأسس قامت الحداثة، وأضحى مطلب الحداثة تحرير الإنسان من الوحدانية والتوحيد، وإسقاط القداسة عن كل شيء "لأن الحداثة وضع تعدديّ مشابه للوثنية اليونانية الجذر الأولى للحداثة الراهنة،
_________________
(١) هذا النص ممزوج من كلام يوسف الخال في مقال له بعوان "نحو أدب عربي حديث " المنشور في مجلة أدب المجلد الثاني، العدد الأول شتاء ١٩٦٣ م/ ١٣٨٢ هـ: ص ٩، وكلام محمد جمال باروت المنشور في قضايا وشهادات العدد ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٥٨.
(٢) هكذا والصواب "يرأسه".
(٣) نحو أدب عربي حديث، مجلة أدب، مجلد ٢، عدد ١ شتاء ١٩٦٣ م/ ١٣٨٢ هـ: ص ٩.
(٤) الأدب العربيّ المعاصر، أعمال مؤتمر روما ١٩٦١ م/ ١٣٨٠ هـ: ص ١٦٩.
(٥) البحث عن الجذور، دار مجلة شعر - بيروت ١٩٦٠ م/ ١٣٧٩ هـ: ص ٩.
[ ١ / ٣١٧ ]
وهذا الوضع التعدديّ الوثنيّ مناقض تمام المناقضة للتوحيد الذي يعتبر أساسًا للتخلف والرجعية على حد تعبير أحدهم (^١).
وفي عبارة صريحة يقول: (. . . إن الحداثة الأولى ارتبطت بقيام المدن الدول في اليونان. . . إن قيام أي وحدانية يعني القضاء على فعل الحداثة) (^٢).
ويعد محمد بنيس (^٣) أن المعرفة القائمة على أحدية اللَّه الواحد الأحد أساسًا للتخلف إذ هو صورة للمتعاليات الإسلامية -حسب تعبيره-، والتي تبدأ من اللَّه الواحد، وتتجسد اجتماعيًا في الأدب وسياسيًا في القبيلة إلى آخر تحليلاته الهابطة (^٤).
أمّا محمد أركون فيعتبر أن اللَّه -﷿- مشكلة، ويسأل كيف يُمكن لنا أن نعبر عن هذه المشكلة باللغة العربية (^٥).
وقد انبث هذا الضلال المتمثل في نفي ألوهية اللَّه في كلام وأعمال الشعراء والروائيين الحداثيين، وسوف أسرد هنا بعض الأمثلة على ذلك:
قال السياب:
_________________
(١) انظر: مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٣٣ - ٣٤ من مقال لحنا عبود بعنوان "مقاربة الحداثة".
(٢) الحداثة عبر التاريخ لحنا عبود: ص ٢٦٨.
(٣) محمد بخيس ناقد حداثيّ مغربيّ، ولد في فاس عام ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٨ م، حصل على شهادتي دكتوراه من جامعات في الرباط ويعمل أستاذًا للشعر العربيّ في كلية الآداب في جامعة الرباط، أنشأ مجلة الثقافة الجديدة عام ١٣٩٣ هـ/ ١٩٧٤ م وهو عضو في هيئة تحرير مجلة مواقف التابعة لأدونيس، وأحد المؤسسين لدار توبقال للنشر في المغرب، حداثيّ، متعصب شديد الكراهية للإسلام، يظهر ذلك في كل كتاباته وخاصة كتابه حداثة السؤال. انظر: الإسلام والحداثة: ص ٤١٩، وأصوات ثقافية من المغرب العربي: ص ٥٩.
(٤) انظر: حداثة السؤال لمحمد بنيس: ص ٤٤ وص ٦٤.
(٥) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٣٤٣.
[ ١ / ٣١٨ ]
(أهذه مدينتي؟ أهذه الطلول
خُط عليها عاشت الحياة
من دم قتلاها قلا إله
فيها ولا ماءَ ولا حقول؟) (^١).
