مرّ معنا في بداية هذا الفصل ذكر الجذور التي قامت عليها الحداثة في الغرب، وهي جذور تمتد إلى اليونان بأوثق الصلات، شأنها في ذلك شأن
_________________
(١) فتافيت شاعر: ص ١٢٠.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
جميع الفلسفات والمناهج والمذاهب الغربية التي جعلت من الإغريق وأوثانهم وفلسفاتهم أساسًا ومنطلقًا.
وإذا كانت الحداثة والمذاهب المادية الإلحادية والعلمانية في الغرب قد نشأت في ظروف تخصها وكانت نتاج أوضاع وظروف معينة، إذا كانت حداثة الغرب بهذه الكيفية، فإن الحداثة والعلمانية العربية ليست إلّا نسخة مستعارة منقولة بالنص إلى أوضاع وظروف مغايرة تمامًا لظروف الحداثة والعلمانية الغربية.
وبالرجوع إلى مراحل الصراع الفكري المادي الذي ساد الحياة الغربية إثر التسلط الكنسي وإلغاء العقل الإنساني وفرض الخرافة والجهالات، وتحريف الدين السائد بينهم؟ تبدو العلمانية والحداثة والمادية حركة إصلاح اجتماعي وعلمي تتمرد على كل هذه الضغوط والظروف العصيبة، بل إن الغرب بإقصائه الكنيسة عن التدخل في شؤون الحياة والدولة يبدو منسجمًا مع التصور الاعتقادي الموروث والمستند إلى المقولة المنسوبة إلى المسيح؟: "دع ما للَّه للَّه وما لقيصر لقيصر"، أمّا الحداثة والعلمانية في المجتمع المسلم، فليست سوى نبتة غريبة مستنبتة في غير أرضها وكل مضامينها الاعتقادية تؤكد أنها آيلة إلى زوال، ولكن ربّما بعد صراع طويلٍ دامٍ مثل صراع الإسلام في غربته الأولى مع الجاهلية الأولى.
إن الحداثة والعلمانية -وهذه علاقة عموم وخصوص- تعني بدعوتها إلى حرب الدين وفصله عن الحياة وإبعاده عن المناهج التي تسير نشاطات الإنسان، أنها تعني بكل ذلك الخروج الواضح الجلي على مبادئ عاشت عليها الأمة وتوحدت وازدهرت بها وخرجت بسببها من الظلمات إلى النور.
وإذا كانت الحداثة تعد في الغرب إنجازًا ثقافيًا حسب الظروف والمعطيات التي عاشها الغرب، فإنها تعني في العالم الإسلامي كفرًا ردة وتخلفًا ورجعية، وإذا كانت الحداثة في الغرب تستمد حياتها وروحها من وثنيات وأساطير الجاهلية اليونانية وغيرها؛ لأن ذلك أساسهم المعرفي
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وجذرهم الفكري، فما الذي يدعو الحداثي العربي أن يتغنى بأساطير اليونان ويشيد بآلهتهم الباطلة، ويتمذهب بمذاهبهم الشكية واللاأدرية والوثنية؟.
الجواب الحقيقي على ذلك أن الحداثة العربية ليست سوى عملية نسخ فكري إلى حد التقمص، ولذلك لا تجد حداثيًا عربيًا يخرج عن هذا الإطار، ولا يتحول عن هذه الصورة الهزلية الشائنة؛ لأن الحداثيين العرب حين استنسخوا الحداثة من الغرب استنسخوا معها كل ما أحاط بها وكل ما كان في أغوارها من انحرافات وضلالات وجاهليات ووثنيات.
وانخرطوا في دائرة الاستبدال الحضاري، والأخذ الإجمالي والتفصيلي لفكر الغرب ونظرياته وفلسفاته وعقائده، وأضحوا صورة باهتة عن أولئك في أحط درجات انحطاطهم الخلقي والعقدي، وما من مجنون كنتشه أو مأبون كأندربه جيد (^١) إلّا ونرى له من ضحايا الحداثة والعلمانية -من العرب- من يتبعه ويقلده ويشيد به.
هذه هي محنة الاستعارة والتقمص التي أنغمس فيها جميع الحداثيين العرب من غير استثناء.
وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى ملقاة على عواهنه فإنه لابد من إثباتها بالبرهان، وقد مر في الفصول السابقة ما يؤكد ذلك بالدليل القاطع، وفي هذا الفصل زيادة تأكيد، وليس هناك ما يدعو الحداثيين العرب إلى استخدام الأسطورة والوثنيات الجاهلية اليونانية أو غيرها، إلّا مجرد تقليدهم للغرب، هذا التقليد الذي أنشأ في خباياهم عقائد الإلحاد والشك والرفض والتدمير، ومواجهة الدين الإسلامي، والسعي في مناقضته بشتى السبل والوسائل، لاسيما أنه جاء لتدمير الوثنيات ومحو الجاهليات، فلا جرم أن يكون المتشبعون بعقائد الجاهلية القديمة والمعاصرة أعداء للدين الذي هدم بنيان الوثنية وحطم أصنامها وأعلامها وأباد خضراءها.
_________________
(١) أندريه جيد، كاتب وشاعر فرنسي شهير، يعتبره الحداثيون أسوة لهم، وعلامة متميزة في مسيرة الحداثة، معروف بالشذوذ الجنسي.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
من هذا ومما سبق يتبين لنا أسباب انجراف الحداثيين العرب في خوض الوثنيات الآسن، وقد خصص أدونيس في صدمة الحداثة من الثابت والمتحول عدة فصول لدراسة اليونان وعلاقة فلسفتهم وفكرهم بالمسلمين الذين يسميهم العرب تسمية مقصودة لها ما وراءها من دلالات باطلة يرغب الوصول إليها!!.
وقد بدأ كلامه بقوله: (كانت اليونان هي المشكلة الحضارية الأولى التي واجهها المجتمع العربي وكلنا نعرف المواقف التي تولدت عن هذه المواجهة) (^١).
ثم صنف هذه المواقف إلى ثلاثة أقسام: الأول أخذ آلة التفكير، والثاني التوفيق بين الدين والعقل اليوناني، الثالث رفض الفلسفة اليونانية (^٢).
ثم أشاد بالموقف الأول: موقف ابن رشد (^٣)، الذي يقرر -حسب قول أدونيس- بأن لدى اليونان معرفة حقيقية يجب أخذها، ثم يذكر المبررات التي تسوغ أخذ ما لدى اليونان في سياق مليء بالمغالطة والتخليط والهشاشة.
ثم انتقل إلى الموقف المعاصر وإلى التلفيقية التي سار عليها من يسميهم مفكرو عصر النهضة، قال: (. . . لقد استعدنا التوفيقية والتلفيقية
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٥٦.
(٢) المصدر السابق: ٣/ ٢٥٦، وقد جعل الموقف الأول لابن رشد، والثاني للغزالي، والثالث لابن تيمية.
(٣) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي، الفقيه، الفيلسوف، من أهل قرطبة، ولد سنة ٥٢٠ هـ، وتوفي سنة ٥٩٥ هـ جده شيخ المالكية أبي الوليد بن رشد، تعلم الموطأ والفقه ثم انصرف إلى علوم الأوائل وبلاياهم حتى صار يضرب به المثل في ذلك، وصارت له الإمامة في ذلك، دافع عن الفلسفة وأرسطو خاصة، وله في ذلك مؤلفات كثيرة، رفعت عنه أقوال ردية إلى الخليفة يعقوب فنفاه إلى مراكش وأحرق بعض كتبه، ثم رضي عنه وأذن له بالعودة إلى وطنه فعاجلته الوفاة وهو محبوس في داره بمراكش. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٠٧، والأعلام ٥/ ٣١٨.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
الغزالية: "جسديًا" نأخذ الحضارة الغربية ووسائلها، أما "روحيًا" فنبقى في ثقافة الوحي) (^١).
وهذه التلفيقية -حسب قوله- على ما فيها من أسباب للضلال والانحراف والتخلف والشتات إلّا أنه يراها توفيقًا وتلفيقًا لا قيمة فيه ولا غناء به، أي أنه يدعو إلى أخذ اليونانية كاملة، ويرى أن سيطرة الغرب الراهنة ونفوذه في المسلمين -وخاصة النفوذ الأمريكي- في كل المجالات قد خلخل هذه النظرة التوفيقية القديمة القائمة على الاستفادة من آلة اليونان الفكرية وترك مضمونها الاعتقادي ولاشك أن أدونيس جذل ومسرور بهذه النتيجة التي تخدم طموحاته الحداثية، وتوصله إلى الغاية التي سماها "صدمة الحداثة".
يقول بعد النص السابق ذكره: (غير أن الأمبريالية (^٢) الثقافية تخلخل، اليوم، جذريًا، هذه التلفيقية، بحيث تقذف بالمجتمع العربي في مفترق حاسم، وبحيث أنه لا يبدو أكثر من ملحق اقتصادي - ثقافي بالغرب، وعلى الأخص بمركزه الامبريالي المهيمن: الولايات المتحدة، إنه الآن، بتعبير آخر، في مرحلة انشقاق على مستوى الأصل، ولئن قدرنا في الماضي أنه نلغي أو نعلق بمعنى ما، الغرب، ممثلًا باليونان، فإن الغرب اليوم يقيم في أعماق أعماقنا، فجميع ما نتداوله اليوم، فكريًا وحياتيًا، يجيئنا من هذا الغرب، أما فيما يتصل بالناحية الحياتية، فليس عندنا ما نحس به حياتنا إلّا ما نأخذه من الغرب وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بلغة الغرب: نظريات ومفهومات ومناهج تفكير ومذاهب أدبية. . . إلخ ابتكرها، هي أيضًا، الغرب، الرأسمالية، الاشتراكية، الديمقراطية، الجمهورية،
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣/ ٢٥٨.
(٢) الإمبريالية طموح دولة أو دول نحو الاتساع على حساب الغير، ومد نفوذها وسيطرتها، أي أن دولة قوية ومسيطرة تتحكم في دولة أخرى تحكمًا غير مباشر في سياستها واقتصادها وهي صورة من صور الاستعمار الغربي يفرض السيطرة من غير عنف ولا احتلال عسكري. انظر: موسوعة السياسة ١/ ٣٠٠، ومعجم العلوم السياسية الميسر ص ٣٠.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
الليبرالية، الحرية، الماركسية، الشيوعية، القومية. . . الخ، المنطق الديالكتيك العقلانية. . . إلخ/ الواقعية الرومنطيقية، الرمزية السوريالية. . . الخ، هذا من دون أن ندخل في ميدان العلوم، وبخاصة العلوم البحتة.
كيف نواجه، في ضوء هذا كله، مشكلية الحداثة في المجتمع العربي؟، ولكن قبل ذلك، ما الشيء الباقي لنا كخصوصية مميزة؟ الدين والشعر، وحتى الدين والشعر لابد من أن نتساءل حولهما: أي دين؟ وأي شعر؟. . .، هذه المشكلية هي ما أسميتها بصدمة الحداثة) (^١).
إن أدونيس في هذا النص وغيره يحاول أن يؤصل قضية الإلحاق بالغرب ويجعل لها أصلًا في التاريخ الثقافي للمسلمين ويستند إلى وهم تاريخي ووهم معاصر، أمّا الوهم التاريخي فيتمثل في جعل ابن رشد أساسًا للاستناد إلى اليونان، وتبريرًا للانجراف الحداثي نحو الفلسفات اليونانية في محاكاتهم للحداثيين الغربيين، واستناده على ابن رشد يذكر يالحداثي المغربي محمد عابد الجابري، الذي حاول المحاولة ذاتها واتخذ من ابن رشد سندًا لاستعارة الأفكار العلمانية والحداثية من الغرب.
ولست هنا في موضع تفنيد أقوال ابن رشد، ولكني أقول قولًا كليًا يُمكن الرد به على هؤلاء المغالطين: لقد كان ابن رشد رغم دفاعه عن الفلسفة الأرسطية اليونانية صاحب ملة ودين، وكان أخذه من الفلسفة من أجل تقوية البراهين العقلية الدينية، والرد على شبه المغالطين، فالفلسفة اليونانية عنده مجرد آلة يستخدمها ابن رشد لنصرة الدين، أو لاكتساب المعارف وضبطها بضوابط معرفية فلسفية.
أمّا أدونيس وأضرابه من الحداثيين فإنهم يأخذون الحداثة بقلبها وقالبها الغربي المحتوي على الفكر والإلحاد والمادية والضلال والانحراف، أي أنهم يأخذون من الغرب ومن اليونان -جذور الغرب الفكرية- يأخذون ما يودون به هدم دين الإسلام والقضاء على الملة الإسلامية، ويستخدمون ذلك في تدمير القيم والمبادئ والشريعة والعقيدة وكل ما جاء به الوحي إلى النبي -ﷺ-،
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
وقد أثبتنا ذلك في الفصول الماضية وسوف يأتي مزيد إثبات في الفصول القادمة.
إن المسألة الجوهرية ليست في الأخذ من اليونان أو عدم الأخذ، وهل هذا نافع أو غير نافع، أو نحدد نظريًا ما الذي أخذوا وما الذي لم يأخذوا، وما الذي انتقد عليهم وما الذي سُلّم لهم إلى غير ذلك من المقولات التي يُمكن الحديث عنها في إطار نقاش أهل القبلة مع بعضهم.
المسألة الجوهرية هنا هي أن أدونيس وغيره من الحداثيين يسعون جاهدين لتبديل دين الأمة وتحويلها من أمة موحدة إلى أمة وثنية، ومن أمة صاحبة رسالة ودين إلى أمة بلا دين ولا رسالة ولا شريعة ولا خلق، أمّا الوهم المعاصر فيتمثل في الخلط المتعمد بين التقنية والأفكار والأخلاف والعقائد.
وهذا الخلط الذي يعتمد عليه الحداثيون في تمرير وتسويغ كفرهم وضلالهم وانحرافهم وتبعيتهم ومحاكاتهم الفكرية والعقدية للغرب، لون من ألوان الرؤية المبعثرة، والبصيرة المطموسة، كما أنه لون من ألوان المغالطة والكذب الفكري والمخادعة الثقافية.
وممن رسخ هذا المبدأ المتناقض أدونيس حيث جعل أنه من التناقض الأخذ بالحداثة التقنية ورفض الأفكار التي أنجزتها والتي يسميها الحداثة الحقيقية فيقول: (ندرك بالتالي، الدلالة في موقف العربى المتناقض عما نسميه الحداثة، فهو يقبل منها كل ما يحسن الحياة وطرقها المعيشة بخاصة، لكنه يرفض النظرة التي أبدعتها، والحداثة الحقيقية في الإبداع لا في المنجزات بذاتها) (^١).
وبهذا الأسلوب وأشباهه لبّس أدونيس على المغفلين بهذه الفلسفة التي تخلط بين التقنية والأفكار والفلسفات والقيم، فهو يعتبر أنا إذا أخذنا من الغرب حداثة التقنية ورفضنا أساسها الفكري والثقافي والعقدي فنحن نمارس
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣/ ٢٣٨.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
الصراع بين قيم الثبات التي تمثل الماضي، والتحولات المستقبلية.
ولم يعلم أن التقنية أصلًا منفصلة عن أي أساس فلسفي؛ لكونها حيادية تجريبية، لا علاقة لها بالمعتقد وليست مبنية على فلسفة مّا، أمّا الأفكار والعقائد والقيم والأخلاق فإنها لم تنتج هذه التقنية بل هي من أسباب استخدام التقنية، في التدمير والبلاء والفساد الكوني، وما نراه اليوم من الظلم الذي تمارسه الدول المتقدمة في التقنية، والإباحية والدمار، والبشاعة السلوكية والسياسية والاقتصادية، والتفكك الاجتماعي، وألوان الانحراف الكثيرة، كلها تبين مدى تأثير هذه العقائد المنحرفة والأفكار الضالة التي يريد أدونيس وسائر الحداثيين استيرادها، تحت ستار النتاج التقني، وسوف تكون هذه الأفكار والعقائد -يومًا ما- سببًا في تدمير هذه التقنية، وتدمير البشرية والحياة الطبيعية والفطرية في الأرض والبحر والجو.
