٢ - البغض والاستهانة والسخرية بالرسل وأعمالهم وأقوالهم.
٣ - جعل الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسببًا للتخلف.
٤ - القول في الرسل بأقوال الديانات المحرفة.
٥ - إطلاق أسماء وأوصاف وخصائص الرسل على غيرهم.
الوجه الأول من أوجه انحرافاتهم في الرسل الكرام: جحد الرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم:
تكرر في ثنايا هذا المبحث أن الكفر الحديث لا يخرج في أصوله عن
[ ٢ / ١٢٠٩ ]
الكفر القديم الذي ذكره اللَّه في القرآن العظيم، وأعداء الرسل والرسالات قديمًا وحديثًا يبدأون عداوتهم للرسل بتكذيبهم وجحد رسالاتهم والتشكيك فيهم، وإذا تأملنا الجدل الكفري الذي سعى فيه الكفار لرفض الرسل والرسالات نجده النموذج الأول للمعاصرين المعاندين.
حيث لم يأتوا بأي حجة منطقية، بل مجرد العجب والاستغراب والاستبعاد، كما فعل قوم نوح الذين بدأوا ردهم لدعوة نوح ﵊ بالتعجيب، ثم انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين، ليبرروا تعجبهم وليمارسوا احتجاجهم الزائف بالتقليد الأعمى، ثم انتقلوا إلى ميدان الشتم والذم، ثم يدعون إلى التربص والانتظار ليروا كيف تزول دعوته وتذهب رسالته وتنمحي آثاره، كل ذلك حكاه اللَّه تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ (^١).
وكذلك قال قوم هود وتقدموا بالجدل الباطل ولم يقدموا دليلًا في جدالهم بل مجرد الاستبعاد والتعجب والتعلل والشتم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾ (^٢).
ومثلهم كفار قريش الذين أخبرنا اللَّه عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ
_________________
(١) الآيتان ٢٤، ٢٥ من سورة المؤمنون.
(٢) الآيات ٣٣ - ٣٨ من سورة المؤمنون.
[ ٢ / ١٢١٠ ]
نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾ (^١).
ومن جدلياتهم الباطلة المطالبة بالأشياء المادية الحسية واقتراح أن يكون الرسول -ﷺ- غنيًا لديه كنوز عظيمة، أو جنة كبيرة من نخيل وعنب وأنهار، أو يفجر من الأرض ينبوعًا يجري في بطاح مكة وأوديتها، أو يكون له بيت مزخرف بالذهب مثل بيوت الملوك والأباطرة، ثم انقلبوا متحدين مستخفين مقترحين أن ينزل عليهم قطعًا من العذاب "كسفًا من السماء" لتوقع الهلاك بهم، وهم في ذلك كله لا يطلبون الحقيقة بل يتعمدون الاستهزاء ويتقصدون المعاندة والمكابرة، التي بلغت أشنع درجاتها حين اقترحوا أن يأتي باللَّه -تعالى وتقدس- وبالملائكة ليقفوا مع الرسول وينصروه إن كان صادقًا.
ثم اقترحوا -استهزاءً- أن يرقي في السماء، ومع ذلك لو حصل الرقي فإنهم لن يؤمنوا به لمجرد رقيه بل لابد أن يأتي بكتاب من السماء يقرأونه.
وإذا تأملنا هذه المطالب المتعنتة وجدناها تنبثق من كبر في صدورهم ومن هوى في نفوسهم (^٢)، ومن فساد في ضمائرهم وانحراف في مقاصدهم، وضلال في عقولهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا
_________________
(١) الآيات ٧ - ٩ من سورة الفرقان.
(٢) انظر: صراع مع الملاحدة حتى العظم: ص ٤٤٠ - ٤٤٤.
[ ٢ / ١٢١١ ]
بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ (^١).
وهذه المقترحات الجاهلية والاعتراضات المادية هي عينها أصول جدليات الماديين المعاصرين، الذين رتعوا في جاهلية هذه القرون مستخدمين دثار العلم زيفًا ومغالطة، ورداء العقل ادعاء ومكابرة.
وقد تبعهم في هذه السراديب الخربة أبناء المسلمين الذين تلقوا عن الغرب باندهاش، وتلقفوا ما عندهم بتسليم، وقلدوهم ببلادة، وقد نقلنا في مواطن عديدة في الفصول الماضية إقرار الحداثيين والعلمانيين بالتبعية، وعدم تحرجهم مطلقًا من الاعتراف بها، وهي اعترافات ليست شاذة عن المسيرة الفكرية التي يعيشها هؤلاء في الواقع، حيث ينادون قولًا وعملًا وفكرًا واعتقادًا إلى أخذ ما عند الغرب من عقائد ومناهج وأفكار على اعتبار أن ذلك -كما يدعون- من مقتضيات "العصر" ولوازم "التنوير والتطوير"، ومن رفض هذه العقائد والأفكار فهو عندهم "ظلامي" و"متخلف" و"منحط" و"عائش خارج التاريخ" إلى آخر الشتائم الجاهلية العلمانية الحداثية، التي امتلأت بها كتبهم ومجلاتهم وسائر منابرهم الإعلامية.
ولكن هل صحيح أن كل ما في الغرب من فكر هو من مقتضيات العصر بحيث يصبح الذي يرفضه متخلفًا عن ركب عصره؟.
وللإجابة على هذا السؤال لابد من نظرة تحليلية فاحصة لنرى مما يتكون هذا الفكر، ولنعرف أي مكوناته لازم لعصرنا وأيها طارئ عليه.