نصراني من فلسطين.
تربى في الكنيسة منذ صغره (^٢)، ودرس في مدرسة الروم الأرثوذوكسيين (^٣)، ثم في مدرسة السريان الكاثوليك (^٤)، وعاش أجواء الكنيسة وألحانها وتراتيلها السريانية وغيرها، وتقلب بين أيدي الكهنة والشمامسة (^٥)، ودرج على ذكر الصليب وأحزانه المريرة، ورؤية تمثال المسيح ﵊ وهو مصلوب والدم ينزف من كفيه وخاصرته وقدميه (^٦)، ومارس طقوس الكنيسة من صيام ودعاء، وأدى مع أهلها طقوس
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٠٦.
(٢) انظر: سيرته الذاتية بعنوان: البئر الأولى: ص ٢٦.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٧، ٢٨.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٣٥.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٥٥.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٥٧.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
العبادات المختلفة واحتفل معهم بعيد الفصح وعيد القيامة (^١)، وفي بيت لحم تقلب بين الأديرة العديدة، التي كانت تذكرة بالصراع بين المسلمين وقومه النصارى من زمان فتح القسطنطينية إلى الحروب الصليبية إلى عهد الانتدابين البريطاني والفرنسي (^٢).
استمع وصايا الرهبان وتعلم على أيديهم الكثير حتى قال: (صعبة كانت وصايا أبي -يقصد الراهب- ولكنني لم أنسها قط) (^٣).
ولم ينس جبرا وصايا الرهبان حتى وقد تقلب كثيرًا في مراتع متغايرة، ثم استقر في مدارس الغرب المادية الخشيبة، ليعود إلى بلاد العرب بلاد المسلمين يبشر بالأفكار والمذاهب والمناهج الحديثة التي تلقاها، ولكنه لم يتخلى عن وصايا أبيه الراهب.
يقول تحت عنوان "ما رجيروم في بيت لحم":
(في القبو الفاغر شدقيه على خد السماء
جلستَ مليئًا بالأيام والأسفار
عبر أروقة روما وبيزنطية
وقد هجعت بين جنبيك أخيرًا
رياح فسلفات أثينا
وانطاكيا وبيروت
وأنت في القبو على
مدى خطوتين من مذودٍ
ولد فيه للدنيا عصر جديد
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٥٧ - ٥٩.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٦١ - ٦٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٨.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
سنة إثر سنة في قبوك بين الكتب
وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب
وبعض شذى من زهور سُقيت
في الليل أغاني الملائكة. . .
كسرة خبز من بلدة الخبز تكفيك
وكوز ماءٍ من عين، لعل الناصري
غسل وجهه ذات يوم قائظ بدمعها
يومًا بعد يوم سمعتَ التراتيل
في الوادي الخصيب، وها هي ذي
لما تنزل تملأ القبور المغارة قرنًا بعد قرن. . .
انطلاقة الهنيهة إلى الأزل
ذلك صوتك الدافق في القبو العتيق
غضوبًا عارمًا بحبه، مرددًا
قصة فداء إله للبشر) (^١).
هذه مقطوعة كنسية صارخة يتحدث فيها صاحبها عن "الممدوح النصراني" ويصفه بالعلم والحكمة والعمق؛ لأنه في بيت لحم قد تلقى النور في ذلك القبو القريب من المذود الذي ولدت مريم فيه عيسى عليهما الصلاة والسلام -حسب ما جاء في قصص الإنجيل- ولأنَّه يسير على تراب قدّسه دم عيسى ﵊، الذي ينعته بالمصلوب، وفق الخرافة النصرانية، ويشرب من عين ماء لعل عيسى الناصري ﵊ غسل وجهه فيها، ثم يقرر أن هذا كله من أجل لحظة زمن تنطلق نحو
_________________
(١) المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا: ص ١٥٧ - ١٥٩.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
الأزل، وحقيقة ثابتة تستمر ولا تنقطع؛ لأنه يردد قصة فداء الإله للبشر، ويقصد به عيسى ﵊ كما هو التعبير الشركي النصراني.
من هذا المقطع ترى عمق الاتجاه النصراني وقوته عند جبرا بل واعتزازه وافتخاره به، الأمر الذي جعله يصف المقصود بالمدح بهذه الأوصاف الكنسية، التي لا تخطر إلّا على قلب قسيس عميق الإيمان بدينه.
وحين يريد جبرا أن يصور مذبحة حصلت في دير ياسين حين ألقى العدو جثث الذبيحات في بئر القرية، لا ينسى أن يلحق بالأوصاف الحداثية عقيدة نصرانية، يلقيها بطريقة تلقائية تظهره في ثوب البراءة، ليلتقط ذلك من يلتقطه من أبناء المسلمين فيعبر بالتعبير نفسه أو بما يقاربه، وسوف نذكر نماذج لذلك.
يقول جبرا:
(أجفت العناقيد من حولها
واحترق القمح واندلقت
قراب الزيت على بديد الحجارة؟
وعليها صلب عيسى من جديد؟) (^١).
وعباراته ومضامينه من هذا الجنس عديدة: صلب وصليب (^٢)، وكنائس شواهق (^٣)، ومسيح (^٤)، وغير ذلك.
وفي الجملة فإن ديوانه الذي لا يتجاوز ٢٦٠ صفحة ينضح بالعقيدة النصرانية والرموز النصرانية وهو القائل يصف نفسه ومبادئه:
(عشتُ مع المسيح
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٣ - ٧٤.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٤، ١٥٧، ٢٠٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٩.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٦٤، ١٧٤، ١٩٩.
[ ٢ / ٨٥١ ]
ومت معه وبعثتُ) (^١).
(إن الحب وردة انتضت سيفًا
مسيحٌ على الجبل
من غير موعظة) (^٢).
ولا ينسى أن يؤنس نفسه وأهل ملته بالبشارة، ويدفع فيهم محبة العمل للتنصير والدعوة إليه فيقول:
(ألهذا رأينا الرؤى
ورضينا بشفائها، إيمانًا بها؟
ألهذا حملنا الصليب من أفق إلى أفق
مؤمنين بأن بعد الصلب، القيامة؟) (^٣).
والمراد بالقيامة في المصطلح النصراني قيام المسيح وعودته وهي بشرى يتداولها النصارى، في سياق تبشيرهم بانتصار دينهم المحرف، ولا يعلم الضالون أن عودة المسيح بن مريم ﵊ ستكون حكمًا بالإسلام ودعوة إليه، وجهادًا على طريق التوحيد، وكسرًا للصليب، وقتلًا للخنزير، وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون.
ولم يتجاوز جبرا حد عقيدته النصرانية المحرفة قيد أنملة حين وصف خليل حاوي النصراني الآخر بقوله: (كان خليل ينتمي إلى الفترة التموزية التي كان في أساسها غضب وتمرد، ولكن في الوقت نفسه الأمل في أنك إذا ضحيت بنفسك، وجدت نفسك، فالفداء لا شك يؤدي إلى حياة جديدة،
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٠٠.
(٣) انظر: تفاصيل هذه الأمور في كتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح للشيخ محمد أنور الكشميري.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
أن الموت هو كموت المسيح، يؤدي إلى حياة خالدة للجميع. . .) (^١).
هذه ثلاثة نَماذج من أسماء النصارى العرب الحداثيين الذين طالت جعجعاتهم حول نبذ القديم وتجاوز المألوف، ولكنهم ما أرادوا بذلك إلّا الإسلام، أمّا دينهم فلم يبارحوه، بل خدموه ونصروه وآزروه.
وهناك آخرون مئل أنسي الحاج الذي (وقع. . . كما وقعت جماعة شعر، من خلال التجربة الإنجيلية للتوصيل، فيما يسمى بتناقض العواطف تجاه الذاكرة الشعرية، فلقد أعطى بعضهم للحركة معنى دينيًا، وزيف بذلك كثيرًا من القيم الإبداعية التي تفرضها الحركة. . .، لقد دفعها موقفها هذا إلى تلفيق مفهومات متناقضة تجاه الذاكرة الشعرية، فبينما كانت نظريًا تحنق على هذه الذاكرة بوجهها العربي القديم؛ لأنها تشكل طغيانًا على الحركة، وعقبة أمام التجربة الجديدة واللغة الجديدة والأسلوب الجديد، كانت عمليًا تغور في أبعد عمق لهذه الذاكرة عن طريق التجربة الإنجيلية. . .، راح التيار النقلي الجديد يحاول اقتناص حركة التوصيل من الداخل، لتقريبها من أسلوب الترجمة الإنجيلية) (^٢).
وعلى الرغم مما في هذا الكلام من تجني على التراث واللغة العربية واعتبارها عائقًا من عوائق التجديد والتحديث، حسب مزاعم الحداثيين عمومًا، إلّا أن فيه الحقيقة الناصعة حول محاولات تنصير الأدب العربي الحديث من قبل نصارى الحداثة.
لقد حمل أنسي الحاج الدعوة إلى النصرانية والتغريب وتشبث بأطراف التحرر الفكري والإنسانية الثقافية (^٣).
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ٢٠٢.
(٢) أسئلة الشعر: ص ٥٧.
(٣) انظر: أفق الحداثة: ص ٢١. وانظر: ص ٤١ - ٤٢.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
وهو القائل في تعريف الشاعر: (إن الشاعر الحر هو النبي والعراف والإله) (^١)، وهذا يوافق الاعتقاد النصراني القائل باختلاط اللاهوت بالناسوت في شخص عيسى ﵇ (^٢)، ومنهم أميل حبيبي النصراني الفلسطيني الشيوعي المؤسس مع مجموعة من اليهود الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح" والمتفاخر بحصوله على الجنسية الإسرائيلية، والعضو في الكنيست الإسرائيلي (^٣).
يقول عنه مؤلفا كتاب رأيهم في الإسلام -في معرض الامتداح له-: (يتوجه هذا الكاتب المسيحي إلى الفلسطينيين وهم عائلته الكبرى، بتعابير دينية كالخطيئة، أو ليس الرحيل خطيئة، كما أن البقاء خطيئة "في ازدواجية التفاؤل والتشاؤم" فهل من غنى عن خطيئة قد تأتي بالحلول) (^٤).
وفي المقدمة التي كتبها والمقابلة التي أجريت معه في هذا الكتاب تجد أن ينكر وأد البنات في الجاهلية وينكر شرب الخمر وأكل الخنزير، لينقض من طرف خفي آيات القرآن الناهية عن ذلك، ثم يسخر بالحجاب للنساء (^٥).
ويعبر في افتخار واعتزاز قائلًا: (أدهشني إعجاب القراء العرب واليهود بنتاجي) (^٦).
ثم يتهجم على الإسلام وأحكامه من منطلق نصراني حاقد قائلًا: (لو كان في الشريعة الإسلامية أحكام كفيلة بإنشاء دولة وإدارة دولة عصرية لتحقق الحلم، وفي الواقع لم يتحقق. . . .
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق: ص ٣٥. وانظر: إثبات نصرانية في: ص ١٧١.
(٢) و(^٤) رأيهم في الإسلام: ص ٣٧ - ٣٨.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٤٠.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٤.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
بالنسبة إليَّ الدين شأن شخصي، وعند تخطيه هذا الحد يصبح شعارًا. . .، نحن العرب في الأرض المحتلة نرفض النضال باسم الدين) (^١).
ومنهم رشيد الضعيف النصراني اللبناني الذي يردد (لا ثقة لدي ولا يقين) ويرفض الدين ويستشهد على قيمة الشهادة بنص من أقوال المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل (^٢).
ومنهم النصراني القبطي المتعصب أدوار الخراط الذي اهتم بشكل قوي ومركز بالوصف المستفيض الذي قل مثيله لطباع وعادات الأقباط وتاريخهم (^٣).
وقال عن نفسه: (ولجت في بداية الأربعينات ميدانًا جديدًا في الأدب الاجتماعي المصري، إلّا وهو الوسط القبطي، فاخترقته أو حاولت إظهار ميزاته وعاداته وتقاليده، وإن لم أكن الوحيد فإني ولا ريب صاحب المبادرة، وهو ميدان أعرض عنه الأدباء، أمّا عن قصد، وإن [كذا] بطبيعة الحال لقلة المسيحيين بينهم في مصر.
. . . إن وصف المجتمعات القبطية ليس بالعمل السهل إنّما مغامرة تستوجب جهودًا جبارة يقول البعض، ومسعى مشكور "كذا" ومحاولة جريئة برأي البعض الآخر) (^٤).
ثم يصف رواد النهضة الذين تبنوا اللبرالية الغربية ويذكر منهم سلامة موسى ويخصه بأنه قبطي (^٥).
ثم يهاجم ما يسميه التوجيهات الدينية التقليدية المتمثلة في الإخوان المسلمين (^٦)، ويهاجم التيار الأصولي -حسب تعبيره- ثم يقول: (بديهي أن
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٤٦.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٥٩.
(٣) و(^٤) انظر: المصدر السابق: ص ٧١.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٧٣.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٧٤.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
يرفض الأقباط في مصر، التيار الإسلامي الأصولي، فمقررات المجتمع الكنسي المقدس في كانون الثاني/ يناير ١٩٧٧ استنكرت وأدانت عقوبة الردة، التي تقضي بأعدام المرتد عن الإسلام، وهذه المسألة تندرج في جملة الضغوطات التي تعاني منها الكنيسة في مصر، مما حدا بها إلى رفض أسلمة المجتمع المصري، وقد دعا البطريرك حينها للصيام ثلاثة أيام احتجاجًا.