ويصف العراق وهو ينغمس في حالة الشك في اللَّه تعالى، ويسأل بشك: لماذا الناس هناك يؤمنون بأن في السماء من يدبر، قال:
(نرى العراق يسأل الصغار في قراه:
ما القمح؟ ما الثمر؟
ما الماء؟ ما المهود؟ ما الإله؟ ما البشر؟
فكل ما نراه
دم ينز أو حبال فيه أو حفر
أكانت الحياة
أحب أن تعاش، والصغار آمنين
أكانت الحقول تزهر؟
أكانت الماء تمطر؟
أكانت النساء والرجال مؤمنين
بأن في السماء قوة تدبر
تحس، تسمع الشكاة تبصر
ترق ترحم الضعاف تغفر الذنوب) (^٢).
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٤٧٢.
(٢) ديوان السياب: ص ٤٨٤.
[ ١ / ٣١٩ ]
أمّا البياتي فيعبر عن جحد الألوهية بتعبير آخر، وذلك حين يصف تخلف رجل مسلم يعبد اللَّه تعالى -وكل مسلم عنده فهو متخلف- ويعبر عن اللَّه تعالى بلفظ العنقاء رمز المستحيل فيقول:
(رجل بالموت مضاء، قلق، تحسبه أعمدة ووهاد وجسور
يركع في منتصف الليل أمام العنقاء) (^١).
أمّا يوسف الخال فهو المجترئ على عملية الهدم والتدمير، والمنادي بصراحة أن نكون امتدادًا لأوروبا، هل سبب ذلك نصرانيته أم إلحاده؟ لا فرق؛ لأن المقصود هو إبعاد المسلمين عن دينهم وإلقاؤهم في أحضان العقائد المتشاكسة المتهالكة، يقول:
(ليت ذاك النهار لم يكُ، انظر
كيف غارت جباهنا، كيف جفت
في شراييننا الدماء، وكيف
انبح فينا صوت الألوهة
. . . كل الجراحات يا بحر
حبالى ونحن مهد عريق
للولادات: أيُّ، أيُّ إلهٍ
ما رأى النور بيننا، ما تربّي
كيف يحيا، يشقى يموت) (^٢).
ويتهكم بالدين والذي أنزله فيقول:
(بيني وبين السماء شعرة من الزمن. كلابي تنبح
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٤١٩.
(٢) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ٢٢٧ - ٢٢٩.
[ ١ / ٣٢٠ ]
في الدار، ولا عظام في قبور الموتى
والذباب يأكلون العيون في مدينة الرب) (^١)
ويعبر عن جحوده وإنكاره للَّه فيقول:
(لا نور لا ظلام لا إله) (^٢).
أمّا النصرانيّ توفيق صايغ عميل منظمة حرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (^٣) فقد تمادى به استرضاؤه لأسياده إلى حد التهالك في مضادة الدين الحق والإله الحق، وله في ذلك الأقوال الكثيرة، منها:
(وما إلهك إن لم يجب) (^٤).
وفي موضع آخر يتهكم باللَّه تعالى، وينال من مقام الألوهية جاحدًا فيقول:
(أيها المعطي رذاذًا والآخذ سيولًا
والمتلكئ في العطاء كأنما
بذرة الألوهة بين طيات اليد القابضة
والهابّ، تكاد تتعثر للأخذ
كأنك تقتضي بأخذك أعناق أربابٍ قدامى
وكأنك لا تدرك
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٨٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٢٧.
(٣) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص ٤٢.
(٤) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ١٦٥.
[ ١ / ٣٢١ ]
أن عطاءاتك نفايا
وقد خسرتُ صرحك) (^١).
وفي مقطع طويل حشد كل أحقاده ودفائنه الرخيصة ضد اللَّه العظيم الجليل بوصف جنسي فاضح ثم يقول عن اللَّه تعالى:
(ورسمك الذي بدا يتهلهل
. . . أأدركت ما بنا
أم أعماك الغرور واللاانتظار
وإباؤكَ أن ترانا انتشينا
نقمة ومقتا
نجزيك بهما عن الليالي المداد
نقعتنا بها بحمأة الترجي
ولا رجاء
ونفضتنا عنك، أرخص مما اشتريتنا
ولم تخلّف لنا
غير وعدٍ برسول من لدنك
ينقل لنا خيراتك
ينفخ في رماد الذكريات؟
أراعك أنا استدرنا
حول الرسول ساخرين
وأما شدا باسمك
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٠٣.
