الشاعر الحداثي الذي دعا إلى الانفتاح والثقافة العالمية والتواصل الثقافي وتجاوز السائد، والقفز على التراث، وترك التقليد وإغلاق صفحة الماضي.
لم يستطع أن يكون كذلك، فانفتاحه على الثقافة العالمية كان انفتاح النصراني على دين إخوانه النصارى في الغرب، وعلى مذاهبهم المستحدثة، والتواصل الثقافي كان عبر البحر الأبيض المتوسط جسر الحضارة الغربية، وقاعدة العودة إلى الأصل، وتجاوز السائد هو إلغاء هوية الأمة والإجهاز على دينها ولغتها، والقفز على تراثها في عبثية واستخفاف، وترك التقليد شعار استهوى به البسطاء البلهاء ليصرفهم عن قرون الهجرة النبوية الكريمة، غير أنه لم يخرج عن إطار نصرانيته ولم يتجاوز السائد في كواليس الكنائس ومؤامرات التنصير، ولم يقفز على تراثه بل استخدمه وخدمه، ولم يترك تقليد الإنجيل والتوراة التي أسهم في ترجمتها، بل قلدها ونقل مضامينها المنحرفة في أقواله وتنظيراته، وهو بكل ذلك لم يغلق صفحة الماضي الصليبي، بل جدد ذلك، وحمل ألوية حرب صليبية ثقافية.
وهو القائل صراحة وبدون أدنى مواربة: (. . . إنني شاعر مسيحي، المسيحية جزء من تراثي، إن لم تكن في جوهره وصميمه، والمسيحية مرتبطة ارتباطًا كيانًا عميقًا مع التراث الذي سبق التاريخ العربي في هذه البقعة من الأرض، حتى أن تموز وما يعنيه -وهذا موجود في شعري- هو أسطورة قريبة من المسيحية، وربّما كان المسيح صورة جديدة لها، فهناك شبه كبير بين المسيح وبين تموز من حيث موته وبعثه، وأنا أفتخر بهذا الواقع؛ لأنه دليل ساطع على أنني صادق في شعري، لا كالشعراء المسيحيين، منذ إبراهيم اليازجي إلى اليوم، الذين كانوا يكبتون مسيحيتهم، ويظهرون بمظهر الشاعر غير المسيحي، من قبل المسايرة والدعاية والممالأة، إنني أعتقد أن هذا محك صدق الشعراء الحديثين اليوم، إن الشاعر المسيحي الذي يرتبط بتراثه المسيح هو شاعر أصيل، وستذكر الأعوام القادمة أن توفيق
[ ٢ / ٨٢٩ ]
صايغ هو أحد هؤلاء، إلى حد ما جبرا إبراهيم جبرا، وكذلك خليل حاوي، وهذه القضية أدركها عدد كبير منهم جبرا إبراهيم جبرا، وأدونيس، وغالي شكري، حتى أن غالى شكري اضطهد في مصر من أجل ما كتبه عني في مقال نشره في مصر بعنوان "شاعر له قضية") (^١).
هذا النص شهادة واضحة على اعتزاز الخال بنصرانيته وسعيه في نشرها، وتأكيد وجودها، ويرى أن الشعراء النصارى الذين لم يفصحوا عن نصرانيتهم قد ضعفوا وهانوا؛ لأنهم سايروا وجاملوا، في حين أنه لا يُمكن أن يفعل ذلك لأنه مبشر بالنصرانية من خلال شعره، مفتخر بها مبدأ وعقيدة، داعٍ إليها، مناضل في سبيلها، ثم بين أنه ليس وحده في هذه الحرب الصليبية التي يعتز بقيادتها ولكن معه من شعراء الحداثة توفيق صايغ وجبرا ومعه من كتابها القبطي المصري غالي شكري الذي وصف الخال بأنه شاعر له قضية، ولابد أن تكون هذه القضية هي النصرانية وعقيدتها وأخلاقياتها المبنية على دين محرف مكذوب.
وهكذا تتظافر جهود المنصرين الحداثيين لإزاغة المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن عقيدتهم.
