خلق اللَّه الإنسان وأوجد فيه الإرادة والقدرة على العمل، وجعل له القلب والعقل، العاطفة والفكر، ووهبه أدوات التعلم والتعليم سمعًا وبصرًا وفؤادًا، وسخر له من المخلوقات ما يناسب ضرورته، ويحقق حاجته، المعيشية، ورغبته التحسينية وجعله متميزًا بعقله ونطقه وإرادته.
ومنذ أن خلق اللَّه الإنسان أمره ونهاه، أمره وزوجه أن يسكنا الجنة ونهاهما عن أكل الشجرة، وكان الأمر والنهي منه -سبحانه- لمقتضى ألوهيته وربوبيته موجهًا إلى من كانت مقتضيات بشريته وآدميته ومؤهلات الخلقة فيه صالحة للعبودية التامة وقابلة لاتباع أوامر اللَّه واجتناب نواهيه.
هذه الحقيقة الأولية التي تظافر على إثباتها البرهان العقلي النقيّ، والفطرة القويمة السليمة، وجاء الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام- لترسيخ وإيضاح هذا المعنى كلما لجّت البشرية في غواية الأهواء واسترسلت في اتباع الشياطين من الجن والإنس.
إن حقيقة كون الإنسان عبدًا مخلوقًا لإله خالق مدبر إليه المصير؛ هي أم الحقائق وأساس المنطلق لحياة إنسانية حقيقية كريمة، والقاعدة الأولية لمن أراد الدخول في الإسلام أن هذه القضية بمعطياتها ودواعيها وأسبابها وبمقتضياتها ولوازمها ومفرداتها هي أساس الصراع أصلًا بين الحق والباطل والخير والشر والفضيلة والرذيلة والهدى والضلال والاستقامة والانحراف.
إنها أساس المعركة بين التوحيد والشرك، والإسلام والكفر، والإيمان والنفاق، ولذلك كانت عقيدة الرسل الكرام -﵈- تنادي ابتداءً
[ ١ / ٣٠ ]
بإفراد اللَّه تعالى بالعبودية والطاعة المطلقة له، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^١).
إن هذا المعنى يتجلى أول ما يتجلى في الفرق الحاسم بين ربوبية اللَّه تعالى المقتضية للخلق وألوهيته المقتضية للأمر، كما يشاء وفق علمه وحكمته ومشيئته، وبين عبودية المخلوق المقتضية للسمع والانقياد وفق التركيب الربانيّ الموجود في هذا الكائن الحيّ الناطق، الملخص وصفه في أنه "حارث وهمام" (^٢) أي له قدرة وإرادة.
ومن هنا تتقرر قاعدة الحق والخير والعدل في الوجود كله، وفي علاقة الإنسان والكون بالإله الخالق العظيم؛ وذلك بالتفريق بين حقيقة الألوهية ولوازمها، وحقيقة العبودية بحدودها وضوابطها ونتائجها وما يترتب على هذا كله من صفات وعلامات ونتائج.
إن البداية الأولى للإنسان الأول (آدم وزوجه) بدأت من هذا المنطلق، وكلما فتر هذا المعنى في حس البشر أو تزعزع أرسل اللَّه الرسل لإيضاح مهمة الإنسان في هذا الوجود، وتبيان وظيفته في هذه الحياة، وتجلية دوره وعلاقته بربه وخالقه ﷾.
لقد كان جهاد الأنبياء عظيمًا في مواجهة الانحرافات التي طرأت على البشر، وأهمها تلك الانحرافات المتعلقة بالعقيدة؛ إذ بسببها تقع الانحرافات الأخرى في السلوك والنُّظُم والأعمال والعلاقات، وأخطر تلك الانحرافات الاعتقادية تعددُ الآلهة وكثرة المتبوعين والمطاعين مع اللَّه أو من دون اللَّه، آلهة الأهواء والأعراف والشهوات وآلهة الأصنام والأوثان، كلها تعبد وتطاع، والأرباب في الجاهلية أرباب عديدون وليست هي الأصنام وحدها وإن كانت هي أظهر أنواع الشرك الحسي، فقد كانت القبيلة ربًا معبودًا يطاع، كما قال الشاعر الجاهلي:
_________________
(١) الآية ٢٥ من سورة الأنبياء.