يتمسك الأقباط بمبدأ الدين للَّه والوطن للجميع دون استثناء، وتدين به الفلسفة القومية المصرية، وقد شهد تطبيقًا عمليًا في العشرينات والثلاثينات والأربعينات فتشبث به الأقباط، وقاوموا كل محاولة لنقده.
. . . من البديهي تخوف الأقباط من الإسلام الأصولي الداعي، فيما يدعو إليه، إلى الممارسات القديمة كفرض الجزية على غير المسلمين، الخ، فالبعض يخشى أن تعظم الحركات الأصولية نفوذًا وسطوة كما في إيران، أمّا برأيي فهي مؤقتة. . .) (^١).
ويُمكن توجيه سؤال إلى أتباع الحداثة من أبناء المسلمين:
أما زلتم في دوامة التضليل التي تنزعكم عن دينكم باسم الحرية الثقافية وعدم الفئوية والطائفية؟ وأنتم ترون هذا الكلام وأشباهه عند أساتذتكم الحداثيين النصارى الذين طالما أشدتم بهم ومدحتموهم؟!.
أليس فيكم غيرة على دينكم -على الأقل- كغيرتهم هم على دينهم؟.
لقد استوعب المخططُ النصراني التذويبي مجموعةً كبيرةً من أبناء المسلمين فأصبحوا يتعاملون مع الدين وكأنه عرض رخيص لا قيمة له عندهم، ولا وزن له في اعتبارهم.
هذا أدوار الخراط النصراني المتعصب الذي يحمل لواء المدافعة عن بني ملته، ضد الإسلام والمسلمين، نجده عند الصحافيين والمتعالمين من
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٤ - ٧٥.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
أبناء المسلمين في مكانة مرموقة، ومحل عال، والإشادة والمديح تترى عليه من كل جانب.
وهو الموقف ذاته من النصارى الأقباط الآخرين مثل سلامة موسى ولويس عوض وغالي شكري.
أمّا خليل حاوي فبالرغم من وجوديته إلّا أنه كان نصرانيًا حقيقيًا وصوفيًا إنجيليًا كما وصفوه (^١). هذه بعض مواقف التنصير وعباراته وشواهده عند الحداثيين النصارى العرب، وهي مواقف تؤكد أنهم ما انفكوا عن دينهم وملتهم وإن ادعوا التحرر والانفتاح، بل سخروا أعمالهم التأليفية والعملية في سبيل نصرة المشاريع النصرانية في بلاد المسلمين، ولا يلامون في كل ذلك، فإن من مقتضيات أي عقيدة أن ينتصر لها صاحبها وينشرها ويدعو إليها ويدافع عنها، ويناقض ويعادي من يعاديها، وهذا بعينه ما فعله نصارى الحداثة، وهي مأساة عظيمة، وأمر جلل، غير أن أعظم من ذلك أن المستطرقين من أبناء المسلمين استجابوا لذلك، ليوصفوا بالتحديث، والعصرانية وينالوا رضى الذين لن يرضوا إلّا إذا تخلى المسلمون عن دينهم.
والحداثيون من أبناء المسلمين وصلوا إلى درجة من الاستجابة لدعوات التنصير والتكفير والإلحاد أن أصبحوا معها دعاة لمذاهب أولئك وأدوات في أيديهم يصرفونهم ويحركونهم.
وإلّا فكيف نفسر أن واحدًا من أبناء المسلمين الذين تقوم عقيدتهم على توحيد اللَّه تعالى ونفي صلب عيسى ﵇، وتجعل الذنب والتوبة عنه من مسؤولية صاحبه، ولا تقول مطلقًا يتوارث الذنب ثم يأتي بعد ذلك من يقول بالتثليث، وصلب المسيح ﵇ والخطيئة المتوارثة والتكفير بالنيابة؟!.
_________________
(١) انظر: ملامح النصرانية في شخصيته وشعره في كتاب مع خليل حاوي في سيرة حياته وشعره لإيليا حاوي: ص ٨٠، ٨١، ٨٤، ٣٣٢ - ٣٣٦، ٥٥٧ - ٥٥٨، ٥٩١ - ٦٠٠، وغيرها كثير.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
وقد يقول قائل من هؤلاء المرتمين على عتبات الكنائس: وما الذي في استخدام ألفاظ من ألفاظ اللغة العربية كالخطيئة والتكفير والصلب والصليب والخلاص والفداء؟.
وهو اعتراض لا قيمة له في ميزان الاعتبار الصحيح، وقد ناقش هذه الأغاليط الشيخ محمود شاكر (^١) في معرض رده على محمد مندور الذي تصدى يدافع عن لويس عوض ويستجلب رضى نصارى مصر بدعوى الوحدة الوطنية.
وفي رد الشيخ محمود شاكر تأسيس قوي وواضح في هذه المسألة، وننقل منه هنا ما يوفي بغرض هذا المبحث، قال: (وندع هذا الخلط في كلام الدكتور مندور، إلى دلالة الألفاظ التي سبق أن ذكرت في مقالتي الخامسة أن لويس عوض. . . لا يكاد يرى في سماديره إلّا "الصليب" و"الخلاص" و"الفداء" و"الخطيئة" ولا يكاد يرى ما يكتبه الكتاب والشعراء، كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم، إلّا مقرونًا بهذه العقائد، وهذه الألفاظ هي نفس الألفاظ التي جاء في مقال الدكتور مندور وأفتى فيها بما أفتى!!.
وهذه الألفاظ الأربعة ينبغي أن تدرس بلا غموض ولا إبهام، كما يحاول ذلك من يحاوله من صبيان المبشرين، وبلا استهانة بدلالاتها كما يحلو ذلك للدكتور مندور وغيره ممن يعدها رموزًا لتراث روحي، ولا بأس على المسلم في استعمالها.
كما إن على المسلم كل الباس؛ لأنه طريق محفوف بالمخاطر، لمن صدق نفسه، وعرف حرمة الكلمة كيف تقال، وكيف تفسر، وكيف توضع في موضعها.
_________________
(١) هو: محمود شاكر كاتب وباحث وأديب وصاحب علم شرعي، مصري معاصر، تخرج في كلية الآداب من الجامعة المصرية، بحاثة شديد التدقيق قوي اللغة، عظيم الاحترام للشرع ومقاييسه في الأدب، كان من أوائل الذين عارضوا طه حسين في موقفه من الشعر الجاهلي، والتبعية للغرب وتصدى للويس عوض وغيرهم من المنحرفين، ولد عام ١٣٢٧ هـ/ ١٩٠٩ م.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وترتيب هذه الكلمات الأربعة في دلالاتها عند القوم يأتي هكذا: الخطيئة، ثم الفداء، ثم الصلب، ثم الخلاص.
وتلخيص معنى هذه الألفاظ الأربعة في العقيدة المسيحية أن اللَّه تعالى لما خلق آدم من تراب وقال له: ﴿. . . يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١) فأزلهما الشيطان عنها، بهذه المعصية كما نقول نحن، وهي الخطيئة عند النصارى، أصبحا هما وذريتهما تحت سلطان هذه الخطيئة لا ينفكون عنها، واستحق البشر جميعًا، بخطيئة والديهم، عقاب الآخرة وهلاك الأبد، وهذا هو ناموس العدل الذي لا يتغير، يستحقه من عصى اللَّه سبحانه عندهم، ومن ورث خطيئة آدم وزوجه، فإن عاقب اللَّه آدم وذريته على خطيئتهم بهلاك الأبد، فذلك ما يوجبه ناموس عدله في حكمه، ولكن ناموس رحمته مستوجب العفو عنهم، فناقض ناموس العدل، ناموس الرحمة، فتطلب الأمر شيئًا يجمع بين الرحمة والعدل، فكانت الفدية التي يتم بها ناموس العدل، ويتحقق بها ناموس الرحمة، ولكن ينبغي أن تكون الفدية طاهرة غير مدنسة، وليس في الكون ما هو طاهر بلا دنس إلّا اللَّه -﷾-، ولكن تعالى اللَّه أن يكون فدية، فأوجبت المشيئة أن يتخذ جسدًا يتحد في اللاهوت والناسوت، فاتحدا في بطن امرأة من ذرية آدم هي مريم، فيكون ولدها إنسانًا كاملًا من حيث هو ولدها، وكان اللَّه -تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا- في الجسد إلهًا كاملًا فكان المسيح الذي أتى ليكون فدية لخلقه، وهذا هو "الفداء".
ثم احتمل هذا الإنسان الكامل والإله الكامل، أن يقدَّم ذبيحة، ليكون ذبحه تمزيقًا لصك الدينونة المصلت على رأس بني آدم، فمات المسيح على الصليب، فاستوفى ناموس العدل بذلك حقه، واستوفى ناموس الرحمة بذلك حقه، وهذا هو "الصلب".
_________________
(١) الآية ٣٥ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
وكان احتمال ذلك كله كفارة لخطايا العالمين تخلصهم من ناموس هلاك الأبد، وهذا هو "الخلاص". . .
وهذه الألفاظ الأربعة، لا تعامل معاملة أشباهها، من جهة دلالتها على عقيدة متكاملة، فالخطيئة في لغة العرب الجاهليين، ثم في لغة المسلمين، لا تحمل شيئًا من معانيها ولوازمها في لغة النصارى، وإن كان اللفظ واحدًا، ومعصية آدم عندنا معصية كسائر المعاصي تمحوها التوبة، وخطيئة كسائر خطايا الناس، تغسلها المغفرة ممن يملك المغفرة، وهو اللَّه سبحانه، وقد بين اللَّه ذلك في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^١) فكانت توبة آدم ماحية لمعصيته في الدنيا والآخرة، لا تستتبع عقوبة باقية، وأن اللَّه سبحانه كتب في صحف إبراهيم وموسى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ (^٢) فلا يرث مولود خطيئة والد ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ (^٣)، فهذا ينقض على المسلم استعماله لفظ "الخطيئة" بمدلولها في الديانة المسيحية؛ لأن هذا الضرب من "الخطيئة" لا أصل له في عقيدته، بل هو منهي أن يعتقد توارث الخطيئة؛ لأنه إذا اعتقد ذلك كذب خبر اللَّه في كتابه، بأن لا تزر وازرة وزر أخرى، وتكذيب خبر اللَّه واعتقاد خلافه كفر مجرد، لا يختلف في ذلك أحد من المسلمين ولا العقلاء عامة مسلمين أو غير مسلمين.
وإذا بطل أن يكون للفظ "الخطيئة" عند المسلمين معنى يحمله، كالذي هو عند النصارى، بطل أن تحتاج معصية آدم إلى فدية تتطلّبها ضرورة الجمع بين الرحمة والعدل.
و"الفداء" بالمعنى الذي تدل عليه عقيدة النصارى، غير مفهوم عند أحد من المسلمين، ولا يرى ما يستوجبه، إذ لم تكن الخطيئة عندهم متوارثة
_________________
(١) الآية ٣٧ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٣٨ من سورة النجم.
(٣) الآيات ٣٩ - ٤١ من سورة النجم.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
في الذرية، وأمّا ما استوجب معنى الفداء من ألوهية المسيح وبنوته للَّه -تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا- فإن الطفل الصغير يقرأ في أول ما يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^١)، ثم يتعالى حتى يقرأ بعد ذلك ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (^٢)، إلى آيات كثيرة بهذا المعنى، فاستحال أن يكون ذلك من عقيدة أحد من المسلمين وإذا استحال هذا، استحال ما يوجب معنى "الفداء" ولا يبقى لهذا اللفظ سوى المعنى اللغوي العربي المشهور.
وإذا بطل هذان المعنيان لهذين اللفظين "الخطيئة" و"الفداء" على الوجه الذي هو من عقيدة النصارى وديانتهم، واستحال أن يقولها المسلم وهو يعتقد فيهما ما يعتقده النصارى، لم يكن للفظ "الصلب" بعد ذلك أي معنى، سوى المعنى اللغوي المشهور. . .، وإذا استحال أن يكون لهذه الألفاظ الثلاثة معنى عند مسلم يعتقد صدق ما أنزل على رسول اللَّه -ﷺ- ربُّهُ من القرآن، استحال أن يكون للفظ "الخلاص" معنى مفهوم عنده، على الوجه الذي يعتقده من يدين بالنصرانية وعقائدها) (^٣).
ثم يلتفت إلى أثر ألفاظ العقيدة وتأثيرها فقال: (. . . وتأتي على النفوس أزمان وأحوال، تكون بعض ألفاظ العقيدة كأنها جو شامل محيط بالنفس الإنسانية، عميق الوخز فيها، شديد التفجير لها من نواحيها، فتجرى الألفاظ عندئذٍ في مد النفس، تلوح معبرة عن معانٍ مختزنة من تجارب القرون التي عاشت بهذه العقيدة) (^٤).
ثم ينتقل إلى استعمال رواد الأدب المعاصر من أبناء المسلمين لهذه
_________________
(١) سورة الإخلاص.
(٢) الآية ١٧ من سورة المائدة.
(٣) أباطيل وأسمار: ص ٢٠٩ - ٢١٣.
(٤) أباطيل وأسمار: ص ٢١٤.