وأعلم أن بعض المخدوعين من أبناء المسلمين لا يروق لهم هذا القول، ولا يعجبهم؛ لأنه قد انهدم في نفوسهم مبدأ الولاء والبراء، وانبنى مكانه الإعزاز والمحبة والتقدير لأعداء الأمة، وتأسست في نفوسهم شعارات التعمية والتضليل التي غرسها أولئك ورعوها حتى نمت وكبرت فآتت أكلها الخبيثة ضعفين، ضِعْف في موالاة الأعداء وملاينتهم، والبحث عن رضاهم وعدم جرح مشاعرهم، والبقاء في فلكهم ودائرتهم، وضِعْف في التهاون بالإسلام وأهله وشريعته وعقيدته، بل ربما تجاوزوا التهاون إلى البغض والمعاداة.
_________________
(١) أسئلة الشعر: ص ١٥٣ - ١٥٤.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ولا يتوقف يوسف الخال في طموحه النصراني عند استلهام تراثه وترديده في مجال الأدب والتأليف، بل يتجاوز ذلك إلى واقع عملي، في دعوة صريحة إلى إقامة مجتمع وكيان نصراني، يقول: (. . . لا ألام إذا أنا سعيت إلى إيجاد مجتمع غير مسلم، أو بمعنى آخر: مجتمع مسيحي أعبر فيه عن نفسي، وأحقق فيه كياني، وهنا نضع يدنا على حقيقة الحركات التي قام بها غير المسلمين من العرب، لإقامة مجتمع أو وطن خاص بهم، لقد نجح المسيحيون العرب، أو بعض المسيحيين في إقامة الوطن اللبناني، وهم لا يلامون على ذلك إذا، ما داموا لا يعتبرون عربًا، لمجرد أنهم غير مسلمين) (^١).
ترى ماذا سيقول الحداثيون من أبناء المسلمين الذين جروا خلف السراب الحداثي؟.
رجل يعلن نصرانيته، وينادي بفصل الأمة وتفكيك كيانها، وغرس كيانات نصرانية غير عربية!! ثم يتخذه الأغمار المغفلون قدوة وأسوة ونموذجًا!!.
إن المطلع على الطرح النصراني في شعر الخال يستطيع أن يصل إلى هذه النتيجة بكل بساطة، فكيف وقد أضاف إليها اعترافاته الصريحة بمضمون عمله الشعري والفكري، ومضمون إرادته السياسية.
إنها قصة التنصير الدامية من أيام صلاح الدين الأيوبي -رحمة اللَّه عليه- إلى عهد مجلس الأمن وحق الفيتو وحلف الأطلسي، ولكن المنطفئة عقولهم لا يعقلون، ولا يريدون أن يعقلوا.
ويفتخر الخال بقيام الكيان النصراني في لبنان ويعتبر وجوده في أرض العرب أعظم تجربة إبداعية في تاريخ العرب الحديث (^٢).
وسبب إعجابه بذلك أن هذه التجربة الإبداعية -لاحظ التسمية-
_________________
(١) أسئلة الشعر: ص ١٥٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥٩.
[ ٢ / ٨٣١ ]
والكيان القائم يديره نصارى لبنان، ويتحكمون في شأنه تحت مظلة التعايش بين المسلمين والنصارى، حيث لا تعايش بل سلطة نصرانية غاصبة جائرة غرسها الاستعمار ورعاها حتى استكلبت.
وفي هذه المقابلة التي نقلنا نصوصًا عديدة منها واجهه السائل بعد الكلام المشار إليه آنفًا باعتراض ثم بسؤال فقال: (إن تضايق غير المسيحيين من قيام دولة بمشيئة استعمارية أي أن تململهم ونقمتهم تنصب في الأول على الدور الذي أرادته تلك المشيئة للبنان أن يلعبه في المنطقة، أي ذلك الدور الذي يريد أن يحل المنطقة في مركزية الحضارة المسيحية الأوروبية، وهنا أحب أن أسألك سؤالًا خاصًا: كيف استطعت أن توفق بين ثورتك ومسيحيتك؟) (^١).