وهنا نحن نرى اليابان قد تقدمت في أمور التقنية ولم تتخل عن أفكارها وعقائدها وعاداتها، فلماذا يصر الحداثيون العرب على مسخ هذه الأمة وربطها بدولاب الغرب؟، ألا يكفي أننا نعيش تخلفًا وتبعية تقنية محزنة؟ حتى يأتي هذا الباطني العميل ليطلب أن نتبع الغرب في الفكر والعقل حيث يقول: (إننا نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل، ووسائل هذا التحسين. . .) (^١).
وهذا القول من أدونيس في الخلط بين التقنية والعقائد والأفكار، والدعوة إلى استيراد ما عند الغرب من فلسفات وثقافات وسلوكيات، ليس حصرًا على أدونيس، بل قاله كثيرون، واحتج به جم غفير من الحداثيين (^٢).
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣/ ٢٦٨.
(٢) انظر: مصداق ذلك في قضايا وشهادات ٢/ ١١٦ قول لعبد الرحمن منيف و٢/ ٢٥٧ قول ليوسف الخال، وفي مجلة الناقد العدد ١٨ ص ٦٢ قول لصفوان حيدر، وفي الإسلام والحداثة ١٨٥ قول لجابر عصفور، وفيه أيضًا: ص ٣٢٨ قول لمحمد أركون، وفي ص ٣٥٥، ٣٥٨٨ له أيضًا، وفي الكتاب نفسه: ص ٣٧٨ قول لهشام =
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وتحت هذه الذريعة الزائفة تسللت الوثنيات اليونانية الإغريقية والسوموية والآشورية والكنعانية والبابلية وغيرها من عقائد الجاهلية الأولى.
ولقد تبنت مجلة شعر الاتجاه الأسطوري الوثني وأغرقت فيه غاية الإغراق، وقد ذكرنا آنفًا كيف سيطرت فكرة "المتوسطية" على أتباع شعر، وكيف أنهم حاولوا من خلال ترويج هذه الفكرة أديبًا من منبر مجلة شعر، وسياسيًا من منبر حزب القوميين الاجتماعيين لأنطون سعادة، حاولوا ربط الأمة بفكرتين أساسيتين: الفينيقية والنصرانية (^١).
لقد كانت مجموعة شعر ترسخ مفهوم الوثنية والأساطير ترسيخًا مبالغًا فيه، حتى أصبح من أبرز ظواهر هذا الاتجاه الذي تلقى الدعم السخي من أمريكا ومن المخابرات الأمريكية على وجه الخصوص من خلال مؤسسة فرنكلين التي بدأت بمدفوعاتها السخية تستقطب أعمدة الثقافة العربية الحديثة (^٢).
(إن التدخل الأمريكي كان يحمل طابع توجيه حركة التغاير العربية إلى أفق محدد، وسنرى كيف لعبت مجلة شعر دورًا في سياق هذا التوجيه وبأية لغة، وكيف وفرت لها اتجاهات من خارجها مستندًا أوليًا لتحاول شق طريق إلى مستقبل خاص للشعر العربي) (^٣).
في عام ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م برزت إلى الوجود مجلة شعر وافتتح أول أعدادها بمقتطفات لشاعر أمريكي (^٤)، لتقوم بترويج الأساطير والوثنيات اليونانية وغيرها، ولقد عبر السياب عن الاتجاه لتبني الأساطير وترويجها بأن
_________________
(١) = شرابي، وفي كتاب أسئلة الشعر: ص ٢٩٦، ٢٩٨ قول ليوسف الخال، وفي شعرنا الحديث إلى أين لغالي شكري: ص ١٩.
(٢) راجع ص ١٥٩، ٧٥٧ من هذا الكتاب.
(٣) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص ٣٨ وص ٥٦.
(٤) المصدر السابق: ص ٣٨.
(٥) المصدر السابق: ص ٣٩.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ذلك جاء: (استلهامًا لوجود أكثر عمقًا من الوجود اليومي الضاغط الفاقد لكل شاعرية. . .) (^١).
ويضيف قائلًا: (إن اللجوء إلى الخرافة والأسطورة وإلى الرموز من مظاهر الشعر الحديث المهمة. . . نحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لاشعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح، إذًا فالتعبير المباشر عن اللاشعر لن يكون شعرًا فماذا يفعل الشاعر إذن؟ يلجأ إلى الخرافات والأساطير التي لا تزال تحتفظ بحرارتها؛ ولأنها ليست جزءًا من هذ العالم) (^٢).
هذه العبارات المليئة بالتضليل والمخادعة، والنفاق الفكري، ليست سوى تبرير ميت لاستخدام الأسطورة والوثنيات المختلفة، التي أخذ أفراد عصابة شعر ثمن ترويجها سلفًا من مؤسسة فرنكلين الأمريكية أو من منظمة حرية الثقافة المعروفة كأحد وجوه وكالة المخابرات الأمريكية (^٣).
ومن وجوهها الأخرى مع مجلة شعر مجلة حوار وأدب وأصوات.
لقد كان العنصر الوثني والأسطوري الذي تبنته حركة شعر يقوم بدور داعم للثقافة الغربية التي تريد أمريكا بثه في المنطقة: (وجاءت الأسطورة لتلعب هذا الدور مدعومة بمرجعية ثقيلة الوزن والتأثير بفعل التضخيم الإعلامي المقصود، والمرجعية التي نعنيها هي طرح أسماء بعض الشعراء الغربيين مع إحاطتهم بهالة خرافية تجعلهم مثلًا يحتذى في كل إبداع. . .
يدلنا إلى هذا أن تعبير "الشعر المعاصر" كان يعني حقيقة ما يكتبه الغير وفق انتقاء واضح لا يترك مجالًا للتأويل في أن ما هو "عالمي" و"معاصر" هو الغربي تحديدًا، طوال أحد عشر عددًا من أعداد مجلة شعر بين عامي ١٩٥٧ - ١٩٥٩ م اقتصرت ترجماتها للشعر في عالم اليوم على
_________________
(١) مجلة شعر العدد ٣ تموز ١٩٥٧ م: ص ١١١.
(٢) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص ٤٢.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٤٨.
[ ٢ / ٧٥١ ]
الشعر الغربي: "شاعرًا أو شاعرين من الثقافة الانجلوساكونية، ٩ شعراء فرنسيين أسباني واحد") (^١).
وهكذا تبدو لنا مجلة شعر من خلال النص السابق -وهو لحداثي قومي- أداة في يد الأمريكان لتنفيذ مآربهم في تفكيك الأمة وإلحاقها بالفلك الغربي الأمريكي أو الأوروبي، وإبعادها عن دينها موطن القوة والعزة والكرامة، وقد تمادى أصحاب مجلة شعر في الوثنية والأسطورة حتى وصل الأمر بأحد الحداثيين إلى القول بأن (الشعر العربي المعاصر قد تأسس منذ ولجت الأسطورة كبعد بنيوي شعوري إلى جسد القصيدة) (^٢).
لقد اتخذت عصابة شعر في سبيل ترسيخ مشروعها الأسطوري الوثني مصطلح الشعراء والتموزيين، وهو الوصف الذي أطلقه جبرا إبراهيم جبرا في دراسة له في مجلة شعر عام ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م على شعر كل من أدونيس ويوسف الخال والسياب وخليل حاوي وجبرا.
وهذه التسمية ذات دلالة على مشروع الاستعارة والتقمص الحداثي الذي مارسه هؤلاء الأتباع. فما قصة تموز؟ وما خلفياته؟ وما المقاصد المناطة بهذا الاسم الوثني؟.
تموز: وثن أسطوري استخدم عند الآشوريين البابليين على اعتباره ربًا للمحاصيل والإنبات، يموت في أسطورتهم في كل شتاء، ويولد في كل ربيع، صار زوجًا لعشتار أوفينوس أو عشيقها، يسمى تموز عند السومريين "دوموزي" وهو رمز للتجدد السنوي عندهم، وقد انتشرت أسطورته في البلاد المحيطة بشرقي البحر الأبيض المتوسط، وتركزت عبادة تموز في وادي الرافدين وسورية، ثم أخذ الإغريق عنهم عبادته في حوالي القرن السابع قبل الميلاد، وسموه "أدونيس" وجعلوه ربًا للإنبات والإخصاب،
_________________
(١) بحثًا عن الحداثة: ص ٤٢ - ٤٣.
(٢) الشعر العربي المعاصر ليوسف اليوسف: ص ٤٢ منشورات اتحاد الكتاب العربي دمشق ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
ويقال: أنه غيره، وإنَّما حصل تماثل بين أدونيس الوثن الفينيقى، وتموز الوثن البابلي.
وإنَّما تظهر هذه الأوثان في أشكال متشابهة ومتعددة في الأساطير التي تروى عن تلك الأمم.
إن موت تموز وانبعاثه حسب ما ورد في الأسطورة يماثله موت أدونيس الذي تقول الأسطورة الفينيقية أنه ذهب للصيد فقتله خنزير بري، ومن دمه نبتت شقائق النعمان، ويقولون: أن أدونيس يموت ثم يولد ثانية؛ ولذلك يحتفلون بذلك ويسمون احتفالهم "أدونيا" ويكون عقب الحصاد السنوي على شرف أدونيس!! حزنًا على موته واحتفالًا بولادته الثانية، ويرمز هذا الاحتفال عند اليونان والرومان إلى دورة الإنبات التي تتجلى في الموت الفصلي لأدونيس وانبعاثه.
من هذه الخرافة في تموز أو أدونيس في أسطورة الموت والانبعاث تكون الجوهر الأساسي لأسطورة تموز بكل بدائلها (^١).
لقد توجه الحداثيون وخاصة في حركة شعر نحو تموز، فتسمت المجموعة السالف ذكرها باسم الشعراء التموزيين، وتسمى علي أحمد سعيد أسبر النصيري باسم أدونيس واقتبسوا من الخرافات التي أحاطت بتموز وأدونيس منطلقاتهم وطموحاتهم الحداثية، وترسخت علاقتهم بالوثنيات على أوسع قاعدة، وفلسفوا التجديد والانبعاث الأسطوري لتموز وأدونيس فلسفة توافق مشاريعهم الحداثية الساعية إلى تدمير الأمة وتحطيم شأنها.
لقد تجاوزوا بهذا الرمز الوثني كل مرجع عربي جاهلي أو إسلامي، ليرتبطوا بالوثنيات التي تجعلهم يمثلون الامتداد للعالم الجديد، الغرب، البحر، حوض المتوسط.
وقد انطلق جبرا في اقتراح هذا المصطلح كما يقول إلى مرجع فيه
_________________
(١) انظر: معجم الأساطير: ص ٣٠، ٢٣٦، والحداثة الأولى: ص ١٦٣ - ١٦٤، ديوان السياب هامش: ص ٣٦٢.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
الديمومة والبعث والخصب، ثم يحاول أن يوجد لهذه الأوثان قاعدة عند العرب فيقرر أن هذا الرمز "تموز" ليس جديدًا علينا كأمة فيها من العادات والمعتقدات الشعبية كثير من أسطورة تموز بأشكالها (^١).
وهذه محاولة تسويقية، وتغطية على الاستعارة الوثنية، والتقمص الفكري الهش للغرب، وفي الحقيقة أن جبرا وأتباعه من شعراء الحداثة وخاصة عصابة شعر قد أخذت هذه التسمية وغيرها من الرموز الأسطورية الوثنية، ومن كتاب "الغصن الذهبي" لجيمس فريزر (^٢) مرجعية فكرية، وقد قام جبرا في عام ١٩٥٧ م بترجمة جزء "أدونيس أو تموز" من هذه الموسوعة (^٣) وتأثر بها غاية التأثر واستنسخ أفكارها وعممها بشكل دعائي من خلال مناشط حركة شعر.
(وتعتبر موسوعة الغصن الذهبي لجيمس فريزر التي صدرت عام ١٨٩٠ م في طليعة الدراسات الأسطورية التي أثرت بشكل بارز في الأدب العالمي إلى الحد الذي دفع البروفسور بكي إلى اعتبارها "مصدرًا يكاد لا ينضب للأساطير والرموز المركزية في أدب القرن العشرين" وقد برز تأثير فريزر في قصيدة أليوت الشهيرة "الأرض الخراب" التي تعرف إلى رموزها، وخاصة ما يتصل منها بالخصب، وشرحها اعتمادًا على فريزر، وهذا ما أشار إليه أليوت نفسه، ويمتد تأثير فريزر إلى النقد أيضًا. . . وقد ترجم جبرا إبراهيم جبرا عام ١٩٥٧ م جزء "أدونيس أو تموز" من هذه الموسوعة بشكل ممتاز) (^٤).
وهكذا تتسلسل عملية التأثر بالغرب عند أصحاب الحداثة العربية، من فريزر إلى أليوت، ومن تموز إلى الأرض اليباب، التي كان لها أبلغ الأثر في نتاج كثير من شعراء الحداثة، وأولهم وطليعتهم بدر شاكر السياب الذي
_________________
(١) انظر: الحداثة الأولى: ص ١١٣ - ١١٤.
(٢) جيمس فريزر سبقت ترجمته: ص ٩٤.
(٣) انظر: الحداثة الأولى: ص ١٦٤ - ١٦٥.
(٤) الحداثة الأولى: ص ١٦٤ - ١٦٥.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
قال عنه باروت: (بدأ السياب في استعمال الأسطورة بعد عام ١٩٥٢ م. . . إن السياب قد بدأ التعرف على أليوت بصعوبة، وما لديه من أساطير ورموز وتضمينات واستعارات، كما كان قد اطلع على مخطوطة ترجمة جبرا لـ "تموز أو أدونيس" أحد أجزاء موسوعة الغصن الذهبي. . .) (^١).
ولعمق تأثير كتاب الغصن الذهبي على جبرا وخاصة الجزء الذي ترجمه باسم أدونيس، قال في المقدمة ما يدل على الانبهار والانصهار، قال: (كان لهذا الجزء -أدونيس- فضلًا عن خطورته الانثربولوجية الظاهرة أثر عميق في الإبداع الأدبي في أوروبا في السنين الخمسين الأخيرة، بما هيأه للشعراء والكتاب من ثروة رمزية وأسطورية نرجو أن يقبل عليها أدباؤنا أيضًا، لإغناء أدبنا الحديث) (^٢).
لقد كان جبرا والثلة التموزية الذين معه يرون في إحياء هذا الرمز وتداوله وإشاعته مخرجًا ثقافيًا ينطلقون من خلاله إلى نيل رضوان أساتذتهم والاندماج في صميم الفكر الغربي الذي يرونه المثال الأعلى، ويحققون بذلك صرف الأمة عن دينها وتوحيدها وعقيدتها ومبادئها.
لقد اعتبروا الإسلام وحضارته وتاريخه وتراثه جدبًا وتخلفًا، ورأوا أن الخلاص من ذلك لا يكون إلا بارتباطها الثقافي والاعتقادي بعقائد بني ملتهم من النصارى الغربيين.
وقد عبر جبرا عن هذا بقوله: (لقد نبهتنا نكبتنا الكبرى إلى حقيقة الذبول الذي أصاب شعبًا كبيرًا قرونًا عديدة، إلى حقيقة العنة الروحية التي ما عدنا نستطيع تحملًا لها، فوجد شاعر كيوسف الخال في الأسطورة البابلية خير رمز لمعاناتنا) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٦٨.
