٢ - وصف الملائكة بما لا يليق بهم، والتهكم والسخرية بهم.
٣ - إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم.
• • •
الوجه الأول: من أوجه انحرافهم في الملائكة: نفي وجود الملائكة عليهم الصلاة والسلام:
إن الفكر المادي الذي بث قيحه في عقول وقلوب الحداثيين والعلمانيين العرب، يؤدي إلى عدم الإيمان بالغيبيات والتي منها الإيمان بالملائكة، فقد مات في عقولهم وقلوبهم أي اتجاه نحو الإيمان بالغيب، وقد ذكرت في الفصل الأول من الباب الأول هذه القضية وأسبابها ونتائجها، مع مناقشة موجزة ونقض لهذا الاتجاه.
وغير مستغرب على من يجحد وجود اللَّه -﷾- الذي أدلة وجوده أكثر من عدد المخلوقات، أن يجحد وجود الملائكة ﵈،
_________________
(١) انظر تفصيل القول في الملائكة في: كتاب عالم الملائكة الأبرار للشيخ عمر الأشقر، والإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه لـ د/ محمد نعيم ياسين: ص ٣٩ - ٥٩، ومعارج القبول ٢/ ٦٣ - ٧٣، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص ٢٧ - ٣١، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص ١٦ - ١٨.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
إمّا صراحة كما سنرى في هذا الوجه، وإمّا ضمنًا كما سنرى في الأوجه اللاحقة.
ومن أظهر الذين جحدوا وجود الملائكة علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل، حيث يجعل الإيمان بالملائكة ثمرة للإيمان باللَّه الذي يرى أن نفيه هو الذي سيؤدي إلى نفي كل ما يترتب عليه من غيبيات، فيقول: (. . . من الأهمية بمكان أن نشذب فكرة وجود اللَّه من أغصانها السرطانية بالالتجاء لقفص العقل، ورفض توارث فكرة وجود اللَّه. . . إن الإيمان بوجود اللَّه من خلال الأديان والتي تطالب الإنسان أيضًا بالإيمان بأمور تتخطى نطاق التفكير وتربط قضية وجود اللَّه بهذه الأمور ارتباط الجنين بالمشيمة والجذر بالتربة، فطالما آمن الإنسان بوجود اللَّه عن طريق الأديان فعليه تقبل كل ما يتصل بوجود هذا الإله من جنة ونار وشياطين وملائكة وجن صالح وجن طالح وإبليس ومعاونيه حتى لا يجرفه الإنكار إلى النار المحرقة) (^١).
ويتبدى لنا هنا جحده لوجود اللَّه ثم جحده لوجود الملائكة وسخريته بالأمور الغيبية، وهو يورد هذا الإلحاد في سياق روائي، وعلى طريقة تخلو من أي عقل أو منطق، على الرغم من دعاواه العريضة باحترام العقل والمنطق بل بتقديسها، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^٢).
وفي موضع آخر من هذه الرواية الإلحادية يسوق كفره وشكه فينكر أولًا الكتب والشرائع ويعتبرها خرافات -ولعمر اللَّه- أن الذي يقوله ويعتقده هو الخرافة.
ثم يستنتج من ذلك نتيجة قائلًا: (. . . تحول العقل الإنساني إلى أكلة شهية تلتهمها الخرافات والخزعبلات، فالعالم الخفي الذي يعيش وراء
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ١٩١.
(٢) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ٩٩٠ ]
ظهرانينا والمتمثل في الملائكة والجن والشياطين وملكهم العظيم إبليس لم تقدم لنا الصحائف الدينية دليلًا على صحة وجودهم إلّا ما سطر، ولم يثبت بالعلم أو نظرياته على مدى القرون الطويلة وجود مثل هذه الأشكال الغريبة.
ولم يحدثنا أحد عن شكل هذه المخلوقات إلّا ما ورد من أوصاف مادية، فالجن من نار والملائكة من نور، هذه الأوصاف المادية التي وصفت بها هذه المخلوقات تثبت بما لا يدع مجالًا للشك خطل القول بوجودها. . .