فأجاب يوسف الخال قائلًا: (فكرة "الدين للَّه والوطن للجميع"، فكرة عقيمة لا معنى لها، فالدين ليس ممارسة ولا صلاة ولا طقوسًا، بإمكانك أن ترفض كل ذلك وتبقى مسلمًا أو مسيحيًا، ذلك أن الدين تفسير للوجود، أي لعلاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وبما وراء الطبيعة، وعلى أساس هذه النظرة ينشأ تراث معين وطريقة حياة معينة، فالحضارة الغربية لا نستطيع أن نفصلها عن المسيحية لا من حيث الطقوس، وإنَّما من حيث هي نظرة معينة في الوجود، فعندما تتأثر بالحضارة الأوروبية، فأنت بحكم الضرورة تتأثر بخلفيتها ومن ضمنها المسيحية. . . الحضارة الإنسانية نشأت وترعرت في حوض البحر المتوسط، وفعلت فيها عبر التاريخ شعوب مختلفة، وعلى مراحل، كان عندك العبرانيون، فالآراميون فالكنعانيون، فاليونان، فالرومان، فبيزنطة، فالعرب، وأخيرًا الشعوب الأوروبية.
ومنذ أن حملت الشعوب الأوروبية لواء هذه الحضارة في أوائل القرون الوسطى تطورت هذه الحضارة وأصبحت على ما هي عليه اليوم، وذلك بفضل عبقرية الشعوب الأوروبية وجهدها العقلي والروحي، وهكذا نشأت
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٥٩.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
المركزية التي تحدثت عنها، والحضارة الأوروبية اليوم ليست بالمعنى الجغرافي، وإنَّما هي حضارة إنسانية مركزها أوروبا. . .، والعرب لا يكونون بالفعل ناهضين إلَّا حين يعتبرون شكسبير شاعرهم كما هو شاعر الإنجليز، ويفخرون به، وأظلم مصير ينتهي إليه العرب هو استمرارهم على الفصل بينهم وبين سواهم. . .
وإذا كان الإسلام حقيقة، فيجب أن يصمد أمام جميع التحديات ويتغلب عليها ويقوى بها، وأمَّا إذا لم يكن حقيقة، فعبثًا الانكماش والتخوف والقوقعة، فمثل هذا الموقف يدل على أن المتقوقعين لا يثقون بالإسلام. . .
أما كيف أكون ثائرًا ومسيحيًا في آن واحد، فأنا مسيحي بالمعنى الذي ذكرته لا بمعنى الممارسة، أنا مسيحي تراثيًا، أي: أنني أحمل نظرة في الوجود مستمد من المسيحية وتجدد مفاهيمها عبر التاريخ) (^١).
وهكذا تتضح عقيدة الخال التي كون عليها مع أضرابه -سعادة والصايغ وغيرهم- فكرة الحضارة المتوسطية التي تعني التموزية والنصرانية والالتصاق بالغرب، والبعد والنفور عن المسلمين وتاريخهم، ويربط الحضارة المادية في أوروبا بالنصرانية، ثم يجعل لزامًا الأخذ عنها والارتباط بها، ولا بديل لذلك عنده إلا التخلف.
وهذا النوع من الطرح التدليسي انطلى بالفعل على أكثر أبناء المسلمين المبهورين بالغرب، فربطوا بين التقدم التقني والأفكار والمعتقدات والأخلاق، ولما ذهبوا إلى هناك يدرسون ويتعلمون ويرزحون تحت وطأة التبعية والاندهاش جاؤوا إلى بلاد المسلمين بالشق الفاسد المنحرف من الحياة الغربية: العقائد والأخلاق، وتركوا الشق النافع وهو أمور الحياة المعيشية من تقنية ومخترعات وما شابه ذلك.
_________________
(١) أسئلة الشعر: ص ١٩٥ - ١٦١.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
وها هو الخال رسول الغرب، وطليعة الغزو الفكري يجعل النهضة مرتبطة باعتبارنا شكسبير شاعرًا لنا كما اعتبره الغرب، بل وبوجوب الفخر به!!، وتلك لعمر اللَّه الأغاليط الحداثية العلمانية التي راجت وانتشرت بين أتباعها.
ثم يرسخ الخال مبدأ الفصل بين الدين والحياة وقف عقيدته النصرانية، التي يقول إنها تجددت مفاهيمها عبر التاريخ، نعم هذا شأن العقيدة المحرفة المكذوبة المختلفة، ويكفي أن نعلم هول التحريف الذي أصابها ما ينشر اليوم في أوروبا من طبعات جديدة من الإنجيل، وعليها عبارات مزيدة ومنقحة أو ما يشبهها!!.
ويفتخر الخال بنصرانيته ويؤكد أن خرافاتها حقيقة، وحين يتعرض للإسلام يضعه في دائرة الشك والريبة، بل ويخرجه من دائرة الحقيقة تمامًا في قوله: "إذا كان الإسلام حقيقة".