(٢) أدونيس أو تموز لجيمس فريزر ترجمة جبرا إبراهيم جبرا: ص ٦، نشر دار الصراع الفكري - بيروت ١٣٧٦ هـ/ ١٩٥٧ م.
(٣) الحداثة الأولى: ص ١١٤.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
لقد إنهارت حركة شعر وانفض سامرها، ولكن هل بقي للإحياء الوثني الذي تزعمته أثرٌ في واقع الأدب العربي المعاصر؟.
يجيب على هذا السؤال محمد جمال باروت، الذي يمتدح المثال الجمالي التموزي -حسب تعبيره- ثم يذكر تأثير مدلولات الوثنية التموزية في أكثر شعراء الحداثة، فيقول: (. . . إن المثال الجمالي التموزي، إذ نضج في حلقة شعر، وفي مهادها الفكري - الايديولوجي، فإنه في تطوره الدلالي لم ينحصر فيها، بل أثر عميقًا في تحولات الشعر العربي الحديث، بل وارتبط بأكثر الشعراء تمثيلًا لهذه التحولات، علمًا أن هؤلاء الشعراء كانوا متعددين في مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية - الايديولوجية - السياسية، ومتفاوتين في مدى قوة الالتزام كل منهم بهذه المشارب والانتماءات) (^١).
وفي موضع آخر تحت عنوان "تموزية ما بعد حركة مجلة شعر"، يقول: (لقد فتحت تموزية حركة مجلة شعر الباب أمام الشعر العربي الحديث ليكتنه القدرات الدلالية والإيحائية والشعرية للأسطورة. . .، ومن أكبر الممثلين لتموزية ما بعد حركة مجلة شعر عبد الوهاب البياتي، بشكل معمق وأكيد في دواوينه "الذي يأتي ولا يأتي ١٩٦٦ م" و"الموت في الحياة ١٩٦٨" و"عيون الكلاب الميتة ١٩٦٩" و"الكتابة على الطين ١٩٧٠" وهي مرحلته الشعرية الأكثر أهمية وحداثة وعمقًا في أسئلتها واقتراحاتها، ولربما بهذا المعنى كان يوسف الخال يقول بترق عام ١٩٨٣: "إن عبد الوهاب البياتي يعرف أكثر من غيره أن شعر إنَّما قامت لأجل بلورة خطه، وخط غيره من شعراء الحداثة العربية" لكأن البياتي في مرحلته الشعرية هذه، يعيد إنتاج تموزية شعر مع تطعيمها بإيقاع إيديولوجي جديد، إنه مثل شعراء تموزية شعر يكتب: (أنا أميل إلى اختيار صورة المنقذ الذي يتجسد بصورة النبي كما هو وارد في العقيدة الإسلامية أو بروميثيوس الذي سرق النار الإلهية من أجل البشر، كما يتجسد في الميتيولوجيا (^٢) اليونانية أو ميثولوجية
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ١١٥.
(٢) مصطلح الميثيولوجيا سيأتي بيانه ص ٩٩٩.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
شعوب البحر المتوسط، وقد تحل وتتحد صورة البطل أو المنقذ الإسلامي - العربي - الإغريقي، بل أشعر أحيانًا أن البحر الأبيض المتوسط هو مسرح ولادة حضارات العالم القديم والحديث") (^١).
ثم يذكر باروت مجموعة من شعراء الحداثة الذين مثلوا تموزية مجلة شعر بعد إنقراض هذه المجلة وحركتها (^٢).
ويذكر منهم محمود درويش في قصيدة "الأرض" التي أصدرها عام ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م: (والتي توظف بشكل تضميني بارع القدرات الدلالية والإيمانية للأسطورة التموزية) (^٣).
وهكذا استمرت الوثنيات التموزية تضرب بجران انحرافاتها في نتاج شعراء وكتاب الحداثة، وقد ذكرنا آنفًا تأثير شعراء حركة شعر بجيمس فريزر وأليوت، وهو تأثر واضح الأثر، عميق التأثير، بيد أنه من الضروري ذكر أثر أنطون سعادة في ترسيخ هذا الاتجاه الوثني الذي استقاه سعادة من الغرب النصراني الوثني، ليكون حربًا للأمة وسببًا في تفريق شملها وإضعاف قوتها، وربط حياتها ومسارها بالغرب.
لقد جاء من البرازيل إلى لبنان أنطون سعادة، وظهر في عام ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣٢ م على مسرح السياسة مباشرة، وألف الكتب ونشر ما سبق له تأليفه، وكون حزبًا منظمًا دقيقًا أطلق عليه اسم "الحزب القومي الاجتماعي" (^٤)،
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ١٦١ - ١٦٢، وما بين الأقواس نصوص نقلها من كلام يوسف الخال والبياتي ومراجعها في المصدر نفسه: ص ١٧٠.
(٢) هم فايز خضور في "آداد ١٩٨١ م"، ومحمود السيد في "مونادا دمشق ١٩٧٩ م"، ومحمد عمران في "كتاب الملاجة ١٩٨٠ م"، وهذه أسماء دواوين وكتب.
(٣) المصدر السابق: ص ١٦٢.
(٤) الحزب القومي السوري: ويسمى "الحزب القومي الاجتماعي"، أسسه أنطون سعادة عام ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣٢ إثر عودته من البرازيل، وهو حزب يدعو إلى القومية السورية ويعتبرها مستقلة عن القومية العربية، وشعار الحزب زوبعة لها أربعة رؤوس ترمز عندهم إلى الحرية والواجب والنظام والقوة تتلخص مبادئ الحزب التي ذكرها سعادة في كتابه "نشوء الأمم" في فصل الدين عن الدولة، إزالة الحواجز بين الطوائف =
[ ٢ / ٧٥٧ ]
ومن كتبه التي قام بنشرها وكان لها التأثير القوي في تكوين حركة حداثية أبرز شخصياته أنطون سعادة الذي أعدم عام ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م إثر قيامه بمحاولة ثورة في لبنان، ومنهم غسان جدير نصيري، وجورج عبد المسيح وإنعام رعد ويوسف الخال وخليل حاوي، وكلهم نصارى ومنهم أدونيس النصيري الزنديق الشهير.
فكرية سياسية كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" وقد صدرت طبعته الأولى في الأرجنتين سنة ١٣٦٢ هـ/ ١٩٤٣ م، ومنذ عام ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م أعيد طبعه في بيروت على نطاق واسع (^١) محوران أساسيان امتد من خلالهما تأثير أنطون سعادة على الساحة الثقافية المختمرة بالاتجاهات والمذاهب والأفكار والمختلفة والمنحرفة:
المحور الأول: الحزب الذي كونه وأحكم نظامه في صورة مركزية مرتبطة بشخصه، وقد انطلق من خلال الحزب ليكسب الأتباع، ويبث الدعاية، لنفسه وأفكاره، وقد بارك الغرب هذا الحزب، وأمده بالمال والسلاح والدعاية.
_________________
(١) = والمذاهب، اعتبار سورية أمة تامة مستقلة عن الأمة العربية، يرتبط تاريخها بالفينيقيين وأوثانهم وخمرهم واَلهتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ويعتز بالرابط المتوسطي نسبة إلى البحر المتوسط، وأزهى العصور في تاريخ سورية -عنده- هو العصر الفينيقي، ويعتبرون الفتح الإسلامي غزوًا أجنبيًا، وينكر الحزب وأعضاؤه الرابطة الدينية "حسب زعمهم" ويعتبرون الألوهية من اختراع الإنسان يوم كان رازحًا تحت الوهم والخوف، وينظرون إلى الكون والإنسان نظرة مادية بحتة، تنكر وجود اللَّه تعالى وألوهيته والبعث والرسالات والمعاد وسائر الغيبيات، دعوتهم انعزالية تخدم مصالح الغرب المستعمر، وتخدم الصهيونية في تفتيت الأمة الإسلامية والقوى المحيطة بالدولة اليهودية، سلوك الحزب منحرف، فهم يدعون إلى الإباحية وإطلاق الغرائز، ويعدون الحلقات الماجنة للشباب والفتيات تهيئة لضمهم إلى الحزب، يعتبرون سوريا الكبرى من جبال طوروس إلى قناة السويس جنوبًا، ومن البحر المتوسط الذين يسمونه البحر السوري في الغرب إلى الصحراء حتى الالتقاء بدجلة في الغرب. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ص ٤٠٩ - ٤١٣.
(٢) انظر: الحداثة الأولى ص ١١٩.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
وبذلك استقطب هذا الحزب مجموعة كبيرة من ذوي الاتجاهات المختلفة، وقد سبق ذكر ذلك في ثنايا هذا الفصل.
لقد كون أنطون سعادة لنفسه هالة من التعظيم والقوة والمكانة، وخلب بهذه الهالة المفخمة عقول وقلوب أتباعه وكان يرى أنه نبي أو بمثابة نبي وكان أتباعه يرون فيه القوة المقدسة والمخلص والبطل والمنقذ، وقد صور باروت في كتابه الحداثة التي كان أتباعه يرضخون لها فقال: (تنهض شخصية أنطون سعادة في دعي هذا الجبل، كخيط متوهج دامٍ ما بين النبوة والبطولة (^١)، الكشف والفعل (^٢)، وكان نفسه يرى أن ثمة قوة مقدسة بالمعنى النبوي تضعه في خط متصل منذ البعل الكنعاني إلى سارجرجس إلى الخضر، بل حاول أن يكرر الأسطورة نفسها، وأن يهز بمصيره مئات الذين اندفعوا خلفه، أراد أن يكون دفعة واحدة، النبي والبطل، والمخلص والفادي، ووجد فيه أتباعه تكرارًا لأسطورة تقارب يسوع، ودفعة بطوليه للنهضة رأى فيه أدونيس مثلًا "جلجلة البعث" هذا يوضح أبعاد الهزة الوجدانية الكبرى التي أثارها مصيره في حساسية ووعي النخبة التي اندفعت خلف أحلامه، بإيمان ميتافيزيائي، وهي تبحث عن البطل المنقذ القادر، المخلص المنتظر، الذي يبعث جوهر الأمة، المتعالي على التاريخ من بين الأجداث، وينهض به من جديد، وكان سعادة يرى كلماته كوحي، كما الأنبياء، ويلزم بها أتباعه كما هي علاقة النبي (^٣) بجمهور المؤمنين، وكان في تصوره لهذه العلاقة قريبًا جدًا من تصور الأستاذ الاسكندروني زكي الأرسوزي (^٤) عن توجس الأمة لانبثاق البطل النبي منها
_________________
(١) و(^٢) هذا نَموذج من نَماذج المدائح الحداثية المبالغ فيها التي يلقيها أتباع الحداثة على بعضهم ولو كانوا يخالفونهم في النهج.
(٢) هذه العبارات من أبسط ما يتفوه به الحداثيون، حيث استهانوا بالنبوة وجعلوها وصفًا لكل ساقط ومنحرف وسيأتي تفضيل ذلك في فصل خاص من هذا البحث.
(٣) زكي الأرسوزي ١٣١٨ - ١٣٨٧ هـ/ ١٩٠٠ م - ١٩٦٨ م، قومي بعثي من أصل نصيري من أهل اسكندرون، له جهد كبير في ضم عدد من الشباب العرب إلى حزب البعث، وفي تأليف الكتب اللغوية والأدبية والسياسية من وجهة علمانية بعثية. انظر: موسوعة السياسة ٣/ ٤٢ - ٤٣
[ ٢ / ٧٥٩ ]
وتجليه فيها، وبخلقها من جديد، وعودتها لتحمل رسالتها إلى العالم من هنا كان سعادة يرى كما يرى الارسوزي حق الولاية للنبي على جمهور المؤمنين وبتعبير سعادة حق الزعيم في قيادة وتوجيه الأمة) (^١).
وهكذا يتبين بشهادة حداثي -لا يُمكن أن يقال بأنه يتحامل على أصحابه وأحبابه- مدى التأثير الذي مارسته شخصية أنطون سعادة على جيل واسع من المثقفين والشعراء والأدباء والكتاب والسياسية، وقد ألقى في روعهم من ضمن ما ألقى، محبة الوثنيات والتعلق بها وتقديسها والوقوف أمام أسمائها ورموزها ومفاهيمها موقف العبودية الذليلة الخانعة، وموقف المحبة والانقياد والاتباع والإجلال، وهم بذلك لايفترقون في قليل أو كثير عن إخوانهم من عبدة الأوثان من أهل الجاهلية العربية أو غيرها، والفارق الوحيد الذي يُمكن ذكره هو أن عبدة الأوثان الأوائل كانوا يتقدمون إلى عبادتها بسذاجة وبساطة وعفوية، من غير عمق ولا معرفة ولا دراية.
أما عبدة الأوثان المتأخرين من الحداثيين وغيرهم فإنهم يتقدمون إلى عبادتها وهم متدرعون بالثقافة والعلم والموضوعية والحرية الفكرية والفلسفة العميقة إلى غير ذلك من الشعارات والأسماء المنفوخة.
المحور الثاني: الذي انطلق من خلاله أنطون سعادة للتأثير والاستقطاب: مؤلفاته، ومنها "نشوء الأمم" و"المحاضرات العشر في الندوة الثقافية" و"تعاليم وشروح في العقيدة القومية والاجتماعية" و"الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية" (^٢).
غير أنه (كان التأثير الأدبي الرئيسي لسعادة عبر كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" -صدر في الأرجنتين عام ١٩٤٣ م وبدءًا من ١٩٤٧ م أعيد طبعه في بيروت على نطاق واسع- ومن المفيد هنا استحضار بعض الاستشهادات لتحديد مجال التفحص الذي سنقوم به.
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ١١٨ - ١١٩.
(٢) انظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان: ص ٤١٢.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
يؤكد أدونيس أن هذا الكتاب "كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وتوجهي الشعري: ولأنَّه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءًا من سعيد عقل وصلاح لبكي ويوسف الخال وفؤاد سليمان (^١)، وانتهاء بخليل حاوي، وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية النقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر والمشكلات التي أثارتها".
كما يؤكد الدكتور نذير العظمة "أحد مؤسسي شعر" أن "أغلب الشعراء التموزيين ما خلا جبرا إبراهيم جبرا وبدر شاكر السياب، كانوا ينتمون إلى الحركة القدمية الاجتماعية أو يتصلون بها بشكل من الأشكال، فالدكتور: خليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال هم من رواد الحركة التموزية، لم يكونوا أعضاء في الحزب فقط، بل مارسوا فيه مسؤليات ثقافية وفكرية مهمة، وبكلمة أخرى كانوا على معرفة حميمة بما يكتب أنطون سعادة، وينظر في مسألة التجديد في الشعر بشكل خاص والأدب والفكر بشكل عام") (^٢).
وقد ربط أنطون سعادة الفكر والتجديد والانبعاث في كتابه هذا وسائر كتبه ومحاضراته بالمرجعية الوثنية وخاصة الفينيقية في الدرجة الأولى، ثم الإغريقية والسومرية والكنعانية والآرامية والبابلية (^٣).
والذي يهم سعادة في كل هذه التراثات الجاهلية الوثنية (هو العودة إلى القصائد والملاحم السورية المتجلية بالأساطير، وتجديدها عبر نظرة جديدة إلى الحياة والعالم، حيث يرى أن هذه القصائد والملاحم تشكل
_________________
(١) سبقت تراجمهم. انظر: ثبت الأسماء المترجمة.
(٢) الحداثة الأولى لباروت: ص ١١٩ - ١٢٠، والنصان اللذان بين الأقواس الأول منهما لأدونيس نشره في مجلة الكفاح العربي عدد ٣٠١ في ١٦/ ٤/ ١٩٨٤ ص ٥١ تحت عنوان تجربة الحداثة في مجلة شعر نحو فهم آخر للتجديد الشعري، والثاني منهما لنذير العظمة نقلًا عن مجلة فكر أعداد ٤٣ - ٤٦ كانون أول ١٩٨٠ م.
