تقرر بالدليل العقليّ والنقليّ، وبمقتضيات الفطرة القويمة أن العبادة هي الوظيفة الأولى والأساسية للإنسان في هذه الحياة الدنيا، وأن الإسلام شمل بأحكامه جميع أعمال الإنسان ومناشطه، ويتضح بناء على ذلك أن أمر العبادة في حياة الإنسان ليس أمرًا هامشيًا أو وقتيًا، بل هو المبدأ الأول لوجوده، والغاية الأصلية لحياته، وعلى هذا الأساس انقسم الناس إلى قمسين -بحسب قبولهم وردهم لهذا المبدأ أو علمهم وجهلهم به- فقسم التزم بالعبودية وخضع لأمر إلهه فهؤلاء هم أهل النجاة وهم على درجات متفاوتة، وقسم أبى واستكبر وتعالى وتجبر فهؤلاء هم الهلكى وهم على دركات.
هذه هي النظرة الإجمالية للبشر من حيث صحة الاعتقاد والعمل وفسادهما، وبناء على ذلك تفرقوا طرائق قددًا، كل يتبع ما يعبده، ويسير على المنهج الذي يدين له.
ولا ريب أن أعمال الإنسان وسلوكه ومناشطه تتأثر بعقيدته ونظرته وفكره، يستوي في ذلك المسلم والكافر سواء كان منافقًا أو مرتدًا أو يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا.
والسلوك والعمل -في الغالب- هي حصيلة الاعتقاد، والأدب على وجه الخصوص هو مستودع شعوريّ كبير للأمة أو للفرد يحمل الخصائص الفكرية والتصورات الاعتقادية والحصيلة التاريخية، كما أن للأدب خصيصة أخرى وهي
[ ١ / ٤٤ ]
قدرته على تخطي الحدود وتجاوز عقبات الفوارق الجنسية واللغوية ولاسيما في عصرنا هذا الذي سهل فيه انتقال المعرفة والثقافة والآداب عبر أجهزة التقنية المتطورة وعبر الوسائل التقليدية كذلك (^١)، فأصبح هو بذاته عقيدة عند الملتزمين بمذاهبه الفكرية الاعتقادية، وإن صُورت على أنها مدارس فنيه أو مناهج إبداعية، فهي في حقيقة الأمر عقائد عند أصحابها يسعون في نشرها، ويدافعون عنها، وباسمها يقبلون ويردون ويوالون ويعادون.
هذه قاعدة النظر في هذه المسألة التي يتضح من خلالها قوة العلاقة بين الأدب والاعتقاد من جهة النظر ومن جهة الممارسة.
والمتأمل في أي إنتاج أدبي يجد أن صاحبه لابد أنه ينطوي في قرارة نفسه على عقيدة معينة وتجول في عقله أفكار معينة، ومن المسلم به بداهة أن هذه العقيدة وهذه الأفكار هي المحضن الأساسيّ لما ينتجه الشاعر أو القاص أو الناقد، وأن ما يطلق عليه "الإبداع الفنيّ، أو التجربة الشعورية، أو الإلهام الشاعريّ" كل ذلك يمر بمراحل متداخلة في نفس الأديب ويعبر عبر قنوات متشابكة بعضها مبهم خفيّ وبعضها واضح جليّ، فأمّا المبهم الغامض فهو التكوين النفسي الذاتيّ لكل شخص والمتراكم من خلال خصائص الشخص النفسية الذاتية التي فُطر عليها ثم من خلال معايشته لأسرةٍ ومجتمع وأحداثٍ تتراكم في أغوار نفسه وتكون جزءًا من شخصيته ثم بالتبع جزءًا من تفكيره ومشاعره.