وهذا التشكيك في الإسلام ضرب من ضروب الممارسات النصرانية التي سلكها النصارى من خلال المستشرقين والمبشرين، ثم من خلال الحداثيين الذين يكملون الدور ويتممون العملية الهجومية على الإسلام، ليس من أجل إدخال أبناء المسلمين في النصرانية، ولكن من أجل تشكيكهم في دينهم، وإخراجهم من ملتهم، فإذا نجحوا في ذلك فقد أضحوا قطعانًا لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه.
وفي مقام آخر يقارن الخال بين الإسلام والنصرانية بخلفية استشراقية كنسية حاقدة، ويجعل من حسن حظ النصرانية أن جوهرها المسيح ﵊، ومن سوء حظ الإسلام أن جوهره القرآن فيقول: (. . . وبما أن المسيح لم يضع كتابًا، فإن جوهر المسيحية هو شخص المسيح لا ما روي عن لسانه وعن سيرة حياته، أما الإسلام فإن جوهره القرآن، ومن حسن حظ المسيحية أن الذين فسروا حياة المسيح وأقواله وشرحوها ولوهتوها هم من صميم الحضارة الإنسانية النامية في حوض البحر المتوسط، هذه الحضارة التي قلنا، فيما سبق، إنها مركزت الجهد الإنساني العقلي والروحي. . .
ومن سوء حظ الإسلام أن الذين فسروه واجتهدوا فيه، لم يكونوا من
[ ٢ / ٨٣٤ ]
صميم هذه الحضارة بل كانوا على هامشها، لذلك لم تدخل ضمن هذه الحضارة الإنسانية ولم تتفاعل معها، ولم تطبعها بطابعها، بل على العكس ظلت غريبة عنها، فناصبتها العداء حتيهذا التاريخ، ومشكلة المسلمين اليوم هي وقوفهم ضعفاء أمام ورثة الحضارة، الأقوياء في كل شيء، فما لم تنهض في الإسلام عقول متفتحة على الحضارة الإنسانية الواحدة فإني لا أرى للمسلمين ولا للعالم الإسلامي إلا ذلك المصير المظلم) (^١).
وليس من مهام هذا المبحث التصدي لهذه الأغاليط والأكاذيب.
إلّا أن المهم هنا أن نرى حجم هذا الحقد الصليبي على الإسلام، ودفن كل معالم الحضارة الإنسانية القوية الفاعلة التي أثرت في حياة البشرية من زمن البعثة حتى اليوم. كيف كانت أوروبا في القرون الأولى للإسلام؟ كانت تغلط في ظلام دامس وبهيمية تائهة، بشهادة المؤرخين الأوروبيين أنفسهم، حتى إذا أطلت عليهم شمس الإسلام، ودرسوا في مدارس المسلمين، ونقلوا الكتب إلى بلدانهم من الأندلس وبغداد ودمشق وفلسطين ومصر، وبدأوا يفتحون عيونهم على أمور عقلية وتجريبية لم يكونوا يعرفونها ثم واصلوا وبنوا على ما أخذوا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم، من تقدم مادي، أما العقائد والأخلاق فإنهم في أسفل سافلين، وقول الخال بأنهم أقوياء في كل شيء يكذبه واقع حياتهم الاجتماعية والخلقية والاعتقادية، الذي يضج بانحرافات هائلة مفجعة، اشتكى منها كل ذي عقل منهم، وتذمر من بلائها المستطير كل من احتك بهم، ويكفي أنهم وردّوا إلى العالم أمراض الجنس المستعصية كالإيدز، وقننوا في بعض بلدانهم الشذوذ الجنسي، وأعطوا أهله المكانة والاحترام، وسوغوا الجريمة باسم مدارة النفس وعلاجها، وحطموا الإنسانية باسم الحرية المنفلتة من كل قيد، ومارسوا الظلم على الأمم والشعوب الأخرى باسم النظام العالمي، والإرادة الدولية وحق الفيتو.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٦١ - ١٦٢، وقد نقل هذا النص عبد الحميد جيدة في كتابه "الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر" وناقش هذه الأغاليط ورد عليه: ص ٤٥ - ٤٨.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
لقد تعمد الخال أن يهبط إلى حضيض المغالطات والتجاهل المتعمد للحقائق الحضارية الثابتة في الإسلام، من واقع ضغينته النصرانية ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (^١).