(٢) قال نبينا محمد -ﷺ-: "أصدق الأسماء حارث وهمام" أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في تغيير الأسماء ٥/ ٢٣٧، وأحمد ٤/ ٣٤٥.
[ ١ / ٣١ ]
وهل أنا إلّا من غزية، إن غوت … غويت، وإن ترشد غزية أرشد (^١)
وكانت عادات الآباء والأجداد ربًا مطاعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (^٢).
وكانت أنظمة الحكم العرفية تؤصل سلطانها في مثل دار الندوة وأشباهها، وكانت ربًا يطاع، كما كانت الأعراف الأخرى التي يحلّون بها الحرام ويحرمون بها الحلال ويبيحون ويمنعون.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا
_________________
(١) القائل هو دريد بن الصمة من بني جشم بن بكر، وغزية قومه وعشيرته. انظر البيت في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد: ص ٢١٢.
(٢) الآية ٢١ من سورة لقمان.
(٣) الآية ٣٧ من سورة التوبة.
[ ١ / ٣٢ ]
رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ (^١).
وليس هذا حال الجاهلية العربية الذين بعث فيهم خاتم الأنبياء -ﷺ- بل كان كذلك حال الجاهليات السابقة؛ ولذلك كانت قضية التوحيد هي قضية كل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ لأن جميع القضايا الأخرى والأعمال والتصرفات تنبني عليها وتقوم على قاعدتها.
وكانت الجاهلية في أعصارها المختلفة تقف ضد هذا المعنى وتتصدى للداعين إليه؛ وهو أمر تفرضه طبيعة الاتجاه بين كلتا الفتئتين: الطواغيت وأتباعهم، والأنبياء وأتباعهم.
فالطواغيت الجاهلية الكثيرة تفرض سلطانها على الناس وتريد أن تسيرهم وفق ضلالاتها وأهوائها وأعرافها وتسعى لتخرج الناس من النور إلى ظلمات الآلهة المتشاكسة المتخاصمة.
والأنبياء جاؤوا لرد البشرية إلى بارئها وتخليصها من ربقة الطواغيت والآلهة والأرباب، وتوجهيهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له.
ووقفت الجاهليات أمام دعوة الأنبياء موقفًا واحدًا برغم تباعد الأعصار واختلاف الشعوب والأمصار وقفت موقف الصد والرد والإعراض والاستكبار والتشنيع والسخرية والاستهزاء، ومنذ أن أرسل اللَّه نوحًا -﵊- إلى قومه وقف الملأ المستكبرون -كعادتهم في كل جاهلية- موقف المضادة والمعاندة.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ (^٢).
وكذلك فعل قوم عاد كما أخبر تعالى عن حالهم مع نبيهم هود -عليه
_________________
(١) الآيات ١٣٦ - ١٤٠ من سورة الأنعام.
(٢) الآيات ٢٥ - ٢٧ من سورة هود.
[ ١ / ٣٣ ]
الصلاة والسلام-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ (^١).
وجاء من بعد عاد قوم ثمود ليقولوا المقولة نفسها ويقفوا الموقف نفسه من نبى اللَّه صالح ﵊، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ (^٢).
وهكذا سارت قافلة الأنبياء تدعو إلى هذا التوحيد الشامل وإلى الإسلام الكامل للَّه تعالى وإلى العبودية المطلقة للَّه -جَلَّ وَعَلَا-، وجاء نبينا محمد -ﷺ- بالدين نفسه وبعث بالقضية ذاتها، وأخبر -ﷺ- بأنه وإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، فقال: "الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (^٣).
ونزل القرآن على نبينا محمد -ﷺ- ليقرر هذا الركن العظيم، ويكرر الكلام حول هذه القضية الكبيرة: "قضية توجيه العبادة كلها للَّه وحده واتباع ما أنزل اللَّه في التحريم والتحليل" ولا غرو أن يكون -حينئذ- الركن الأول
_________________
(١) الآيات ٦٥ - ٧٠ من سورة الاْعراف.
(٢) الآيتان ٦١ - ٦٢ من سورة هود.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: واذكر في الكتاب مريم ٤/ ١٤٢، واللفظ له، ومسلم في كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇ ٢/ ١٨٣٧.