(٣) انظر: الحداثة الأولى: ص ١٢٣.
[ ٢ / ٧٦١ ]
المرجع التراثي الحقيقي للشعر، ومن هنا لايجد إلا الطلب إلى "الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا إلى مقام الآلهة السورية، فيعودوا من سياحاتهم حاملين إلينا أدبًا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور") (^١).
يتضح لنا من خلال النقل السابق أن أنطون سعادة جعل الأساطير الوثنية والخرافات الجاهلية محور فكرته ومنطلق مذهبه وأساس دعوته، وربط الإبداع والنهضة والبعث والإنماء بهذه التصورات والعقائد الوثنية وربط أتباعه بهذا المفهوم، فقاموا هم بدورهم وبحماسة أكبر، وبتنظير أطول وممارسة أكثر، ببث الدعوة إلى هذه الوثنيات وتأصيل الإيمان بها وتقوية الدعاية لها، فانساقوا في أودية الخرافات والأوهام يستجلبون من رمادها عناصر الحياة لفكرتهم الميتة.
ومن أعجب الأعاجيب أن الحداثيين ينادون بالعقلانية ويدعون المنطقية، وهم مع هذه الدعوى العريضة يستسلمون لهذه الخرافات يؤمنون بها ويقدسونها ويجعلونها أساسًا للنهضة والارتقاء!!.
ولكن أنطون سعادة قد أقنعهم بأن هناك فرق بين الخرافة والأسطورة، (فيرى أن الخرافة هي نتاج مجتمع بدوي محدود، مشدودة إليه ومنحصرة في جموده، في حين أن الأسطورة هي نتاج حضاري تعبر عن هم إنساني شامل، فيرى أن عكس الخرافة هو "الأساطير الراقية ذات الصبغة الفلسفية المتناولة قضايا الحياة الروحية والمادية، الملازمة للجماعات البشرية التي أظهرت استعدادًا نفسيًا عاليًا، وجعلت أساطيرها ذات مغزى في الحياة والممات كالأساطير السورية" ويعدد منها أساطير أدونيس وطافون وإيل والبعل، ويشرح بعضها، ويشترط سعادة تجديد هذه الأساطير، عبر نظرة جديدة إلى الحياة والعالم تقدم "فهمًا جديدًا للحياة" من هنا يلح على
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٢٣، وما بين علامتي التنصيص لأنطون سعادة في كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري: ص ٨٦.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
"العناية بالأساطير الأصلية ذات المغزى الفلسفي في الوجود الإنساني بوعي لنظرة أساسية إلى الحياة والكون والفن") (^١).
هذا القول لأنطون سعادة يؤكد غاية التأكيد أن الحداثة في مضامينها وأفكارها وجذورها وفروعها ليست إلا فكرًا مستعارًا، ومفهومًا تقمصه الأتباع من غير عقل ولا نظر، فأنطون سعادة يفرق بين الخرافة والأسطورة!!.
ولم يقل له أحد من مريديه بأن الأسطورة هي خرافة بل أشد من الخرافة، ذلك أن في اسمها الدلالة الكبرى على كونها كذبًا واختلافًا، ومع ذلك يسميها الأساطير الراقيات ذات الصبغة الفلسفية، وسبب هذه التسمية أن هذه الأساطير هي المعتمدة رسميًا في الفكر والفلسفات الغربية؛ فلذلك كانت راقية وفلسفية، ولم تكن كذلك إلَّا لأنها كانت ملازمة للجماعات البشرية التي أظهرت استعدادًا نفسيًا عاليًا، وهذه الجماعات البشرية هم الغرب وفلاسفتهم.
أما أساطير العرب فإنها عنده -حتى وهي أساطير تشابه أساطير الغرب- منبوذة؛ لأنها خرافية وبدوية وليست حضارية!!، ومن هذا المنطلق استطاع سعادة أن يربط اتباعه بالغرب برباطين:
الأول: إحياء الأساطير والأوثان التي يؤمن بها الغرب وتشكل جذور فكره.
الثاني: صيغ هذه الأساطير بصيغة محلية "سورية" مع ربط الإقليم المحلي بالفكرة "المتوسطية" لتتم عملية الربط التاريخي والحضاري -حسب قوله- بين سورية والغرب، هذه المفاهيم التي غرسها أنطون سعادة، مع المفاهيم المنحرفة الأخرى، مثل نفي الألوهية، وجحد وجود اللَّه تعالى، ورفض الغيبيات، وفصل الدين عن السياسة، سارت في أتباعه مسير الدم في عروقهم، وشكلت مفهومًا ثقافيًا وسياسيًا شاملًا، وجد الحركة الشعرية
_________________
(١) انظر: الحداثة الأولى: ص ١٢٤، وما بين علامتي التنصيص لأنطون سعادة من كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري: ص ٦٩، ٨١.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
العربية الحديثة مطية صالحة له للوصول إلى مآربه الظاهرة والخفية.
وتتبدى هذه المفاهيم الأسطورية التي شاعت بين أدباء الحداثة، دليلًا جديدًا على التبعية والانقياد الفكري ليس في هذه القضية فحسب بل في الاتجاه العام للشعر والأدب العربي كله، وهذا ما أكده غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين، حيث قال: (فلا شك أن الثقافات الأجنبية ومدارس الشعر الغربي والبيئات الحضارية الجديدة، كانت جميعها من عوامل التجديد، ولكنا نلاحظ أن حركات التجديد في جميع المراحل السابقة على حركة الشعر الحديث قد حافظت على جوهر الشعر العربي، بينما نلاحظ في نفس الوقت أن الحركة الحديثة تقوم أساسًا على رفض هذا الجوهر، فلا يقتصر التجديد فيها على استخدام الأسطورة أو الرمز أو لغة الحديث اليومي أو المشكلات الميتافيزقية، ولكنها غيرت بالفعل من الاتجاه العام للشعر العربي، وانعطفت به وجهة أخرى وهي بلا ريب وجهة الشعر الغربي الحديث) (^١).
إن هذه الحقيقة لأمراء فيها ولا غبار على ثبوتها، وقد كانت استعارتهم للعناصر الوثنية والنصرانية واليهودية، من أبرز وأظهر نَماذج محاكاة شعراء الحداثة العرب لأدباء وفلاسفة الغرب.
وقد كان المنهج الأسطوري الذي نشأ في الغرب في جوانبه الأدبية والفلسفية والتاريخية وأنماطه النفسية واللاشعورية، واتخاذ الأساطير وتأويلها، وجعل الشاعر كالعراف والساحر، وغيرها؛ أساسًا ومنطلقًا للتقمص الذي مارسه حداثيو العرب.
وقد عني الغربيون بالأساطير ولجأوا إليها واتخذوها مثابة للمسار الفكري والفلسفي والإبداع الأدبي فظهر المذهب الأسطوري في الدراسات الأدبية في أحضان الأنثربولوجيا (^٢)، واتجهت مجموعات في إنكلترا وأمريكا
_________________
(١) شعرنا الحديث إلى أين؟: ص ١١٢.
(٢) الانثربولوجيا هي علم الإنسان، ويدرس نواحي النوع الإنساني وكل الظاهرات المتعلقة به، وله ثلاثة فروع رئيسية: الطبيعة وتدرس النمو الجسمي للإنسان، والاجتماعية =
[ ٢ / ٧٦٤ ]
تحاول أن تكشف عن الأساطير الأصيلة -حسب زعمهم- للإنسانية خلف الأدب، كالأدب الإلهي والتضحية بالإله والهبوط إلى الجحيم، وغير ذلك مما نجد صداه في الكتابات الأدبية والعقائد المحرفة كالخطيئة والتكفير والخلاص في النصرانية، وكان لهذا المذهب الأسطوري جذوره في الدراسات النفسية وخاصة عند أتباع اليهودي فرويد (^١) الذين كانوا ينظرون إلى الأسطورة على أنها حلم لفرد مكبوت، أمّا يونج (^٢) ورهطه فقد نظروا إليها على أنها نَمط أولى للجنس البشري، لا ينم عن مرضه، بل ينم عن مشاركته الطبيعية في اللاشعور الجمعي، وهو المذهب الذي يقول به يونج، في مقابل اللاشعور الفردي الذي يقول به فرويد (^٣).
وعلى ذلك فقد فلسف هؤلاء الأسطورة فلسفة تحاول وضعها في
_________________
(١) = وتهتم بدراسة النظم الاجتماعية المختلفة دراسة مقارنة وخاصة نظم المجتمعات البدائية، والثقافية وتهتم بدارسة عادات الشعوب وتقاليدها دراسة تاريخية. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ١/ ٢٣٥، والمفاهم والألفاظ في الفلسفة الحديثة ص ٣٨، والمعجم الفلسفي ص ٢٤.
(٢) هو: سيجموند فرويد يهودي نمساوي، ولد سنة ١٣٧٢ هـ/ ١٨٥٦ م، وتوفي سنة ١٣٥٧ هـ/ ١٩٣٩ م، طبيب وأخصائي بالأمراض العصبية، وصاحب نظرية التحليل النفسي التي أعاد فيها جميع نشاطات الإنسان والمجتمع إلى الدافع الجنسي، وأصبح لنظريته هذه أكبر تأثير في الحياة الغربية، حيث سوغت لهم التوغل في الانحرافات تحت مسميات الكبت والتسامي واللاشعور والدافع الجنسي، كان يعالج مرضاه بالمخدرات، ولما اشتد عليه المرضى طلب من طبيبه أن يزيد له كمية المخدر الذي كان يتعاطاه حتى يعجل بهلاكه فهلك. انظر: الموسوعة الفلسفية ص ٣٠٧ - ٣٠٩، وتاريخ الفكر الأدبي الحديث ص ٧٤١.
(٣) هو: كارل غوستاف يونج أو "يونغ" عالم نفسي سويسري أسهم في بيان اللاشعور وفي تكوين الطب النفسي، ولد في ١٨٧٥ م وتوفي في ١٩٦١ م التقى بفرويد في فينا سنة ١٩٠٧ م فتعاونا على البحث في ميدان الأمراض النفسية، ثم استقل عن فرويد وأخذ ينقد مبالغاته الجنسية ونشر كتابه علم نفس اللاشعور المضاد لفرويد، واختير رئيسًا للجمعية الدولية للتحليل النفسي، توفي سنة ١٩٦١ م. انظر: موسوعة السياسية ٧/ ٤٨٥.
(٤) انظر: فوضى الحداثة: ص ١٧٨ - ١٨١، وهي مذكرة مكتوبة باليد للدكتور عبد اللَّه الحامد.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
حقل الحقيقة والتأثير، فأكدوا جميعًا أن الأساطير ليست كما يعلم الناس حشدًا من الخرافات، وليست مجرد أوهام من عالم الفوضى، بل هي لغة أخرى، لغة الشعر والخيال والانفعال بجانب لغة المنطق والنثر والعلم (^١).
وفي معرض إثبات طابع العلمية على الأسطورة قرروا أنه من الخطأ أن تظن أن الشاعر حين يستلهم تجارب العصور السحيقة، إنما يستعين بأمور غير أصيلة؛ لأن التجربة الأولية هي مصدر إبداعه، فليس غريبًا أن يلوذ بالأسطورة، ويصور تجربته تصويرًا أسطوريًا، حتى يهبها الشكل الفني (^٢).
ثم جاء المنهج الأسطوري في منحاه التاريخي ليضفي على الأسطورة مكانة ويجعل لها شرعية.
ومن أبرز الذين اهتموا بالأسطورة من هذا الجانب الإنجليزي جيمس فريزر، وهو من علماء الانسنه "الانثربولوجيا"، وقد ألف كتابًا في هذا الصدد ذاع صيته وعظم تأثيره، وهو "الغصن الذهبي" المكون من اثني عشر مجلدًا، وموضوعه دراسة السحر والدين والأساطير القديمة، دراسة حاول فيها أن يؤكد شرعية الأسطورة وأهميتها، ويضع المبررات للعبادات الوثنية المختلفة، ويضع استنتاجات احتمالية وهمية تفتقر إلى البرهان، ليعرض تطور الفكر والمجتمع، ويحاول أن يجد علاقة بين السحر والفن والدين والزعامة في ظل الارتباط بين وظيفة الكاهن والساحر، ويخلط بين الدين الحق والوثنيات الباطلة وبين الأنبياء والكهان، وحاول في كتابه هذا ربط التشابهات الأسطورية ليخلص منها إلى نظرية تعميمية هي أن الأسطورة إنسانية وليست إقليمية أو محلية، في سياق يتضح منه إضفاء صفة العالمية على الأساطير والخرافات، لتتخذ من خلال هذه الدعوى الكبيرة هيبة عند ضعفاء العلم والعقل وعديمي الإيمان.
وعلى كل حال فإن كتاب الغصن الذهبي كان له دور بارز في نشوء
_________________
(١) و(^٢) انظر: فوضى الحداثة: ص ١٧٨ - ١٨١.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
نوع جديد من الدراسات الأدبية والنقدية، يقوم على الأسطورة، وكان له تأثير واضح في شعراء الحداثة، وقد اعترف أليوت في تعليقاته على الأرض الخراب بتأثره العميق بالغصن الذهبي (^١).
هذه هي جذور الاقتداء الحداثي العربي بالأسطورة الغربية، والقواعد التي انطلقوا منها للمحاكاة البليدة والاستنساخ الأعمى.
وقد حاول بعض النقاد الحداثة العربية أن يوجدوا المسوغات الفنية والثقافية لهذا الارتماء الحداثي في أحضان التبعية للغرب، فهذا محمد مندور يتحدث عن هذه القضية، ويطلق على هذا المنهج اسم التجارب الأسطورية (^٢)، ثم حاول بعث أساطير إقليمية ومحلية لإضفاء صورة الاستقلالية في هذا الشأن عن المغرب (^٣)!!، مع إعجاب وانبهار -في الوقت نفسه- بالملاحم والأساطير والوثنيات الجاهلية الخالية (^٤).
وعلى هذا النحو التبريري ينطلق إحسان عباس في كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر" ليؤكد أن (من بدهيات الحركة التاريخية أن الإنسان المعاصر، في ظل النوازع القومية، قد انتقل من واقع التاريخ إلى تبني "الأسطورة التاريخية" واستخدامها حافزًا في تقوية "التكاتف الاجتماعي" في الأمة الواحدة، وأن ذلك كان يمتد من مبدأ الإيمان بإرادة القوة إلى الخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف. . .) (^٥).
وهكذا يحاول إحسان عباس أن يظهر لنا أن تبني الوثنيات والأساطير لا ضير فيه، لا من ناحية الفكر والاعتقاد ولا من ناحية الانتماء، بل إنه يصفه كضرب من ضروب الضرورة اللازمة لتقوية التكاتف الاجتماعي
_________________
(١) انظر: فوضى الحداثة: ص ١٩٢ - ١٩٥ والموسوعة السياسية ٢/ ١٢٩٨.
(٢) و(^٣) انظر الأدب ومذاهبه د/ محمد مندور ص ١٤.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٥ - ٣١، وفيها تحدث بإعجاب عن الرومان والإنياذة لفرجيل، ثم عن الإلياذة والأودسا في الغرب، والهابراتا والرامايان في الهند، والشاهنامة في فارس، ثم شرح عن الإلياذة وامتدح شاعريتها واعتذر عن التكرار الذي فيها، ثم تحدث عن الأدب الإغريقي باعتباره جذرًا للآداب الغربية المعاصرة.