ثم الملائكة التي هي من النور، وإذا كان السؤال كيف هي؟ نور الشمس أم المصباح الكهربائي أم مصباح الزيت؟! فأين هي الإجابة؟.
ثم كيف أشكال هذه المخلوقات النورانية. . طويلة. . مستطيلة، شعاع مفرطح أم طيور؟، وهذا الوصف الأخير هو ما درجت بعض الصحائف على وصفها به، ولماذا على هيئة طيور؟! حتى تتمكن من التحليق في الجو. . لأنه لم يكن أحد ليتصور في العصور المتقدمة أن في قدرة مخلوق التحليق إلّا إذا كان بجناحين. . لذلك فلم يكن أمامهم سوى هذا التصوير المادي الذي صور الملائكة على هيئة طيور بجناحين أو ستمائة جناح مرصعة بالجواهر. . رغم أن زينتها بتلك الجواهر يستلزم معها ماديتها بل ويعوقها عن الطيران، والأدهى من ذلك أن نجد في من يعتنق مثل هذه الأفكار التهويمية بل ويؤمن بها إيمانًا راسخًا كالإيمان بالصاروخ والقمر الصناعي، بل ويزيد عليها القول بأن الشياطين والملائكة لها القدرة على التشكل إلى حيوانات وطيور وأفاعي "بل وتصدر بها أحكام قضائية" محنة وأي محنة أن يعيش الناس مثل هذه الأفكار وأن يتداولها لأنها تعني الموات الفكري. . .) (^١).
عقدة هذا المعتوه أنه لا يؤمن بشيء غير محسوس، أي: لا يؤمن بشيء غائب عن الحس البشري المحدود، ومن هنا تركبت في دماغه هذه الخرافات التي يعتقد أنها هي الحقيقة والعقل والعلم، ويُمكن الرد عليه بأنه ليس كل
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٢ / ٩٩١ ]
ما غاب عن الحس البشري يسمى خرافة؛ لأن هناك فرقًا بين واقع مغيب، وهي الحقيقة غير المنظورة، والمعدوم الغائب وهو الخرافة التي لن ترى.
ومن لم يفرق بين الأمرين وقع في التناقض وتخلت عنه الحقائق.
أمّا الواقع الذي له حقيقة موجودة، ولكن غائب عن الحس والوعي البشري في جملته أو عند بعض أفراده، فلا ينكره إلّا من لا عقل له.
فليس كل ما غاب عن الحس صح جحده؛ لأن عدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه، واليوم نعيش حقائق ثابتة كانت فيما مضى غير معلومة، بل كانت مغيبة، وأمثلة ذلك كثيرة في الجو وطبقاته والنجوم والأفلاك والأثير والأوزون، وفي الأرض وطبقاتها ومعادنها كالبترول، وفي الأضواء والأشعة ما تحت الحمراء، وما فوق البنفسجي، وفي الذرة، وفي الجراثيم والفيروسات والبكتيريا، وغير ذلك، وما زالت الحقائق المغيبة في مجالات العلوم كثيرة.
وهناك مغيبات نرى آثارها فتدلنا الآثار دلالة قطعية على وجودها، وعلى أنها حقائق، فمثلًا طبقة الأثير لا تدركها الحواس ولكن أحزمة البث الإذاعي واللاسلكي السائرة خلالها والمنعكسة منها تدلنا على وجودها، كما يدل أي أثر على المؤثر، مثل عبوسة وجه الإنسان تدلنا على حزن أو غضب مغيب في قلبه، وتدلنا حركة الأشجار على وجود الريح، ويدلنا الدخان على وجود النار، وأثر القدم في الأرض على سائر سار فوقها، وهكذا إلى ما شاء اللَّه من أمثلة هي من ضرورات العقل وحتمياته.
