إن من أخطر وأشنع ما فعله أعداء الإسلام لتحصيل تلك المطالب الخبيثة، وتحقيق تلك المقاصد الضالة ما اتخذ في زمننا هذا من أساليب ثقافية ظاهرها "الأدب والشعر والثقافة والنقد" وباطنها الكفر والشك والنفاق.
ذلك أن أعداء الإسلام استطاعوا أن يبذروا في أرض المسلمين بذور حقدهم، ويستنبتوا فيها -في غفلة وضعف من أهلها- نباتات الشجرة الخبيثة، شجرة المادية الملعونة، فإذا بالمسلمين يرون ويسمعون من ينادي بالكفر جهرة ويدعو إلى الضلال صراحة، ويروج للرذائل الفكرية والخلقية علانية، مرة تحت قناع "الأدب الحديث" ومرة تحت شعار "الثقافة الإنسانية" وأخرى تحت لافتة "التحديث ومجاراة العصر وتداخل الثقافات" وأخر لا تحصى تحت عناوين كثيرة تدور كلها تحت معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (^١)، وقوله سبحانه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (^٢).
فالإضلال والإفساد غايتهم ومسلكهم ومنهجهم مستخدمين في ذلك وسائل الشهوات والشبهات، ومع كل ذلك يزعمون ويدعون أنهم يريدون الإصلاح، والنهضة والتقدم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (^٣).
إن الخبرة الإسلامية في مواجهة أرباب التضليل والإفساد خبرة طويلة مريرة، بيد أن أشدها مرارة، وأقساها وطأة هي ما تمر به الأمة في هذه الأزمنة، إثر ما يسمى بـ "الصدمة الحضارية" التي أنتجت أجيالًا من أبناء المسلمين، انسلخت من دينها وقيمها، وراحت تلهث خلف سراب المذاهب المادية، والعقائد الجاهلية المعاصرة، وأصحابها يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، ويغرونهم، ويمكنون لهم -بحكم غلبتهم ونفوذهم- في شتى الميادين.
إن مختلف النظم الفكرية المعاصرة المستوردة، تحمل في طياتها ألوانًا
_________________
(١) الآية ٨٩ من سورة النساء.
(٢) الآية ٢٧ من سورة النساء.
(٣) الآيتان ١١، ١٢ من سورة البقرة.
[ ١ / ٢ ]
عديدة من الانحرافات؛ ذلك لأنها إفراز نظريات مادية ذات جذور وثنية.
ومن أخطر هذه النظم المستوردة: النظام اللاديني المسمى بـ "العلمانية" والذي يظهر في أردية شتى، منها الرداء الثقافي والأدبي المسمى بـ "الحداثة" التي أولع بها بعض أبناء البلاد الإسلامية فراحوا يبثون من خلالها السموم الفكرية، ويرسخون المفاهيم الضلالية فاتحين أمام شباب الأمة أبواب التمرد -باسم الثقافة والأدب- ونوافذ التحدي للدين والسلوك القويم.
كل همهم ترويج أصناف الزيف تحت شعار الحرية الفكرية وعالمية الفكر الإنساني والموضوعية العلمية، وهم أبعد الناس عن الحرية؛ لأنهم مجرد أتباع مقلدين، وأبعد الناس عن الموضوعية؛ لأنهم أصحاب أهواء تجارت بهم تجاري الكَلَب بصاحبه.
ولكنهم -بسبب غفلة أو تغافل، جهل أو عمالة- رسّخت لهم أقدام في مواضع التأثير، فإذا بالأمة ترى من أبنائها من يدعو إلى الإلحاد ويجاهر بالكفر ويحارب دين اللَّه جهارًا نهارًا، ومن لم يكن على هذا القدر من الشطط في الكفر، أو لم تكن له القدرة على التصريح به، تجده ملفوفًا بالشكوك في كل ما يتعلق بالإسلام من عقائد وشرائع وأخلاق، يتناولها تناول المستريب، ويحاكمها محاكمة المتهم.
وهؤلاء وهؤلاء لا يفتأون يذكرون أئمة الكفر بالذكر العاطر، ويجعلون منهم قدوات، ويرسمونهم أمام أعين الأجيال في أحسن صورة وأجمل وصف، ويغدقون عليهم ألوان المديح والإطراء والتبجيل والتمجيد.
وهناك صنف ثالث تسيطر عليه بعض أوهام المروجين للخمور الفكرية، فيرى أن الإسلام دين سماويّ يعتني بالقيم والأخلاق والشعائر، والعقائد المجردة، لكنه لا يستوعب الواقع ولا يتدخل فيه، ولا يعنيه من أمور الناس إلّا ما كان في إطار السلوك والشعائر، أمَّا الأدب والفكر والثقافة أو السياسة والاقتصاد، فهذه لها ميادينها المستقلة عن الدين وأحكامه ومعاييره، وهذا الصنف -على إغراقه في الانحراف- يعتبر من أمثلهم طريقة.