[ ٢ / ٨٦١ ]
الألفاظ النصرانية، ويبين مقدار فضاعة الجرم في استعمالها وحجم الاستغفال الذي مارسه النصارى على هؤلاء الأدباء والاستخذاء الذي دانوا به في عقائدهم لصالح أولئك النصارى الضالين، فقال: (ولكن الشيء العجيب المجير، هو أن كثيرًا من رواد الشعر الحديث في السنوات الأخيرة، قد أوغلوا في استخدام هذه الألفاظ الأربعة، وقليل من أشباهها، في شعرهم، وهم جميعًا مسلمون!! فالأمر عندئذٍ يوجب إعادة النظر، أهؤلاء جميعًا قد تواطأوا على استعمال هذه الألفاظ الأربعة بدلالتها اللغوية المجردة، أم بدلالتها التي تتطلبها العقيدة المسيحية مترابطة متواصلة لا ينقطع حبل معانيها المتداعية من "الخطيئة" إلى "الفداء" إلى "الصلب" إلى "الخلاص" كما أسلفت بيانه؟.
فإذا كانوا قد تواطأوا على استعمالها بدلالتها اللغوية المجردة فما الذي ألزمهم هذه الألفاظ الأربعة، ولم يضعوا مكان الخطيئة مثلًا "الإثم" أو "الذنب" أو "الحوب" أو "المعصية" أو "الزلة" أو ما شئت؟، وكيف تواطأوا على تباعد الديار والأوطان على هذه الكلمة، وأي سحر فيها؟، ولم قالوا: "الفداء" وأكثروا، ولم يقولوا قط "الكفارة"؟ ولم قالوا: "الصلب" و"الصليب" ولم يقولوا: "الشنق" و"المشنقة" وهي أشهر وأعرف وأكثر استعمالًا إلى اليوم؟، ولم قالوا: "الخلاص" ولم يقولوا "النجاة"؟ والجواب بلا شك أنهم لم يستعملوها بدلالتها اللغوية، ولا فكروا في ذلك. . .
ومن المغالطة الفاضحة ما قرأته في صحيفة لويس عوض (المعروفة الآن بصحيفة الأهرام!!) حيث زعم الكاتب أن أكبر ما أضافته الحركة الشعرية الجديدة هو الاستعانة بالرمز، فالصلب عند كثير من الشعراء، رمز تضحية الإنسان في سبيل القيمة التي يؤمن بها، والإسلام يعرف كلمة الخطيئة كما قال القرآن الكريم "واغفر لي خطيئتي يوم الدين" (^١)، وهذا نص كلامه. . . لماذا كان "الصلب" رمزًا للتضحية ولم يكن القتل ولا الشنق ولا المثلة، ولا الخازوق، ما دام الأمر يتعلق باللفظ دون دلالته المرتبطة
_________________
(١) هذه ليست آية كما زعم هذا النصراني.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
بمصلوب بعينه أو مقتول أو مشنوق أو ممثل به أو مخزوق!!، وأمّا الخطيئة فلم يقل لنا ما هو الرمز الذي اتخذت، له والإسلام كما يعرف "الخطيئة" وهي التي يحتقبها أبناء آدم، يعرف "المعصية" و"الذنب" وقال في ذكر أبينا آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (^١) ولم يسم معصية آدم "خطيئة" قط، فهذه مغالطات معيبة (وبالمرة يحسن أن يقال لهذا الكاتب ألا يتبع سبيل المستهينين بحقوق الألفاظ والنقول، فليس في القرآن آية كالتي ذكرها، بل الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ (^٢) فلزم التنويه) يا للعجب لصحيفة الأهرام!! ما أشد عنايتها وحفاوتها بما ينشر فيها!!.
وقد ذكرت هذه المغالطة؛ لأنها هي الطريقة المستعملة حديثًا!! في التفكير، ولأنها هي الستار التي يُلقى على الحقيقة المفزعة مضافًا إليه توابل من ذكر "التطور" وسائر الألفاظ التي تباع الآن في الصحف منظومة في الأعمدة. . .
فهذه الكلمات الأربع، وهي أسُّ العقيدة المسيحية، لا يُمكن أن تقع اتفاقًا فيتواطأ عليها بعض الشعراء، لا عن عقيدة، بل عن رمز لشيء يجدونه في حياتهم، فلا يجدون إلّا هذه الأربعة بأعيانها، هذا باطل بالطبع. . .، ولكن هذا الضرب من الشعر، قد تولى منذ قديم صبيان المبشرين الترويج له، والإكثار من التلويح بأنه الجديد الذي لا جديد غيره، وأكثروا في ذلك الصخب واللجاجة في الصحف والمجلات، وقارَن ذلك تفشي شعر "إليوت" ومذهبه في تحديد الثقافة. . .
وبمكر وخبث شديد مُزج بين "أليوت" ومذاهبه، وبين هذا الشعر الذي يحمل الألفاظ الأربعة في فئة غريبة الأطوار من دراويش جبل لبنان، وجلجل الدعاة بالمقالات الطنانة، واتخذت في كل بلد عربي ركائز لهذه الأبواق، تذيع ما يلقى إليها أو تُلقَّنه. . .
_________________
(١) الآية ١٢١ من سورة طه.
(٢) الآية ٨٢ من سورة الشعراء.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
فمن هنا بدأت هذه الألفاظ الأربعة تأخذ طريقها إلى ألسنة هذه الطائفة من الشعراء المحدثين، مقرونة بالجملة المبدِّدة لموازنة الشعر القديم، فكان المسلمون من هؤلاء الشعراء، إنّما يستعملون هذه الألفاظ لظنهم أنها جزء متمم لجدة الشعر، والإحساس بواقع الحياة التي يعيشونها، بما فيها من آلام الحيرة والضياع والاستبداد والمخاوف، فكان لهذه الألفاظ الجديدة سحر في نفوسهم، فاتخذوها تقليدًا، بلا فهم لما تنطوي عليه من الدلالات، وكلما نشأ ناشيء منهم، قام له من يثني عليه ويتوجه ويذيع بشعره، حتى يجتذب إلى تقليده آخرين، وتفشت الكلمات وطال عليها بعض الأمد، فلما جاء الاعتراض عليها، التمسوا تفسيرًا لهذه الألفاظ المقلدة التي لا صدى لها في نفوسهم، فقالوا: هي "رمز" فإذا سألتهم: رمز لماذا؟، ولم كانت هذه الأربعة دون غيرها هي الرموز؟ لم يحيروا جوابًا إلّا كالجواب الذي أسلفنا ذكره، بما فيه من المغالطة، فالأمر كله مبني على تقليد مجرد، لا قيمة له. . .) (^١).
هذا النص الثمين نقلته مطولًا لما يحتويه من كلام سديد في وصف حالة الاستعارة النصرانية عند أبناء المسلمين من الحداثيين، ووصف حالة التقمص التي يعيشونها، وأسباب المحاكاة الآثمة التي تردوا في حضيضها.
وهو قول جزل في مناقشة هذا النوع من الانحراف، ويُمكن أن يقاس عليه الأنواع الأخرى من الانحرافات المستعارة، وثنيةً قديمة أو مادية معاصرة.
بيد أن الشيخ محمود حصر كلامه في أربع ألفاظ من ألفاظ النصرانية المتداولة في الأدب الحديث، وذلك لكونها الأشهر والأكثر في الاستعمال، ثم لكونها من أسس العقيدة النصرانية، والمتأمل في نتاج الحداثيين يجد أنهم أفرطوا في استعمال هذه الألفاظ وغيرها من الألفاظ والرموز والمعاني والأسماء والرسوم النصرانية.
_________________
(١) أباطيل وأسمار: ص ٢١٥ - ٢١٩.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
ولنورد الآن شواهد من شعر الحداثيين العرب غير النصارى التي حاكوا فيها وقلدوا النصرانية المحرفة، ونبدأ بالطائفيين من النصيريين والدروز والشيعة، ثم نثني بأبناء المسلمين الذين ينتسبون إلى أسر سنية.
وأول الطائفيين النصيري أدونيس الذي حمل لواء الحداثة، مع ارتكاس في الوثنية والباطنية، ففي أحد المقاطع يتحدث عن الصراع بين القديم والحديث، بين الإسلام وتراثه الذي رمز له بالرمل، والغرب وإفرازاته التي رمز لها بالبحر محاكيًا في هذه الرموز وغيرها أستاذه يوسف الخال، ثم يرمز للفكر الجديد بالمصباح ويجعله كنيسة، وراهبة، فيقول:
(أسمر طالع من البحر، مليء بغبطة الفهد، يعلم الرفض
يمنع أسماء جديدة وتحت جفونه يتحفز نسر المستقبل
أسمر طالع من البحر لا تغويه أعياد الجثت، مليء بالعالم
مليء برياح تكنس الوباء، والنسمة الخالقة في رياحه تقسر
الحجر على الحب، على الرقص والحب
آلهة الرمل تنطرح على جباهها، والنبع يدفق العوسجة
ولا موت في البحر
ونأتي إلى بلادنا الأسيرة، حيث المصباح كنيسة
والنحلةُ راهبة) (^١).
هذه هي مضامين الدعوة التموزية الأدونيسية المتداخلة في عمق النصرانية والساعية إلى أهدافها الممتثلة في التغريب والتنصير، وسيصفق البلهاء من أبناء المسلمين، ويدافعون عن ذلك، تحت هشاشة الدعوة التحديثية والتطويرية والانفتاح، والثقافة الإنسانية!!!.
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
وسنجد في أقوال أدونيس أكداسًا من الألفاظ النصرانية منها على سبيل المثال: الصلبان (^١)، والكنائس (^٢)، والأجراس (^٣)، والنواقيس (^٤)، والكنيسة (^٥)، والقداس (^٦)، ويوحنا المعمدان (^٧).
وفي معرض امتداحه لجبران خليل جبران يشير إلى أن من أسباب تفوقه أنه تجاوز التراث العربي القديم إلى التراث اليوناني والنصراني (^٨)، وفي الوقت الذي يحارب فيه أدونيس الغيبيات التي جاء بها الإسلام، يؤمن بخرافات جبران خليل جبران التي يزعم فيها أنه يرى المسيح ﵊ في النوم، ثم أخبر بأنه يراه عادة أربع مرات في السنة، وأحيانًا مرتين وأنه يراه منفوش الشعر (^٩)، يرتدي ثوبًا رماديًا تهرأت حواشيه إلى آخر ما نقله أدونيس من سخافات جبران التي إن كان صادقًا في وصف أنه رأى شيئًا فلابد أنه شيطانه، كما أخبر تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^١٠).
ثم يخلص أدونيس بعد ذكر هذه الأحلام الخرافية إلى القول بأن (الحلم هنا ليس حلمًا بالمعنى العادي، وإنّما هو رؤية حقيقية، وهذا ما كان
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٣٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٣٨، ٤٣٨.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٥٥، ٣٥٦، ٤٣٨.
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٥٥، ٣٥٦.
(٥) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٣٨، ٢٢٤.
(٦) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٧١، ٣٧٦.
(٧) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٩٣.
(٨) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة ص ١٥٦.
(٩) ثبت في الحديث الصحيح أن المسيح ﵊ ليس منفوش الشعر، بل هو سبط الشعر. . . الحديث. أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: واذكر في الكتاب مريم ٣/ ١٢٦٩، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال ١/ ١٥٦.
(١٠) الآية ٣٦ من سورة الزخرف.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
يؤكده جبران، ففي سنة ١٩١٩ م يخبر ماري هاسكل أنه رأى المسيح ولم يكن يحلم) (^١).
فتأملوا يا أصحاب العقول كيف يجحد هذا الباطني حقائق الدين الثابتة، وينكر وجود اللَّه وألوهيته، ويسخر ويستهزئ بدين الإسلام كلما حانت له الفرصة، ثم ينحني هنا مصدقًا لأقوال الكافر الكذوب جبران، بل يؤكد أن أحلامه ومناماته لم تكن مجرد أحلام بل كانت حقيقة!!، فهل بعد هذا من شك في أن الهدف من كل الحركة الحداثية هو تخريب وتدمير عقائد المسلمين؟.
وفي رثائية حداثية يتوجه بها أدونيس لأستاذه النصراني ومعلمه التموزي أنطون سعادة بعد أن قتل، يحشد أدونيس المعاني والمضامين النصرانية، ويشرح ذلك محمد جمال باروت ويبين المرمى المعنوي من ذلك (^٢).
وكتاب أدونيس "الثابت والمتحول" يعد عند الحداثين مثلما يعد كتاب "رأس المال" عند الشيوعيين، بل هو تلمود الحداثة، وميثاق عملها، ودستور منهجها، سار عليه الكثيرون وتشبعوا بما فيه، ولم يخرجوا منه إلّا بالعداوة لدين الإسلام واللغة العربية وهذا هدف كاف عند واضع الكتاب، ومن وراءه، بل هو أكبر الأهداف.
هذا الكتاب يصفه أحد النقاد الحداثيين وهو من أصل نصراني، بقوله: (وهذه الحملة في الواقع ليست على العربي كقارئ وناقد فقط، بل على العربي كعربي، ذلك أن العربي عند أدونيس كائن ماضوي لا يعيش في الحاضر، ولا يرى هذا الحاضر إلّا فيما بعد، بعد فترة طويلة من الزمن عندما يستعيده باسم الماضي، وهي حملة تضاف إلى حملته "الصليبية" على العرب في "الثابت والمتحول") (^٣).
وكيف لا يكون كذلك وهو من تلاميذ كتب هنري لامنس (^٤) اليسوعي
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٠١.
(٢) انظر: الحداثة الأول: ص ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ١٤٢.
(٤) سبقت ترجمته ص ٧٢٠ من هذا البحث.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
المنصر البلجيكي الشهير بعداوته الشديدة وبغضه العنيف للإسلام والعرب، وكتبه تنضح بالحقد الهائل، وكانت قرابته الفكرية لهنري لامنس من الأمور الظاهرة (^١).