[ ١ / ٣٢٢ ]
خائفًا خافتا
شدونا عاليًا صاخبين:
بغير حب إلهي بغير محبة؟
ولم نعذب رسولك ليبوح
إنك مغلوب كايانا
وفي عوز مثلنا وأسرٍ وصحراء
ورسالاتك هذي إلينا
استغاثات لا غرام
وتقربك الآن إلينا
ليس حبًا بقربى
لكن لتسكين إبرةٍ فيك
لا تكل
وتريدنا وقد خرطشتنا برشاشك
أن نسكّن إبرتك
ونحن (ألم تدرك؟)
تقبلنا اللهيب لنوقد الكره الأصم
وابتلعنا العصير
لنتقيأ معه
اسمك والماضي وذكراكا) (^١).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٠٣ - ٢٠٦.
[ ١ / ٣٢٣ ]
هذا المقطع البذيء المرتكس في أنتن أنواع الكفر والإلحاد هو شيء مما يطلق عليه الحداثة والإبداع، وقائله ممن يعد عند الحداثيين قمة من قممهم التي لا تطاول.
مع أن الحقيقة أن هذا الكفر البواح، ليس إلّا جزءًا من المؤامرة الخبيثة على القرآن وأهله والسنة وأتباعها، وهذا مايؤكد أن القضية ليست قضية ثقافة وفن وإبداع وشعر وتحديث، بل هي قضية حرب على أمة الإسلام، وحرق لهويتها ومهاجمة لأثمن وأعز ما يعتقده المسلم؛ وإلا فما وجه الربط بين التحديث والكفر؟.
إن أدونيس والخال والصائغ وجبرا وزملاءهم غير المباركين من كتاب وأدباء ورواد الحداثة العربية المعاصرة، تؤكد دلائل أقوالهم وأعمالهم وبعض ما انكشف من علاقاتهم وصلاتهم الظاهرة والخفية أنهم ليسوا سوى أدوات لأعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهم، وإني لأعلم وأنا أكتب هذا القول أن من يطلع عليه من الأقزام المقلدين المنبهرين سوف يسخر منه ويزدريه؛ وذلك حسب الانتماء المأجور والمحاكاة البلهاء، غير أن مغزى هذه العقائد الحداثية المبثوثة في أعمال أصحابها لا يُمكن أن تسعف هؤلاء التلاميذ الصغار والمطايا المستعبدة فكريًا واعتقاديًا في إيجاد العذر المقبول -على الأقل- فيما يتعلق بعداوتهم الحقيقية للإسلام عقيدة وشريعة وشعيرة وسلوكًا وتاريخًا ورموزًا وحضارة.
وإن أعجب من دفاع بعضهم عن الحداثة وإنها لا تناقض الإسلام فقد عجب قبلي من هذا أحد الذين خبروا شأن الحداثة وسبروا أكثر أغوارها فقال: (. . . رأيت صغيرًا صغيرًا يكتب في مجلة سعودية ويؤكد. . . أن أدب الحداثة بإطلاق لايعارض الإسلام، وأن الإسلام قدير على الدفاع عن نفسه.
فطال عجبي وأسفي معًا في هذه الأعباء البشرية التي قزمها قدرها السابق، وأبت إلّا أن تكون في مواصفات القزمية في اللاحق، عجبت
[ ١ / ٣٢٤ ]
للإسقاط الطفوليّ بجرة قلم: "أدب الحداثة لا يعارض الإسلام"، وبهذه السرعة يجاوب الطفل العربيّ، وبهذه السرعة يتناسى المبهور ما حوله، وبهذه السرعة يجحد هموم المخلصين ويقول: في أذني وقر!.