(٤) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١١٠.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
والخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف، وأيم اللَّه أن هذا القول من أعظم الكذب والمخادعة والتدليس، ومناقضة العقل والواقع والتاريخ، وإلَّا متى كانت الأساطير والوثنيات التي فرقت الإنسانية وشتت الإنسان وأبعدته عن طريق الخير، وأركسته في الضعف والتفكك والتخلف، متى كانت سببًا لنهضته ويقظته وسعادته؟.
وها هو التاريخ يشهد في كل صفحاته أن سقوط الإنسان وانحداره حصل منذ أن ارتمى في الوثنيات والأساطير، ثم ها هو الواقع اليوم يشهد على ذلك، ولكن الأعين العمي والبصائر المطموسة لا يُمكن لها أن ترى الحقائق ولو كانت مثل الشمس في ضحى النهار.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^١).
ويلخص إحسان عباس الاتجاه الأسطوري الذي امتطى الشعر العربي الحديث، ويذكر أسباب ذلك في لهجة تبريرية أقرب إلى الأسلوب الدعائي، وإن كان قد انتقد إدخال الأسطورة واستخدامها في غير موضعها، وهو نقد يتجه نحو كيفية الاستعمال وليس على المبدأ ذاته، ثم بين دلالات الأسطورة، فقال: (ويعد استغلال الأسطورة في الشعر العربي الحديث من أجرًا المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثارًا حتى اليوم؛ لأن ذلك استعادة للرموز الوثنية واستخدام لها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام، حتى إن التاريخ قد حول إلى لون من الأسطورة لتتم للأسطورة سيطرتها الكاملة، لماذا تم كل ذلك؟، ثَمّة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة منذ القديم سداه ولحمته، وأنَّه منذ دراسة جيمس فريزر في "الغصن الذهبي" للأسطورة، ومنذ دراسة فرويد ويونج لدورها في اللاوعي الإنساني، انهارت الحواجز التي كانت تقوم دون تقبلها
_________________
(١) الآيتان ٤٣، ٤٤ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
في الشعر العربي الحديث، أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة؛ لأنها تصل بين الإنسان والطبيعة وحركة الفصول وتناوب الخصب والجدب، وبذلك تكفل نوعًا من الشعور بالاستمرار، كما تعين على تصور واضح لحركة التطور في الحياة الإنسانية، وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر، والربط بين الماضي والحاضر، والتوحيد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وتنقذ القصيدة من الغنائية المحض (^١)، وتفتح آفاقها لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة والتنويع في أشكال التركيب والبناء.
لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق محموم- يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية "عشتاروت تموز" أو مصرية "أوزوريس" أو حثية "أنيس" أو فينيقية "أدونيس، فينيق" أو يونانيَّة "أورفيوس، برمثيوس، عولس، أودميس، ايكار، سيزيف، اوديب. . . إلخ" أو مسيحية "المسيح، لعازر، يوحنا المعمدان" (^٢) بل إنه ذهب إلى بعض حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية (زرقاء اليمامة، اللات)، وعامل القصص الإسلامية على المستوى نفسه مثل قصة الخضر (^٣) وحديث الإسراء (^٤)، والمهدي المنتظر (٤) (صاحب الزمان) واتخذ من كل ذلك رموزًا في شعره،
_________________
(١) هكذا والصواب المحضة أو الغنائي المحض.
(٢) لاحظ هنا كيف أدخل شخصيتي عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام في الأساطير النصرانية، أي أنهما لا حقيقة لهما بل هما أساطير، وهذا تكذيب صريح لما ثبت في الكتب السماوية السابقة، وما ثبت في الكتاب الخاتم المهيمن القرآن العظيم، ومن الغريب أنه ذكر الحقائق أساطير، ولم يذكر الأساطير الحقيقية مثل الصلب والفداء والخطيئة والتكفير والخلاص وغير ذلك، فهل هذا مقصود أم مجرد جهل؟ ستأتي إجابة ذلك في الفصل الخاص بالنبوات إن شاء اللَّه.
(٣) و(^٤) لاحظ أيضًا كيف ساق هذه مساق الأسطورة وإن لم يصرح بذلك كما صرح في شأن المسيح ويحيى ﵉، غير أنه يبين أن الحداثي العربي عامل القصص الإسلامية -هكذا سماها- معاملة الأسطورة، مع العلم أن الخضر ﵊ حقيقة وكذلك حادثة الإسراء والمعراج، وكذلك المهدي المنتظر الذي خلط في تعريفه بين تسمية أهل السنة للمهدي، وتسمية الشيعة لمهديهم وصاحب الزمان، المعصوم =
[ ٢ / ٧٦٩ ]
تقوى أو تضعف بحسب الحال، وبحسب قدرته الشعرية، وحين اضطر إلى مزيد من التنويع ذهب إلى خلق الأقنعة والمرايا، والاستعانة بالأدب الشعبي. . . .
ومن الإنصاف أن نقول: أن الشعراء يختلفون في مقدار شغفهم بالأسطورة فبعضهم يكثر منها مثل السياب، وبعضهم قليل الالتفات إليها مثل محمود درويش، وأن شعراء العراق ولبنان -على وجه العموم- لايجدون غضاضة في تطلبها من أي مصدر، بينما شعراء مصر -مثلًا- يتحفظون تجاه بعضها ويقبلون على بعضها الآخر. . .، ومع أن هذا الاندفاع نحو الأسطورة المستعارة كان ذا نتائج إيجابية (^١)، فقد علقت به بعض النتائج السلبية: إذ أخذت الأساطير أحيانًا وأقسرت على الدخول في بناء القصيدة، دون تمثل لها ولأبعادها، فوضح أنها دخيلة قلقة في موضعها (^٢). . . .
بل لعلي لا أتجنى حين أقول إن الشاعر الحديث قد اقتصر في استعمال هذه الرموز -رغم كثرتها- على دلالات محدودة، مما وسم الشعر بطابع التقارب والتكرار، وأهم هذه الدلالات ثلاث:
١ - التعبير عن القلق الروحي والمادي باستغلال رمز الجواب، وفي هذا المجال استخدمت رموز عولس والسندباد وأورفيوس وإيكار. . .، وقد أضاف البياتي إلى الجوابين "عائشة" وهو رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه "لتقوم مقام الخضر الخالد. . .
٢ - التعبير عن البعث والتجدد، ومن الرموز الصالحة لذلك تموز أو
_________________
(١) = عندهم، والذي هو في الحقيقة معدوم لا وجود له كما قرر ذلك وأوضحه بعض علماء الشيعة منهم أحمد الكاتب في كتابه تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه: ص ١١١ - ٢٣٧ طبعة دار الشورى للدراسات والإعلام الطبعة الأولى عام ١٩٩٧، وكتاب كسر الصنم لآية اللَّه أبو الفضل البرقعي: ص ٢٤٧ - ٢٥٨ طبعة دار البيارق الأردن عام ١٤١٩ هـ، وكتاب التشيع والشيعة للشيخ أحمد مير قاسم بن مير أحمد الكسروي: ص ٧٧ - ص ٨٧ طبعة عام ١٤٠٩ هـ.
(٢) لاحظ المدح والإشادة بالاتجاه الأسطوري.
(٣) هذا نقد للاستعمال وليس نقدًا للمبدأ والاتجاه الذي يقربه ويمتدحه كما سبق بيانه.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
أدونيس ولعازر والمسيح وأوزوريس وفينيق. . .
٣ - التعبير عن العذاب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر، وهنا تعود رموز المسيح وبرمثيوس وسيزيف إلى الظهور.
وقد كان السياب بحكم موقعه الزمني، شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلى الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية، وبسبب التغيرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق (^١) حينئذ، ولهذا يصلح أن يكون السياب نموذجًا للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدئ لأعصابه المستوفزة، فهو يتصيده حيثما وجده (^٢)، وقد تأثر كثيرًا بذلك الفصل الذي ترجمه الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا من كتاب "الغصن الذهبي" عن البطل الأسطوري "أدونيس"، وبهذا يكون السياب قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرموز، وإن تجاوز، بعضهم في القدرة على الاختيار وفي طريقة الاستخدام، على أن السياب نفسه قد تطور كثيرًا في كيفية استغلال الأساطير والرموز، ابتداءً من اتخاذها نماذج موضحة "كما في قصة يأجوج ومأجوج (^٣) في قصيدة الموسى العمياء") (^٤).
وفي هذا النص المنقول كفاية عن نقل نصوص أخرى من نقاد حداثيين عنوا بدراسة ظاهرة الأسطورة والوثنيات في الأدب العربي الحديث، من نشأتها في الغرب إلى استيرادها في بلاد العرب وأبعاد ذلك، مع ذكر أمثلة وتحليلات وشروحات، يظهر في أكثرها -إن لم أقل كلها- الإشارة والتبجيل لهذا الاتجاه
_________________
(١) لاحظ أن هذه الأسباب تبريرية بحتة، ولم يذكر فيها الانحراف الاعتقادي الذي قاد السياب وغيره من الشعراء والنقاد إلى الولوع بالوثنيات والأساطير، وسبب ذلك أن إحسان عباس نفسه في داخل مدار الانحرافات الاعتقادية الحداثية.
(٢) كالمستجير من الرمضاء بالنار، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.
(٣) يأجوج ومأجوج حقيقة ثابتة وليست أسطورة، والقول بأنها أسطورة تكذيب بالقرآن وكفر بواح، وقد تكرر من هذا الكاتب جعل الحقائق الثابتة في الوحي المعصوم أساطير، وقد سبق التعليق عليها مثل المسيح ويحيى والخضر ﵈ والإسراء والمعراج والمهدي المنتظر.
(٤) اتجاهات الشعر العربي المعاصر لإحسان عباس: ص ١٢٨ - ١٣٠.
[ ٢ / ٧٧١ ]
والفحص عن معاني الرموز الوثنية عند شعراء الحداثة ومغازي كلامهم وإشاراتهم والأسماء الوثنية التي استعملوها في ثنايا نصوصهم (^١).
وإذا انتقلنا من جانب الدراسات النقدية والتنظيرية لكتاب ونقاد الحداثة، إلى جانب الشواهد والأمثلة المنتشرة في ما يسمونه الأعمال الإبداعية، فإننا سوف نجد بحرًا من الرموز والأساطير والوثنيات الجاهلية من شتى العصور ومن مختلف الأمم، ويكفي في رواج هذه الظاهرة أن تلامذة وأتباع الخال قد قرأوا واتبعوا ما قرره في موازين التقدم والتخلف حيث كان (. . . يرى أن اختناق العقل العربي قد ترافق مع سيطرة التراث الهندي ومنه
_________________
(١) انظر: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر د/ عبد الحميد جيدة مبحث من الفصل الثاني بعنوان (الاسطورة في الشعر العربي المعاصر): ص ٢٣٠ - ٢٥٠، وفيه دراسة مديحية لشعراء الحداثة الذين استخدموا الأسطورة بكثرة. وانظر: الحداثة في الشعر العربي المعاصر، بيانها ومظاهرها د/ محمد حمود: ص ١٣٥ - ١٠٣ فصل بعنوان (الأسطورة في الشعر العربي الحديث)، وفيه ذكر معنى الأسطورة ونشأتها في الغرب والذين حاربوها من الغربيين والذين أيدوها ونشروها، ثم العرب وتأثرهم بها وإقبالهم عليها، وتأثير أليوت وقصيدة الأرض اليباب، وبعض الدراسة لنماذج من الوثنيات والأساطير التي أخذها أدباء الحداثة. - وانظر: نقد الحداثة د/ حامد أبو أحمد: ص ١٢٠ - ١٢٦، وفيه عن الأسطورة في الشعر العربي والتموزية، وتأثير اليوت والأرض اليباب له على العرب. - وانظر: قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٥٥ - ٢٥٦، وفيه يثبت الكاتب محمد جمال باروت أن الخال يرى جمود العرب بسبب تركهم التراث الإغريقي الروماني النصراني!!. - وانظر: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية د/ عز الدين إسماعيل: ص ١٩٥ - ٢٣٧، وفيه فصلان عن الأسطورة بعنوان: (المنهج الأسطوري في الشعر المعاصر) وفصل (الرمز والأسطورة) أوضح فيه أصول استخدام الأسطورة في الشعر العربي. - وانظر: الأساطير لأحمد كمال زكي. - وانظر: الأسطورة للدكتور: ك. ك. راثفين، ترجمة: صادق جعفر الخليلي. - وانظر: دراسات في نقد الشعر لإلياس خوري ٢١٧ وما بعدها. - وانظر: أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث لريتا عوض. - وانظر: الأسطورة في الشعر المعاصر لأسعد مرزوق. - وانظر: الحداثة عبر التاريخ مدخل لنظرية لحنا عبود: ص ٥٥، ٥٧ - ٦٩.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الفارسي، بدل التراث الإغريقي - الروماني - المسيحي على الحياة العربية، فإذا بالعرب يروحون في سبات مظلم عميق يستمر ألفًا من السنين) وبمعنى آخر يرى الخال أن العقل العربي في جوهره عقل "إغريقي - غربي" وهو يذكرنا هنا بطه حسين إذ أنه عقل متوسطي تكونت روابطه الأولى مع العالم الإغريقي - الغربي منذ مراجعه في فينيقيا وما بين النهرين "الهلال الخصيب"، ويعني ذلك في المحصلة أن الاندماج بـ "العالم الحديث" الذي هو نتاج العقلية الإغريقية - الأوربية ليس سوى عودة إلى جذور العقل العربي المتوسطي وينابيعه الأولى المرتبطة بهذه العقلية، وبذلك يبدو الاندماج بـ "الغرب" وكأنه استكشاف لـ "الهوية القومية - الحضارية" نفسها، فالعقل العربي في اندماجه بالغرب يستعيد منه ما كان قد أعطاه له، ويعود ذلك بالنسبة للخال إلى أن هذا العقل متوسطي أي إغريقي المعرفة، وتبدو طريقة تفكير الخال هنا قريبة جدًا من طريقة تفكير طه حسين في "مستقبل الثقافة") (^١).
من هذا التنظر وذاك وأشباههما تهاوى مبدعو الحداثة نحو الغرب في ضمأ لاهث وتلهف قاتل فأخذوا وقموا كل ما عندهم في محاكاة عمياء واستيراد أخرق، واستعارة جوفاء، ونسخ بليد لكل ما هنالك من أفكار وعقائد ورموز وجاهليات.
وقد عمل أحد الكتاب البنيويين دراسة إحصائية لديوان أنشودة المطر للسياب، الذي فاز بجائزة مجلة شعر عام ١٣٧٩ هـ/ ١٩٦٠ م، فوجد أنه قد استعمل رمز تموز سبع عشرة مرة، ورمز المسيح عشرين مرة، ورمز عشتار سبع عشرة مرة، والصليب إحدى وثلاثين مرة، وأدونيس ثلاث مرات، وآتيس مرتين (^٢).
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢/ ٢٥٦. وانظر الحداثة الأولى: ص ١٣١ - ١٣٣، وانظر: قضايا وشهادات ٣/ ٧٣، وانظر: رأيهم في الإسلام: ص ٢٥، ٢٦، ٦٢، وانظر: أسئلة الشعر: ص ١٥٣، يذكر فيه سبب انصرافه فيه إلى رموز وأساطير ما قبل التاريخ العربي.
(٢) انظر: الموضوعية البنيوية د/ عبد الكريم حسن، الجداول الملحقة في آخر الكتاب.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
وليست القضية مجرد ذكر وإحصاء أسماء الرموز وأسماء الأوثان، بل القضية أنه يضمن هذه الرموز من المعاني والدلالات الشيء الهائل الكبير، وفق ما سبق نقله من مراداتهم في استخدام هذه الرموز.