ومن الطائفيين أيضًا الدرزي الفلسطيني توفيق فلاد، وهو وإن كان مجنونًا بالشيوعية ورموزها، إلى حد الفجاجة والابتذال، إلّا أنه لم ينس أن يحشد مع ضلالته الكثيرة جملة من الرموز النصرانية لينال من خلالها أو سمة المدح والثناء والذكر، ومن أقواله في موسكو قوله:
(أتيت من مدينة مشبوحة على صليب) (^٢).
وقوله:
(على الصلبان منسية
بلادي زهرة الدنيا وعود الند) (^٣).
وقوله:
(أنا باق
ولن تقوى عليّ
جميع صلباني) (^٤).
وقوله:
(تكسر السيف في كفي أنا نصفين
لكنني فوق صلباني أقاتلهم) (^٥).
_________________
(١) انظر: فتافيت شاعر: ص ٦٠.
(٢) ديوان توفيق زياد: ص ٢١.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢٧.
(٤) المصدر السابق: ص ١٣٠.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٠٣.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
وله غير ذلك في الصلب والمصلوب والأديرة والصلبان (^١).
ومنهم البياتي الذي هام بالشيوعية، وتغنى بالإلحاد، وذاب وجدًا في موسكو وناظم حكمت ونيرواد وهافانا وبرلين وغير ذلك من رموز الماركسية، ثم أخيرًا يقولون بأنه انصرف إلى التصوف، ولكنه بسبب انغماسه في الحداثة، ومخالطته لمعلميها لا يفهم التصوف إلّا بالمفهوم النصراني، فبعد إقراره بأنه توجه إلى ما أسماه التصوف الثوري يقول: (إن الصوفي اللاهوتي يريد أن يحقق عدالة المسيح في العالم الآخر، أما الصوفي الثوري فهو الذي يريد أن يحقق العدالة على الأرض وهذا هو الفرق بين صوفي السماء وصوفي الأرض) (^٢).
والشاهد هنا أنه لم يعرف الصوفية إلّا بمفهوم نصراني - مع أن التصوف اسم أطلق بعد مجيء الإسلام على من اتخذ طريقة في التعبد معينة.
وليس المراد هنا تفنيد صحة هذا المنهج أو ذاك، وإنّما المراد بيان مقدار التأثر بالنصرانية إلى الحد الذي جعله ينسب هذا المسلك إلى النصرانية، وكان بإمكانه أن ينسبه إلى التراث الذي عُرف أن هذه التسمية نشأت فيه، ولكن هكذا تكون التبعية في أعمق صورها.
وإذا ذهبنا إلى ديوانه لنرى مقدار التأثر بالنصرانية فإننا نجد عنده من الانحراف الاعتقادي والانغماس النصراني ما يجعل المطلع على أقواله يظن أنه من أصل نصراني عريق، فهو مثل أي نصراني كنسى يؤمن بالفرية القائلة بأن المسيح ﵇ قد صلب، وله أقوال عديدة في ذلك، منها قوله عن فلسطين وأهلها:
(وكأنْ حلمت بأنني بالورد أفرش والدموع
طريقكم
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٣٢، ١٣٤، ٥٠٥، ٥٨٧.
(٢) أسئلة الشعر: ص ٢٢٧.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وكأن يسوع
معكم يعود إلى الجليل
بلا صليب) (^١).
فقد وظف الرموز النصرانية في قضية فلسطين المسلمة وكأن فلسطين للنصارى، ثم إنه يؤمن بخرافة صلب المسيح، ويقول:
(يا فا يسوعك في القيود
عار تمزقه الخناجر، محبر صلبان الحدود) (^٢).
ويقول:
(نيرون، مثل الحب بأبي أن يبوح
مثل المسيح على الصليب) (^٣).
ويقول:
(واغرورقت عيناه بالدموع
وقال لي: يسوع، بالأمس مر من هنا، يسوع
صليبه غصنان أخضران) (^٤).
ويقول:
(وأرضنا الخضراء في مخاضها
مثخنة الجراح
تحلم بالزنبق والصباح
_________________
(١) ديوان البياتي ١/ ٢١٣.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٠٩.
(٣) المصدر السابق ١/ ٢٤٢.
(٤) المصدر السابق ١/ ٢٧٨.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
تحلم في ألف يسوع سوف يحملون
صليبهم في ظلمة السجون) (^١).
أيصدق أحد أن هذا القول يُمكن أن يصدر من غير راهب متعمق في النصرانية؟.
يبشر البياتي أرضنا بالصلبان وأصحاب الصلبان، ويسمي عيسى يسوعًا مثل تسمية النصارى، ويؤكد أنه صلب مثلما تعتقد النصارى.
ويقول مادحًا أحد رفاقه الشيوعيين تحت عنوان "إلى ذكرى ديمتروف":
(مسيحنا كان بلا صليب
كان بلا أكليل شوك
كان في صراعه الرهيب
يوقد ألف شمعة في ليلنا المعذب الكئيب
ألف يهوذا
حوله كانوا
ولكن يد الشعوب
أقوى من الموت ومن محاكم الفاشست
والتعذيب
كل مساء كان من جراحه ألف يهوذا
يلعقون الدم، في صراعه الرهيب
لكنه كان بلا صليب
_________________
(١) ديوان البياتي ١/ ٢٨٨.
[ ٢ / ٨٧١ ]
يسخر من قضاته
من صالبي المسيح، من مدبري الحروب) (^١).
وله مقطع بعنوان (المسيح الذي أعيد صلبه) (^٢).
ويقول:
عانيت موت الروح
في هذه الأرض التي يهدر في جبالها
وعد عقيم وتجوع الريح
ويصلب المسيح) (^٣).
ويقرر خرافة النصارى في أن عيسى ﵇ وضع على رأسه تاج الشوك عند صلبه، فيقول:
(يسقط تحت قدم المسيح تاج الشوك) (^٤).
ويقرر فكرة الفداء والانبعاث النصراني، وذلك في قوله: (لو عاد للعالم أمواته، لاحتضنوا في أرضنا المزهرة، ألف يسوع في جراحاته، مات لتحيا فكرة نيرة) (^٥).
ومن أقواله الدالة على تمكن عقائد النصارى في قلبه واستيلائها على مشاعره قوله:
(ثانية سيقبل المخلص المسيح
لكنه في هذه المرة يأتي من بلاد الليل والثلج ومن وراء
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٤٢.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٧٥.
(٣) ديوان البياتي: ص ٢/ ١٦٧.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١٧٠، ونحوه ٢/ ٤٣٦.
(٥) المصدر السابق ١/ ٢٢٩.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
هذا الحائط المرصوص
هأنذا أراه في الغيب وفي بوابة المستقبل البعيد
يحمل سيفًا بيد وغصن زيتون بأخرى باسطًا صليبه فوق
خطام العالم القديم) (^١).
وهنا أود أن أؤكد للقارئ بأن الذي يقول هذا القول هو عبد الوهاب البياتي العراقي وليس قسًا من قساوسة الكنائس.
ويقول:
(. . . ابحث في الجحيم
عنها وعن عدالة الثورة والمسيح
عن قدر الإغريق) (^٢).
ويقول:
(ونهض الموتى من القبور
يبتهلون لمسيح العالم الجديد) (^٣).
أمّا ألفاظ الصلب والصليب والصلبان فما أكثرها في ديوانه، ابتداءا من الإهداء الذي يقول فيه:
(إلى زوجتي التي حملت معي صليب الألم. . .) (^٤).
ويقول:
(أنا هنا وحدي على الصليب) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٦٣.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٦.
(٤) ديوان البياتي ١/ ٥.
(٥) المصدر السابق ١/ ٢١٩.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
ويرسم صورة وادعة كأحد المنصرين فيقول:
(ويداك، حبًا، ترسمان حمامة بيضاء تحتضن الصليب) (^١).
ويتحدث عن العرب اللاجئين قائلًا:
(يا من رأى أحفاد عدنان على خشب الصليب مسمرين) (^٢).
وكل أقواله المتضمنة لفظ الصليب والصلب لا تخرج من المضمون النصراني، ولا تحيد عنه.
ومن المصطلحات النصرانية التي ترددت في كلامه "دم المسيح" (^٣) وإطلاقات لفظ "الصلاة" بمعناها عند النصارى (^٤).
وبعد هذه الإشارات ينبغي القول بأنني أثناء اطلاعي على دواوين وكتابات الحداثيين لم أجد -من غير النصارى- إغراقًا في المفاهيم والألفاظ والعقائد والمصطلحات النصرانية مثل الذي وجدته عند البياتي، فهل كان ذلك لمجرد الموافقة؟ فبئس بها من موافقة!! أم أنه الاعتقاد الصميم، انغرس في قلبه من كثرة مخالطته لكتب وأشخاص النصارى من العرب إلى الروس ثم إلى الأسبان أخيرًا؟.
وهذه أقواله وهو يحارب الأديان ويرى أنها أفيون الشعوب، حسب عقيدته الشيوعية، فما الحال لو كان يعتقد غير ذلك؟.
علمًا بأن من كانت هذه أقواله، فلا يبعد أن يكون قد تحول إلى النصرانية بوجه من الوجوه، مع بقائه على شيوعيته في أوجه أخرى، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٢٢.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٤٠، وأقوال أخرى في الصليب والصلبان. انظر: ١/ ١٣٩، ٢٦٥، ٣١٨، ٤٦٠، ٢/ ١٧، ١٢٤.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٤١٥، ٤٣٨، ٢/ ٩٥.
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٧٥، ٢/ ١٤٤.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وإذ جئنا إلى المعلم الأول الذي شق لمن بعده طرق الاقتداء بالإنجليز وغيرهم، وسن سنن المحاكاة لهم، إلى أول من ابتدع بدعة التقليد الشعري للغرب إلى بدر شاكر السياب رائد الحداثة الأول الذي تشير إحصائية سريعة أنه في قصيدة واحدة هي أنشودة المطر، استعمل رمز تموز ١٧ مرة ورمز المسيح ٢٠ مرة، ورمز عشتار ١٧ مرة، والصلب ٣١ مرة، وأدونيس ٣ مرات، وآتيس مرتين، (وكلها -كما يقول باروت- رموز انبعاثية ذات دلالة مركزية واحدة. . .، هكذا يضيء الرمز التموزي مرجعه ويضاء به، فتتداخل الرموز مع الواقع، وتبرز النبوة (^١) كتوجس لزمن جديد يتمخض، ويغدو الشاعر نبي (^٢) الجماعة، يغور فيها ويكشف أحلامها، فتتداعى صورته في الماضي "الوثني، المسيحي، الإسلامي". . . هكذا يرى السياب الشاعر كالقديس يوحنا ومن هنا يتحول الشعر إلى رؤيا رفض واحتجاج، يتثبت بتعويذة "الأمل في الخلاص" يكتب لغة زمانية ويتوجس آفاقه) (^٣).
كلام إشادة وشرح وتوضيح لمعاني الرموز عند السياب، وهو مترع بالمآخذ، والذي يهمنا منه أنه أشار إلى المنحى النصراني بالإحصائية أولًا، ثم بدلالات هذه الرموز المحصاة، والتي أدخل من ضمن دلالاتها المعنى الإسلامي تجاوزًا ومغالطة، إذ لم يرد في الرموز ما يشير إلى أي معنى إسلامي، وإنّما هي الرموز الوثنية والنصرانية.
وفي إشارة مشابهة، وأكثر تفصيلًا وعمقًا، يذكر إحسان عباس في كتابه بدر شاكر السياب تحت فصل "تموز - المسيح" وكيف تقلب السياب بين الرموز الوثنية والرموز النصرانية، وأنه يتكئ على المنطق الشعري وحده لا على المنطق العقلي، وأن السياب كان يرى أنه ليس من الضروري أنه نقتصر على أساطير تربطنا بها رابطة من البيئة أو التاريخ أو الدين، بل يُمكن
_________________
(١) و(^٢) هذا من استعمالات الحداثيين العادية، وسوف يأتي في أوجه انحرافاتهم في النبوات تفصيل ذلك إن شاء اللَّه.
(٢) الحداثة الأولى: ص ١٣٦.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
الاستعانة بأية أسطورة غريبة عنا ما دامت تخدم غاية شعرية (^١).
ويعقب إحسان عباس على هذه القضية قائلًا: (ولست أجد حرجًا في الإجابة عن سؤال يخطر للقارئ في هذا الموقف، وهو: كيف يستطيع شاعر مسلم أن يتخذ من "الفداء" -وهو أحد المعالم البارزة التي تفصل فصلًا تامًا بين الإسلام والمسيحية- رمزًا في شعره؟.
والجواب على هذا السؤال لا ينفك عن أحد الفروض الآتية: إمّا أن ذلك الشاعر لم يفهم فكرة "الفداء" في المسيحية، وإمّا أن فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني الذي نشأ عليه منها، وإمّا أنه -في سياق الشعر- يعد الفداء أسطورة من الأساطير، فهو لا يراها حقيقة تاريخية، وفي هذا الموقف الأخير يضع الحد بين الظاهر والحقيقة أمام عيني قرائه؛ لأن الحقيقة حينئذٍ تتصل بضميره الفردي) (^٢).