[ ١ / ٣٤ ]
من أركان الإسلام هو "شهادة ألا إله إلّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه" قبل الأركان الأخرى، قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وقبل أي تشريع آخر من تشريعات الإسلام فقد شغلت هذه القضية -قضية التوحيد- الحيز الكبير من القرآن العظيم وشغلت أكثر وقت النبي الكريم -ﷺ-.
بل إننا إذا نظرنا في القرآن نظرة تأمل وتدبر وجدناه كله يدور حول هذه القضية، وأن سواها لا يقوم إلّا بها ولا يصح إلّا بصحتها، ولا يقبل عمل ولا يستقيم سلوك ولا تصح عبادة ولا تستقر حياة إلّا بصحة واستقامة واستقرار المعنى العظيم الذي تحتويه كلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه".
ويوضح هذا المعنى خير إيضاح ما جاء في مدارج السالكين من قول مؤلفه ﵀: (وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن: إمَّا خبر عن اللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلميّ الخبريّ، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإراديّ الطلبيّ، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة اللَّه لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرَج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (^١).
ومن ينظر إلى سور القرآن وكلام المصطفى -ﷺ- يجد أنها كلها تدور حول هذه القضايا التي جاءت في النص السابق ولا تخرج عنها، ويجد تبعًا لذلك أن الإسلام اهتم بقضية التوحيد المقتضي لشمول الإسلام لأعمال
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠، وهو منقول في شرح العقيدة الطحاوية: ص ٢٩ بتحقيق الأرناؤوط، نشر المؤيد.
[ ١ / ٣٥ ]
الإنسان وطلب عبودية الإنسان في كل أعماله للَّه تعالى.
إن هذه سمة بارزة في نصوص الوحي في أعمال الرسول -ﷺ- وأصحابه سواء كان ذلك في مكة أو بعد الهجرة إلى المدينة، فأمَّا بروز هذه القضية في العهد المكيّ فأمر واضح للعيان، وقد يظن ظان أن هذا الاهتمام الكبير بالتوحيد في مكة هو لكون المخاطبين كانوا قومًا مشركين، فكان من المناسب أن يتم التركيز والتأكيد على قضية العقيدة، ولكننا نجد أن القرآن استمر في الحديث عنها في العهد المدنيّ بعد أن قامت دولة الإسلام وظهر المجتمع الإسلامي واستقرت العقيدة في قلوب الصحابة والتزم الناس بأحكام الإسلام.
وفي هذا دلالة كاملة على أن قضية القضايا وأصل الأصول هي قضية التوحيد ومقتضياته ولوازمه.
بيد أن قضية التوحيد والعقيدة ليست في دين الإسلام مجرد اعتقادات قلبية أو مشاعر وجدانية أو قيم خلقية، كما يدعي بعض العلمانيين والحداثيين في بلدان المسلمين، والذين يصفون أنفسهم بالاعتدال في مقابل غلاة العلمانيين وهم الملاحدة الذين ينكرون وجود اللَّه تعالى.
وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء وهؤلاء على شعب الضلال والكفر إلّا أن بعضهم أشد وأعتى في كفره من الآخر، في حين أن القسم الأول والذي ينعت بالاعتدال أخطر في بث سمومه وانحرافاته الاعتقادية الخطيرة؛ وذلك بسبب ما يتلبس به من ذكر للإسلام وامتداح لبعض جوانبه وثناء على بعض قضاياه وممارسة بعض أعماله في الوقت الذي يعتقد في قلبه أن الإسلام مجرد علاقة فردية بين العبد وربه أو مجرد عقائد إلهية لا لوازم لها في الواقع ولا مقتضيات لها في الحياة، فيغر الأغرار بما يتلفظ به من ادعاء للإسلام، أو امتداح لبعض قضاياه، ويدس سموم شكوكه وانحرافاته في هذا التظاهر الكاذب المخادع، فيكون حاله أشبه بحال المنافقين الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين، ويدّعون الإسلام وهم يبطنون بغضه أو بغض بعض أحكامه.