وكلمة "لا خوف على الإسلام" عنوان عريض لسذاجة أولئك الأطفال (^١).
ومن ذا الذي يشك في أن الحداثة تناقض الإسلام تمام المناقضة؟ وفي مفردات روادها من أمثال ما سبق نقله في الفصل المتعلق بالربوبية، وكذلك في هذا الفصل المتعلق بالألوهية، ويكفيك من شر سماعه!!، ولولا ضرورة إثبات الانحرافات لما استطعت نقل هذا الكلام الشنيع.
وعودة إلى توفيق صائغ وموقفه من الألوهية، نجده يقول:
(الملائكة، لا ملائكة في الأثير
قصقص البيض الجناح، تصغرن
شحّرن الملامح لا يرفرفن. . .
يأتين إن يأتين في ركب إله
- ولا إله
. . . تقتص خطو إله
- ولا إله) (^٢).
فمن تسمية الملائكة بالإناث وهو دأب الكافرين من قبله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ (^٣) إلى جحد الألوهية ونفي وجود إله، ألا لعنة اللَّه على الكافرين.
_________________
(١) القصيدة الحديثة وأعباء التجاوز لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: ص ١٩٧.
(٢) الأعمال الكاملة لتوفيق صائغ: ص ٢١١ - ٢١٢.
(٣) الآية ٢٧ من سورة النجم.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وعلى نحو القول السابق قال أيضًا:
(عادت لقريتها
ولا قيد ولا جناح
ولا حيوان ولا إله) (^١).
فمع جحده الإله لا يكتفي بذلك بل يقرنه بالحيوان، إمعانًا في الاستخفاف والتدنيس، ومثل ذلك قوله:
(لففت العباء حولي
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله) (^٢).
ويقول أمل دنقل:
(خصومة قلبي مع اللَّه ليس سواه
. . . .
فهل نزل اللَّه عن سهمه الذهبيّ لمن يستهين به
هل تكون مكان أصابعه بصمات الخطاه
خصومة قلبي مع اللَّه. . ليس سواه) (^٣).
ويقول ممتدحًا الشيطان الذي اتبعه، لكونه رفض أمر اللَّه وتمرد عليه:
(المجد للشيطان معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
_________________
(١) الأعمال الكاملة لتوفيق صائغ: ص ٢٧٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٠٤.
(٣) ديوان أمل دنقل: ص ٣٤٤.
[ ١ / ٣٢٦ ]
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم) (^١).
أمّا نزار قباني فيدخل نفي إيمانه باللَّه تعالى ضمن مخاطاباته الغرامية الفاسقة فيقول:
(ماذا تشعرين الآن؟
هل ضيعت إيمانك مثلي بجميع الآلهة) (^٢).
وعلى هذا النفس الخبيث تتتالى كلمات الحداثيين، ومنهم معين بسيسو القائل:
(كفى تلدين، كفى تجهضين
فنحن بغير إله) (^٣).
ومثله بلديُّه وزميل مبادئه الضالة سميح القاسم يقول:
(وتصدع الآفات جلجلة الملايين المدوية المريدة:
أيظل؟!
- لا. . لا لن يظل إلهنا
- ونظل؟!
لا. . يا طفلنا الموعود!. . لن نبقى عبيده!!
فوراء سور العصر خلفنا شعائره البليده!
ووراء سور العصر خلفنا كهوف الموت
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٢.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ٢/ ٣٣٨، ٣/ ٦٠٣.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ٤٢٧.
[ ١ / ٣٢٧ ]
موحشة معذبة. . وفُتنا الليل والأسلاك
والأنقاض والقتلى ونصب المجد
في الأرض البعيدة!
واجتاز موكبنا مخاضات الدم الكبرى
إلى شطآن. . جنتنا السعيدة!!) (^١).