أمّا أن الشاعر المحاكي للنصارى في ألفاظهم لم يفهم فكرة الفداء في النصرانية، فذلك لايعذره ولا يعفيه، وإلّا لذهبت أمور الناس فوضى حتى في الحقوق الخاصة بدعوى عدم الفهم لمقصد العبارة!!، وإمّا أنه فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني والعقيدة القابعة في ثنايا اللفظ والمصطلح فذلك أمر لا يُمكن تصوره، إلّا على مناهج الحداثيين الذين يلغون دلالات الألفاظ، فهؤلاء يُمكن أن يقال للواحد منهم: "أيها الخنزير القذر" ثم يقال له إذ غضب: ليس لهذا اللفظ دلالة حسب مذهبك، إذن فلا يُمكن استخدام اللفظ الدال على عقيدة معينة دون أن يعبأ صاحبها بالموقف الديني الذي نشأ عليه، وإلّا فلماذا لايستخدم لفظًا آخر يدل على المعنى نفسه، فبدل الفداء التضحية مثلًا، ولولا أن اللفظ بإشاعاعاته الاعتقادية قد تمكن من نفس المستعمل له لما تلفظ على وجه الخصوص به دون غيره.
وإذا قبلنا مثل هذه الحجة التي يعتذر بها إحسان عباس عن الحداثيين
_________________
(١) انظر: بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص ٣٠٥.
(٢) بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص ٣٠٥.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
فإنه لا يبقى أي مجال للنظر في المعاني التي تدل عليها الرموز والأسماء والرسوم والمصطلحات، وهذا كذب مبين وافتراء لا يُمكن أن تصدقه العقول!!، والخرس والصمم خير من هذا الكلام ومن سماعه.
أمّا أنه يعد الفداء أسطورة ثم يقول "في سياق الشعر" -وهي عبارة اعتذارية تحتوي على مجاملة بغيضة للنصارى- فلم إذن يوظفها في السياق توظيفًا معنويًا يدل على الأصل الديني لها؟.
ومثل هذا الكلام مثل الذي يقول: ندخل الكنيسة يوم الأحد لأداء القداس كما تقول النصارى ثم يقول: أنا لا أعتقد أن ذلك صحيحًا بل اعتقده أسطورة!!.
وقد ذكر إحسان عباس ثلاثة أوجه لاحتمالات تصور استخدام الأسطورة، ونسي أو تناسى أن يذكر أهم وأبرز وأعمق احتمال، وهو: أن يكون الكاتب أو الشاعر قد تأثر اعتقاديًا -ولو في الجملة- بهذه العقيدة، فاستخدم رموزها وألفاظها ومصطلحاتها.
وذلك أن استعمال الرمز على نحوٍ ما لابد أن تكون وراءه دوافع جعلت المتكلم به يختار هذا اللفظ دون سواه، فإذا كان هذا اللفظ ابتكر أو استخدم من أجل الدلالة على شيء معين، من عقيدة أو سلوك أو غير ذلك، كان هذا دليلًا على أن استعمال هذا اللفظ دون غيره آت من التأثر بهذه العقيدة أو الفكرة.
ولو أساقطنا مثل هذه المعايير لذهبت دلالات الألفاظ ولضربت الفوضى بأطنابها في الحياة العامة والخاصة.
والذي يريد فصل لفظ "الفداء" و"الصلب" و"الخطيئة" و"التكفير" عن أصولها الاعتقادية -زعمًا أنه لا يريد ذلك ولا يقصده- يكون بمثابة من يفصل لفظ "الزنى" -مثلًا- عن مدلوله ومعناه.
فلو قال قائل لآخر "يا زاني" لكان المتبادر إلى الذهن أنه يرميه بفعل
[ ٢ / ٨٧٧ ]
الفاحشة سفاحًا، ولا يصح له أن يحتج بأنني لم أرد المدلول المعروف لهذا اللفظ؛ لأن هذه سفسطة تمجها كل العقول.
وعودة إلى السياب واستعمال الرموز النصرانية، يقرر إحسان عباس أن هناك دوافع عديدة حفزته لهذا الاتجاه، منها انفصاله عن الحزب الشيوعي، فكان في حاجة إلى تبني مشاعر جديدة تعوض اهتزاز المقاييس المادية، فتعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية.
ولكن ماديته القديمة كانت تجعله جريئًا في التعبير عن بعض المقدسات باستخفاف، وأحس بالحاجة إلى الإسعاف في الهرب من التكفير المادي، (ووقع في تلك الأثناء بشدة تحت تأثير "اديث سيتول" (^١) وتكرارها الممل للصور المسيحية، ولكنه بدلًا من أن يشعر بالملل من ذلك التكرار شعر بيسر الاستعارة لتلك الصور، وبسهولة جريانها على سن قلمه، فاحتذاها دون تفكير عميق فيما قد تعنيه من الزاوية الدينية، ثم تم في سياق تلك الحال النفسية اتصاله بمجلة "شعر" البيروتية، وقد كان بدر يحس عندما اقترب من تلك المجلة أنه يدخل حومة "شعائر" جديدة -إن صح التعبير-، وأن عملية "الارتسام" هذه تتطلب قسطًا من المشاركة في اللون والسمة والفكرة، وقد عرفنا فيه من قبل نماذج من هذا التكيف الذي يشير إلى أن "النواة الصلبة" في شخصيته كانت مفقودة، وسمينا هذه النزعة ميله إلى المراضاة، والميل إلى المراضاة حين يصيب الأعماق لا يغدو وحسب "حربائية" بغيضة، بل يتجاوز التلون الظاهري إلى أمور في صميم الفكر والعقيدة، وحينئذٍ يمس فيما يمسه حقيقة إيمانه الفني، وذلك هو ما يهمنا في هذا المقام دوان سواه.
وحين تم ارتسام السياب في أسرة "شعر" كانت لديه بوادر الإحساس
_________________
(١) اديث سيتول، ويقال: أيدت سيتويل شاعرة وناقدة إنجليزية أسهمت في حركة التجديد الشعري متحدية كل التقاليد الأدبية بعامة، والشعرية بخاصة، وقد تأثرت بالمدرسة الرمزية الفرنسية ولدت عام ١٣٠٥ هـ/ ١٨٨٧ م. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٩٢.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
بأسطورة تموز، وهذه سهلت عليه الانتقال إلى رمز المسيح، إذ كان ذلك نقلة من فكرة فداء إلى فكرة فداء) (^١).
فالسياب لما ترك الشيوعية المادية، مال إلى الأخذ بالدين، أي دين، أما الإسلام فحسب ما وصف إحسان عباس فقد تعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية، أي أنه لم يتعلق حقيقة بالإسلام، بل بصورة مشوهة عنه، وحتى في هذا، فإنه كما وصف عباس اجترأ على المقدسات الإسلامية واستخف بها، أمّا الدين النصراني فقد تابع "أديث سيتول" وأخذ عنها وقلدها وكرر مثلما كررت، وأطنب مثلما أطنبت، ثم دخل مع عصابة "شعر" وتلون بلونهم، وقد مر معنا أنهم كانوا يتبنون النصرانية والفينيقية ويعادون الإسلام والمسلمين والعرب واللغة العربية، وينادون بالمتوسطية إبحارًا نحو الغرب.
أمّا قول إحسان عباس بأن الصور النصرانية جرت على قلمه دون تفكير عميق فيما تعنيه من الزاوية الدينية، فهذا غير صحيح على الإطلاق، وسوف يأتي من شواهد شعر السياب ما يؤكد أنه كان يورد الأسماء والرموز بمضامينها الاعتقادية والفكرية النصرانية، وعلى الرغم من التفات إحسان عباس إلى هذه النواحي الدينية في هذه الدراسة، إلّا أنه فاه بأمر عظيم حين قدم مسألة الإيمان الفني على ما سواه، أي: أن يهتم بالقضية الفنية وما عليه من القضايا الاعتقادية والفكرية، وهذا زلل كبير وخطل، وتقديم الذي هو أدنى على الذي هو خير.
ثم يورد إحسان عباس نموذجًا للتكيف الطوعي الذي أبداه السياب للالتقاء مع مجلة شعر ونصارى حركتها المريبة، وهي المحاضرة التي ألقاها في أمسية دعته المجلة إليها في بيروت حيث طغى النغم الديني على تلك الكلمة، ذلك النغم الديني الذي تحدث به السياب عن تصوره للشاعر من خلال رؤيا القديس يوحنا، وغير بعيد عن هذا الجو نفسه أن تكون القصيدة
_________________
(١) بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص ٣٠٦.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
الثانية التي نشرها في مجلة شعر بعنوان "المسيح بعد الصلب" (^١).
وقد أشار كاتب مقدمة ديوان السياب، إلى الاتجاه الأسطوري والنصراني وقضية التحول من الشيوعية إليها، وقصة الفداء التموزي والمسيحي (^٢).
وتحدث عن موارد ثقافة السياب والتي هي خليط عجيب غير متجانس، ومنها الإنجيل والتوراة والفكر الماركسي (^٣).
فإذا ذهبنا إلى الديوان لنرى بعض الأمثلة على تأثر السياب بالنصارى فإننا نجد الشواهد العديدة ومنها، قوله:
(على قلبك انهدُّ تحت الصليب المعلق في صخرة الكبرياء) (^٤).
ولا يكتفي بهذا الاستعمال الذي قد يبدو بريئًا في أعين المستغربين، ولكنه يصف نفسه بأنه المسيح، وأنه يعيش في حياة النفي، ويحمل صليبه معه، وفي هذا إقرار واضح بأنه يعتقد في المسيح ﵊ ما يعتقد النصارى من فرية الصلب، يقول السياب:
(غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها، فأنا المسيح يجز في المنفى صليبه) (^٥).
وهذا تكذيب مشكوف للقرآن العظيم، واعتقاد جلي بعقائد النصارى المحرفة.
وقال:
(وعر هو المرقى إلى الجلجلة) (^٦).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٣٠٧.
(٢) انظر: مقدمة ديوان السياب لناجي علوش: ص (ن ن).
(٣) انظر: المصدر السابق: (غ غ) و(أأ أ).
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٢٤٥.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٣٢١.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٣٩١.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
ثم شرح في الهامش قائلًا: (الجلجلة الجبل الذي حمل المسيح صليبه إلى قمته) (^١).
وهذا تبني واضح لعقيدة النصارى في الصلب.
ونحو هذا قوله:
(من الذي يحمل عبء الصليب. . .
من ينزل المصلوب عن لوحِهِ؟
من يطرد العقبان عن جرحه؟
من يرفع الظلماء عن صبحه؟
ويبدل الأشواك بالغار؟) (^٢).
ثم كتب في الهامش: (وألبسوا المسيح تاجاَ من الشوك سخرية به) (^٣).
وفي مكان آخر يقول:
(هذا حصاد السنين:
الماء خمر والخوابي غذاء) (^٤).
ثم شرح في الهامش قائلًا: (وأحال المسيح الماء إلى خمر فشرب الحاضرون) (^٥).
وفي موضع آخر يمزج بين الرموز الوثنية والنصرانية قائلًا:
(صالبًا عينيّ - تموزًا، مسيحًا
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٣٩١.
(٢) و(^٣) انظر: المصدر السابق: ص ٤٢٣.
(٣) و(^٥) انظر: المصدر السابق: ص ٤٢٦.
[ ٢ / ٨٨١ ]
أيها الصقر الإلهي ترفق) (^١).
ويقول:
(كان، في كل مرمى، صليب وأم حزينة
قُدس الربُ
هذا مخاض المدينة) (^٢).
وله أشياء أخر من هذا القبيل (^٣).
ولم يجد أحد الدارسين لأعمال السياب إلّا أن يقرر بأنه يختلط فيه: (المتنبي بأليوت، وايديت ستويل بأراغون، شيوعي ولبرالي وقومي عربي وثوري وملحد ومؤمن، رجل يجمع كل المتناقضات في شخصه وثقافته وانتماءاته، أحدث ثورة في الشعر العربي. . .) (^٤).
نعم السياب خليط متناقضات، بيد أنه لا يُمكن أن يجتمع في شخص واحد إيمان وإلحاد؛ لأن أحدهما بالضرورة ينفي الآخر.
وكما تأثر السياب بالإنجليزية ايديت ستويل فقد تأثر بأعظم ما يكون التأثير بأليوت (^٥)، وسيأتي بيان نصرانية أليوت وتأثيره في الحداثيين العرب، ولعظم ما ملأ السياب شعره بالمضامين النصرانية ابتهج بذلك أحد رهبان النصارى، وتمنى أن يكون قد تبحر في معنى الصليب، ليهون عليه ما يبدو من عذاب في شعره، ثم قال: أليس هو الذي يقول: (أنا المسيح يجر في المنفى صليبه) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٣٠.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦٢.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٣٢٥، ٣٢٧، ٣٦٨، ٣٧٣، ٤٢٤، ٤٦١، وغيرها كثير.
(٤) دراسات في نقد الشعر لإلياس خوري: ص ٢٧.
(٥) الحداثة الأولى: ص ١٦٧، ١٦٨.
(٦) أسئلة الشعر: ص ٧٤ هامش رقم ٢٦، ونقل هذا القول عن مجلة الشرق البيروتية ٣٧٣٣ بين ١٣٨٢ - ١٣٨٨ هـ/ ١٩٦٣ - ١٩٦٩ م.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
ولأدباء مصر من الحداثيين مشاركة فعالة في الأخذ من سراديب الكنائس.
ومنهم صلاح عبد الصبور، الذي وصفه عبد المعطي حجازي قائلًا: (استخدم صلاح التراث القديم وتراث الشعر الشعبي المصري، واستخدم كذلك حتى تراث الصوفيين، وتراث الكتب المقدسة وبالتحديد لغة التوراة والإنجيل، إلى جانب استفادته من ثقافته الإنجليزية) (^١).