ومن هنا كانت خطورة هؤلاء على المسلمين، لاسيما إذا نظرنا إلى
[ ١ / ٣٦ ]
رؤوس الضلال العلمانيّ، وما يحيط بهم من هالات الاحتفاء الإعلامي ودعايات الامتداح والاهتمام والإشادة، ثم ما يحيطون به أنفسهم من ادعاء العلم بشريعة الإسلام وتاريخ المسلمين، وما يقتطعونه من أقوال هنا وهناك مبثوثة في كتب العلم أو كتب التاريخ محاولين أن يثبتوا من خلالها أنهم إنّما يتكلمون عن علم بالدين والتاريخ، وأنهم من أهل ملة الإسلام، ثم إذا ترسخ هذا وثبت جاؤوا بالعلمانية في ثوب أدب وشعر ونقد، أو في ثوب ثقافة وفكر، أو في ثوب نظام ودستور، مؤكدين أنهم يحبون الإسلام وأهله، ويفهمون الشرع ومنهجه، وأن هذا الذي يقولونه ليس إلّا فهمًا صحيحًا أو عصريًا أو تنويريًا للدين الإسلامي!!!.
أمَّا إذا أردنا أن نسأل: لماذا يتلبس هؤلاء بكل هذه الألبسة؟ ولماذا يموّهون؛ أمورهم بكل هذا التمويه؟.
فإننا نجد الإجابة الصريحة الواضحة في قول اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . .﴾ (^١).
(وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات، من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار) (^٢).
_________________
(١) الآيات ٦٠ - ٦٤ من سورة النساء.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/ ٣١٧.
[ ١ / ٣٧ ]
وهؤلاء المتبجحون بمعرفة الإسلام ومعرفة أحكامه وشرائعه والذين يشيرون في عباراتهم أو فحوى كلامهم إلى أنهم يحترمونه أو يقدسونه، وهم في الوقت ذاته يبطلون جملة كبيرة من أحكامه وشرائعه وينظرون إليه بمنظار التشكيك، ويقرأون تعاليمه وتاريخه بعين الغرب الماديّ، ويفهمون التدين بصيغته الأوروبية، يفهمونه على أنه مجرد علاقة بين الإنسان وربه ولا شأن له بالواقع من أي باب، باستثناء باب الأخلاق والفضائل عند بعضهم، أو باب العقائد المجردة التي لا لوازم لها عن البعض الآخر، أو من باب العبادات الشعائرية عند آخرين، ثم يسعون لتطويع الإسلام لفكر الشرق أو الغرب وتحويره ليوافق إلحاد الملحدين، وشذوذ الشاذين فكريًا أو خلقيًا، ويقولون كما قال أسلافهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقً﴾ (^١)، ويطلقون على عملهم هذا مصطلح "الاستنارة"، ويسمون أنفسهم أصحاب الإسلام المستنير، وغاية عملهم تتمثل في تقليص نطاق الشريعة إلى أقصى حد، وتطويع أحكام الإسلام بالحذف تحت شعارات "الاجتهاد المرن"، وإزاحة سيادته تحت لافتات "توسيع المصالح، واستبقاء المثل العليا" ونحو ذلك ليصلوا في النهاية إلى الانخلاع التام من الشريعة، وإبطال موازين الحلال والحرام، والتطويع والتوفيق بين انحلال الغرب وضلاله والإسلام وهدايته وأحكامه، هذا هو مسلك هؤلاء الذين جاسوا خلال ديار المسلمين فكان من آثارهم التخريبية ما كان، واللَّه المستعان.
قال بعض أهل العلم في وصف أحوال سلف هؤلاء في معرض استدلاله بآيات سورة النساء السالفة: (. . . كما ذم المدعين الإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون اللَّه، كما يصيب ذلك كثيرًا ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم، وإذا قيل لهم تعالوا إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضًا، وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ودينهم ودنياهم بالشبهات
_________________
(١) الآية ٦٢ من سورة النساء.
[ ١ / ٣٨ ]
والشهوات أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم قالوا: إنّما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق، ونوفق بين الدلائل الشرعية والقواطع العقلية التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات، أو الذوقية التي هي في الحقيقة أوهام وخيالات. . .) (^١).