ثم ينادي بالعقول المتفتحة على الحضارة الإنسانية الواحدة، والتي تعني بالطبع حضارة أوروبا التي سبق أن وصفها بأنها قامت على النصرانية واستمرت عليها.
إذن التفتح على الحضارة الإنسانية الواحدة، هو أن يترك المسلمون دينهم وعقيدتهم ويلتحقوا بركب النصرانية، ليصبحوا نصارى جملة وتفصيلًا، أو ينقلبوا بلا دين، كما يفعل المنصرون الذين يعيثون في بلاد المسلمين فسادا.
إن الحداثيين والعلمانيين ينادون بالتعددية الفكرية ولكنها تعني عندهم التعددية ضمن إطار الحضارة الأوروبية المادية والفكر الأوروبي والعقيدة الغريبة.
إنه الاحتكار الظالم، والهيمنة المستبدة التي يحاولون غرسها بالقوة العسكرية، أو بهيبة ألفاظ ألبست الفخامة والضخامة، لتلعب بعقول البلهاء من أبناء المسلمين، فينحني أمام مثل هذه الألفاظ "الحضارة الإنسانية، العالمية الفكرية، الانفتاح الثقافي، التفتح العقلي على العصر" إلى غير ذلك من شراك الألفاظ التي لا توصل إلَّا إلى ظلام الانحراف وهوان التبعية.
فنحن أمة أعزنا اللَّه بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا اللَّه، وما نعيشه اليوم من ذلة وهوان سببه هذه الشكوك والريب، والضعف الإيماني والزعزعة الاعتقادية، والانجراف خلف الأبواق الكاذبة والشعارات الخادعة، فيا ليت قومي يعلمون!!.
وفي المقابلة نفسها يطرح السائل على يوسف الخال هذا السؤال: (قرأت منذ فترة كتابًا للأب ميشال حايك يتصور فيه أنه لا يُمكن حل القضية
_________________
(١) الآية ١١٨ من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
الفلسطينية إلا بتنصير المسلمين، على اعتبار أنهم يؤمنون مع المسيحيين بنزول المسيح لتخليصهم، كيف تتصور أنت من وجهة نظر مسيحية شرقية مستقبل القضية الفلسطينية في الوقت الذي يعتبر فيه كثير من المسيحيين، أن قيام إسرائيل هو نبوة إنجيلية؟) (^١).
فأجاب الخال: (ليس من الضروري أن يتنصر العالم الإسلامي وهذا غير وارد، ولا يستطيع البت فيه إلا اللَّه، وكل ما يُمكن قوله أن الإسلام يجب أن يعاد تفسيره في ضوء معطيات الحضارة الإنسانية الواحدة) (^٢).
أمّا أن يتحول العالم الإسلامي إلى عالم نصراني فهذا أمر يعلم الخال أنه لا يُمكن أن يقع، لكن الذي يريده، ويُمكن أن يقع أن يتم تذويب الإسلام، وصهر الإسلام في المفاهيم الوثنية والنصرانية والمادية تحت شعارات تفسيره في ضوء معطيات الحضارة، ويجب أن يلاحظ أنه يكرر لفظ الحضارة الإنسانية الواحدة، والتي سبق أن بين أنها حضارة الغرب النصراني.
ولقد استجاب لهذه الدعوات التي إشاعتها النصارى والملاحدة جملة من أبناء المسلمين، وخالطت هذه الشبهات شغاف قلوبهم فصاروا من دعاتها، وما أنباء حسن حنفي ونصر أبو زيد بخافية ولا مستورة، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولقد فطن صاحب كتاب "أسئلة الشعر" الذي أجرى هذه المقابلة -وهو حداثي معروف- إلى ما فطن إليه باروت من احتواء الحركة اللغوية والأدبية التي قام بها نصارى لبنان على المضامين النصرانية والعقائد والرسوم والرموز الإنجيلية، في التفاف مقصود على عقائد المسلمين، وتأصيل مرسوم لعقائد النصارى، فقال: (. . . كان أدباء هذه الحركة ونقادها يرسخون حركة التوصيل الأنجيلية على أربع مراحل، أولًا، باستعارة الألفاظ الأنجلية، ثانيًا،
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق: ص ١٦٣.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
باستعارة أسلوب الترجمة الأنجيلية، ثالثًا، بإفراغ اللغة من مدلولاتها القديمة وشحنها بمدلولات إنجيلية، رابعًا، بانهام كل ما يخالف هذه الحركة بالتقعر والحذلقة.