ولم يذكر القرآن ولا الكتب العربية كما نص على ذكر التوراة والإنجيل، وهذا قدر مشترك بين الاثنين في الإعجاب بالكتب المحرفة والتمدح بالاطلاع عليه، بل وبتأثره بلغة هذه الكتب.
فما ظنك بقوم هذه ثقافتهم التي يفتخرون بها، وهذه مرجعيتهم التي يؤول إليها فكرهم وشعرهم؟.
وهذه نماذج من أقوال المتتلمذ على تراث الكتب المقدسة، يقول في مقطوعة بعنوان "القديس" مصورًا نفسه في هيئة قديس، أو واصفًا أحوال وأعمال القديس:
(إليّ إليّ يا غرباء يا فقراء يا مرضى
كسيري القلب والأعضاء قد أنزلت مائدتي. . .) (^٢).
ثم يصف جلوسه مع الكتب ويقول بأنها قالت له أقوالًا منها:
(وأن اللَّه قد خلق الأنام ونام
وأن اللَّه في مفتاح باب البيت) (^٣).
تعالى اللَّه عما يقول علوًا كبيرًا.
ثم يقول بأنه (ذات صباح
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ٢٦٠.
(٢) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ١٧٥.
(٣) المصدر السابق: ص ١٧٦.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
رأيت حقيقة الدنيا. . .
رأيت اللَّه في قلبي) (^١).
وسواء أراد الرؤية القلبية أو الرؤية البصرية فإن ذلك مما لا يليق إطلاقه على اللَّه وخاصة من إنسان عرف من كلامه الاستهانة باللَّه تعالى، كما في قصيدته "الناس في بلادي"، وها هو في هذه المقطوعة بعد أن ذكر هذا القول يواصل في وصفه لحاله، بأنه قد امتلأ بالحكمة فيقول:
(شعرت بأنني أصبحت قديسًا
وأن رسالتي
هي أن أقدسكم) (^٢).
وهكذا يصبح قديسًا، ولم يقل أصبح عابدًا أو عالمًا أو ناسكًا أو زاهدًا أو حكيمًا أو أي وصف من الأوصاف المعروفة في تراث المسلمين، بل اختار أن يكون قديسًا، الوصف الذي يتداوله النصارى ويعرّفون به عبادهم، فالرؤية التي ذكرها والقداسة التي ادعاها تتناسب مع الاعتقاد النصراني في أن القديس عندهم يصل إلى درجة الرؤية وبها يصبح قديسًا.
وفي مقطوعة بعنوان "عيد الميلاد لسنة ١٩٥٤ م" -وهذا أيضًا من التأثر بالنصارى- يقول:
(يا عيد يا نبعي الكئيب، يا ذكر إنسان غريب
حمل الذنوب عن القطيع فمات من وقر الذنوب
يا لاهثًا فوق الصليب، يكاد يسألك الصليب
لم مت من دون الصليب) (^٣).
فها هو يقرر عقيدة النصارى بتفاصيل خرافاتها، الفداء، وحمل خطايا العالم، وصلب المسيح. وكلها مسائل اعتقادية خالط فيها النصارى ومازجهم وتحدث وكأنه أحد كهنتهم!!.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٧٧.
(٢) المصدر السابق: ص ١٧٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٤١.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
ثم يقولون بعد ذلك بأن الرموز والألفاظ لا أثر لها في اختلاف الاعتقاد، ما دامت تؤدي دورًا فنيًا بحتًا، وهذا كله كذب على الحقيقة وافتراء تأباه عقول أولي الألباب، ولكن الحداثيين لا يفقهون.
وفي موضع آخر يستخدم الصلب والمصلوب في سياق الغزل ولكن بمضمون نصراني بحت، فيقول:
(أنا مصلوب، والحب صليبي
وحملت عن الناس الأحزان
في حب إله مكذوب) (^١).
وله أقوال عديدة مشابهة، استخدم فيها الصلب والصليب والمصلوب والدير وغير ذلك (^٢).
أمّا بلديه وعصريه وزميل دربه أمل دنقل، فقد اغترف من برك المعمدانية النصرانية حتى تمثل، ومن فائض ثمالاته قوله:
(ما أحلى أن يضطرب الموج فينسدل الجفنان
وأنا أبحث عن مجداف
عن إيمان
في صمت "الكاتدرائيات" الوسنان
صور للعذراء المسبلة الأجفان
يا من أرضعت الحب صلاة الغفران
وتمطى في عينيك المسبلتين
شباب الحرمان
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٢٤.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٨٢، ٨٤، ١٤٨، ١٥٠، ١٩٥، ٨٦٢، ٨٦٣.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
ردي جفنيك
لأبصر في عينيك الألوان
أهما خضراوان
كعيون حبيبي؟) (^١).
أعز اللَّه مريم وقدسها عن هذا الهراء المقتبس من تخاريف النصارى وضلالاتهم.
ويفتتح مجموعته الشعرية المسماة بالعهد الآتي بكلام "العهد القديم" وآخر من "العهد الجديد" وهو كلام خبيث ردئ كرداءة معتقداتهم.
النص الأول:
(وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد
منا عارفًا الخير والشر) (^٢).
والافتتاح بهذه النصوص تدل بجلاء على مدى قربه من النصارى، وتأثره بهم في أفكارهم وعقائدهم، ثم يورد في ثنايا هذه المجموعة مقطعًا بعنوان "سفر التكوين" (^٣)، "الإصحاح الأول" (^٤) و"الإصحاح الثاني" (^٥) و"الإصحاح الثالث" (^٦) و"الإصحاح الرابع" (^٧) و"الإصحاح الخامس" (^٨)، وفيه يقول:
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ٩٧ - ٩٨.
(٢) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ٢٦٣.
(٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ٢٦٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٦٨.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٦٩.
(٦) المصدر السابق: ص ٢٧١.
(٧) المصدر السابق: ص ٢٧٢.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
(رأيتني الصليب والمصلوب) (^١).
ثم مقطعًا آخر بعنوان "سفر الخروج" (^٢) وكل العناوين الجانبية بعنوان الأصحاح الأول. . . الثاني مثل المقطع السابق (^٣).
ثم مقطعًا آخر بعنوان "سفر ألف دال" أي أمل دنقل، وكل مقطع منه بعنوان الأصحاح (^٤).
ثم مقطعًا آخر ولكن هذه المرة باسم يهودي "مزامير" ويسرد فيه المزمور الأول. . . الثاني وهكذا إلى الثامن (^٥).
فهل أجدبت اللغة العربية والتراث الإسلامي وعدمت الألفاظ حتى لا يجد أمل دنقل سوى ألفاظ ومصطلحات اليهود والنصارى، ولم يكتف بمجرد إيراد الألفاظ -على ما في ذلك من انحراف- بل أخذ العقائد والأفكار ونقلها وأدخلها في شعره، وقد مز معنا كلامه عن صليب عيسى ﵇ وإيمانه بهذه الخرافة، وكلامه عن مريم ﵍، ومن هذا القبيل قوله:
(ارتاح الرب الخالق في اليوم السابع
لكن لم يسترح الإنسان) (^٦).
وهي عقيدة أهل الكتاب الضالة التي رددوها بافتراء وكذب على اللَّه وقلة توقير، وجهل بصفاته -جلَّ وعلا-، وقد رد اللَّه عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٧٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٧٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٧٤ - ٢٨٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٨٦ - ٢٩٧.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٩٨ - ٣٠٦.
(٦) المصدر السابق: ص ١٤٨.
(٧) الآية ٣٨ من سورة ق.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
ولا يكتفي بذلك بل يصف القرية في إجلال ومحبة بقوله:
(وقريتنا وراء العين توراة من الصمت) (^١).
ويصف امرأة بأنها:
(صلت إلى العذراء طوفت بكل صيدلية) (^٢).
وأقواله الأخرى في هذا الشأن عديدة (^٣).
ولم يستطع سعدي يوسف أن يخرج من دائرة التأثير النصراني على شعره رغم مزاعمه التقدمية!!، ففي مقطع بعنوان "بغداد الجديدة" يقول:
(في الليل
تطوف بين بيوت هاجرها الفقراء
وبين كنائس يرهف فيها القداس
وبين منازل تغشى فيها فتيات الفقراء) (^٤).
وفي تهكم بتاريخ المسلمين ورجالاتهم الأبطال يقول:
(يمر على المعرة برق جنية
وفي شفتي صلاح الدين أغنية صليبية) (^٥).
وتاللَّه لو كانت هذه الأغنية في فمه لما استطاع دحر الصليبيين، كما أننا لم نستطع دحر اليهود ولا رفع ظلم النصارى عنا لما أصبح المثقفون منا، يلهجون بترانيم الكنائس!!، وتعاليم التلمود!!.
وفي تكرارية -باردة- لألفاظ السياب، يعيد تلك المقولة الكافرة:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٥٦، ٦٨، ١٨٢، ١٢١، ١٤٦، ١٦٦، وغيرها.
(٤) ديوان سعدي يوسف: ص ١٢٧.
(٥) المصدر السابق: ص ٣٥٧.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
(وهو المسيح يجر في المنفى صليبه) (^١).
ويقول أيضًا:
(. . . هل رأي المسيح
دق المسامير بعينيه؟) (^٢).
وهو إقرار ضمني بعقيدة النصارى الباطلة.
ويقول:
(شفتاي تنتظران غير صليبك الداجي نداء) (^٣).
ويعود إلى تقرير عقيدة الصلب الباطلة فيقول:
(يا من هويت وأنت تحلم بالمواسم
مثل المسيح حملت سعفه
وبقيت طول الليل مصلوبًا تحشرج دون رفه
إنا سواء أيها الرجل العظيم) (^٤).
ويقول أيضًا:
(. . . احصي اللانهاية في النهاية
كنبيك الممنوع -صلبًا- عن طواطمهم
متألمًا حتى الشهادة) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤١٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٣٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٤١٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٠١.
(٥) المصدر السابق: ص ٥١٧.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
وفي عبارة صريحة يقول بقول النصارى المفترى والمناقض لخبر اللَّه في القرآن، يقول بصلب عيسى ﵇:
(هذا الصليب
صلبوا عليه الناصري -ولم يتوبوا- من جديد) (^١).
وله أقاويل أخرى غير ما ذكرنا (^٢).
فواعجبًا كيف يكون الشيوعي الذي ينكر الأديان، مؤمنًا بمضمون دين محرف مكذوب!!.
أليس في هذا أوضح دليل على أن المراد بكل هذه الهجمات المتلونة بالحداثة أو بالعلمانية أو بالشيوعية، تستهدف الإسلام والمسلمين؟.
أمّا الإباحي الماجن نزار قباني، فقد جمع الشر من أقطاره، واحتوى على بلايا ورزايا اعتقادية وسلوكية، ومع ذلك يراد أن يكون قدوة واستنادًا لشباب وشابات المسلمين، وذلك لأن دوره في دغدغة الغرائز يُمكن النفاذ منه إلى زعزعة العقائد.
ومن ألوان شروره: أنه قد انطوى على جملة من عقائد أسياده النصارى، وديوانه مترع بذلك.
وعلى الرغم من أنه عير جهاد فاضل بأنه نصراني وأن اسمه جوزيف فاضل (^٣)، حين كشف فاضل شعوبيته في كتابه فتافيت شاعر، إلّا أنه قد قال بقول النصارى، وأضحى مضاهيًا لهم في كفرهم وكذبهم على اللَّه تعالى وعلى رسله، وسوف نورد من أقواله ما يثبت ذلك.
فهو يقول بقتل المسيح ﵇ وصلبه كما تقول النصارى، ففي مقطوعة بعنوان "القدس" يصور القدس وكأنها ملك النصارى، يقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٧٥.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٣٠٣، ٣٥٣، ٣٧٥، ٤١٥، ٥٨٠.
(٣) انظر: فتافيت شاعر: ص ٥٠، ٧٢، ١٥٠، ١٥٣، ١٥٤، ١٨١.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
(يا قدس يا مدينة تلتف بالسواد
من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة؟
صبيحة الآحاد. . .
من ينقذ الإنجيل
من ينقذ القرآن
من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح؟) (^١).
وفي مقطع بعنوان "إلى الجندي العربي المجهول" يخاطبه بأن العرب لو قتلوا مثلما قتل وفعلوا مثلما فعل. . .:
(. . . واحترقوا
في لهب المجد كما احترقت
لم يسقط المسيح مذبوحًا
على تراب الناصرة) (^٢).
ويلاحظ هنا إيمانه بالصلب أولًا، ثم ربطه قضية فلسطين بالنصارى ورموزهم، مع أنها قضية إسلامية صرفة، ومن يقرأ هذا الكلام وهو لا يعرف قباني يعتقد أن الرجل من سلالة نصرانية ويدافع عن ملته وقومه.
ويمتدح حركة "فتح" التي ساهمت بنصيب كبير في إضاعة فلسطين اليوم، وسلمتها على موائد الاستسلام لليهود الغاصبين، يمتدح فتح هذه بأنها ورد ونبع ماء، وأنها لما جاءت:
(وفجأة
كالسيد المسيح بعد موتنا نهضنا) (^٣).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار ٣/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٢٢.
(٣) المصدر السابق ٣/ ١٤٠.
