ولد لأسرة يهودية من يهود البرتغال، هرب والده إبراهيم وجده
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
ميخائيل من البرتغال إلى هولندا، وكان والده زعيمًا للجالية اليهودية في أمستردام وجده كان مهتمًا بأمر الكنيست اليهودي، وتلقى باروخ تربية يهودية دينية متعمقة، ودرس مبادئ التاريخ الديني والسياسي والنقدي لليهودية واطلع على كتب الفلاسفة اليهود في العصر الوسيط، وأصبح حاخامًا يهوديًا، ثم فيلسوفًا ودارسًا للعلوم الإنسانية، تأثر بالفلسفة الديكارتية وشكك في الدين والوحي، وقال بخلود المادة وأنكر خلق الخلق من عدم تأثرًا بأحد فلاسفة اليهود اسمه ابن عزرا، وكتابات متصوفة اليهود الذين يقولون بأن المادة حية.
آمن بمذهب وحدة الوجود بمفهومه الغربي الإلحادي وقال بأن الجوهر هو اللَّه وهو الطبيعة الخالقة، وهو مصدر الصفات والوجوه وهو أيضًا الطبيعة المخلوقة حيث أنه هذه الصفات والوجوه، وأنه ليس له صفات فهو لا يشاء ولا يريد وليس شخصًا معينًا -حسب قوله- كإله الديانات، وليس له عقل -حسب تعبيره- ليس له ذات ولايتعين، وقرر بأنه على قدر ما يكون للإنسان من تجارب وأفكار بقدر ما يقترب من اللَّه، أي يقترب من حالة إله، أو يصبح إلهًا بمعنى من المعاني - وهذا ما توصلت إليه الحداثة في سياق ضلالاتها العديدة.
بيد أن مصدر القوت الرئيسي الذي تغذى منه فكره كان -فيما يبدو- النصوص العبرية وكتابات جرسويندس الذي كان ينتقد المعجزات والنبؤات ويقدم العقل على الوحي، ومن هنا توجه سبينوزا لرفع مقام المعرفة العقلية، وفعل الكثير لترويج وتطوير الإلحاد - كما تقول الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت - ولقضية التفكير الحر، وأنه لا يصح للدين ولا للدولة المساس بحرية الفكر، وكان له تأثير قوي على مادية القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأثر تفكيره الحر الديني على تطور الإلحاد، وقد أثنى إنجلز على آراء سبينوزا الفلسفية ثناءً كبيرًا، وتعاليمه تجعله خليفة لتوماس هوبز وهو الفيلسوف الإنجليزي الملحد المعادي بشدة للدين، وقد سبقت ترجمته في أول هذا البحث (^١).
_________________
(١) ص ١١٣ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
ومن كتبه التي ألفها -مما له علاقة بهذا الفصل- كتابه الذي سماه "الرسالة اللاهوتية السياسية" وتسميه بعض الكتب "البحث اللاهوتي السياسي" وقد ترجمها تلميذ كتبه العلماني العربي حسن حنفي تحت اسم "رسالة في اللاهوت والسياسة" وفيها وضع أسس المنهج التاريخي لدراسة محتوى النص الذي يرى أنه يتراوح بين التاريخية والأسطورية للتحرر من سلطة الأسطورة والقضاء على أسبقية المعنى، وحتمية الحقيقة في الوحي، وأنه يجب البحث في تاريخية النص لا البحث عن المعنى والحقيقة فيه، وقد أثر سبينوزا بأقواله هذه على الذين جاؤوا بعده، وهز بفلسفاته المكانة المتبقية للعهد القديم والجديد من الكتاب، وخاصة الإنجيل الذي توارد على دراسته جموعة من أبناء النصارى الغربيين متأثرين بمنهج سبينوزا، وذلك من مقاصد اليهود وأعمالهم المعروفة في تخريب الأديان من داخلها، مما جعل مؤلف الموسوعة الفلسفية يقول: (لا شك أن سبينوزا كان يهوديًا حتى النخاع، وأن مذهبه كان رؤيا فلسفية للتلمود، وجاء على خطى التراث اليهودي. . .) (^١).
ثم يتعرض هذا المؤلف للاستعراض اليهودي المتمثل في الحرمان الكنسي اليهودي لسبينوزا، وهو الذي يذكره دائمًا الأتباع والمعجبون بسبينوزا، فيقول: (لم يكن يقوم سبينوزا إلّا اليهود، وفي ألمانيا جرت مشادة ربّما كانت تمثيلية يهودية، بين المفكرين اليهود، روجت لها وسائل الإعلام اليهودية. . .)، ثم أضاف: (وظهر الطابع اليهودي في فلسفته بشكل جلي في روسيا القصيرية، حيث كان يشرف على ترجمته وطبعه دور نشر يهودية، وكان شباب اليهود في المنظمات التقدمية والثورية يعرضون فكر سبينوزا بتفسيرات مادية، وأنه لأمر يدعو إلى الشك أن تجد المذهب الفلسفي يحتمل كل التفسيرات، وينفذ إلى كل البلاد والفلسفات من خلال اليهود وحدهم، وأنه لأمر يدعو إلى الشك أكثر أن تكون دراسة سبينوزا في مجتمعات خاصة مغلقة
_________________
(١) انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص ٢٣٧ - ٢٤١، ومعجم الفلاسفة: ص ٣٢٩ - ٣٣٢، وموسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٥٤٨ - ٥٥٠، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٢٤٢ - ٢٤٣، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لرونالد سترومبرج ترجمة أحمد الشيباني ١/ ٨٥ - ٨٧.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
تشبه الجمعيات اليهودية القبلانية السرية، وأن يطلقوا عليه اسم "ماركس بدون اللحية" أضف إلى ذلك امتلاء المذهب بالألفاظ التي توهم بالدلالات وهي لا تدل على شيء، وانطماس الغائية فيه حتى انتهى إلى الآلية المطلقة) (^١).