والمتأمل في الهمجية الحداثية العلمانية يجد أشباه هذه الكلمات ونظائر هذه الحجج الزائفة، فها هو كبير من كبرائهم يضع كتابًا يسميه "قبل السقوط" ويكتب على غلافه "حوار هادئ حول تطبيق الشريعة الإسلامية. . نعم للمصحف والدين. . لا للسيف والحكم" (^٢).
ويقول في أثنائه متدثرًا بحب الإسلام وفهم الإسلام والحرص على الدين وعلى المسلمين، "وبعد أن ذكر أن عصر الخلفاء الراشدين ليس سوى عصر فتن داخلية واغتيالات، وأنه ليس العصر المثاليّ ولا المجتمع المثاليّ، وأن الذين يقيسون على عصر الخلافة الراشدة إتما يقيسون على أحلام لا علاقة لها بالواقع.
بعد أن ذكر هذا كله قال ما نصه: (إن كل ما عرضته إنّما ينهض دليلًا على أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإسلام الدين، والإسلام الدولة، وأن انتقاد الثاني لا يعني الكفر بالأول أو الخروج عليه، وأنك في الثاني سوف تجد كثيرًا يقال أو يعترض عليه حتى في أعظم أزمنته، بينما أنت في الأول لا تجد إلّا ما تنحني له تقديسًا وإجلالًا وإيمانًا خالصًا، وأنه إذا جاز أن يقال هذا في عهد الخلفاء الراشدين فإنه يجوز أن تقول ما هو أكثر وأكثر حين تتصدى بالتحليل والنقد لعصور لاحقة ارتفعت فيها رايات الحكم الدينيّ. . .) (^٣).
ويسترسل في بث شبهاته الممزوجة بإظهار المعرفة بالإسلام وتاريخه والإشفاق على أهله وذويه فيقول: (أنت هنا تملك أن تفصل بين الإسلام
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٤٠.
(٢) كتاب قبل السقوط لفرج فوده.
(٣) المصدر السابق: ص ١٨.
[ ١ / ٣٩ ]
الدين، والإسلام الدولة، حفاظًا على الأول حين تستنكر أن يكون الثاني نموذجًا للاتباع أو حين يعجزك أن تجد صلة واضحة بين هذا وذاك، فالأول رسالة والثاني دنيا، وقد أنزل اللَّه في الرسالة ما ينظم شؤون الدنيا في أبواب وترك للبشر أبوابًا دون أن يفرِّط في الكتاب من شيء، وإنّما يسع برحمته بشرًا هم أعلم بشؤون دنياهم من السلف، ويترك لهم أمورًا تختلف باختلاف الأزمنة لا يترك لهم فيها إلّا قواعد عامة، إن اتسع أفقهم أخذوا من غيرهم وتأقلموا مع زمانهم دون خروج على صحيح الدين أو كفر به. . .) (^١).
بهذا المنظار وهذه الطريقة يتناولون تعاليم الإسلام وتاريخه، وعلى هذا المنهج يسير دعاة الحداثة والتغريب في الأدب والفكر، فالأسلوب واحد، والمواقف متعددة، وكلها تدور حول عزل أعمال الإنسان ومناشطه عن صراط اللَّه المستقيم وإفساح المجال له ليكون عبدًا في حكمه أو في فكره أو في نتاجه الأدبيّ لأي شيء إلّا الإسلام فقد اتخذوه وراءهم ظهريًا واستدبروا أحكامه.
ولا فرق في هذه المسألة بين من يطالب بإلغاء شريعة الإسلام من الحكم والأنظمة والدساتير والدول، ومن يطالب بإبعاد موازين الجلال والحرام والجائز والمحرم عن النتاج الأدبي والثقافي، إذ نهاية هذا القول وذاك تؤدي إلى اتهام دين اللَّه بالقصور، بل واتهام اللَّه -تعالى- بالجهل وعدم الحكمة، واتهام الرسول -ﷺ- بالغفلة والسفه -قدسه اللَّه وأجله عما يقول العلمانيون والحداثيون-.
وفي الاستشهاد السابق بأقوال فرج فوده (^٢) تأسيس لفكرة هذا البحث الذي يدور حول الانحراف العقدي في الأدب الحديث، حيث تشترك أقلام
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩.