[ ٢ / ٨٩١ ]
ويستعير وصفًا لحبيبته من التراث النصراني فيقول:
(أهواك منذ كنت صغرى كصفحة الإنجيل) (^١)
ويصف أخرى بوصف صليبي قائلًا:
(يا صليب الأغراء من خصلتي زهر شفاهي لمسح هذا الصليب) (^٢)
ويخاطب عشيقة نصرانية رآها تلبس الصليب، فهام بها وبصليبها فعل كهنة الكنائس، ويقول تحت عنوان "الصليب الذهبي":
(انقطة نور بين نهديك ترجف صليبك هذا زينة أم تصوف
. . . امرتعش الأسلاك يا لون حيرتي سريرك مصقول وأرضك متحف
. . . أجامحة السلسال إني شاعر حروفي لهيب اللَّه هل نتعرف؟
طلعت على عمري خيال نبية صليب وسلسال ثَمين ومعطف
. . . على صدرك المعتز ينتحر الأسى وتبرا جراحات المسيح وتنشف) (^٣) وأخرى من خديناته في مدريد يخاطبها على أنه سيذهب بها في عيد رأس السنة النصرانية إلى الكنيسة ويدعو المسيح، ويفعل كما يفعل النصارى وكأنه فرد منهم، يقول:
(لو كنت في مدريد في رأس السنة
كنا ذهبنا آخر الليل إلى الكنيسة
كنا حملنا شمعنا وزيتنا
لسيد السلام والمحبة
كنا شكونا حزننا إليه
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٩.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٢٨.
(٣) المصدر السابق ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
كنا أرحنا رأسنا لديه
لعله في السنة الجديدة
أيتها الحبيبة البعيدة
يجمعني إليك بعد غربه
في منزل جداره محبه
وخبزه محبه) (^١).
ما رأيت في كلام النصارى السابق ذكرهم من قال هم مثل هذه الأقوال ولا وصل به الأمر إلى ما وصل إليه نزار قباني، في هذه المقطوعة النصرانية بكل المواصفات، عقيدة وسلوكًا وعبادة.
وفي خطاب لإحدى عشيقاته -وما أكثرهن- يرجوها قائلًا:
(أرجوك يا سيدتي
باسم جميع الكتب المقدسة
والشمع والبخور والصلبان
. . أرجو بالأوثان يا سيدتي
إن كنت تؤمنين في عبادة الأوثان) (^٢).
وهكذا تبدو عقائد نزار قباني في هذا الخليط البغيض من التوسلات الهابطة.
ولكنه لا يكتفي بأن يكون نصرانيًا في أفكاره ومعتقداته ومحبته وعبادته، بل يتمنى قائلًا في دعارة وتنصر:
(أود لو كان فمي كنيسة
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥١٠ - ٥١١.
(٢) المصدر السابق ١/ ٧١٠ - ٧١١.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
وأحرفي أجراس) (^١).
ويرجو عشيقته قائلًا:
(اصلبيني بين نهديك مسيحًا
عمديني بمياه الورد والآس وعطر البيلسان
عانقيني في الميادين
وفوق الورق المكسور، ضميني على مرأى من الناس
ارفضي عصر السلاطين، ارفضي فتوى المجاذيب) (^٢).
هنا يتضح مدى الارتماء النصراني والتوسل الصليبي، فهو يقرر خرافة صلب المسيح التي يكفر من يقول بها، ويطلب التعميد النصراني، ويطالب بالدعارة المفتوحة في مزيج غريب من العقائد والرغبات المنحطة، ثم يختم كل ذلك برفض الإسلام تاريخًا ودينًا وهو محط الرحل من كل مقدماته السابقة.
وله من هذه الشاكلة ألوان وأصناف، حشد فيها كل ما خطر على ذهنه الكليل من أسماء ورموز نصرانية، فعنده ذكر كثير للصليب والصلبان (^٣)، وعنده إعجاب شديد بالكنائس وزجاج الكنائس ونوافذ الكنائس وسقوف الكنائس وحتى شقوق الكنائس (^٤)، وكأنه تربى في كنيسة وارتضع حبها، ولكن العقيدة إذا تأصلت في القلب فعلت أشد من فعل النشأة على الشيء، فمن شدة التصاقه بالكنيسة ومحبته لها جعل نواقيسها ترن يوم الجمعة (^٥)، مع أنها ترن يوم الأحد.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٧٤٤.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٠ - ٢١.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٢٦، ٦٤٦، ٢/ ١٣٧، ٥٥٤، ٨٣٨، ٣/ ١٦٨، ١٧٢.
(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٨٠، ٤١٢، ٤٨١، ٦٠٣، ٨٢٢، ٣/ ٢٧٢.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢/ ٥٥٥.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
واذا ذهبنا إلى شعراء فلسطين، الأرض التي ابتليت بجور النصارى المستعمرين بما لم يبتل بمثله بلد، فقد احتلوها عقب سقوط الخلافة العثمانية وفتحوا أبواب الهجرة لليهود، ثم لما أرادوا الخروج منها وهبوها لليهود وانسحبوا، فما هو موقف شعراء الحداثة من النصارى وعقائدهم؟ هذا ما سوف تجيب عليه الشواهد الآتية من كلام درويش وبسيسو وسميح.
فأمّا محمود درويش (شاعر الأرض المحتلة)؟! فقد حشد من الرموز والمعاني والأفكار النصرانية الشيء الكثير، ومن أول أهداء في ديوانه، يقول:
(من أي غاب جئتني
يا كل صلبان الغضب) (^١).
ويقول:
(وإلام نحمل شوكنا وصليبنا) (^٢)، وكأنه نصراني يتحدث عن مأساته.
ونحوه قوله:
(وطني لم يعطني حبي لك
غير أخشاب صليبي) (^٣).
ويمتدح الصليب وآلامه قائلًا:
(المغني على صليب الألم
جرحه ساطع كنجم
قال للناس حوله
كل شيء سوى الندم:
هكذا مت واقفًا
_________________
(١) ديوان محمود درويش: ص ٧.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٤٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٤.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
واقفًا مت كالشجر!
منبرًا أو عصا نغم
ومساميره وتر
هكذا ينزل المطر
هكذا يكبر الشجر) (^١).
ويقول مستلهمًا خرافة صلب المسيح مستمدًا منها القوة:
(ما كنت أول حامل أكليل شوك
لأقول: أبكي!
فعسى صليبي صهوة
والشوك فوق جبيني المنقوش
بالدم والندى
إكليل غار) (^٢).
وله مقطوعة بعنوان (أغنية حب على الصليب) يقول فيها:
(أحبك كوني صليبي
وكوني، كما شئت برج حمام. . . .
أحبك كوني صليبي
وما شئت كوني) (^٣).
ويصف الصليب بأوصاف فاعلة هائلة، ويجعل له من النعوت النصرانية والآمال الصليبية ما لا يستطيع قوله إلّا راسخ في هذه الديانة، يقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨٧ - ٨٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١٠٤.
(٣) المصدر السابق: ص ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
(سأحمل كل ما في الأرض من حزن
صليبًا يكبر الشهداء
عليه وتصغر الدنيا
ويسقي دمع عينيك
رمال قصائد الأطفال والشعراء) (^١).
ويتوجه إلى الصليب في عبادة واحتراق ليصبح قديسًا:
(فإذا احترقت على صليب عبادتي أصبحت قديسًا بزي مقاتل) (^٢)
وهل يقول النصراني أكثر من هذا؟.
ويقول:
(شكرًا - صليب مدينتي
شكرًا
لقد علمتنا لون القرنفل والبطولة
يا جسرنا الممتد من فرح الطفولة
يا صليب - إلى الكهولة) (^٣).
ويصور الفكر الجديد، الفكر الحداثي بوصف يليق به وبنشأته الموافقة لما صف، يقول:
(ولكنني خارج من مسامير هذا الصليب
لأبحث عن مصدر آخر للبروق) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٤٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٥٧.
(٤) المصدر السابق: ٢٧٠.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
ويقول واصفًا اعترافه بالصليب وأنه مصدر النور قائلًا:
(كيف اعترفنا بالصليب الذي
يحملنا في ساحة النور
لم نتكلم
نحن لم نعترف
إلّا بألفاظ المسامير) (^١).
ويقرر عقيدة الصلب ويمتدح الصليب قائلًا:
(ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب) (^٢).
ويصور شاعر الأرض المحتلة القدس صورة مزرية قائلًا:
(نرسم القدس:
إله يتعرى، فوق خط داكن الخضرة، أشباه عصافير تهاجر
وصليب واقف في الشارع الخلفي، شيء يشبه البرقوق
والدهشة من خلف القناطر
وفضاء واسع يمتد من عورة جندي إلى تاريخ شاعر) (^٣).
ويقتبس عبارات الإنجيل الكفرية مخاطبًا بها اللَّه تعالى خطابًا نصرانيًا منحطًا، يقول:
(لا تقولوا: أبانا الذي في السموات
قولوا: أخانا الذي أخذ الأرض منا
وعاد
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٤٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٩٨.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
هو الآن يعدم) (^١).
ويقول واصفًا الذي تعلمه وتلقنه:
(أنا تعلمنا البكاء بلا دموع
وقراءة الأسوار والأسلاك والقمر الحزين
حرية وحماسة
ورضا يسوع) (^٢).
ويقول:
(لماذا شربتم زيوتًا مهربة من جراح المسيح) (^٣).
ويقول:
(ويا أيها الكرمل
الآن تقرع أجراس كل الكنائس
وتعلن أن عاش المؤقت لا ينتهي دائمًا، أو ينتهي مرة. . .
والآن بعثُ المسيح يؤجل ثانية) (^٤).
ويقول:
(وأمضي نحو وقتي وصليب الآخرين) (^٥).
ويذكر العقيدة ويمزجها بخشب الصليب قائلًا:
(فكسرت كرسيها، وصنعت من الخشب الجبلي صليبي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٠٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٤١٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٤٨.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٦٨.
(٥) المصدر السابق: ص ٤٨٧.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
أراك على بعد قلبين في جسد واحد
وكنت أطل عليك خلال المسامير
كنت العقيدة
وكنت شهيد العقيدة) (^١).
ويمتدح شخصًا اسمه إبراهيم ويصف بساطته بأنها مثل بساطة الصلب في إيحاء باللطافة والتواضع واليسر وكأنه قس يجتذب الناس إلى حضيرته، فيقول:
(كان إبراهيم رسامًا وأب
كان حيا من دجاج وجنون وغضب
وبسيطًا كالصليب) (^٢).
ويقول:
(خذيني آية من سفر مأساتي) (^٣).
ولو ذهبت أتتبع الرموز والأقوال والمصطلحات والعقائد لطال الكلام، وكلها من جنس ما سبق ذكره (^٤).
أمّا زميله في النضال الشيوعي!! سميح القاسم، فلم تقصر قدماه في السير إلى الكنائس يتلقى عنها ويأخذ رموزها، وعقائدها، ليسجلها باعتزاز وافتخار في ديوانه، ديوان النضال!!، ومن أظهر علائم تنصره مقطوعته التي بعنوان "رسالة إلى اللَّه" يخاطب اللَّه -جلَّ وعلا- بالخطاب النصراني ذاته
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٤٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٦١٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٨٤.
(٤) انظر: في المصدر السابق ألفاظ: الصلب والصليب والمصلوب والصلبان: ص ٥٧، ٦٨، ٩٠، ١٠٣، ١٠٤، ١١٢، ١٤٩، ١٦٠، ٢٩٢، ٢٩٣، ٣٠٢، ٣٢٨، ٣٧٨، ٤٢٥، ٤٧٩، ٦٠١، وفي ديوانه أحد عشر كوكبًا: ص ٩٧، وألفاظًا أخرى في: ص ٤٣٠، ٦٢٢.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
ويجعله "أبا" كما تقول النصارى، ثم يلحد فيه ويجحده، يقول:
(سيد الكون أبانا
ألف آمنا وبعد
من حقول البؤس هذي الكلمات. . .
يا أبانا، يا أبًا أيتامه ملوا الصلاة
يا أبانا، نحن ما زلنا نصلي من سنين
يا أبانا، نحن ما زلنا بقايا لاجئين
أرضنا من عسل -يُحكى- بها الأنهار -يُحكى- من حليب
انجبت -يُحكى- كبار الأنبياء
وعشقناها
ولكنا انتهينا في هوانا أشقياء
وحملنا كل آلام الصليب
يا أبانا كيف ترضى لبنيك البسطاء
دون ذنب كل آلام الصليب!!
يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء
لن نصلي لك كي تمطر قمحًا
لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا
نحن انجبنا على الحزن كبار الأنبياء
وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . . ربًا
شق من مأساتنا للفجر دربًا) (^١).
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٦٣ - ٦٥.
[ ٢ / ٩٠١ ]
سبحان اللَّه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
وفي إيمان منه بصلب المسيح ﵇ يقول:
(ونبسم لا بسمة الأغبياء
ولكنها بسمةُ الأنبياء
تحداهم صالب تافة) (^١).
وفي سياق انتمائه للشيوعية ورموزها يمتدح كوبا قائلًا:
(حسنًا حسنًا حدث عن كوبا
هل تعرف شيئًا عن شعب
ما عاد مسيحًا مصلوبًا) (^٢).
وكرر المعنى نفسه في مقطع آخر يمتدح فيه رئيس كوبا (^٣).
ويجعل ليوم الأحد عيد النصارى الأسبوعي مكانة فيقول:
(والتقينا صدفة قدّسية … جمعت قلبين يوم الأحد
فغدا يوم المسيح المفتدى … بدء تاريخي وذكرى مولدي) (^٤)
ويجعل إيمانه تحت ظل الصليب وهو اعتراف بتنصره. . . فيقول:
(وأنا وحدي للإيمان في ظل صليبي
صامتًا هيأت جرحي للوضوء) (^٥).