يقول السياب عن عشتار:
(عشتار، أم الخصب، والحب والإحسان، تلك الربة الوالهة) (^١).
وينادي تموز بوصف الربوبية قائلًا:
(يارب، تمثالك
فلتسق كل العراق
فلتسق فلاحيك، عمالك) (^٢).
فلم يبق تموز مجرد رمز وثني قديم بل هو عند السياب رب يدعوه في تأله وتضرع بأن يسقي العراق وفلاحيه وعماله، ثم يناديه مرة أخرى بوصف الربوبية أن يسمع دعاء الرفاق وأن يرعى الفلاحين والعمال والأطفال:
(يارب تمثالك
فاسمع صلاة الرفاق
ولترع فلاحيك، عمالك
تمثالك البعل
تمثالك الطفل
تمثالك العذراء) (^٣).
وفي موضع آخر يصف تموز بالألوهية قائلًا:
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٣٨٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٣٥.
(٣) ديوان السياب: ص ٤٣٦.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
(ليعو سر بروس في الدروب
وينبش التراب عن إلهنا الدفين
تموزنا الطعين. . .
إلهنا الفتي، لو يبرعم الحقول
لو ينثر البيادر النضار في السهول
لو ينتضي الحسام، لو يفجر الرعود والبروق والمطر
ويطلق السيول من يديه، آه لو يؤوب!) (^١).
وفي المقطع نفسه، يصف عشتار بأنها ربة تتصرف وتفعل ما تريد:
(عشتار ربة الشمال والجنوب
تسير في السهول والوهاد
تسير في الدروب
تلتقط منها لحم تموز إذا انتثر
تلمه في سلة كأنه الثمر) (^٢).
وبنظرة سريعة في ديوان السياب يُمكن أن يتوصل القارئ إلى أن السياب كان يكتب بأحرف وكلمات عربية أفكارًا وعقائد يونانية وفينيقية وأساطير ووثنيات من الإغريق حتى الصين (^٣)، وقد حشر الأسماء الوثنية في
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٨٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٨٥.
(٣) انظر: في ديوانه ذكر عشتار أو عشتروت في الصفحات: ص ١٢١، ٣٢٧، ٣٨٣، ٤١٠، ٤٣٧، ٤٦٩، ٤٧٣، ٤٨٦، ٤٨٨، ٦٢٧، وذكر تموز في: ص ٢٧١، ٣١١، ٣٢٥، ٣٦٢، ٤١٠، ٤٣٠، ٤٨٣، ٤٨٦، ٦٢٧، وذكر أدونيس في: ص ٣٦٢، ٤٦٥، وعوليس أو أوديسيوس بطل الاوذيسة اليونانية: ص ١١٩، وأنيسيس بطل إلياذة فرجيل: ص ٢٤١، ويرسفون: ص ١٣١، وارفيوس: ص ١٤٥، وزيوس: ص ١٨٤، وهومير: ص ٤٠٧، وأولمب: ص ٤٢٩، وغينميدا: ص ٤٣٠، وميدوز: ص ٤٠٩، =
[ ٢ / ٧٧٥ ]
سياق قصائده حشرًا يدل على مقدار ما بلغ به محاولة إثبات العالمية والتواصل مع الغرب، وتأكيد العصرية، لنيل مراتب المديح والشرف من الغربيين وعملائهم في المنطقة.
وقد تحدث إحسان عباس عن استعمال السياب للرموز الوثنية من تموز وغيره، وتبريرات السياب لذلك، وخاصة فيما يتعلق بالهوية التي يحتويها إطلاق هذه الرموز والتحدث بها، في مقابل الرموز الإسلامية، أو حتى العربية الجاهلية، ولذلك حاول أن يسمى الأوثان البابلية والفينيقية تسمية عربية، ليسترضي القوميين، ويبرأ من تهمة اقتلاع العرب وربطهم بغيرهم، فقال -في معرض دفاعه- بأن عتشار هي العزى، واللاتو هي اللات وتموز هو ود، إلى آخر ما هناك من اعتذارية باهتة.
ثم ذكر المؤلف الحوافز التي جعلته يتعلق بهذه الأسماء والرموز، ومنها ميله إلى المراضاة والتلون الحربائي في الفكر والعقيدة حسب الجو الذي يعيش فيه، فهو لما انفصل عن الشيوعيين والتحق بالقومية فكرًا، ثم التصق بمجموعة شعر ذات الفكر الفينيقي النصراني، تلون معهم باللون نفسه وانغمس في الرموز الوثنية، إلى حد أنه يأتي بأسطر مفتعلة ليس فيها إلا مقارنات ذهنية ومبالغات ممجوجة وتعبيرات نابية (^١).
وكتب أحد الحداثيين مقدمة طويلة لديوان السياب ذكر فيها استخدام الرموز الوثنية، وأسباب ذلك، مع شرح مسهب وتبريرات مطولة لتسويغ استخدام الأساطير والوثنيات في صيغة جاهلية يتظاهر صاحبها بالعلم والمعرفة، ولكن الأوثان وسدنتها وأتباعها في تباب وضلال وسخف في العقول وتردٍ في المفاهيم (^٢).
_________________
(١) = ولسبوس وسافو ونرسيس وتنتلوس: ص ١٩٢ - ١٩٣، وهرقل: ص ٤٠٥، والسيرين: ص ٢٧٣، وبعل وسيزيف: ص ٣٢٥، ٣٩١، وأوديب وأمه جوكست: ص ٥١١، وافروديت: ص ٥١٤، وفاوست وهيلين: ص ٥١٥، وأبولو: ص ٥١٦، وأسطورة صينية: ص ٣٥٥.
(٢) انظر: كتاب بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص ٣٠٣ - ٣٢١.
(٣) انظر: مقدمة ديوان البياتي التي كتبها ناجي علوش (ن ن) و(ج ج ج) إلى (هـ هـ هـ).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
أما نازك الملائكة فقد فعلت فعل السياب ولكن من غير إغراق ولا مبالغة، بيد أن المضامين الاعتقادية للرموز الوثنية واضحة في شعرها، ومن ذلك قصيدتها بعنوان "صلاة إلى بلاوتس إله الذهب" (^١) وقصيدتها الأخرى بعنوان "صلاة الأشباح" (^٢) تتحدث فيه عن بوذا والمعبد البوذي والبراهمة، وتخاطب بوذا، وتصفه بإجلال واحترام (^٣).
أمّا الشيوعي العراقي وأحد ناقلي ومروجي الحداثة في بلاد العرب "عبد الوهاب البياتي" فإنه مثل السياب في إغراقه ومبالغته وإكثاره من ذكر الآلهة الوثنية مع الإيمان بها وإجلالها ونسبة الإحياء والعبث والنهضة والتقدم إليها، مع نسبة كثير من الأعمال الإرادية إليها، فهي عنده تقول وتسير وتبكي وتندم وتضحك، وغير ذلك من الأوصاف التي التقطها مع ما التقط من انحرافات وضلالات الغرب.
وسوف أوردها هنا نَماذج من أقوال الوثنية، يقول تحت عنوان العودة من بابل:
(بابل تحت قدم الزمان
تنتظر البعث، فيا عشتار
قومي، املئ الجرار. . .) (^٤).
وفي مقطع بعنوان "قصائد حب إلى عشتار" خطاب وثني وتمنيات وثنية وتمجيد وتقديس لعشتار إله الخصب عند الفينيقيين، وجعل الأنثى
_________________
(١) ديوان نازك الملائكة ١/ ٣٢٦.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٧.
(٣) انظر: أمثلة على الرموز وأسماء الآلهة الوثنية في شعر نازك في ديوانها ١/ ٣٣٣ ذكرت الأولمب، وفي ١/ ٣٣٥، ٣٣٨، ميداس، وفي ١/ ٣٥٠ أغنية تاييس، وذكرت في الجزء الثاني من أوله إلى: ص ١٩٧ مجموعة من أسماء الآلهة والرموز الوثنية ثم شرحت وترجمت لهذه الآلهة في ١٩٧ - ١٩٩ وهي ديانا ونارسيس، وأبولو، ولا برنث وهيا واثا.
(٤) ديوان البياتي ٢/ ٧٨.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
"عشتار" ملاكًا، وأضفى عليها صفات الإنبات والإحياء، وجعلها رمزًا للتقدم والتطلع والانبعاث الجديد، وكأني بأي أديب أو ناقد غربي يقرأ هذه المقطوعة وأشباهها يقول هذه بضاعتنا ردت إلينا.
يقول البياتي:
(. . . بين نهديها الصغيرين، وفي أحشائها رعشة بركان يثور
حيث تنشق البذور
ترضع الدفء من الأعماق تمتد جذور
لتعيد الدم للنبع وماء النهر للبحر الكبير
والفراشات إلى حقل الورود
فمتى عشتار مع العصفور والنور تعود؟) (^١).
ثم يصف تجوله وبحثه عن عشتار أو عن الحقيقة، في عصور القتل والإرهاب والسحر، وهي العصور الأولى ومنها عصر الإسلام بل حتى عصر النبوات الأولى، ثم عصر موت الآلهة، وهو نموذج من خلفياته الوثنية اليونانية والفينيقية القائمة على أن الآلهة تأكل وتنام وتزني وتموت، وغير ذلك.
ثم يشير إلى الإسلام بصراحة في عبارة "قبلت قبور الأولياء"، ثم يتجه نحو السماء وهي رمز للربوبية والألوهية، فيذكر أنه سأل ودعا، ولكن السماء -ويريد بها اللَّه تعالى وتقدس- أمطرته بعد ألف دعاء وصلاة جمودًا يتمثل في الثلج، ودمارًا يتمثل في الدماء، وجهلًا وتخلفًا يتمثل في النبوات والملائكة المرموز لها بقوله: "ودمى عمياء من طين، وأشباح نساء" ثم يسأل "متى تنهل كالنجمة عشتار؟ " متى تأتي لتنقذه من الدين ومن السماء ومن النبوات؛ لأن عشتار عنده بمثابة ملَكُ الحب وفي يدها الإنقاذ والرحمة والحياة الهانئة!!، وهذا بعض ما كان يعتقده الكفار الأوائل في آلهتهم،
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٢٠٥.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
فإنهم قالوا عن عبادتهم للأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^١)، أمّا البياتي فإنه يدعو عشتار لتنقيذه من السماء وتخلصه من الدين وتبعده عن كل ما له علاقة به يقول البياتي مخاطبًا عشتار:
(وتمزقت وناديتك باسم الكلملة
باحثًا عن وجهك الحلو الصغير
في عصور القتل والإرهاب وموت الآلهة
وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء
وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراء
ضارعًا اسأل، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشتار وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء
ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة
ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة) (^٢).
ولو بحث أحد عن نموذج للعبادة الوثنية والارتماء الوثني لما ظفر بأكثر من هذا القول الدال دلالة واضحة على أن استخدامهم للأوثان ليس مجرد رموز لها دلالات نهضة وإحياء -على ما في هذا المعنى من انحراف- بل هي طقوس عبادة، ومراسيم ولاء كامل، في مقابل عقيدة التوحيد بصورة مباشرة وعبارة واضحة.
_________________
(١) الآية ٣ من سورة الزمر.
(٢) ديوان البياتي ٢/ ٢٠٦.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
ثم ينتقل البياتي ليصف مقدار الوجد الوثني الذي وصل إليه عندما آمن بعشتار، في عبارات صوفية وثنية، يذكر أن روحه ذاقت حلو النبيذ، واستطعمت الروابي الخضراء والمطاط والزنجبيل، واستروحت رائحة الورد، بل يؤكد أنه رأى اللَّه بعينيه -تعالى اللَّه وتقدس- حينما تعرف على عشتار، وهذا يتضمن إحدى معاني: إما أنه يريد أنه أيقن إثر إيمانه بعشتار أن اللَّه غير موجود فعبر عن ذلك بأنه رأى اللَّه ولم يملك على الرؤيا دليل، وهذا يتضمن الجحد والإنكار.
وإما أنه يريد أن عشتار تحولت عنده وصارت هي اللَّه، تعالى ربنا وتقدس، وهي معاني متقاربة في اللفظ والهذر الوثني، وثمار مرة تتساقط من أشجار أرتوت بمشتقات الوثنية، ونمت على ظفاف المقاهي والبارات والملاهي، ثم جيء بها لتتكاثر وتشيع في حياتنا بأساليب غريبة وطرائق عجيبة، في زي أستاذ أو مفكر أو أديب أو شاعر أو أديب أو كاتب أو فنان أو ناقد أو إعلامي إلى غير ذلك مما يرى ويسمع في منتديات ومجامع ذات فحيح وجعجعة:
(دعهم، فكم قُطعت رقابهم … جدعًا، ولم يشعروا ولا أبهوا
قد مزجوا بالنفاق فامتزجُوا … والتبسوا في العيان واشتبهوا
وما لأقوالهم إذا كشفت … حقائق بل جميعها شبه) (^١)
يقول البياتي في وصف غرامه الصوفي الوثني بعشتار:
(من ترى ذاق فجاعت روحه حلو النبيذ
وروابي القارة الخضراء والمطاط والعاج وطعم الزنجبيل
وعبير الورد في نار الأصيل
ورأى اللَّه بعينيه، ولم يملك على الرؤيا دليل
_________________
(١) لزوم ما لا يلزم للمعري ٢/ ٦٠٨.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك
ذقت لما هبطت عشتار في الأرض ملاك) (^١).
ثم يسترسل البياتي في الدعوة إلى الوثن عشتار فيضفي عليها صفات تحريك الزمان وتجديد الأوان وبعث الحياة:
(فلماذا عقرب الساعة دار
عندما ألقت على الجائع عشتار الثمار) (^٢).
ثم يواصل ولوغه في آنية الوثنية قائلًا:
(لون عينيك وميض البرق في أسوار بابل
ومرايا ومشاعل
وشعوب وقبائل
غزت العالم لما كشفت بابل أسرار النجوم
عالم السطوة والإرهاب باسم الكلمة
وغزت أرض الأساطير وشطآن العصور المظلمة) (^٣).
وفي دروب الأوهام والخرافة وشعاب الجهل والردة يخاطب البياتي معبودته، المقدسة عنده، بخطاب تمجيد وتقديس، ويهرف بما يخطر على عقله الصنمي، وفؤاده الجاهلي واصفًا إياها بالطفلة، تحببًا ورمزًا للحياة الفتية، وصدق اللَّه العظيم: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ. . .﴾ (^٤).
ثم يصفها بأنها ولدت من نار الشموس الخالدة، وكفاه غيًا أن تكون معبودته أنثى مولودة! لكن هواه الوثني يأبى عليه أن يتوقف عند كونها
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٢٠٨.
(٢) و(^٣) المصدر السابق ٢/ ٢٠٩.
(٣) الآيتان ١١٧، ١١٨ من سورة النساء.
[ ٢ / ٧٨١ ]
مولودة فيصفها بالخلود حتى لو ماتت فإنها تبعث من جديد وتعود للظهور، ولا يدري العاقل كيف يفكر هؤلاء؟ لكنها العقلية الجاهلية منذ القدم، عقلية بليدة راكدة، وقد كان كفار الجاهلية العرب يصنع أحدهم إلهًا له من التمر فإذا جاع أكله، وها هم أولاء يعودون من جديد بالعقلية نفسها وبالجهل الضارب نفسه، قال اللَّه تعالى واصفًا هؤلاء قديمهم وحديثهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ (^١).
وها نحن نرى من يبجل الوثن، ويطلق زمزماته التقديسية، لكن تحت شعارات التفلسف والتأدب، حيث لا فلسفة ولا عقل ولا أدب وإنَّما جاهلية عارية صلعاء، يقول البياتي عن معبودته عشتار:
(طفلة أنت وأنثى واعدة
ولد من زبد البحر ومن نار الشموس الخالدة
كلما ماتت بعصر بعثت
قامت من الموت وعادت للظهور
أنت عنقاء الحضارات
وأنثى سارق النيران في كل العصور) (^٢).