وأمَّا الواضح الجليّ من قنوات التأثير فأهمها الاعتقاد والأفكار المكتسبة، فإن لهذه من التأثير في الجوانب الخفية، والظاهرة والأعمال والممارسات والسلوك أبلغ الأثر وأظهره، وقد اهتم الدارسون المعاصرون بالجانب النفسانيّ واستعانوا بعلم النفس الحديث في قضايا النقد (^٢)، كما أنه توجد دراسات عديدة حديثة لآثار العقيدة والفكر والاتجاه السياسيّ
_________________
(١) انظر: الفصل المتميز في كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي والذي سماه مؤلفه "العقيدة ومحاضِن العمل الأدبي": ص ١٥ - ٤٢.
(٢) انظر -مثلًا-: كتاب الأسس النفسية للإبداع الفني للدكتور مصطفى سويف، وكتاب التفسير النفسي للأدب للدكتور عزّ الدين إسماعيل.
[ ١ / ٤٥ ]
والاجتماعيّ على عملية النتاج الأدبي (^١).
وقد اختلفت مصطلحات الدارسين لهذه الناحية المهمة فبعضهم يسميها "الموقف الفكريّ" وهناك من يطلق عليها مصطلح "القضية" أو "استيعاب القضية" (^٢)، وأكثر ما دار النقاش حول مصطلح "الالتزام" ومصطلح "أدلجة الأدب".
وحتى الذين يرفضون إدخال الأدب تحت سيطرة الأطر الفكرية والاعتقادية والسياسية، يمارسون هذه النظرة ضمن فكوة وعقيدة معينة، تسمى الحرية، أو غير ذلك من التسميات، فلا فكاك بين الأدب والاعتقاد إلّا إذا أمكن أن يكون هناك فكاك بين الإنسان الناطق ولسانه وشفتيه وحنجرته.
ولذلك عرفوا الالتزام بأنه (. . . اعتبار الكاتب فنه وسيلة لخدمة فكرة معينة عن الإنسان لا لمجرد تسلية غرضها الوحيد المتعة بالجمال. . .، وفي الفلسفة الوجودية ارتباط بتعديل الحاضر لبناء المستقبل ولا يتحقق إلّا بالحرية) (^٣).
وعرفه صاحب معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة بأنه: (قرار كاتب بالتزام كتابته تاريخ/ وضعية/ وعي ما) (^٤).
وحين تحدث عن علاقة اللغة بالفكر وتعرض للغة الأدبية قال: (فاللغة الأدبية ليست مجرد إشارات فلها وظيفة جمالية تفرض تنظيمًا متعمدًا إبداعيًا على مصادر اللغة اليومية، وليس من الصواب المبالغة في إبراز التضاد بين استخدامين للغة يقسمها إلى لغة فكر مقابل لغة الانفعال هي اللغة الأدبية،
_________________
(١) انظر: كتاب الأديب والالتزام، للدكتور نوري حمودي القيسي، ومجلة فصول بعنوان الأدب والايديولوجيا في جزأين، العدد الثالث والرابع عام ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، وكتاب ما الأدب لسارتر ترجمة محمد غنيمي هلال، وكتاب الالتزام في الشعر العربي للدكتور أحمد أبو حاقة، وكتاب الالتزام الإسلامي في الشعر، تأليف: ناصر بن عبد الرحمن الخنين.
(٢) انظر: الأديب والالتزام: ص ٧.
(٣) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، لمجدي وهبه وكامل المهندس: ص ٥٨.
(٤) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، للدكتور سعيد علوش: ص ١٩٥.
[ ١ / ٤٦ ]
فالأدب له جانبه الفكريّ الخاص الذي لا يُمكن إغفاله. . .) (^١).
فإذا كانت الوجودية وهي المتمردة على العقائد والقيم تعد الالتزام بالحرية أحد مبادئها، فإن نظيرتها في التفرع من شجرة المادية وهي "الذرائعية" هي كذلك تقوم على عقيدة وفكرة معينة: (. . . وقد كان للبرجماتية (^٢) بعض التأثير في تطوير الأدب ذي النزعة الطبيعية في العالم الذي يذهب إلى تصوير حياة بلا مبادئ) (^٣).