(٢) هو: فرج علي فودة أحد طواغيت العلمانية في مصر، له كتب عديدة يهاجم فيها الحكم الإسلامي، والمنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية ويطعن في الإسلام وتاريخه، حتى قُتل في ١٨/ ١٢/ ١٤١٨ هـ - ٨ يونيو ١٩٩٢ م. انظر: ما كتبت عنه مجلة أدب ونقد في عددها الصادر بعنوان "فرج فودة شهيد العلمانية وحرية الفكر" عدد ٨٣ يوليو ١٩٩٢ م، محرم ١٤١٣ هـ.
[ ١ / ٤٠ ]
وألسنة ومواقف العلمانيين من الذين امتهنوا الكتابة شعرًا أو قصة أو نقدًا أو دراسة أدبية مع الآخرين الذين امتهنوا السياسة ممارسة أو تفكيرًا، ولا تكاد عند التمعن والتأمل أن تجد فارقًا بين هؤلاء من حيث أصل المعتقد المنحرف القائم أصلًا على عزل الدين الإسلاميّ عن مناشط الإنسان أو عن بعض مناشطه، وإن وجدت الفوارق فهي في الشكل والأسلوب والموقع.
أمَّا الهدف النهائي لدى عصبة العلمنة والحداثة فهو تقليص أثر الإسلام في الواقع، وحصره في المسجد أو في المشاعر المقدسة، تمهيدًا للقضاء عليه بالكلية، ففي خطاب مشابه لخطاب فرج فوده يرد أحد كبار الحداثيين على كتاب "الحداثة في ميزان الإسلام" الذي ألفه الأخ الشيخ الدكتور عوض القرني وقدم له سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه اللَّه تعالى-، يرد هذا الحداثي بمقال طويل سماه "إسلام النفط والحداثة" أسقط من خلاله عقده النفسية والفكرية والخلقية، وكشف عن مقدار ما يعانيه عقله الكليل من تشوهات، وما ينوء به رأسه من انحرافات اعتقادية، تمثل صورة مكررة لانحرافات أساتذته من قبله وتلامذته من بعده، فيقول: (إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقليّ "الاتباعيّ" الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث، ويؤسس علاقة متميزة بفكر الحنابلة الذي تمثله كتابات ابن الجوزي (^١) وابن تيمية (^٢) بوجه خاص، وهي كتابات لها علاقاتها الأصولية التاريخية بالمذهب الوهابيّ، أهم المذاهب النقلية السائدة في منطقة
_________________
(١) هو: الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفسر جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، يصل نسبه إلى أبي بكر الصديق ﵁، الحنبلي الواعظ، صاحب التصانيف الكثيرة، له عبادة ونسك وجمال طلعة وحسن معاشرة وطيب مظهر، توفي -﵀- سنة ٥٩٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥، والعبر ٣/ ١١٨، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٨.
(٢) هو: شيخ الإسلام وعلم الأعلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، أشهر من أن يعرَّف، طبَّقت شهرته الآفاق، واتفق على سعة علمه وعمق فهمه الموافق والمخالف، وسارت مصنفاته وعلومه مسير الشمس، وكانت سيرته العملية في الدعوة والعلم والجهاد والجهر بالحق من أعجب السير، توفي -﵀- وهو مسجون في قلعة دمشق سنة ٧٢٨ هـ. انظر: شذرات الذهب ٦/ ٨٠، والعقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي، والأعلام العليّة في مناقب ابن تيمية.
[ ١ / ٤١ ]
الجزيرة العربية) (^١).
إلى أن قال: (إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقليّ) (^٢).