إن البياتي الرائد الحداثي والقدوة، والمعلم للأجيال الحداثية اللاحقة، ينحني بخضوع وذلة أمام الرموز الوثنية، ويتقلب في عرصاتها ذات اليمين وذات الشمال، وما من وثن يبرز في كلام أساتذته الغربيين أو الشرقيين إلّا جرى لاهثًا خلفه يؤدي مراسيم العبادة أمام ما يسميه كعبة الشعر في قوله: (إذا كان البعض يحج إلى كعبته كل عام فأنا أحج إلى كعبتي في كل كلمة أكتبها) (^٣).
_________________
(١) الآية ٢٢ من سورة الأنفال.
(٢) ديوان البياتي: ص ٢٠٩.
(٣) تجربتي الشعرية: ص ١١.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وتتبع الأوثان والأصنام التي فتن بها البياتي أمر يطول، غير أنه يُمكن تسمية أظهرها عنده، ولا شك أن عشتار قد أخذت النصب الأوفر من عقيدته في الأوثان ونافست غيرها (^١)، ثم يأتي تموز (^٢)، وقد مر معنا قول باروت أن البياتي ورث الشعراء التموزيين بعد انهيار حركة شعر.
ومن الأسماء الوثنية والرموز والأماكن المرتبطة بالوثنيين عنده: سبارتاكوس (^٣) ومامون (^٤) وبوذا وهوميروس وأفيوس ونينوى وطيبه وبابل (^٥) وأوليس وممفيس (^٦) وأوفيليا (^٧) والأولمب وآمون (^٨) وإرم العماد (^٩)، وأرفيوس وآشور (^١٠)، وحتى نار المجوس امتدحها باعتبارها رمز الحقيقة المستمرة (^١١)، ويتحدث عن زرادشت بانبهار، ويرمز به إلى الرفض والتمرد والإصرار، وكأنه يريد بذلك وصف نفسه (^١٢)، ويمتدح رفاقه الشيوعيين بأنهم مجوس هذا العصر (^١٣)، وله مقطع بعنوان "مرثية إلى أخناتون (^١٤) "، وله اهتمام بآشور (^١٥)، وفينوس وأرواد، وبانيبال، وأركاديا (^١٦)، ولارا التي
_________________
(١) انظر أمثلة ذكره لعشتار في ديوانه ١/ ٢٢٠، ٢/ ٧٧، ١١٥، ١٧١، ٢٠٢، ٢٠٥ - ٢١١، ٢٥٩، ٢٧٣، ٢٨١، ٢٩٤، ٣٠٩.
(٢) انظر أمثلة ذكره لتموز في ديوانه ٢/ ٧٨، ٢٧٣، ٢٧٤، ٣٨٢.
(٣) انظر: ديوانه ١/ ٢٣٥.
(٤) انظر: ١/ ١٥١.
(٥) انظر كل هؤلاء في ديوانه ٢/ ٨٥، ٩٣، ٢٨١.
(٦) انظر: ٢/ ١٤٧.
(٧) انظر: ٢/ ١٤٨.
(٨) انظر: ٢/ ١٧٢، ٣٨٣.
(٩) ٢/ ١٧٧، ١٨٠. وقد عدها هو وغيره من الحداثيين؛ من الأساطير، مع أنها حقيقة ثابتة وردت في القرآن العظيم.
(١٠) ٢/ ٢٠٣.
(١١) ٢/ ٢١٥، ٣٠٩، ٤١٨.
(١٢) انظر: ٢/ ٢١٧.
(١٣) ٢/ ٢٥١.
(١٤) ٢/ ٢٦٨.
(١٥) ٢/ ٢٧١، ٢٨١.
(١٦) انظر: ٢/ ٢٨١.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
ردد ذكرها مرات (^١)، ومثلها الأقمار السبعة أو الكواكب السبعة التي تقول الأساطير الوثنية بأنها تؤثر في عالمنا الأرضي (^٢)، ولم ينس المعبد الإغريقي دلفي (^٣) ولا الفرعوني خوفو (^٤)، وأمَّا الخرافة اليونانية سارق النار برمثيوس، فقد هام به هيام الجاهلي بصنمه، إلى حد جعله يصف نفسه بسارق النار في قصيدته سيرة ذاتية لسارق النار (^٥).
غير أن البياتي أراد أن يخترع له رمزًا خاصًا وصنمًا باسم عربي يضم معاني أحب الأصنام والأوثان إليه، فعمد في تخابث مقصود إلى اسم عائشة وجعل من هذا الاسم رمزًا للأوثان السابقة ولدلالالتها عنده وعند أشباهه من الحداثيين، وهذا الرمز "عائشة" رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه، فأخذه البياتي (^٦)، وجعله اسمًا بديلًا للوثن عشتار الذي هام به، فأخذ ما تلقاه من كتب الأساطير عن عشتار وغيرها فوظفه باسم عائشة جاعلًا التجدد من خلال الموت أهم الخصائص، وفق عقيدته التي تلقاها عن الوثن أدونيس أو تموز.
يقول البياتي: (أمّا المرأة فهي رمز زمني وأبدي وأبوي، "عائشة" رمز زمني لأنها اسم امرأة من لحم ودم، ثم تطور هذا الرمز لهذه المرأة فأصبح أبديًا يمتد من عشتار سومر إلى عشتروت الفينيقية التي تحول اسمها إلى عائشة فيما بعده) (^٧).
(وأن عائشة في "الذي يأتي ولا يأتي" و"الموت في الحياة" هي الرمر الذاتي والجماعي للحب الذي اتحد كل منهما بالآخر وحلا في نهاية الأمر
_________________
(١) انظر ديوان البياتي ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، ٣٠٢، ٣٨٦.
(٢) ٢/ ٢٨١، ٢٩٧، ٣٢٢، ٣٢٦، ٣٨٨، ٤١٨.
(٣) ٢/ ٣٨٢، ٣٩٨.
(٤) ٢/ ٤٥٤.
(٥) انظر: ٢/ ٣٣١، ٣٥٣، ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٦) انظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٢٩.
(٧) تجربتي الشعرية: ص ١٠.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
في روح الوجود المتجدد وإنها -أي: عائشة- التي ظل يطاردها لورفيوس وديك الجن وأبو فراس، كما يطارد الأطفال فراشة. . . عائشة هذه ما هي إلا روح العالم المتجدد من خلال الموت: من أجل الثورة والحب. . .) (^١).
بيد أن أفصح وصف عن الاتجاه الوثني عند البياتي قوله عن نفسه: (يا أيها الوثني يا قلبي الحزين) (^٢).
أما مجموعة شعر وخاصة أدونيس والخال فإن الوثنية عندهم أساس وتنظير، وقد انطوت نفوسهم المريضة على عشق الأوثان وتغلفت قلوبهم الغُلْف على الهيام بالأصنام، وقد سبق أن نقلنا من كلامهم ومما قيل عنهم ما يثبت ذلك.
بيد أنه لابد من الالتفات إلى شيء مهم يدلنا على فجاجة الحيلة الحداثية، وهشاشة التخفي خلف الرموز والغموض والتحديث والتحديد!!.
يقرر الباطني النصيري أدونيس في صدمة الحداثة أن النهضة لا تتم إلا بالقطيعة التامة مع السابق فكرًا وثقافة وحياة ومواقف وأدبًا ومعايير، وأن أي إشارة إلى التقليد أو الإحياء يعد تراجعًا، فيقوله: (إن مفهوم النهضة يرتبط، إذن ارتباطًا جذريًا بمفهوم التغير فحين نقول نهضة تعني بالضرورة انتقالًا من وضع سابق أو ماض، إلى وضع حاضر، مغاير، ونعني بالضرورة أن الوضع الجديد متقدم نوعيًا في حركته العامة على الوضع الماضي، لذلك لا يصح أن يكون في مفهوم النهضة مايُمكن أن يشير إلى "التقليد" أو "الإحياء"؛ لأن فيهما تراجعا أي تبنيًا لأشكال حياتية - ثقافية، نشأت في عصر مضى. . .) (^٣).
ثم يقول: (. . . إن جوهر الإبداع هو في التباين لا في التماثل) (^٤).
_________________
(١) تجربتي الشعرية: ص ٥٤.
(٢) ديوان البياتي ٢/ ٢٢٩.
(٣) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٥٦.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٧.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وفي الكتاب نفسه ينادي بتقليد الغرب ويستنكر على الذين يأخذون التقنية ويرفضون الأفكار والفلسفات والإبداعات (^١)، فإذا كان عنده لا يصح أن يكون في مفهوم النهضة ما يُمكن أن يشير إلى التقليد فلم ينادي بتقليد الغرب؟!.
إن الحقيقة خلف هذه المناداة أنه يريد فصل الأمة عن أصولها، عن الوحي وعن التراث وعن التاريخ باسم أن التقليد لا يوافق النهضة.
وهذا ما انشق به فؤاده وقذف به قلمه وفي الكتاب ذاته قرر أنه لا حرية للإنسان إلا بهدم الشريعة والغيبيات وما هو أعظم منها حيث قال متسترًا خلف صنوه وأستاذه جبران: (لا يستطيع الإنسان، كما يرى جبران في "المجنون" وفي نتاجه كله أن يصبح نفسه إلا إذا هدم كل ما يعادي حريته الكاملة وتفتحه المليء، وما يقف حاجزًا، دون طاقته الخلافة، وتتجسد هذه القوة المعادية، كما يرى جبران، فيما يسميه "الشريعة" بتنوعاتها وأشكالها السلطوية، الماورائية والاجتماعية "اللَّه" بالمفهوم التقليدي، الكاهن، الطاغية، الإقطاعي، الشرطي) (^٢).
وفي موضع آخر لم يتستر خلف جبران ولا غيره ففاضت أفكاره الردية بهذا القول: (ولا حرية للعربي في هذا الضياع العام إلا حرية الخضوع للسلطة السائدة وايديولوجيتها: "نعم" لكل شيء تقوله أو تفعله السلطة، هي المعادل المدني الأرضي لـ "آمين" كلمة الخضوع لكل ما يأمر به اللَّه، ولا يفيد هنا تحرر العربي على الصعيد العام أو السياسي وحده، مع أنه لم يتحرر بعد، وإنَّما يجب أن تتحرر على الصعيد الخاص من القمع الخاص، فكل تحرير لايتناول العام والخاص معًا، في حياة الفرد العربي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاغتراب، إن التحرر السياسي بتعبير آخر إذا لم يرافقه تحرر من الايديولوجية (^٣) التقليدية، ليس تحررًا) (^٤).
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٣٨، ٢٦٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١٨١.
(٣) المراد هنا العقيدة وما يتبعها من التزام.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٥٠.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
هنا يتضح تمامًا أن المراد بكل هذه الزركشات اللفظية محاربة دين اللَّه، ونقض عرى الإسلام، وإبعاد الناس عنه تحت شعارات النهضة وعدم التقليد، والتحرر وغير ذلك، وفي النص الأول الذي نحن بصدده يذكر التقليد والإحياء باعتبارها عوائق للنهضة، غير أنه يسعى بكل جهده إلى إحياء الوثنيات اليونانية والفينيقية ويتهالك في هذا تهالكًا منقطع النظير، هذا مما يخص هذا المقام، وهناك الأحياء الباطني الذي امتلأت كتبه به وسوف يأتي ذكره لاحقًا إن شاء اللَّه.
ولقد فطن بعض كتاب الحداثة إلى هذه القضية الخطيرة في فكر وطروحات أدونيس، فقال: (قسم أدونيس التراث العربي إلى ثابت ومتحول، ونسب الثبات والاتباع إلى كل من كان عربي الأرومة، ونسب التحول والإبداع إلى كل من هو من أصول غير عربية، أو من أقلية دينية، أو طائفية، وهذه النتيجة التي يخرج بها المرء من قراءة كتابه الثابت والمتحول بأجزائه الثلاثة. . .) (^١).
إن أبرز عملية تقليد وإحياء عاشها ويعيشها الباطني على أحمد سعيد أسبر، هو التسمي بأدونيس والانتاج المتواصل تحت مظلة هذا الوثن خاصة، وغيره من الأوثان على وجه العموم.
إذا كانت النهضة لا تكون بالتقليد والإحياء، فما باله يحيى الأوثان الجاهلية ويعتنق مضامينها الفلسفية والاعتقادية ويذيعها وينشرها ويدعو إليها؟!!.
إن وراء هذه الدعاوى ما وراءها، وإلَّا فلماذا هذا التناقض العريان؟.
يقول في زمن الشعر: (ينبغي على الشاعر المعاصر، لكي يكون جديدًا حقًّا، أن يتخلص من كل شيء مسبق، ومن الآراء المشتركة جميعًا) (^٢).
_________________
(١) أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي: ص ٤٣.
(٢) زمن الشعر: ص ١١. وانظر للمقارنة ما كتبه عنه سامي مهدي في أفق الحداثة: ص ١٩١ في أن أدونيس ينتقد المحاكاة والاقتباس وهو يمارسها. وانظر: كتاب أدونيس منتحلًا.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
والمخاطب هنا الشاعر العربي والمراد -بطبيعة الحال وظاهر المقال- التخلص من الإسلام؛ لأنه دعا في صدمة الحداثة إلى أخذ حضارة اليونان ومنطقهم وأكد أن لديهم معرفة حقيقية ليست في الوحي، وتطورًا في آلة التعبير ومضامينه ليست عند العرب، وأن العرب قد قصروا حين أخذوا بعض ما عند اليونان من علوم الآلة وتركوا المضمون (^١).
وقد استجاب أدونيس لدعوة أستاذه أنطون سعادة إلى الحج إلى مقام الآلهة السورية حين أكد أن على: (الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا إلى مقام الآلهة السورية، فيعودوا من سياحتهم حاملين إلينا أدبًا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور) (^٢).
وانطلق أدونيس ابتداءً من تسمية نفسه بأدونيس إلى ما ملأ به كلامه من وثنيات وأساطير، ليكسب شرف وصف أستاذه سعادة ويكون من الأدباء الواعين، ولست هنا بصدد إحصاء كل ما ارتد إليه أدونيس من وثنيات وأساطير، ولكن أذكر ما علق به على مقطعين من ديوانه "وحدة اليأس" و"أرواد يا أميرة الوهم" قال: (اعتمد في أسلوب القصيدة، كما اعتمدت في قصيدة "وحدة اليأس" على الأسلوب الشعري القديم في قينيقيا وما بين النهرين. . . آمل في استخدام هذا الأسلوب من التعبير الشعري، أن أضع مع زملائي الشعراء الآخرين حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم) (^٣).
وهكذا يكون الإحياء والتقليد الذين جعلهما أدونيس من نواقض النهضة.
_________________
(١) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٥٦ - ٢٥٩.
(٢) الصراع الفكري في الأدب السوري لأنطون سعادة: ص ٨٦.
(٣) الحداثة الأولى: ص ١٤٩.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
بل كانت النهضة عنده ما قاله باروت عنه: (. . . يستعيد أدونيس نهضويًا، داخل النص نفسه قتال البعل للتنين والذي عده سعادة رمز النهضة القومية الاجتماعية، مثلما يستعيد ملحمة "البعل ومناة" التي أوردها أنطون سعادة في كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري، ويستعيدها أدونيس بشكل إحيائي، ومقارب إلى حد بعيد لما أورده سعادة. . .
ويربط أدونيس إحياءه للذات الحضارية القومية بانبعاث "فينيق" من جديد، وعودة تاريخه ليدب في الحضور المعاصر) (^١).