إذن فكل عمل أدبيّ فنيّ لابد أن ينشأ من عقيدة وينتج من فكر معين وفلسفة معينة للحياة والكون والإنسان والخالق -﷾-، والعلاقة بين الخالق والمخلوق، ويستوي في ذلك الذي يستهدي بالوحي المعصوم والذي يستهدي بالفلسفات المادية المعاصرة أو الجاهليات والوثنيات القديمة أو الحديثة في كون كل منهم ينبثق في إنتاجه من العقيدة التي يؤمن بها، وذلك لأن الخبرات النظرية لأي إنسان عاقل هي مجموعة معلوماته الاعتقادية والفكرية والسياسية والفنية والاجتماعية إضافة إلى تجاربه وممارساته العملية، ومن خلال كل هذه المعطيات تتكون هذه الخبرات النظرية التي تنتج من خلال التجربة الشعورية أدبًا، أو من خلال التجربة الفكرية فكرًا وثقافة، وأهم مكونات هذه الخبرات النظرية، والدائرة التي تحيط بها وتضم كل مفرداتها هي "العقيدة" سواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة.
إن الإنسان -أي إنسان- في القديم أو في الحديث لابد له من عقيدة تربطه وتحدد مساره وفكره وأعماله.
وحاجته إلى العقيدة حاجة فطرية ملازمة للإنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن كون هذه العقيدة سماوية مما أوحاه اللَّه إلى الأنبياء، أو أرضية مادية من صنع الإنسان كألوان الفلسفات الإلحادية المعاصرة ذات الأسماء والمناهج المختلفة والمتعددة، فالملحد الماركسيّ الشيوعيّ -مثلًا-
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) سيأتي في أثناء البحث شرح لمعنى البرجماتية، وتفصيل لأهم مدلولاتها.
(٣) معجم المصطلحات الأدبية: ص ٦٨.
[ ١ / ٤٧ ]
يتبنى عقيدة تضع الطبيعة مكان الإله الخالق، والوجوديّ يتبنى عقيدة التعلق بالذات ومعاداة الآخر وتحدي الغيب واعتقاد عبثية الوجود كله، وهكذا سائر العقائد المنحرفة والضالة، والناظر في نتاج الأدباء القدماء والمعاصرين عربًا وغير عرب مسلمين وغير مسلمين يلحظ بيسر تأثير العقائد في نتاجهم الأدبيّ، ويرى أن العقيدة لها أثرها وبصماتها على النص الأدبيّ، في مضمونه أو في تعبيراته أو في صوره الفنية أو في رموزه.
ففي مصر القديمة، مصر الوثنية الفرعونية كانت النصوص الأدبية تخرج متأثرة بالمعتقدات السائدة لديهم، حتى لقد أكد بعض الباحثين في هذا الصدد (أن الفكرة الأدبية في مصر القديمة ازدهرت بين جدران المعابد وأن الجزء الأكبر من الأدب المصري كان قائمًا على أساس الدين) (^١).
وفي عهد فلاسفة اليونان كانت العقائد والقيم لها مكانتها الأساسية في التوجيه ومعايير القبول والرد فأفلاطون (^٢) -مثلًا- كان (. . . لا يبيح الشعر في دولته إباحة مطلقة بل يقيدها بأن يكون ذلك الشعر الذي ينشد في الدولة هو الشعر الذي ينشد في تسبيح اللَّه وتمجيده، وفي مدح الصلاح، وفي التعرف على الحقيقة. . .) (^٣).
وقد سجل أفلاطون موقفه هذا في كتابه الجمهورية وبين أنه سيقبل الشعر بشرط أن يكون ضمن إطار القيم والعقائد في مجتمعهم فيقول: (إننا سنسمح لأنصاره الذين يحبونه -وإن لم يكونوا شعراء- بالدفاع عنه نثرًا ليثبتوا لنا أنه لا يقتصر على بعث الشرور في النفوس، بل إنه نافع للدولة
_________________
(١) قصة الأدب في العالم، لأحمد أمين وزكي نجيب محمود ١/ ٢٢.