ثم يستشهد بمجموعة من الأحاديث والآثار الحاثة على الاعتصام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، وترك البدع والمحدثات، ويستخلص من هذه الأدلة أن الإسلام يغلق إعمال العقل التي يطلق عليها وصف البدعة، ثم يشرح هذا المعنى بعبارات طويلة مملة تتلخص في تصويره للإسلام "الاتباعيّ" -كما قال- بأنه رجعية وانحدار وهبوط، ولكنه صاغ ذلك بفلسفة "الخط الأفقي الدائريّ" فيقول: (أمّا المقولة الخاصة بالزمن فتقودنا إلى مفهوم التاريخ الذي يرتد إلى أصله، بالمعنى الذي يوقع التصور الخطيّ الأفقيّ للزمن على تصوره الدائريّ، حيث يتحول الزمن إلى حركة متكررة ثابتة، تقع على نقاط خط منحدر، هابط، بدايته الإيجاب المحض ونهايته السلب المطلق، فلا يغدو التاريخ حركة صاعدة توازي ارتقاء الإنسان وتطور وعيه الموازي لتطور فعله الصاعد على سلم التقدم، درجة درجة، مع التراكم الكميّ والكيفيّ للمعرفة التي يصوغها، والأفعال التي يصنعها، بل يغدو التاريخ حركة هابطة في الزمن الذي هو نفسه حركة دائرية متكررة على خط منحدر، ينحط دائمًا كلما مضينا صوب المستقبل، وتباعدنا عن الماضي الأول الذي هو نقطة البداية والمنهج والأصل والمثال) (^٣).
ثم يستشهد على نظريته هذه التي تصور الإسلام داعيًا إلى الهبوط والتخلف بما قاله صنوه في تلمود الحداثة كتاب "الثابت والمتحول" في أن أصل هذا الانحدار والتخلف والهبوط مستنتج من قول النبي -ﷺ-: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (^٤).
_________________
(١) و(^٢) الإسلام والحداثة ص ١٧٩. والكتاب عبارة عن ندوة لمجموعة من الحداثيين إقامتها مجلة مواقف ودار الساقي في لندن عام ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م وصدر الكتاب من دار الساقي ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، وكأنه يريد في كلامه كتابات ابن قيم الجوزية فذكر ابن الجوزي جهلًا وتخليطًا.
(٢) المصدر السابق: ص ١٨١.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا =
[ ١ / ٤٢ ]
ثم يعقد مقارنة حداثية علمانية فيقرر أن النقل والاتباع والتقليد هي أسباب النظرة المتخلفة والهابطة لدى المسلمين، النظرة المتهمة للمقابل الذي هو الإبداع والابتكار والحداثة التي هي خرق المعهود والخروج عن المألوف (^١).
وخلاصة القول: إن رواد التطرف العلمانيّ والحداثيّ ينطلق انحرافهم وضلالهم الأدبيّ والفكريّ والسلوكيّ من قاعدة التمرد على شرع اللَّه، زعمًا منهم أن هذا الشرع الحنيف ليس شاملًا لكل أعمال الإنسان ومناشطه، وليس أهلًا لأن يحكم الناس أو يوجه أعمالهم، أو يقود مسيرة حياتهم نحو حياة أفضل وأسعد، وسوف أعرض في ثنايا البحث من دلائل هذه العقيدة المنحرفة ما يؤكد أن هذا التيار التغريبى يقود حركة ردة عن الإسلام بصورة لم يشهد لها تاريخ المسلمين مثيلًا.
وفي ذلك ما يوجب على العلماء والدعاة أن يبذلوا كل جهودهم في سبيل تثبيت العقيدة الصحيحة، وتفهيم التوحيد الحقيقيّ، وترسيخ مبدأ العبودية الشامل، وتوضيح المفهوم الحقيقيّ لكلمة المسلم والإسلام، فما أكثر جريانها على الألسنة ولكن كم من الناطقين بهما يشعر بما تتضمنان من معاني؟ وكم من السامعين يفهم منها تمام المفهوم الذي كان يفهمه الصحابة والتابعون؟.
إن إيضاح هذه المعاني وتجلية هذه الحقائق هو أهم ما يجب أن تشمر همم المسلمين لتحقيقه واقعًا حيًا معاشًا تندحر أمامه شبهات أهل الأهواء وضلالات أصحاب الضلال.
• • •
_________________
(١) = أشهد ٣/ ١٥١، واللفظ له، وأحمد ١/ ٣٧٨، ٤١٧، ٢٣٤، ٤٣٨، ٤٤٢، ٢/ ٢٢٨، ٤١٠، ٤/ ٢٦٧، ٥/ ٣٥٠، وغيرها.
(٢) انظر: الإسلام والحداثة: ص ١٨١.
[ ١ / ٤٣ ]