مرت التجربة الأنجيلية للتوصيل قبل تبني يوسف الخال لها، بجسر العلمنة وذلك عبر تجديد دم المعاجم، بعد استغلاق مدلولات المعاجم القديمة، وتعذر مراجعتها، ولقد خطأ معجم المنجد مسافة طويلة في هذا الحقل، مما أضاف على حركةة الأداء طغيانًا خارجيًا آخر) (^١).
وأضاف المؤلف نفسه في الهامش: (للتيسير حذف المنجد في طبعته الأولى الشواهد الشعرية المعقدة، وللعلمنة حذف الشواهد القرآنية والحديثية، وبقيت مدلولات الألفاظ في معظم مواد المعجم بطبعته الأولى، محافظة على ذاكرتها الدلالية، مع شيء من التيسير والإضافات، ثم جاءت طبعات المنجد المتوالية، فهدت جسر العلمنة، وفتحت لمواد المعجم العربي، تلك الدلالات الإنجيلية الصرفة) (^٢).
ويشير إلى دور مجلة شعر ودور يوسف الخال في نقل التجارب النصرانية إلى الشعر العربي، فيقول: (طرحت ولادة مجلة شعر على التوصيل أسئلة ذات خطورة تاريخية وفنية، لم يكتف يوسف الخال بنقل صيغة تجربة أليوت المسيحية إلى الشعر العربي، بل إنه أراد أن ينقل صيغة أليوت المسيحية للتصويل، وكان قمة هذه التجربة الإنجيلية تاريخيًا بالنسبة لحركة الحداثة التي حددت بداياتها بولادة مجلة شعر) (^٣).
وأضاف قائلًا: (وكانت التجربة المسيحية بالنسبة ليوسف الخال خالقة ومدمرة في آن، فبقدر ما حققت الحركة صيرورتها ضمن الديمومة الإبداعية للتصور المسيحي الشرقي، وأكدت اتزانها في تجسيد ذاتها ضمن مجال
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٨ - ٥٩.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
عدواني) (^١).
ويذكر مؤلف أسئلة الشعر معطيات مقابلة أجراها مع الخال فيقول: (. . . لكن يوسف الخال، أسلوبًا ولغة وتجربة، كما يجب أن يحدد، كان أهم بكثير مما قاله عن نفسه في هذه المقابلة، فهو إبداعيًا، أول من اقترب بأسلوبه من أسلوب الترجمة الإنجيلية بشكل حميم ومؤثر في الآخرين، وأول من وضع تلك المفردات ذات المدلولات الإنجيلية الصرف في الشعر العربي الحديث، وأول من دخل إلى الإنجيل من الشعراء المحدثين ولم يخرج منه) (^٢).
وهذا الذي وصّفه مؤلف أسئلة الشعر يدل على استقرار جيد، وذكاء وحذق، وإن كانت نظرته إلى هذه الإنجيلية عند يوسف الخال، نظرة حيادية من ناحية الغيرة الإسلامية والولاء والبراء، ولكن في أقواله وأسئلته للخال ما يدل على استشعاره القوي بقوة الاتجاه النصراني، وما يتضمنه ذلك من مخاطر ثقافية -هكذا في حسابه- وفي شهادته على هذا الاتجاه -وهو حداثي محب للحداثة- ما يجعل القول في هذه القضية من الأمور المؤكدة الثابتة التي لا مراء فيها ولا امتراء.
وفي مقابلة أخرى أجراها جهاد فاضل مع يوسف الخال، يؤكد الخال أن توفيق صايغ ثم خليل حاوي ثم بدر ثم صلاح عبد الصبور يحتلون أهمية كبرى، ثم يبين سبب هذه الأهمية التي وشحهم إياها فيقول: (إن أهمية الأربعة أنهم "دقوا" بهذه المواضيع الكبرى هذه: الوجودية، وما وراء الطبيعية والوجود والإنسان، واللَّه والخلق والصلب والقيامة، خذ الحلاج عند عبد الصبور، لقد أراد أن يخلق "مسيحًا" في التراث الإسلامي، على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين كان الحلاج عنده "مسيح" الإسلام في الأخير الأخير) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٠.