(٢) ولد أفلاطون نحو عام ٤٢٧ ق. م من أسرة أثينية، وكان والده من ملوك أثينا، يعتبر أعظم فيلسوف في العصور القديمة، وبقيت آثاره في الفلسفات والنظريات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية واضحة حتى على النظريات والفلسفات المتناقضة، أسس جامعة سماها الأكاديمية، من كتبه الجمهورية والسياسي والقوانين وغيرها. انظر: موسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٩٧، ومعجم الفلاسفة: ص ٦٤.
(٣) النقد الأدبي عند اليونان، للدكتور بدوي طبانة: ص ٥٩.
[ ١ / ٤٨ ]
وللحياة البشرية، وسنستمع إليهم بصدر رحب، إذ أنه من المفيد لنا أن يثبتوا أنه يجمع بين بعث السرور في النفوس، وبين الفائدة العملية، أمَّا إذا لم يستطيعوا إثبات ذلك فسنردد أن مثل هذا الشعر لا يستحق أن يعد مقتربًا من الحقيقة. . . إن من واجبنا أن نقاوم إغراء الشعر مثلما نقاوم إغراء المال أو الجاه أو الشهرة) (^١).
ومع ذلك فقد رحب أفلاطون في كتاب الجمهورية بالشعراء الذين (يمجدون الأبطال والقدرات الصالحة ويتغنون بالفضائل وأصحابها) (^٢).
وليس هذا سوى تعبير عن التلازم في نظرته وفلسفته بين الشعر والمنفعة الاجتماعية وفق عقيدة وفكرة يوجب الالتزام بها والسير وفق نسقها، بل يمضي في هذا الشوط إلى حد أبعد فيقول: (ينبغي أن نراقب الشعراء وأن نجعلهم يبرزون في إنتاجهم صورة الخلق الخير، وأن نمنعهم من إبراز الوضاعة) (^٣)، ففي هذا القول وأشباهه عند فلاسفة اليونان دليل على أن الشعر عندهم -وهو لديهم أرقى الأصناف الأدبية- له رسالة وهدف ومضمون يتفق مع عقائدهم وأفكارهم.
وأن قضية الالتزام في الأدب والثقافة، والتلازم بين الاعتقاد والأدب قضية قديمة.
وحتى "أرسطو" (^٤) جاء بفلسفة "التطهير" وهي وجه من أوجه الالتزام
_________________
(١) الجمهورية لأفلاطون، ترجمة ودراسة للدكتور فؤاد زكريا ص ٥٦٦، ٥٦٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٩٢٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٢٨.
(٤) هو: أرسطوطاليس فيلسوف اليونان المولود سنة ٣٨٤ ق. م، أمضى حوالي عشرين عامًا متتلمذًا على أفلاطون، يعتبر من كبار الفلاسفة الذين امتد تأثيرهم إلى عصور ومجتمعات كثيرة مما أتاح لمفكرين من اتجاهات متضادة ادعاء الانتساب إليه، فمن فلاسفة اليونان بعده إلى ابن سينا وابن رشد والفارابي، إلى فلاسفة التثليث النصراني، إلى فلاسفة المادية المعاصرة، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض المنطق تناقض المنطق الأرسطي، وقبله الغزالي في تهافت الفلاسفة. انظر: معجم الفلاسفة ص ٤٧، وموسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٧٢.
[ ١ / ٤٩ ]
الذي ينظر إلى العمل الأدبي بمنظار المنفعة، ويدور معناه حول معالجة أمراض الناس وعيوبهم الخلقية من خلال المأساة وإثارة مشاعر الخوف والقلق والرحمة (^١).
ولا ريب أن كل ذلك ينبثق من العقيدة الوثنية القائمة على تعدد الآلهة.