والضرورة العقلية هي: كل برهان صحيح في الوجود إذا تأملته وحللته انتهى بك إلى الجزم العقلي القاطع، ومن أمثلة بدائه العقل: استحالة أن يكون الكل أقل من الجزء، وأن يجتمع الضدان في زمان ومكان واحد، وأن يكون فعل بلا فاعل، وهذا برهان عقلي بدهي مباشر، لا يستطيع أي عاقل إنكاره وهناك برهان عقلي بواسطة كأن تقول:
١ - اللَّه تعالى واجب الوجود، ونفي ذلك محال عقلي إذ يستحيل أن يكون الخلق بلا خالق.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
٢ - عرفنا بعقولنا أن محمدًا -ﷺ- مرسل من ربه؛ لأن معجزاته الحسية والمعنوية دلت على صدقه وعلى أنه مرسل من ربه، وهذه المعجزات الكثيرة شهدها جم غفير من الناس ونقلوها كافة عن كافة، وأخذنا ذلك وصدقناه؛ لأنه منقول بالتواتر الذي يحيل العقل كذبه، وصدقناه لأن الأدلة والبراهين قائمة ومستمرة، مثل إخبار النصوص ببعض المغيبات التي سوف تحدث بعد موت المخبر فوقعت، وإخبارها ببعض المغيبات التي كشفت الحقائق العلمية وجودها، وقد أخبر بها النبي الأمي قبل أن يجوس رواد العلم مجاهل الكون، ويكشفوا بعض أسراره.
فدلت هذه الدلائل والبراهين على صدقه -ﷺ- واستحال عقلًا وحسًا التكذيب بدلالة هذه المعجزات.
٣ - عرفنا بعقولنا أن وجود الملائكة حقيقة؛ لأن الكافة نقلوا ذلك عن المخبر الصادق الذي آمن العقل بأنه رسول من عند اللَّه (^١).
وهذا الملحد وأشباهه من ملاحدة الحداثيين والعلمانيين أبعد الناس عن فهم مثل هذه المحاجات العقلية، وعن معطيات العلم التطبيقية، وأكثرهم مجرد صحفيين وأحلاس جهل وشهوة، لقطوا شبهة من هنا وشبهة من هناك، وخالطوا أشباههم فعزز بعضهم شكوك الآخر بأخلاط من ريب وشكوك أتقنوا امتصاصها فقذفوها قيئًا يؤذون به أمتهم ودينهم.
نظروا إلى الغرب بعين المنهزم وهالهم ما رأوا من ابتكارات وقوة مادية فحسبوا أن الإلحاد هو الذي قادهم إلى ذلك وصنع لهم القوة!!، وقصارى حجة الملاحدة في شكهم أو جحدهم "الإنكار" والإنكار نفسه ليس بحجة، وإنّما هو دعوى، والدعوى مهما كانت ما لم يقم صاحبها عليها دليلًا تبقى زعمًا.
وواللَّه الذي لا إله إلّا هو أن نص الوحي هو الحق الصراح، وأن كل
_________________
(١) اقتُبس بعض هذه المحاجة من كتاب لن تلحد لأبي عبد الرحمن الظاهري: ص ١٠٩ - ١١٠.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
فكر بشري يعارضه، لا يُمكن أن يصمد لحجته أو يقاوم براهينه أو يقف أمام أدلته.
وإذا تأملنا كلام علاء حامد وجدناه لا يعدو أن يكون تجميعًا لشبهات وفلسفات غيره من الماديين الغربيين والماركسيين على وجه الخصوص، استحياها ونسبها لنفسه، وتقمصها ثم ألقاها مسخًا غريبًا شائهًا لا يقوم على ساق.
وكم حاول هو وأضرابه من ملاحدة الشرق تقليد أسيادهم الغربيين الذين كانت لهم في الفلسفات والتجريبيات جولة، ومع ذلك ما أغنت عنهم.