وهناك صنف رابع ضُربت عليهم عماية الجهل أو التجاهل، ورانت على قلوبهم غشاوة الغباء أو التغابي، فإذا هم يهونون من خطر هؤلاء ويحسنون بهم الظن، ويدافعون عنهم، ويميّعون النظرة الحقيقية الجادة، ويضفون البراءة
[ ١ / ٣ ]
عليهم وعلى أعمالهم الشائنة، تحت حجج واهية بليدة، أو يساعدون في إضفاء نوع من الضبابية على جوانب من طرحهم وفكرهم، وكأن لسان حال هذا الصنف ينطق بـ ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^١).
بل كأنهم لم يسمعوا قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ (^٢).
وبين هذه الأصناف جميعًا درجات من الانحراف والضلال بعضها أشر من بعض، كما أن بعضها أخف من بعض.
ومما يزيد الأمر سوءًا أن هؤلاء الممسوخين لهم نفوذ صارخ في أجهزة التوجيه والإعلام في كثير من بلاد المسلمين، ولا شغل لهم إلّا نقل النفايات البشرية، أو المماحكة فيما فرغ الشرع المعصوم من تقريره وإثباته.
قضيتهم الكبرى استيراد الآراء النظرية المتناقضة، وتخدير إحساس الأمة بآلاف الدواوين والمسرحيات والرسوم والمقالات النقدية وغير النقدية، من خلال الإثارة والجاذبية والمتعة الفنية في الشعر والرواية والقصة، وتهريج المسرح وأصباغ الرسوم، ومن خلال صناعة النجوم.
وإذا بنا نرى كل طائفيّ -يحمل أحقاده التاريخية على الإسلام- يخفي دمامة معتقداته تحت فلسفهْ الحداثة والعلمنة، ويخرج سمومه القاتلة من أكمام الثوب الأدبيّ الفضفاض.
كما نرى الوثنية والنصرانية واليهودية تبرز في أقلام المبغضين لقرون الهجرة المباركة، المعادين لتراث الأمة.
وإذا بنا نرى جهودهم وخبراتهم وقدراتهم تصب في إناء اليهودية التلمودية، لتجتمع كلها تحت لواء الرغبة الجامحة للإجهاز على الإسلام وعقيدته وشريعته وتراثه وحضارته وتاريخه المجيد.
_________________
(١) الآية ٦٢ من سورة النساء.
(٢) الآيات ١٠٧ - ١٠٩ من سورة النساء.
[ ١ / ٤ ]
ومما يفت فؤاد المسلم أن يجد لهؤلاء الأرجاس أدوات من بني جلدتنا، استقطبتهم زمزمة كهان الحداثة، في حين غفلة منهم عن دينهم، وعجز منهم عن تحقيق وجودهم بتحصيل علميّ رصين، فإذا هم يرددون أفكار الزنادقة والملاحدة، ويضاهون اليهود والنصارى والوثنيين -ببلاهة وغوغائية- في عبارات مطاطة وألفاظ مبهمة، وتراكيب غامضة إذا حققتها وجدتها التبعية والتقليد ليس غير.
وليست المأساة متوقفة عند هذا الحد، بل تجدها تزداد خطورة عندما تلتفت إلى الركام الهائل من المؤلفات والمجلات والملاحق الأدبية، والمراكز الثقافية في كثير من البلدان العربية، فلا تجد عليها إلَّا طائفيًا نبت في الظلام وخرج من وراء الكواليس ليكون هو وأضرابه من معالم الأدب الحديث، أو نصرانيًا ترعرع تحت ظل الصليب يتسنم التوجيه والتثقيف، أو ملحدًا وجوديًا أو ماركسيًا أو إباحيًا يبرز من أعطاف جثة المادية الغربية ليكون من رموز العلم والأدب والفن، أو تابعًا لهؤلاء لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري.
أمَّا إذا تأملت في تعبيراتهم ورموزهم، فإنك تجدها -إلا القليل منها- على قسمين، أحدهما: مكشوف، والآخر مقنّع، وكلاهما مسخر لخدمة الحداثة ومضامينها، وموجه لتحطيم دين اللَّه تعالى والإرث المبارك والتراث الخيِّر، ومؤسس للقيام بدور التخريب الفكري، والتلويث الثقافي، والانحلال الخلقي، فتجد في إنتاجهم المجاهرة بإنكار الرب ﷾، وجودًا وألوهية، والاستهانة بأسمائه -تعالى- وصفاته، وجحد وجود الملائكة والسخرية منهم، وتكذيب الرسل والأنبياء وإنكار قضية الوحي جملة وتفصيلًا أو التشكيك فيها، وجحد الكتب المنزلة والسخرية بكل ذلك، وإضفاء صفة النبوة والمعجزة على الشاعر والحداثي المبدع، وجعل الأساطير بديلًا للوحي الكريم، والآلهة الوثنية شريكًا للَّه العظيم، مع تكذيب بالقدر واستهانة به، وتهكم بالمؤمنين به، وجحد المعاد وسائر الغيبيات، مع الإيمان بغيبيات وثنية جاهلية، ولذلك تجدهم يوظفون الرموز الوثنية واليهودية والنصرانية في أعمالهم بشكل بارز وكثيف.