والناظر في النتاج الأدبي عند الأمم يجد الترابط الوثيق الذي لا ينفصم بين الأدب ومعتقدات تلك الأمم، ومن أمثلة ذلك عند اليونان مسرحيات "سوفوكل" ٤٩٥ ق. م و"أروبيد" ٤٨٠ - ٤٠٦ ق. م و"أريستوفان" القرن الخامس ق. م و"إلياذة هوميروس".
وعند الرومان "إلياذة فرجيل" ٧٠ - ١٩ ق. م.
وعند الفرس "الشاهنامة" و"ظفرنامة" ٣٢١ - ٤١١ هـ، ٩٣٣ - ١٠٢١ م.
وعند الهنود "كليلة ودمنة" لبيدبا الفيلسوف.
وعند العرب "المعلقات" وغيرها من القصائد والأشعار.
ففي كل هذه وما يشابهها من آداب تلك الأمم نجد العقائد هي الموجِّه الأولى للمضامين والأفكار التي تتلون بألوان سياسية أو اجتماعية أو ذاتية تبعًا للأحوال والظروف التي تحيط بالأديب أو الشاعر.
وأمَّا الرومان فلم يكونوا سوى ورثة لليونان ونقلة لمعارفهم وفلسفاتهم، مع بعض الإضافات التي أضافوها وخاصة ما كتبه أكبر شعرائهم ونقادهم هوراس (^٢) الذي سطر في كتابه "فن الشعر" خلاصة آرائه الأدبية والفنية والفكرية.
_________________
(١) انظر: الالتزام في الشعر العربي، للدكتور أحمد أبو حاقة ١٨ - ١٩، والقيم الخلقية في النقد العربي إلى نهاية القرن الرابع الهجري، رسالة ماجستير، للأستاذ مطلق بن محمد بن شايع العسيري: ص ١١ - ٣١.
(٢) هوراس من أكبر شعراء اللاتين كان في القرن الأول قبل الميلاد، انتهى من كتابه الأول في الهجاء ٣٥ ق. م، ثم أعقبه بكتاب فن الشعر، كان صديقًا لفرجيل، يعتبر أشهر أدباء عصره، بل أشهرهم بعد موت فرجيل، نجح في تصوير عصره تصويرًا حيًا وبرع في تصوير المناظر الإيطالية تصويرًا جميلًا. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ٢/ ١٩١٥.
[ ١ / ٥٠ ]
وقد نصح هوراس شعراء الرومان بأن يلتزموا بالتقاليد السائدة وأن يحافظوا على تراث الأسلاف وتقديم ذلك في ثوب أدبي ممتع، فقال مخاطبًا الشاعر: (إن عليك أن تلتزم بالتقاليد، أو ترى أن ابتكاراتك ملائمة، ومن الأمن لك أن تلتزم بالتقاليد ومفخرتك ستكون أعظم إذا تناولت بأسلوب جديد أفكارًا استهلك استعمالها بدلًا من محاولة الابتكار، أولًا: لأن هناك إشباعًا في الأفكار القديمة، ثانيًا: لأن السحر الحقيقي للأدب ينبع من القدرة على رؤية الأشياء القديمة بأسلوب حديث. . .) (^١).
ومن هذه المنطلقات عند اليونان والرومان انطلق الفكر الغربي الذي استدبر الأديان واستقبل الأوثان، فلا تجد فلسفة من الفلسفات المعاصرة ولا مذهبًا من المذاهب الأدبية إلّا وهي تتضمن عقيدة ما، وتعبر عن فكرة، وتهدف إلى غاية ما.
والمتتبع لحركة الأدب الإنسانيّ يجد أنه أحد أهم الوسائل المعبرة عن فكر ومعتقد صاحبه سواء كان هذا الأدب شعرًا أو نثرًا، رواية أو مقالة أو نقدًا، وحتى الذين يزعمون أنهم لايخدمون بأدبهم قضية ولا يلتزمون بعقيدة، ولا يهدفون إلى غاية، هم في حقيقة الأمر ملتزمون بهذه الفكرة ومنتمون إليها ويهدفون إلى نشرها، وهذا في حد ذاته اعتقاد ومضمون فكريّ.
إن دعاة الفن للفن، وأصحاب الوجودية الجديدة المسماة بـ "اللامنتمي" يناقضون أنفسهم غاية المناقضة حين يزعمون أنهم بلا عقيدة ولا غاية ولا هدف من أعمالهم الأدبية والتأليفية، ذلك أن هذه الفكرة في حد ذاتها عقيدة، شاؤوا ذلك أم أبوا.
وهم على كل الأحوال -في دعواهم هذه- يرسمون لأنفسهم صورة من التفاهة والنقص والجبن حين يستترون خلف شعار "الأدب لا عقيدة له"، وهم يكذبون على أنفسهم حين يقولون ذلك ويدعون إليه، فلو لم تكن هذه
_________________
(١) موجز تاريخ النقد الأدبي: ص ٢٦، تأليف فيرنون هول، ترجمة: محمود شكري مصطفى وعبد الرحيم جبر.
[ ١ / ٥١ ]
القضية عقيدة لديهم لما دافعوا عنها ونافحوا وألفوا فيها ونشروا.
ومن هذا كله يتبين لنا أن التركيز على المصادر الفكرية للأدب من أوجب أولويات الدراسة الهادفة، فالحديث عن الجانب الفكريّ والاعتقاديّ مقدم عن الحديث عن الجانب الفنيّ والجماليّ في الأدب.
والأدب العربي المعاصر -وأعني الأدب الحداثي على وجه الخصوص- نموذج من نماذج التعبير عن العقائد الجديدة المستوردة من الغرب، وصورة من صور الغزو الثقافيّ والارتكاس الفكريّ، وإذا كان الأدب في الماضي لسانًا ناطقًا عن عقيدة ما، فإن أدب الحداثة أضحى عقيدة قائمة بذاتها، وإن كانت هذه العقيدة تضم لفيفًا من المعتقدات والتصورات، بدءًا بالوثنيات اليونانية وانتهاء بالمذاهب المادية المعاصرة.
إنه الصورة الأكثر وضوحًا وإيلامًا لحالة الانتكاس والاستلاب الذي تعيشه الأمة في هذا العصر، ولذلك نجد الأدباء حين يفزعون إلى أقلامهم معبرين عن هذه الحالة، يعبرون عن موقفهم الاعتقادي من هذا الوضع، وعن آمالهم المستقبلية.
فالأديب المسلم يستمد معاييره وأسس تفكيره من الوحي المعصوم، ويستند إلى تراث تاريخيّ وحضاريّ كبير، ويرى أنه لايصلح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها، وينادي بالاستقلال الفكريّ والسياسيّ والاكتفاء المعيشيّ والتقنيّ، والبعد عن التبعية للأعداء، ولا يتجاهل العصر ومنجزاته بل يرى أن إسالة التقنية والمنجزات في أودية المسلمين من أعظم المشروعات، ولكنه يفرق بين مقتضيات العصر، وأهواء العصر.
أمَّا الأديب "اللاديني" العلماني فقد استورد أفكاره وعقائده من الغرب، واتخذ من دين الإسلام موقف الرفض أو التشكيك أو الإقصاء أو عدم المبالاة، وتقلب بين رذائل الإلحاد والشيوعية والاشتراكية والليبرالية.
وهذا لابد أن يكون رسول العقائد التي اعتنقها، وداعية المبادئ التي آمن بها، ومناضل الأفكار التي انتمى إليها، والذي يرى في ساحات الفن والثقافة اليوم أكبر شاهد على هذه القضية.
[ ١ / ٥٢ ]
وبعض ما أوردته في هذا البحث كافٍ في الدلالة على هذه القضية، ومعظم المدارس الأدبية العربية الحديثة تقف على قدم المساواة في الدعوة إلى العقائد المادية والخرافية والدفاع عنها، قل ذلك عن المدرسة العلمانية الليبرالية أو القومية العلمانية، أو الماركسية، أو الإباحية التحللية، أو الصليبية، أو الوثنية التي تجتمع كلها رغم تباين منهاهجها واختلاف أساليبها تجتمع في جبهة عريضة معادية للدين والأخلاق والمجتمع تحت مسمى "الحداثة" التي تقوم أصولها على محاور اعتقادية وفكرية أهمها:
١ - دعوتهم إلى التعددية الوثنية، ومضادة التوحيد، وجعل التعددية الوثنية أساسًا للتعددية الفكرية والسياسية، وجعلهم توحيد اللَّه -تعالى- أساسًا للتعصب والتخلف والرجعية.
٢ - زعمهم أنه ليس هناك حقائق مطلقة.
٣ - دعوتهم إلى استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط، وإسقاط موازين الحلال والحرام.
٤ - دعوتهم إلى ترسيخ المفهومات الحداثية، وإيجاد مفهومات شمولية جذرية حديثة.
٥ - الهجوم على التراث والثقافة الإسلامية خاصة.
٦ - دعوتهم إلى الرفض والتمرد، والثورة على كل شيء، والانقلاب على الأصول والمفاهيم الكلية.
٧ - تأليه الإنسان، والدعوة إلى الإنسانية مبدأ وغاية.
٨ - ممارسة التعمية والغموض، ومضادة الإفهام والوضوح.
٩ - الدعوة إلى الخروج عن المألوف، ونفي السائد ورفضه ومخالفته.
١٠ - إعادة النظر في كل شيء، وممارسة الشك في كل قضية أيًّا كانت.
[ ١ / ٥٣ ]
١١ - الدعوة إلى مقاطعة الماضي ومضادة مفاهيمه والانفصال عنه ومعارضته.
١٢ - القضاء على فكرة الثابت، والزعم بأن كل شيء متحول متطور، وأن أي فكرة أو قضية لها سمة الثبوت فهي تخلف ومهانة.
١٣ - الدعوة إلى تأليه العقل والعلم الماديّ، والادعاء بأن حرية العقل "بالمفهوم الحداثي" أساس كل نهضة وتقدم.
١٤ - الزعم بأنه لا حرية للإنسان إلّا بهدم الشريعة، والغيبيات والأخلاق.
١٥ - رفض العبادة للَّه تعالى، واعتبار الدين سببًا للتخلف والفشعل، والادعاء بأن النهضة لا تكون إلّا بفصل الدين عن الحياة، وعزله عن مناشط الإنسان، ونقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض.
١٦ - تبني الهدم والفوضى، والخلخلة للأفكار والمعتقدات الراسخة، وتصريحهم أن التخريب حيويّ وهو أول الواجبات، ومن علاماته: الهذيان والعبث والجنون والفوضى والتمرد.
١٧ - الدعوة إلى إسقاط القداسة، واختراق المقدس وتدنيسه.
١٨ - إدانة العقل والوعي، وضوابط العلم والنظام والمنطق، وكل ما تعارف عليه الناس، وكل مؤسسيّ وثابت.
١٩ - تفكيك كل القيم والمعايير، وزعزعة كل الموازين الماضية.
٢٠ - الترديد الدائم بأنه كما يجب أخذ التقنية عن الغرب فإنه يجب أخذ الأفكار والثقافة والفلسفات والمذاهب والقيم.
٢١ - التركيز على أن الحداثة رؤيا شاملة للحياة والوجود وأنها عقيدة ومضمون أبديّ، ومفهوم حضاريّ جديد كامل شامل.
[ ١ / ٥٤ ]
هذه محاور الفكر الحداثي وأسس منطلقاته وهي -كما هو واضح- أسس اعتقادية قبل أي شيء، ولا يخلو شخص حداثيّ ولا مدرسة حداثية من القول بواحد أو أكثر من هذه الأسس، وبعضهم ممن له الزعامة والريادة في هذا المذهب يقول بها كلها، وسوف يرد في هذا البحث الشواهد الكثيرة على ذلك.
• • •
[ ١ / ٥٥ ]