أمّا المقلدة من أبناء الشرق فإنهم خليون عن كل ذلك، فلا فلسفة يستندون إليها، ولا علوم تجريبية يستمدون منها، مع أنها لا تغني من الحق شيئًا، وإنّما دأبهم التهويش والتشويش، وترديد شعوذات المستشرقين، وتقليد ألفاظ المرتابين والشاكين، من غير حجة ولا برهان، فيخدعون أمثالهم مثلما انخدعوهم لشياطين الإنس والجن، وفرحوا بالأكاذيب فرح الجعل بالنتن يدفعه بأنفه!!.
نقرأ للمرتكس المنتكس علاء حامد كيف يجحد وجود ملك الموت من طريق السخرية والاستهزاء، فبعد أن نفى القدر، ذكر الموت في سياق تندر وهزء، فقال: (والموت صفحة مكتوبة لا تغيير فيها ولا تبديل، فمن أتى أجله يأتيه الموت ولو كان في بروج مشيدة من الصحة والعافية، بلا أسباب ظاهرة أو خفية، يأتيه عزرائيل (^١) ويجمعهم حوله، ويلف ويدور، ثم يطعنه هذا الملعون طعنة نجلاء فإذا هو جثة هامدة ترفرف كالطير الذبيح فوق الأرض) (^٢).
وليس ملك الموت -﵇- ملعونًا، إنّما الملعون من ألحد
_________________
(١) لا يوجد في القرآن ولا في الأحاديث الصحيح تسمية ملك الموت باسم عزرائيل. انظر: البداية والنهاية ١/ ٥٠.
(٢) مسافة في عقل رجل: ص ١٧٢.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
وجحد وجود اللَّه والملائكة: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (^١).
أمّا سخريته بملك الموت فسوف يراه -واللَّه- عيانًا، ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ (^٢).
ومن سفسطته في هذه الرواية السافلة الحوار الذي أجراه بين أحد الشخصيات والحاسب "الكمبيوتر" فمن شدة انصهاره أمام الغرب وصناعاته ودهشته البليدة إزاء تقنياته، صاغ هذا الحوار الذي يوجه فيه الإنسان أسئلة إلى الحاسب الذي يجيب على أسئلته ومنها سؤال عن:
(- التاريخ
أجابني: كمادة أم علم.
- كمادة.
- وقائع حدثت ودونتها الأجيال.
- الملائكة.
- خيال بشر.
- الشياطين والجن.
- خرافات.
- الجنة والنار.
- لا دليل عليها
- البعث لحياة أخرى
- تنبؤ
_________________
(١) الآية ١٣٦ من سورة النساء.
(٢) الآية ٢٧ من سورة محمد.
[ ٢ / ٩٩٥ ]
- الكتب السماوية
- إلهام) (^١).
وتشابه هذه الرواية الخبيثة الرواية الأخرى المسماة "آيات شيطانية" التي أحدثت ضجيجًا كبيرًا في العالم، ودافع عنها الحداثيون والعلمانيون، وممن دافع عنها الكاتب السوري "عزيز العظمة" (^٢) المعروف بعداوته الشديدة لدين الإسلام وأهله، وقد أتى بنماذج من الآيات الشيطانية وشرحها على طريقته الإلحادية الخاصة فقال: (جبريل شخصية أساسية: فهو ملاك ذو علاقة صعبة مع محمد، وهو جبريل فارشتا الممثل الهندي الشهير في الرواية، وهو عقل المؤلف كما هو في الحلم والمخيلة، وهو وسواس أمام هندي أصولي يسكن لندن اليوم، كما هو شيطان أو ملاك متصوفة هندية معاصرة "في الرواية" اسمها عائشة) (^٣).
وقد ادعى هذا المتردي أن الذين يعارضون هذه الرواية ورواية "أولاد حارتنا" هم المجموعات الغوغائية التي ترى أن لها الحق في إبداء الرأي القاطع في شأن الأدب، يدعون أن للرأي الديني القول الفصل فيما يجب وما لا يجب للأديب وللمفكر أن يقدمه للجمهور من آراء في أمور عامة أو قضايا فكرية، ثم يثني على الرواية ويعتبرها ذات قيمة أدبية عالمية تؤكد -حسب قوله- المساهمة الرائدة للأدب العالم الثالثي.
ثم يصف وقفة المسلمين ضد هذه الرواية بالهمجية والعدوان ويقول: (يعتبر الإسلاميون كنظائرهم الصهاينة وغيرهم أن كل قول يتنافى ومذاهبهم
_________________
(١) مسافة في عقل رجل ص ١٣٤.
(٢) عزيز العظمة كاتب من سورية، خبيث المعتقد، معاد للإسلام وأهله شديد العداء مظهر لذلك، ولد في دمشق ودرس في بيروت وتوبنغن واكسفورد، ثم درّس في عدة جامعات عربية وبريطانية، وله كتب بالعربية والإنجليزية، ومن عجائب أحوال الردة المعاصرة أن المترجم له أستاذ للدراسات الاسلامية في جامعة اكستر في بريطانيا. انظر: الإسلام والحداثة: ص ٤١٧، ومجلة الناقد عدد ٩: ص ١٠.
(٣) مجلة الناقد العدد ٩ آذار مارس ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ١٠.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
قول معادٍ للإسلام كتهمة معاداة السامية التي يلقيها الصهاينة على كل من ينتقد إسرائيل) (^١).
ثم يهاجم الإسلام والدعوة إلى اعتباره دين ودنيا وسياسة، ويثنى على مؤلف الرواية المارق ثم يطعن في النبوة وقرون الهجرة الأولى، إلى آخر ما كتب من آراء تدل على عداوته الحقيقية للإسلام ودفاعه عن الكفر والردة، وكأنه في دفاعه عن هذه الرواية يتبنى الدفاع عن نفسه بصورة غير مباشرة (^٢).
وهذا نموذج من نماذج تولي الكافرين بعضهم لبعض كما أخبر اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ (^٣).
وأقواله في هذه المقالة، وفي المحاضرة التي ألقاها في الندوة التي عقدتها دار الساقي في لندن بعنوان "الإسلام والحداثة" أقوال تنم عن بغض وحقد شديدين للإسلام وأهله، تخرج به عن دائرة التعقل والتدرج التي يتصف بها كثير من العلمانيين عند إلقاء سموم حقدهم على الإسلام والمسلمين، أمّا هذا فإن فجاجته تشابه فجاجة مؤلف مسافة في عقل رجل.
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٤).
وعلى شاكلتهم نطيحة الخنازير الأوروبية نصر حامد أبو زيد، الذي بنى ردوده على الإسلام على شكوك وريب، وإنكار وجحد، في تلبيس كاذب بالأسلوب العلمي والقراءة الهادئة، مع العلم بأن هذه كلها ليست بحجج، إذ من المعلوم أن الملاحدة لا دليل معهم في مهاجمة الإسلام إلّا الإنكار، والإنكار نفسه ليس بحجة مطلقًا، وإنّما هو دعوى، وكذلك الشك
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٩ - ١١. وانظر: دفاع أنسي الحاج عن رواية آيات شيطانية في كتابه خواتم: ص ١٥١.
(٣) الآية ٧٣ من سورة الأنفال.
(٤) الآية ١١٨ آل عمران.
[ ٢ / ٩٩٧ ]
والريب ليس بدليل وإنما هو تعبير عما في نفس صاحبه.
ولنصر أبو زيد عدة كتب ومقالات تستهدف النصوص الشرعية بالثلب والتنقص، وإلغاء القداسة عنها وجعلها نصوصًا بشرية خاضعة للتاريخ في نشأتها، ولمعطيات الواقع في فهمها وتنفيذها، وفي الحقيقة أن كل هذا مؤداه جحد الإسلام بالكلية وإنكاره جملة وتفصيلًا، ولكن من بوابة خلفية غير بوابة عزيز العظمة وعلاء حامد.