أمَّا إذا جاؤوا إلى تاريخ الإسلام فإنهم لا يستخرجون منه سوى أمثالهم من أهل الزيغ والشك والانحراف والزندقة، وهم مع كل ذلك يطرحون فكرتهم على أساس أنها فكرة كلية شاملة، متطورة أبدًا، قادرة على احتواء كل قضايا الكون والحياة والإنسان، وعلى ذلك فقد توجهوا بعنف وحقد لمحاربة الحكم
[ ١ / ٥ ]
الإسلامي والسخرية من أخلاق الإسلام، والسعي لترسيخ ألوان الانحرافات الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية، والدعوة للانحلال والفوضى الخلقية، والدعوة إلى استبدال شرع غير اللَّه بشرع اللَّه الحكيم، إلى غير ذلك من مفردات الانحرافات التي لا تكاد تحصى لكثرتها وتنوعها.
أمَّا المقنَّع من أفكارهم تحت أردية الغموض والرمزية فهو كثير كذلك، ولا يخرج عن المضامين السابقة، بل هو في خوضها الآسن غارق.
فإذا أرادوا -مثلًا- الحديث عن القرآن سموه "صوت الألوهية" أو "نتاج الغيبوبة"، والحكم الإسلامي يرمزون له بالملح والرماد والجفاف، وقرون الهجرة والفتح الإسلامي والخلافة رمزوا لها بالإبل والسفر والنخيل والبخور والتعاويذ والصحراء والهجير والرمال الضريرة، والعمائم المتخمة والأعشاب الميتة، وأرض الحروف عندهم أرض النبوات والإسلام والهدى، والأغوار الخرساء يريدون بها التاريخ الإسلامي، والشريعة والصلاة والمنارة يرمزون لها بالستارة السوداء، والإصلاح والدعوة وإحياء الإسلام يعبرون عن موقفهم منها بقولهم: "أهدم كل لحظة مدائن الغزالي" ونبذ التراث والإقبال على الغرب يأتي تحت قولهم: "أرفضُ الرمل واتجه نحو البحر"، والحداثة يسمونها: الشمس وفاطمة وفضة ونافذة الضوء ورياح المواقع والتضاريس والمطر والخصب، والتكوين الآتي إلى آخر ما هنالك من رموز وألفاظ تحتها الأفاعي والحيات.
إضافة إلى إحياء الرموز الباطنية، وأسسها الفلسفية؛ لتشكل ملامح غير معروفة إلّا لذي التتبع، والعبث بلغة القرآن، ودلالات ألفاظها وتراكيبها، وذلك بإعطاء اللغة العربية دلالات غير دلالاتها الأصلية، وهو جانب آخر من جوانب الخطورة التي ينطوي عليها المشروع الحداثي يتمثل في دعوتهم إلى "تفجير اللغة" أو "التحديث اللغوي"، فإذا انضاف إلى ذلك سعيهم لهدم أصول الفقه، وضوابط تلقي الوحي وفهمه وتطبيقه؛ علمنا أن القوم لا يهدفون إلى تجديد في الأساليب ولا تحديثٍ في الصيغ بقدر ما يستهدفون هدم ملة الإسلام، وإقامة ملة الحداثة مكانها ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (^١).
من هذا كله وغيره كان الموضوع على جانب كبير من الأهمية، وكان
_________________
(١) الآية ٨ من سورة الصف.
[ ١ / ٦ ]
اختياري له بعد مدة طويلة من المتابعة لإصداراتهم والنظر في أعمالهم والتأمل في مقالاتهم، والمناظرة والمناقشة مع بعض أتباع هذه النحلة محليًا وعربيًا.
فكتبت فيه كتابي هذا لأبين بعض جوانب الخطورة في الأدب العربي المعاصر، لعله يكون سببًا في صحوة من غفا، ودلالة من غامت في نفسه طرق الهدى، وسببًا في كبت من أعرض ونأى، وكشف سبل المجرمين، وسببًا لإيضاح الحق لمن استغفل وجرى في مجراهم مؤيدًا أو منافحًا؛ لعله يعود إلى الهدى، وسببًا لتحريك حمية أهل الإيمان فيلتفتوا إلى دعاة جهنم ممن يتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسمائنا ويعيشون بين ظهراني المسلمين.
وأكبر آمالي أن يكتب اللَّه لي أجر المنافحة عن دينه والمغايظة لأعدائه، وإبانة سبيل المجرمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة.