١ - أنه عد وجود جبريل ﵇ وأعماله من الأساطير، أي: أنه لا حقيقة له، وهذا كفر باللَّه تعالى وتكذيب صريح للقرآن والسنّة، وهو على النمط العلماني الحداثي الادعائي الإنكاري، والدعوى والإنكار ليس بدليل ولا حجة ولا برهان، بل هو في حاجة إلى الدليل والبرهان، ولا يوجد عند الملحد دليل صحيح يُمكن أن يستدل به، إلّا السفسطة والادعاء والمغالطة.
٢ - أنه ذكر كلامًا وعده من القرآن، وهذا دليل الجهل الفاضح والافتراء المكشوف فليس في القرآن "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل" كما زعم بل فيه ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (^٢) ولا شك أن من يجعل وجود جبريل أسطورة يستحق هذا الوصف القرآني.
٣ - قوله: إن إسرافيل أحد حملة العرش، كذب، بل هو ﵇ هو الذي ينفخ في الصور.
٤ - قوله: إن جبريل هو الذي ينفخ في الصور، جهل وافتراء بل الذي ينفخ في الصور هو إسرافيل.
وهذا نموذج من نماذج العقلية العلمانية الحداثية الجاهلة في هجومهم على الإسلام وقضاياه، ويكفي ذلك في بيان جهلهم ولد خصومتهم ورداءة المنشأ والمقصد ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (^٣).
_________________
(١) موسوعة الفلكلور والأساطير العربية لشوقي عبد الحكيم: ص ١٩٨.
(٢) الآية ٩٨ من سورة البقرة.
(٣) الآية ١٨ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
أمّا أدونيس فقد أتى في كتابه الثابت والمتحول بألوان التكذيب والجحد، واستعار أقوال أشباهه من الذين عرفوا بالزندقة والاضطراب والضلال ثم جعلها جسرًا لتوصيل وترويج أفكاره ومن الذين فتن بحبهم وأورد كلامهم كثيرًا الزنديق "ابن الراوندي".
وقد ساق أدونيس كلام صنوه ابن الراوندي في جحد النبوة وامتدحه وشرح كلامه في ذلك وفي تهكمه بشرع اللَّه ورسوله وبالعبادات والأحكام، ثم يتعرض للمعجزات جاحدًا ساخرًا متهكمًا قال أدونيس: (ثم يرد المعجزات المنسوبة إلى النبي كحديث الميضأة، وشاة أم معبد، وحديث سراقة وكلام الذئب، وكلام الشاة المسمومة، ويسخر من معجزة الملائكة الذين أنزلهم اللَّه يوم وقعة بدر لنصرة النبي، قائلًا إنهم "كانوا مغلولي الشوكة، قليلي البطشة على كثرة عددهم، واجتماع أيديهم وأيدي المسلمين، فلم يقدروا على أن يقتلوا زيادة على سبعين رجلًا" ثم يتساءل: "أين كانت الملائكة في يوم أحد لما توارى النبي ما بين القتلى فزعًا، وما باله لم ينصروه في ذلك المقام؟ " وأين الراوندي هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب، وإنّما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت، الكيفي، لدى القائلين بها، فإذا كانت المعجزة هنا نصرًا من اللَّه يجيء في وقت الحاجة إليه، فإن حدوثها في الحالات الأكثر حرجًا وضيقًا أولى من حدوثها في الحالات الأقل حرجًا وضيقًا، ثم يحاول ابن الراوندي أن ينتقد النبي في الفكر والعمل قاصدًا من وراء ذلك إبطال دعواه النبوة) (^١).
وهذا كلام جاحد منكر ملحد، اتخذ الدعوى برهانًا، والادعاء دليلًا، وأمثلة السخرية والشك حجة!!، وفرح بها أدونيس وأخرجها من سراديب الإهمال ليبرزها أدلة في كتابه الموضوع لتنظير وتأصيل الحداثة، وهو الكتاب الذي نال به درجة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت؟!.
_________________
(١) الثابت والمتحول ٢ - تاصيل الأصول ٧٥. وما بين الأقواس من كلام ابن الراوندي نقله من كتاب نظيرهما في الزندقة والإلحاد الوجودي عبد الرحمن بدوي، وكتابه هو تاريخ الإلحاد في الإسلام: ص ١٠٥، ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
وكفاك هذا السند المظلم والدعاوى المتهافتة دليلًا على ما في حشو هذا الكتاب من أباطيل وضلالات، فهو يطرح مقدمات بصيغة كاذبة لينتج قضايا كاذبة، وهذا الذي يسمى في المنطق وعند العقلاء بالمغالطة، وليس العجب في وقاحة أدونيس وجرأته على المغالطة وإنّما العجب من الأذهان المستطرقة التي تنجذب لهذره وهذيانه انجذاب الذباب إلى الروائح الكريهة!!.