(٢) المصدر السابق: ص ٦١.
(٣) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ٢٩٤.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
ثم يتحدث عن الرمز الوثني الفينيقي "تموز" ويرى أن استخدام هذه الأسطورة هو من أجل معاني إنجيلية نصرانية فيقول: (. . . وتجسد هذه الأسطورة السامية عملية الصلب والقيامة عند المسيح) (^١).
وهكذا يتضح تداخل المقاصد والرموز الوثنية والنصرانية، في محاولة محو هوية هذه الأمة النبيلة.
بل لقد أباح الخال بمكنون سر حركة شعر حين قال: (. . . إن عملية مجلة شعر كانت عملية تبشيرية رسولية أكثر من أي شيء آخر) (^٢).
وقد خصص باروت في قضايا وشهادات جزءًا من مقال طويل عن تجربة شعر بعنوان (محاولة يوسف الخال في صياغة "نظرية الحداثة") يذكر فيه أن سبب جمود العرب أنهم لم يأخذوا التراث الإغريقي والروماني والنصراني، وأنه بسبب تركهم لهذا التراث الذي يقدسه الخال راح العرب في سبات مظلم عميق استمر ألفًا من السنين، ويرى أن العقل العربي في جوهره عقل إغريقي غربي مثله في ذلك مثل طه حسين (^٣).
ويرى ناقد حداثي آخر أن المستوى الفكري الذي استوت في قراره مجلة شعر ويوسف الخال وأنسي الحاج هو الاتجاه اليميني، وهو تعبير سياسي يقصد به المتدين بدين ما، وبالطبع فقد كان الحاج والخال نصرانيان، والاتجاه الثاني هو اتجاه التغرب والدعوة إلى الغرب (^٤).
وفي موضع آخر يرى بصراحة أن (التراث الذي يؤمن به شعراء تجمع شعر فهو تراث المراحل الوثنية والمسيحية التي مرت على المشرق العربي بل الهلال الخصيب على وجه التحديد، وهم يفصلون هذا التراث عن التراث العربي فصلًا تعسفيًا مقصودًا فكأنه ليس منه، وهذا هو الآخر واضح في
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٩٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٠٠.
(٣) انظر: قضايا وشهادات ٢/ ٢٥٦. وانظر: ص ٢٦٨، ٢٦٩.
(٤) أفق الحداثة لسامي مهدي: ص ٢١.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
أشعارهم كما هو واضح في كتاباتهم النثرية) (^١).
وقد فطن هذا الناقد الحداثي إلى دعوة الخال ومجموعة "شعر" إلى التراث الإنساني، وبين -مثلما ذكرنا آنفًا- أن مرادهم به التراث الأوروبي أو التراث الغربي بوجه عام.
ثم قال: (وعلى الرغم مما يبدوا على هذا المفهوم من "إنسانية" أو "شمولية" فإنه ينطلق أصلًا من نزعة ضيقة تعتمد الوثنية والمسيحية ثراثًا لها وتهمل ما عداهما، بل هي نزعة تقوم أساسًا على توثين المسيحية، أو التوحيد بينها وبين الوثنية، وأبرز من يؤمن بهذا المفهوم يوسف الخال، وقد حاول أدونيس الدفاع عن هذه النزعة وتبريرها في مقدمة المختارات التي أعدها من شعر يوسف الخال فما أفلح) (^٢).
وهذه المختارات التي ذكر أن أدونيس ألفها عن الخال كان عنوانها "فاتحة التجربة المسيحية في الشعر العربي" (^٣)، ولم أجدها ولم أطلع عليها رغم الحاجة إليها في هذا المبحث.
وفي المقابلة التي أجراها معه الكاتبان الغربيان مؤلفًا كتاب رأيهم في الإسلام وصفاه بقولهم: (ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا. . .) (^٤).
ويتحدث الخال عن رأيه في الدين ويرى أن (الثقافة العربية وليدة تفاعل دائم بين مختلف الأديان، ولا يصح وصفها بالإسلامية، أم (^٥) بالمسيحية أم (^٦) بالملحدة، فهي كما كانت دومًا حصيلة جهود أديان شتى، إذ عمد الأدباء في زمن غابر، إلى كتمان انتمائهم لدين أو لآخر، هذا ولم تفصح عنه أعمالهم، خصوصًا تلك التي تقتدي بروائع القدامى كالجاحظ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤١.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٢. وانظر: ص ١٧١.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٧٨.