إنه الفرار من التوحيد وألوهية اللَّه الواحد الأحد إلى وثنية الماركسية التي يصفها بالجنة السعيدة!! ويالها من جنة حشر فيها آلاف وملايين البشر بقوة السلاح والقتل، وما أن حانت لهم الفرصة حتى فروا منها باحثين عن الحرية والنجاة في غيرها، بل العمال الذين هم قوام الثورة الماركسية كانوا أول من ثار على الماركسية في بولندا حتى أسقطوها، ولكن العرب الأتباع لا يفقهون.
ويتجاوب سميح القاسم مع جنته الماركسية القائمة على مبدأ "لا إله والحياة مادة" فيقول:
(أي تنين خرافيّ الألوهة
سمل الأعين في تاريخنا أدمى وجوهه) (^٢).
وفي سفوح التحرر الإلحاديّ يتنافس الحداثيون في إظهار كفرهم بكل دين وعقيدة، ومن ذلك ما عبر عنه المقالح في قوله:
(كفرت بهذا الزمان
بكل الزمان
كفرت بصمت الكهوف
. . . بكل قصيدة
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) ديوان سميح القاسم: ص ٥٧٢.
[ ١ / ٣٢٨ ]
بكل عقيدة
بدين يهوذا) (^١).
أمّا التعيس المحترق علاء حامد فإن إلحاده في روايته الكافرة "مسافة في عقل رجل" من أظهر وأشهر ما قيل على سخف وانحطاط في الفكر والأسلوب، فهو يقرر بأن فكرة الإله من صنع البشر وأنها مجرد أوهام لابد من القضاء عليها (^٢).
ويصل به إلحاده إلى حد القول: (فلنبدأ بلفظ اللَّه، الذي اختلفت فيه لغات العالم مما جعل البعض يردد أنه لو كان اللَّه موجودًا لأطلق على نفسه لقبًا تشترك في نطقه كل لغات العالم بلهجاتها المختلفة، ولكن لفظ اللَّه يختلف من لغة إلى أخرى، ويدللون بهذا على أن اللَّه كجوهر أيضًا صيغة بشرية من اختراع الإنسان اللفظ والجوهر معًا) (^٣).
وفي تهافت هذا الكلام وخلوه من العقل والمنطق ما يكفي لسقوطه وإلّا فما وجه الدلالة في كون الاختلاف اللغويّ بين البشر في تسمية الشيء يدل على عدم وجوده؟!.
فها هو الإنسان والعقل والأرض والسماء وجميع الأشياء المحسوسة الموجودة، لا تتفق عليها لغات العالم، وعلى هذا المنطق الهزيل تكون هذه الأشياء غير موجودة!!.
والمقصود هنا إثبات أن الحداثة تتبنى جحد ألوهية اللَّه تعالى وتعد الإيمان به تخلفًا وخرافة، كما قال هذا المفتون: (شتان ما بين الاثنين، شعوب اتجهت إلى طريق البحث عن الحقيقة، وأخرى عبدت المجهول فاستعبدها، أصبحوا مجموعة من الرقيق لآلهة من المعتقدات والطقوس والخرافات والعبادات. . مجموعة من الخراف يسوقها للذبح سيف ذلك
_________________
(١) ديوان المقالح: ص ٢٦٦.
(٢) انظر: مسافة في عقل رجل: ٢٠، ٢١، ٢٢، ١٢٩، ١٥٦.
(٣) مسافة في عقل رجل: ١٤٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
المجهول الذي يصلون في محرابه، وتحت قبة خرافاته، ذلك المجهول، المرض الخبيث الذي أصاب العقل البشريّ بالخبل والتوهان، حوله إلى مجموعة من الخلايا السرطانية. . .) (^١).
ويوسف الخال رائد الحداثة الأول يتحدث عن اللَّه تعالى برمز حداثيّ خبيث الدلالة في مقطوعات جمعها تحت هذا الرمز الذي سماه "البئر المهجورة" (^٢) وهو عنوان لمقطوعته (^٣).
وتفسيرًا لمقصود الخال بالبئر المهجورة نأتي بكلام النصرانيّ الآخر غالي شكري الذي يشرح المراد موافقًا له فيقول: (والبئر المهجورة عند يوسف الخال فيما أرى هي اللَّه) (^٤).