هذه إحيائية أدونيس فإذا أضيف إليها إحياء العقائد الباطلة واعتناق للمباديء المادية الإلحادية، والدعوة الصريحة للكفر باللَّه في ربوبيته وألوهيته، وإنكار النبوات والرسل؛ جاء الخبر اليقين بأن أدونيس يدعو إلى ملة أخرى، ما هي هذه الملة؟، لا يعنينا الآن تشخيصها لكثرة ما لديه من أخلاط عقائد، وتراكيب أهواء.
بل الذي يعنينا أنه عدو للإسلام محارب له داع إلى هدمه ونقضه، ساع إلى التخريب الاعتقادي والثقافي والسلوكي بأي شكل من الإشكال.
ولو ذهبنا إلى تتبع بعض ما لديه في ديوانه من وثنيات، لوجدنا الكثير الكثير، وأول رمز وثني يحتل عنده المكانة العالية والمقام الكبير هو "فينيق" الذي غرق في تمجيده وإطرائه، ومن ذلك المقطع الذي سماه "ترتيلة البعث" وهي تسمية توحي بأن المستقبل الذي ينتظره ويسعى له سيكون على ضفاف هذه الربة الوثن التي قال فيها:
(فينيق يا فينيق
يا طائر الحنين والحريق
يا ريشة
سحابة وراءها الظلام والبريق
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٥١.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
مسافر خطاك عمر زهرة
لفتتك انخطافة وناظراك منجم
مسافر زمانك الغد الذي خلقته
زمانك الغد الحضور السرمدي في الغد
لموعد
به نصير خالقًا به تصير طينةً. . .
فينيق ولتبدأ بك الحرائق
لتبدأ الشقائق
لتبدأ الحياة
فينيق يا رماد يا صلاة. . .
فينيق أنت من يرى ظلامنا
يحس كيف نمحّي
فينيق مت فدًى لنا
فينيق ولتبدأ بك الحرائق
لتبدأ الشقائق
لتبدأ الحياة
يا أنت، يا رماد يا صلاة. . .
فينيق خل بصري عليك، خل بصري
ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبيء، الذي
يلف جرحنا
وألمح الركام والرمال والدجى
[ ٢ / ٧٩٠ ]
واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه أيامنا
حرائقًا وغصصًا وجدرا
تلبسه ولا ترى. . .
فينيق سر مهجتي
وُحِّدي بي، وباسمه عرفت شكل حاضري
وباسمه أعيش نار حاضري. . .
وخلني لمرة أخيره
أحلم أن رئتي جمرة
يأخذني بخورها يطير بي
وخلني لمرة أخيرة
هاركبتي حنيتها
وها جلست خاشعًا
فخلني لمرة أخيرة أحلم يا فينيق
احتضن الحريق
أغيب في الحريق
فينيق يا فينيق) (^١).
في هذه الكلمات المليئة بالعبادة لهذا الوثن، يتضح مدى إحياء أدونيس وأتباعه للأوثان، وعبادتهم لها وانحناء الركب أمامها خشعًا، مع هجوم صريح وفاضح على دين الإسلام وعلى اللَّه العظيم -جلَّ وعلا-، في إلحاد مكشوف وسخرية صارخة باللَّه تعالى.
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ١٦٥ - ١٧٣.
[ ٢ / ٧٩١ ]
كلمات فيها التخلي الكامل عن هذه الأمة وتراثها وأصالتها، مع انتماء كامل وارتماء تام في أحضان الفينيقية الوثنية.
وهذا الذي نقلناه هو بعض ما قاله عن فينيق (^١) من ثناء وتبجيل وتقديس، أما أقواله الأخرى عن الأوثان والرموز الوثنية فمنها عشتار (^٢)، وأرفيوس مع الوثن أدونيس (^٣)، وتموز عنده كالإله (^٤) وأوديس (^٥) وسيزيف (^٦) وإيكار (^٧)، وبابل ووأثانها التي يعتبرها دربًا وإلهامًا وبداية تقدم، وينادي بإحيائها (^٨).
وله مع العرافات والكاهنات صلة (^٩)، لكن المجوس ونارهم قد أخذت من اعتباره واحترامه وآماله وعباداته شيئًا كثيرًا، حيث جعل نار المجوس رمزًا للأبدية والاستمرار، ووصف نفسه بها بأنه ممتليء بالنار وأنه شاعر يعبد ناره، ويثني على المجوس وبيت نارهم، ويشير إلى قداسة هذه النار وغير ذلك من الأقوال التي تدل على مذهبه الخبيث، وعقائده الملونة من كل ملة وفرقة (^١٠).
أما الخال فله في هذا الباب أوسع المجال، وكلامه في التنظير للاتجاه الوثني والأسطوري سبق نقل جمل منه، أما في تطبيقه الشعري فإن ديوانه مترع بالرموز والأساطير والوثنيات، وهذه بعض أمثلة على ذلك، أول مقدمة
_________________
(١) انظر المزيد في: المصدر السابق ١/ ١٥٧، ١٥٩، ٣٩٦.
(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٧، ١١٣.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٥٥٦، ٢٩٨، ٢/ ١٩٤.
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ١٧٠ - ١٧١.
(٥) انظر: المصدر السابق ١/ ٣١٤، ٣١٦، ٣٢٣.
(٦) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٥٧، ٣٤٨.
(٧) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٤٨.
(٨) انظر: المصدر السابق ١/ ٣٥٠، ٣٥٣، ٣٥٩، ٣٦٤، ٣٦٦.
(٩) انظر: المصدر السابق ١/ ٨٥، ٨٦، ١٠١.
(١٠) انظر أقواله عن المجوس ونارهم في: المصدر السابق ١/ ٤٠، ٨٣، ٧٣، ٢٥٤، ٢٨٥، ٣٦٥، ٤٠٢، ٤٤٢، ٢/ ٣١، ١٠٣، ١٦١، ٤١٣.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
لديوانه جعلها من كلام هومر في الأوديسة (^١)، وذكر الأولمب على أنها الحرية والعدل والخير (^٢) وتموز هو البعث، النجاة من القحط (^٣)، ثم الامتداح لعشتروت وأدونيس وبعل (^٤)، وينادي بعودة أوديس (^٥)، وآشور بابل (^٦)، وكما فعل البياتي وأدونيس في ثنائهم على المجوس فعل الخال فعلهم (^٧)، ومن المدن المرتبطة عنده بالأساطير والوثنيات: نينوى (^٨) وأثينا هي فتح الفكر (^٩)، وبابل أرض الحضارات (^١٠).
أمّا جبرا المنظر والزعيم للشعراء التموزيين فإنه يحشد الأسماء والرموز والأوثان في سياق كلامه المسمى شعرًا، حشدًا مملًا غير متجانس، وله مقطوعة بعنوان "إكارُس (^١١) " تصور مدى الارتماء الماحق في الأسطورة يقول:
(إكارُس يا
عانس الشمس، يا
قتيل النور، يا
رافع الأرض إلى السما
_________________
(١) انظر: الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص ١٣.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٠٧.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٢٧، ٢٤٧.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٢٣٤.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٣٣٢.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٢٨٩، ٣٥٧.
(٧) انظر: المصدر السابق: ص ٢٤٦.
(٨) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠٨.
(٩) انظر: المصدر السابق: ص ١٠٨.
(١٠) انظر: المصدر السابق: ص ٢٨٩، ٣٥٧.
(١١) أسطورة يونانية تقول بأنه طار قريبًا من الشمس بالرغم من تحذير والده، وعندما ذاب جناحاه الشمعيان سقط في البحر قرب ديلوس، ولذلك سمي البحر الإيكاري. معجم الأساطير: ص ١٢٧.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
يا رافعًا على الصخر
في البحر اللعين وقد
فديت تجربة الإنسان. . .
من متاهة السراديب
والجدران السامقة
حيث الظلام ونفي الحياة
ونفي اليد العابثة
من السراديب صعديا
إكارس، مثلنا
بنافل الريش مزودًا
في انطلاقه المتمرد نحو حتف. . .
فهومنا:
في شعره أحلامنا وفي
عينيه قد جمدت رؤًى
من عشقنا، وفي
شفتيه صرخة الوادي
للحجارة والشجر
في شعره وعينيه وفمه
قبلاتنا، قبلات الصبايا
الطويلات أصابعهن
المشدودات نهودهن
وبينه وبيننا صلات
[ ٢ / ٧٩٤ ]
من الموت، من الموت في الشمس
في بؤرة النور في
بؤرة الظلام. . .
فلنملأ الوادي صراخًا
ولنملأ البحر ولنملأ الأرض والسماء
صراخًا من القرى الطاوية،
والشوراع الشوهاء
متلوية الحشا. . .) (^١).
أما الرموز والأوثان الأخرى المذكورة في ديوانه فكثيرة منها: تموز (^٢)، وأور (^٣)، ونينوى (^٤)، وبابل (^٥)، وببلوس (^٦)، وندياس وبركستليس، والإغريق، وسومر، وبيورديس (^٧)، وبرمثيوس (^٨)، وعشتار (^٩).
وممن كثر عنده استخدام الرموز والأوثان محمود درويش مثل تموز (^١٠)، وبابل (^١١)، وطرواده وأرميا (^١٢)، وجلجامش (^١٣)، وهومير (^١٤)، وغيرهم.
_________________
(١) المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا: ص ٨٦ - ٨٩.
(٢) انظر: المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا: ص ١٣، ٧٦.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٣٩، ٤١.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٣٩.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٤١.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٤١.
(٧) انظر: المصدر السابق: ص ٤٧.
(٨) انظر: المصدر السابق: ص ٨٣، ١٥٢.
(٩) انظر: المصدر السابق: ص ٥٨.
(١٠) انظر: ديوان محمود درويش: ص ١٠٥.
(١١) انظر: المصدر السابق: ص ١١٠، ٢٧٣، ٣٨٩، ٣٩٨.
(١٢) انظر: المصدر السابق: ص ٣٨٩، ٣٩٨.
(١٣) انظر: ديوانه أحد عشر كوكبًا: ص ٩٤.
(١٤) انظر: المصدر السابق: ص ٩٦.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
وأكثر منه المقالح فعنده مثلًا: بروتس (^١)، وأبو الهول (^٢)، ونينوى (^٣)، وأولمب (^٤)، وفينوس (^٥)، وسيزيف (^٦)، وعوليس (^٧)، وبروميثيوس (^٨)، وأخيل (^٩)، وخرافات عن سيف بن ذي يزن وتمجيد غالى فيه غاية المغالاة (^١٠)، وميدوزا (^١١)، وكيوتوبيا (^١٢)، وباخوس (^١٣)، وغيرهم.
ولم يقتصر هذا الوباء على المذكورين، بل للآخرين أيضًا استعاراتهم الوثنية، واستعمالاتهم الأسطورية وتشبعهم بمضامين هذه الوثنيات.
تجد ذلك عند النصراني توفيق صايغ (^١٤)، وعند أمل دنقل (^١٥)، وعند معين بسيسو (^١٦)، وعند نزار قباني (^١٧)، وعند الماركسي سميح
_________________
(١) انظر: ديوان المقالح: ص ١٥٧.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٩٧، ٣٥٧.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٩٨.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٢٢٧.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٢٢٧، ٤٠٣.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٢٨٩، ٢٩٦.
(٧) انظر: المصدر السابق: ص ٢٩.
(٨) انظر: المصدر السابق: ص ٢٩٦.
(٩) انظر: المصدر السابق: ص ٣١٠.
(١٠) انظر: المصدر السابق: ص ٢٨٢، ٣٠١، ٣١٧، ٣٣٣، ٣٥٧.
(١١) انظر: المصدر السابق: ص ٣٨٠.
(١٢) انظر: المصدر السابق: ص ٤٠٢.
(١٣) انظر: المصدر السابق: ص ٤٠٣.
(١٤) انظر: الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٦٨. وانظر امتداحه للآداب الإغريقية واللاتينية في مضامينها وكونها كتبت قصائد بلا قوافي، وغير ذلك في: كتاب توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفي لمحمود شريح: ص ٣٢.
(١٥) انظر: الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ١١٠، ١١١، ١١٤، ١٧٥، ٢٣٤، ٣٧٢، ٢٣١ - ٢٣٢، وغيرها.
(١٦) انظر: الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ٦٦٩، ٦٧٠، ٦٧٥، ٣٨٤، وغيرها.
(١٧) انظر: الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ٢/ ٤٥، ٧٢، ٣١٤، وغيرها كثير.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
القاسم (^١)، وعند زميله توفيق زياد (^٢)، وعند الفيتوري (^٣)، وعند أحمد دحبور (^٤)، وعند غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين (^٥)؟، وذكريات الجيل الضائع (^٦).
وها هنا خاتمة لابد منها في قضية تأثر وانغماس الحداثيين في الوثنيات وفي الأساطير، وهي: أنه من آثار اعتناقهم للأسطورة وارتوائهم من آبارها، مع وجود أرضية شاكة في الدين أو جاحدة له، عمدوا إلى الحقائق الثابتة في الوحي المعصوم في القرآن وصحيح السنة، فجعلوها من الأساطير، أو من الفلكلور الشعبي، ثم أدخلوا هذه في نتائجهم ليثبتوا أنهم "محليون" وليسوا صناعة خارجية، جاؤوا بهذا التكذيب لحقائق القرآن والحديث الثابت، ليكون هذا التكذيب دليلًا آخر على تبعيتهم وانفصالهم عن الأمة عقيدة وانتماءً، بل ومعاداتهم للأمة في أعز وأغلى مقوماتها: في دينها وعقيدتها.
وقد مرّ معنا كيف عد إحسان عباس المسيح ويحيى والخضر -عليهم الصلاة والسلام- والإسراء والمعراج والمهدي من الأساطير (^٧)، وكذلك عدّ يأجوج ومأجوج (^٨)، وعز الدين إسماعيل ومحمود حمود عدا قصة تميم الداري (^٩) مع
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٦٦، ٢٩٩ - ٣٢٠، ٣١٣، ٣١٤، ٣١٥، ٥٥٠، ٥٧٣، ٥٧٤.
(٢) ديوان توفيق زياد: ص ٢٧٧، ٢٧٩.
(٣) ديوان الفيتوري ٢/ ٢٣٧، ٢٤٢.
(٤) ديوان أحمد دحبور: ص ١٧ - ١٨، ٣٣.
(٥) شعرنا الحديث إلى أين: ص ١٣١، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٩.
(٦) ذكريات الجيل الضائع: ص ٥٦ - ٥٧، ٦٣.
(٧) انظر: اتجاهات الشعر العربي: ص ١٢٨ - ١٢٩.
(٨) المصدر نفسه: ص ١٣٠.
(٩) تميم الدارمي، صاحب رسول اللَّه -ﷺ-، أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة اللخمي الفلسطيني، وقدم سنة تسع فأسلم، تحول بعد مقتل عثمان ﵁ إلى الشام، كان من جمع القرآن على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وله فضائل جمة، توفي ﵁ سنة أربعين للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٤٢، والإصابة ١/ ٣٠٤.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
الجساسة والثابتة في صحيح مسلم (^١) من الأساطير، وكذلك فعل نذير العظمة وحامد أبو أحمد حين عدوا قصة أهل الكهف الواردة في القرآن من الأساطير (^٢).
بل جعل كاتب ياسين الإسلام كله أساطير في معرض شرحه لمقدار حقده على الإسلام والعرب (^٣) وعزيز العظمة جعل الطير الأبابيل أساطير (^٤).
والأغرب والأعجب في هذا الميدان أنهم عمدوا إلى الأكاذيب والخرافات فعدوها حقائق وبنوا عليها أحكامًا مثل قصة الغرانيق التي اتكأ عليها عزيز العظمة في هجومه على القرآن والإسلام (^٥).
• • •