(٤) رأيهم في الإسلام: ص ٢٤.
(٥) و(^٦) هكذا وهي أخطاء لغوية جلية.
[ ٢ / ٨٤١ ]
والمتنبي وأبي تمام، وقد اعتمدوا فيها أسلوبًا وصفيًا خارجيًا دون الإيماء إلى دين انتمائهم، لم يكن ذلك بالمسلك السليم، فالحقيقة تقضي بإفصاح الكاتب أو الشاعر في العمل الإبداعي عن رؤيته للعالم والوجود من خلال إيمانه، ولا يجوز أن يخشى الادعاءات والاتهامات الكاذبة: بالفئوية ومحاربة الإسلام، الموجهة ضد المسيحيين أو غير المسلمين، إذا ما هم أعلنوا للملأ اعتناقهم دين (^١) ما تعرضنا لهذه الاتهامات يوم أسسنا حركتنا الشعرية فنعتنا بالفئويين لأننا استعنا برموز وأساطير سابقة للإسلام، فصرنا على ألسن أصحاب النميمة، أعداء (^٢) للتراث الإسلام، فمحاولة حجب صورة التعددية الدينية والمذهبية عن أنظار العالم والتاريخ، وحرمانها من وسائل التعبير وطمس معالمها، تجعل الأدب العربي على جانب من السطحية. . .) (^٣).
هنا يعترف بتأثير الدين، ولكنه يدخل سراديب المغالطات والأكاذيب حين يزعم أن الثقافة العربية وليدة أديان مختلفة منها النصرانية وهي المقصد من كلامه، ثم يكذب حين يدعي -لتبرير زعمه ومغالطته- أن الأدباء العرب القدامى كانوا على غير ملة الإسلام، ولكنهم تخفوا بذلك، وأنه لا يوجد في كلامهم الإيماء إلى الدين الذي ينتمون إليه، وهذه كذبة من أكبر الأكاذيب، ويُمكن طالب علم صغير أن يدلل على هذا الكذب من كتب الجاحظ ومن شعر المتنبي وأبي تمام، ولكن ليس بعد الكفر ذنب، وهكذا تحمل الأحقاد الدينية صاحبها على التجانف للكذب والظلم والعدوان، وهذا دليل ضعف الباطل وهشاشة حجته، وسقوط أدلته.
ثم يعود ليدندن على قضية التعددية وقد بينا سابقًا كيف حصر الثقافة الإنسانية والحضارة الإنسانية في النتاج الأوربي الذي ينبثق -عنده- من النصرانية، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
وفي سياق كلامه يذكر أن ازدهار العرب الفاتحين لا قطار الهلال
_________________
(١) و(^٢) هكذا وهي أخطاء لغوية جلية.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٥.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
الخصيب كان بسبب تأثرهم بحضارات تلك البلاد (^١).
ثم ينتصب مفتخرًا بملته وأهل ملته قائلًا: (. . . وكانت أولى اليقظات في مصر، مع توافد المبشرين الكاثوليك والبروتستنت وإنشائهم المطابع والمدارس) (^٢).
وباختصار نلمس التعصب النصراني في أقوال يوسف الخال تعصبًا جعله، يغالط الحقائق، وينسب الفضل إلى غير أهله، وينزع الفضل والمجد عن أهله وذويه.
عصبية نصرانية تتخذ من الأدب الحديث رداءً لها، ومن التجديد الفكري والثقافي جنة لتبث عقائد المغضوب عليهم والضالين، ونسعى في تخريب عقائد أبناء المسلمين، وسحبهم من النور إلى غياهب الظلمات.
وإذا ذهبنا إلى ديوان الخال لتتبع ما فيه من رموز وأسماء صليبية لوجدنا الكثير الذي يطول الكلام بذكره، فقد غص ديوانه بالمضامين النصرانية، وفاض بعبارات الخلاص والخطيئة والتثليث والتكفير والصلب والصليب وبأسماء نصرانية مأخوذة من الإنجيل المحرف (^٣).
وقد درس النصراني القبطي غالي شكري بعض شعر الخال وخاصة البئر الأولى وفي آخر دراسته قال: (هذا شاعر مسيحي استطاع أن يجعل من إيديولوجيته شعرًا) (^٤).