ولو ذهبنا نتتبع كلام أدونيس واستدلالاته ومقدماته وقضاياه لوجدناها أوهن من بيت العنكبوت، ولو تظاهر معه كل ملاحدة الأرض فإنهم سيقفون أمام صرح الإسلام كالّين ضعفاء؛ لأنهم ما استطاعوا أن يظهروه واستطاعوا له نقبا، وهذه ليست مجرد دعوى، بل نحن نرى أن المقبلين على اعتناق الدين من غير المسلمين من علماء التجربة والدارسين، ما يدل على عظمة هذا الدين وقوة منطقه وحجته وكيف لا يكون كذلك وهو الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (^١).
وإن المطلع على أخبار وسير علماء الأحياء والتشريح والذرة والفضاء والطب والنبات والفلك والجيلوجيا يجد أن جمهورهم يؤمن بوجود اللَّه وتدبيره للكون والحياة عن قناعة ويقين وبرهان، ولكن لم ينتفعوا بإيمانهم في حياتهم وسلوكهم لعوارض أخرى، ليس منها الإلحاد، الذي شغف به أدونيس وأتباعه.
بل إن هذه الحضارة المادية والتقنية الانتاجية والمكتشفات الحديثة التي قامت على أساس العلوم التطبيقية والتجريبية وغيرها من العلوم البحتة، إنّما قام بها متدينون من اليهود والنصارى أي: أنهم ليسوا ملاحدة.
فلم يربط المرتكسون من أبناء الشرق النهضة بالإلحاد والتقدم بمعارضة النبوة والشرع وهم لا تقنية أجادوها ولا علوم أفادوها، بل حتى إلحادهم
_________________
(١) الآية ٤٢ من سورة فصلت.
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
استعاروه وقلدوه فمثلهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^١).
وقد حاول أدونيس أن يشيع ضلالته من خلال ما يسميه شعرًا، ففي أحد المقاطع يتحدث عن الفكر الحديث ويرمز له بالريح وبالعينين المسنونتين التي من شأنها أن تخرج ظلام الرجعة ويقتل ظلام التراث أو هو الإسلام كما يطمح ويريد، ثم يعبر عن السلف بالمقابر، وعن الوحي بالملائكة الذين يرى سقوطهم وعدمهم كناية عن سقوط الشرع والوحي والدين، فيقول:
(كانت الريح عينين مسنونتين
تخرقان الظلام وعاداته، تجرحان
جسد الليل، تشربان
دمه الأسود المصفى
حينما تصعد المقابر أو يسقط الملاك
كانت الريح جنية والأغاني
وجهها واليدين) (^٢).
وفي موضع آخر يتحدث عن الملائكة في معرض كلامه عن تاريخ المسلمين فيقول:
(تاريخ مسقوف بالجثث وبخار الصلاة. . .
سكين تكشط الجلد الآدمي، وتصنعه نعلًا لقدمين سماويتين في خريطة تمتد إلخ. . .) (^٣).
_________________
(١) الآية ١٧١ من سورة البقرة.
(٢) الأعمال الشعرية ٢/ ٢٠٧.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٠.
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
ثم يقول: (أجس خاصرة الضوء بجثُّ الصحراء، والكون مربوطًا بحبل من الملائك) (^١).
وهكذا في تلاعب لفظي يجعل التاريخ الإسلامي وقرون الهجرة الأول جثة وبخار صلاة، ويجعل الملائكة مجرد قدمين سماويتين اتخدت من الآدمي حذاء، وهي كناية باطنية عن الوحي الذي صار الناس على ضوئه عبيدًا للَّه، ثم يتحدث عن فكرته التي يسميها الضوء، وكيف أنها تجتث الصحراء والكون الذي سيصبح خاضعًا لفكرته؛ لأنه لا شيء يقاومه سوى خرافة وجود الملائكة -حسب زعمه-، وهذه سوف يجتثها ويزيلها كما أزال الصحراء التي يرمز بها للدين، في حين يرمز للملائكة بالوحي.
أمّا توفيق صايغ عميل المخابرات الأمريكية فقد كان أصرح من زميله في ضلال "شعر وحوار ومواقف" حيث يقول:
(الملائكة، لا ملائكة في الأثير
قصقص البيض الجناحَ، تعفّرن
شخرن الملامح لا يرفرفن
ايحلقن بك؟ لا يبشرن
لا يمددن أذرع العطف
على الصدر ثدي، اقتُص والآخر جف. . .
يأتين إن يأتين في ركب الإله
ولا إله
لا تحدق ترهق العينين
لا تطلق الأصابع تلقّط هباء. . .
والجناح سحرُ آنٍ كالبكاره
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦١.
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
ما همهن صيّاد الملائك. . .
يستصرخ الفم، عيناك والميدان تستجديان
ولا ملائكة، لا ملائكة في الأثير
يُدركن، تدرك، إن سعيك لهن اختتال.
إنك مغمض العينين عنهن، تسري في سبات
متحرق الدم، متلهفًا مشقق الأقدام
تقتص خطو إله
ولا إله) (^١).
وعلى سقم العبارات وركاكة الأسلوب، وتفاهة التركيب، وانعدام أي لون من الذوق الفني أو الأدبي، على كل هذا فقد ملأ كلامه بالكفر باللَّه تعالى وإنكار الملائكة، ومخاطبتهم ﵈ بنون التأنيث كمادة أهل الكفر والجاهلية.