ففي سياق هجومه على نصوص القرآن والسنة يسوق مثالًا يتضح منه ما ذكرناه عنه آنفًا يقول: (وإذا كان الصحابي عبد اللَّه بن عباس الذي استحق ألقاب "ترجمان القرآن" و"حبر الأمة" قد فسر الرعد بأنه ملك يسوق السحاب بمقلاع من فضة، وهو تفسير ينسب إلى الرسول ﵇ في بعض كتب الحديث، فإن المسلمين لم يأخذوا هذا التفسير بوصفه معنى دينيًا مقدسًا مطلقًا يتحتم أن لا يخالفه البحث العلمي، لقد فهم المسلمون أن النصوص الدينية لا تطرح تفسيرًا للظواهر الطبيعية والإنسانية، وأن تفسيرها متروك لفعالية العقل البشري المتطور دائمًا لاكتشاف الآفاق الطبيعية والإنسانية) (^١).
هذا الكلام مؤداه جحد ما جاءت به النصوص، ولكن في سياق غير مباشر في الهجوم والنقض، أمّا ما نسبه إلى ابن عباس فكذب، وأمّا أن الملائكة تسوق السحاب فقد صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق -ﷺ- (^٢).
والمؤمنون يؤمنون به ولو كره المنافقون والشاكون والمرتابون، كما يؤمنون بأن من الملائكة من يلعن الكفرة، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٨٥ بحث بعنوان النصوص الدينية بين التاريخ والواقع.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرعد ٥/ ٢٩٤، وأحمد عن ابن عباس ١/ ٢٧٤.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ (^١).
وعلى كل حال فإن الخطاب العلماني والحداثي مليء بالافتراءات والمناقضات الصريحة لدين اللَّه مما يؤكد أنهم على جهل بملة الإسلام وأكثرهم على معاداتها والتشكيك فيها والبغض لها أو لبعض أحكامها، فإذا علم ذلك واتضح كان كافيًا في التعامل معهم، إمّا على أنهم كفار صرحاء لمن صرح بذلك وأظهر، أو منافقون لمن أبطن وغمغم ولم يفصح مع انتسابه ظاهرًا إلى الإسلام.
قال اللَّه العظيم في كتابه الكريم: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ (^٢).
وفي كتاب "موسوعة الفلكلور والأساطير العربية" أمور هائلة من الانحراف الاعتقادي، حيث أدخل في الأساطير أمورًا ثابتة في القرآن والسنة، ومن ذلك أنه خصص مبحثًا عن جبريل ﵊ باعتباره أسطورة من الأساطير العربية، فقال: (جبريل في المثيولوجيا (^٣) العربية هو رئيس ملائكة الرحمة وأحد الملائكة الثلاثة المصرح بذكرهم في القرآن "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل" والأخير هو إسرافيل، أحد حملة العرش، يصف جبرائيل بقوله: "وهو الذي ينفخ في الصور نفخات ثلاث، أولاهن نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالث نفخة البعث "كما صوره النبي محمد بقوله: "جبريل في صورته وله ستمائة جناح، وكل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه التهاويل" وهو الذي أسرى بالنبي محمد إلى السماء السابعة، وقالوا: "إنه من شدة قوته رفع مدائن قوم لوط وكن سبعًا بمن فيهن من الأمم. . . ويظهر جبريل في أساطير الخلق الثلاثة
_________________
(١) الآيتان ٨٦ - ٨٧ من سورة آل عمران.
(٢) الآيتان ٧، ٨ من سورة الأنفال.
(٣) المثيولوجيا: علم الأساطير، وتطلق كذلك على كل مجموعة من الأساطير صدرت عن أمة متجانسة أو إقليم عرف بثقافة متجانسة. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ٢/ ١٧٩٧ م.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
العبرية والعربية وعند الفلاشا، كأحد رسل اللَّه الثلاثة لإحضار الطين المقدس من المياه الفطرية حين أراد اللَّه تشكيل العالم والإنسان) (^١). إلى آخر ما جاء في كلامه وهو طويل.