وله مقطع بعنوان "وحيدًا في ليلة رأس السنة" (^٦) ينعي حظه أنه بدون
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٩٠.
(٢) المصدر السابق: ص ١١١.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٣٣٠ - ٣٣١.
(٤) المصدر السابق: ص ١٤١ - ١٤٢.
(٥) المصدر السابق: ص ٣٦٢.
(٦) المصدر السابق: ص ٥٥٩.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
موسيقى ولا صديقات ولا خمر، ويخاطب قومه الفلسطينيين اللاجئين قائلًا:
(فتكاثروا وتكاثروا
يا أمة الصلبان، يا سكان مملكة الخيام) (^١).
وفي ديوانه "لا أستاذن أحدًا" له كلمات تحت عنوان "ق - ت" يقول فيها:
(قطرة من دم عيسى
سقطت من جفن مريم
يا دمي قم وتكلم
غصت الأرض مجوسًا) (^٢).
وفي مقطع آخر بعنوان (ك - س - ر) يؤكد فيه إيمانه بخرافة صلب عيسى ﵇ فيقول:
(آن للحنطة أن تنضج
في مرج ابتهالاتي الفسيح
آن أن ينزل عن صلبانهم
حبي
وشعبي
والمسيح) (^٣).
ونحوه قوله:
(أيها الواقدون من الخشب احترقوا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٣١.
(٢) لا أستاذن أحدًا: ص ٥٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٨.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
في صليب المسيح) (^١).
ويكرر ألفاظ النصارى الكفرية الموجودة في الإنجيل المحرف، فيقول:
(يسقط الجسر على النهر
تصيح امرأة حبلى
"أبانا في السموات") (^٢).
وله عبارات كثيرة فيها الصلب والصليب والمصلوب ونحو ذلك (^٣).
وثالث أثافي النضال الشيوعي الفلسطيني، الهالك معين بسيسو، وله في ميدان التنصر جولة وصولة طويلة، وسأنقل بعض الشواهد وأحيل على الباقي.
ففي مقطع له بعنوان "لصوص الصلبان" (^٤) يجعل الصليب رمزًا للتصميم والقوة والإصرار والمجد والتضحية فيقول:
(أحبابي، ألواح صليبي ليست
أرجوحة جلادي
فلتقرع أجراس الأصفاد
لسنًا نخلًا من رمل تحنيه الريح. . .
أحبابي
أن نحمل هودج سلطان
أن نصلب كي يتسلق
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٩٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٠.
(٣) انظر: ديوان سميح القاسم: ص ١٩٧، ١٩٩، ٢٥٧، ٥١٨، وغيرها.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة بسيسو: ص ١٦٥.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
ألواح الصلبان
لصوص الصلبانِ
أن تصبح أعلامي
أقنعة نوافذ سجاني
لا، أحبابي) (^١).
ومن ولعه بالرموز الصليبية يكررها ويجعل منها علامات للفخر والاعتزاز، ففي مقطع بعنوان "جراح بلا أجراس" (^٢) يقدم له بمقدمة إهدائية يقول فيها: (إلى الذين يقاتلون ولا يعلقون الأجراس في جراحهم) (^٣).
يقول في المقطع:
(كفي على مرآتنا، نطرز الصليب
كفى على دروبنا، نطرز العيون) (^٤).
وفي إقرار بعقيدة النصارى الكاذبة في صلب المسيح يقول:
(كرهت هجرة الأجراس
من كنيسة إلى كنيسة
كرهت هجرة المسيح بين
كأس الخل والصليب
في طريق الجلجلة) (^٥).
ويأتي بعقائد أهل الكتاب في قضية خلق السموات والأرض ويسخر
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة بسيسو: ص ١٦٥.
(٢) و(^٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ١٨٠ - ١٨١.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٠٢.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
من اللَّه، إذ يجعل العصفور رمزًا عنه، تعالى وتقدّس في علاه، يقول بسيسو:
(لعب العصفور
لعبته الكبرى
خلق الوردة، صورها، "في ستة أيام"
في اليوم "السابع نام"
تعب العصفور من الخلق، من التصوير، فنام) (^١).
وله مقطع بعنوان "الأردن على الصليب" (^٢) يقول فيه:
(أنا مصلوب أغرد
ولعمان ونابلس وأربد) (^٣).
وفي مقطع آخر يقول:
(على صليب
من ورق الزيتون
تمدد المخلّص الكذاب
كالغراب) (^٤).
ويجعل لقلبه صليبًا في سياق فرحته بالشيوعية فيقول:
(ولتفرد أجنحة صليبك
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٦٠.
(٢) و(^٣) المصدر السابق: ص ١١٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢٩.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
يا قلبي
طرْبي، طربي) (^١).
ويقول:
(أدخلني في تجربة الصلبِ
وجرعني كأس الصلب
لن أهرب من دربي
لن أهرب من كأس الخَلّ
وإكليل الشوك
وسأنحت من عظمي
مسمار صليبي وسأمضي) (^٢).
ويلصق نفسه وقصائده بالصليب، ويجعله مزروعًا في الأرض وله جذور، في صليبية صلعاء لا مواربة فيها، يقول:
(والذين يرجمون
قصائدي وينكرون
سيفها مسمرًا على الصليب. . .
صليبي المزروع
في أرضكم، يقودكم إليّ
حيث صار
للصليب يا أحبابنا جذور) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٦٠.
(٢) المصدر السابق: ص ١٦٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٢١٤.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
ويقول عن نفسه:
(أنا لست أملك غير قيثارى وصلبان القصائد) (^١).
ويقول:
(وجراحكِ، ودماؤك قبض الريح
وصليبك لن يولد منه مسيح) (^٢).
وفي الجملة ديوانه مليء بالرموز النصرانية ومحشوة بألفاظ الصليب والصلب والمصلوب والصلبان (^٣) وكذلك بلفظ الأجراس (^٤).
ويبرز من أرض اليمن عبد العزيز المقالح ليخوض في مستنقعات الصليبية، كما خاض في مستنقعات أخرى، وليجمع مع شروره شرًا لاحقًا يتمثل في استعمال الرموز الصليبية والأسماء والعقائد والمضامين، ومن ذلك قوله في مقطوعة بعنوان "عصر يهوذا":
(وكان يهوذا هناك
يقبل رأس المسيح
ويشرب نخب الإله
وفي كل رشفة كأس يصلي
يناجي. . . يصيح
يعيش الإله
يعيش الرسول، وشعب الرسول الذبيح
ويقرأ مستغرقًا في خشوع
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢١٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٢١٨.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٨٢، ٩٨، ١٥٠، ١٦١، ١٧٨، ١٧٩، ١٨٨، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٨٣، ٣١٣، ٣٦٧، ٤٤٦.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٩٧، ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢١٨، ٢٣٩، ٢٤١، ٢٨٤، ٢٨٨، ٢٩٩، ٤٤٩، ٦٧٨.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
حكايات من صُلبوا في الطريق. . .
وعند الصباح يموت النهار
ويرقد فوق الصليب الرسول
وخلف السجون يعاني، يموت الإله) (^١).
ولا يخفى على القارئ ما في هذا المقطع من العقائد النصرانية ومنها الإلماح إلى صلب المسيح ﵊، ولكنه يصرح بعقيدة الصلب النصرانية في موضع آخر في قوله في مدح محمود درويش:
(لو لم يمت على صليبه المسيح
لو لم تزين هامة البطل
ايقونة العُليق
ما عرفت روما قداسة الحريق
ولا مشينا خلفه حين رحل) (^٢).
وفي مقطع آخر يخاطب سميح القاسم، ويناجيه بالرموز النصرانية التي تواطأوا على اعتبارها واحترامها وتمجيدها، فيقول:
(مكانك
قف صامدًا يا سميح
ولو حملوك الصليب
ولو طلبوا منك تمشي على الشوك
أن تصعد الجلجلة
وفيك أعادوا عذاب المسيح
_________________
(١) ديوان عبد العزيز المقالح: ص ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) المصدر السابق: ص ١٧٨.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
وكل مخازيهم المخجلة
فإنك أقوى
وأنك أبقى) (^١).
وفي رثاء للمجاهد محمد محمود الزبيري يقول:
(ليضحك الكهف من الأعماق
لتقرع الكنائس البعيدة الأجراس) (^٢).
ولا يُدرى لماذا اختار الكنائس في رثاء هذا الشيخ المجاهد؟ أمن أجل إعزازه، إذا كان يرى قرع أجراس الكنائس عزًا؟ أم من أجل إذلاله؛ لأن الشيخ كانت جهادًا ضد الوثنية والظلم؟.
ويصف نفسه قائلًا:
(حملت الصليب على كاهل مثقل بالندم) (^٣).
ولا يكتفي بوصف عيسى ﵇ بأنه مصلوب، بل يجعل أيوب السلام كذلك، وهو يرمز به لشخص صابر في هذا العصر، فيقول:
(أيوب، على طريقكم مصلوب
أمال راسه
ألقى به على صدر مهشم منخوب. . .
فالصبر بئرنا الغريب
ايقونة الجبان والصليب
ثار، بكى
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٠ - ٥١.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٣.
(٣) المصدر السابق: ص ١١٥.
[ ٢ / ٩١٠ ]
مشى على طريق النائحين والحواه
مزق ثوب الصبر قال: آه) (^١).
وفي امتداح أحد رفاقه المناضلين!! يقول:
(لن يتوقف زحف الرفاق إلى مدن الحلم، كل
فتى سوف يحمل إنجيله -داميًا- وصليبه) (^٢).
ويجعل قرينه في انتظار المسيح لينقذها (^٣) علمًا بأنه لا يوجد في اليمن نصراني واحد من أهلها.
وللفيتوري مشاركاته فى هذه الاستعارات النصرانية، فمن ذلك قوله تحت عنوان "الناقوس":
(برج كنيسة قديمة، وراهب قلق
وغيمة تحك فخذيها، وتعبر الأفق. . .
وصوت ناقوس يدق
يرسم نصف دورة على الفضاء
ويدق) (^٤).
ويقول:
(ما أجمل المساء في عينيك يا مدينتي
منسكبًا على حوائط البيوت
على كنائس النصارى الطيبين
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢١١، ٢١٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٢٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٩٦.
(٤) ديوان الفيتوري ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ٢ / ٩١١ ]
على مآذن المساجد القديمة) (^١).
وهو أيضًا ممن يعتقد صلب المسيح اقتداءً بالنصارى، فيقول:
(ومضيت
مضى الإنسان الآخر، فوق الريح
يحمل صلبان الموت على كتفيه مثل مسيح) (^٢).
ويتحدث عن فلسطين باعتبارها ملكًا للنصارى والمسلمين في تدليس جلي ومغالطة مكشوفة ثم يجعل الرموز النصرانية أكثر وأظهر فيقول:
(دوَّى نفير الثأر
يا جراح عشرين سنه
نجمة إسرائيل فوق المئذنه
فمن إذن يا وطني!
ينهض للصلاه
بينما حوافر اليهود
تدوس سقف المسجد الأقصى
وخوذات الجنود
تظلل المطران والمعابد والشمَّاس
وتسجن اسم اللَّه.
وتركل القداس
ومن إذن يا وطني
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ٢٨٩.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤١٢ - ٤١٣.
[ ٢ / ٩١٢ ]
يغمض عينيه على تدفق الأجراس) (^١).
فقد رمز للمسلمين بثلاثة رموز: المئذنة والصلاة والمسجد الأقصى في سياق هامشي، ورمز للنصارى بخمسة رموز: المطران والمعابد والشماس والقداس والأجراس، علمًا بأن فلسطين إسلامية وليست نصرانية ولا يهودية، ولكن طلب رضى النصارى والحصول على ثنائهم مطلب حداثي كبير.
وعند الفيتوري من الرموز النصرانية: صلبان ومصلوب (^٢)، وخطيئة (^٣)، وكنائس (^٤)، وتسمية عيسى ﵇ بالتسمية النصرانية يسوع (^٥).
ومحمد الماغوط ربيب عصابة شعر خاض فيما خاضوا فيه، بل وتعمق في مودة النصارى والالتصاق بهم إلى حد أنه تمنى قائلًا:
(أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة
أو صليبًا من الذهب على صدر عذراء) (^٦).
وفي امتداح غريب من نوعه يقول:
(هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين) (^٧).
ولا نعلم أعيون النصارى غير عيون الناس؟ أم أنه بسبب شغفه وولعه بالنصارى يرى عيونهم كذلك؟.
ويقول:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥١٠ - ٥١١.
(٢) انظر: المصدر الأول ١/ ٢٦٥، ٣٧٩، ٣٩١، ٤٢٩، ٢/ ٦٦.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٠٤.
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٥٩٩ و٢/ ٢٤٣.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٤٣.
(٦) الآثار الكاملة للماغوط: ص ٢٦.
(٧) المصدر السابق: ص ٢٢.
[ ٢ / ٩١٣ ]
(والأحلام كنيستي وشارعي) (^١).
ويصف دعاءه الصاعد للسماء بأنه قرب كلمات المسيح فيقول:
(أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟
آه يا حبيبتي
لابد أن يكون
كل الآهات والصلوات. . .
متعجمة في مكان ما من السماء. . . كالغيوم
ولربما كانت كلماتي الآن
قرب كلمات المسيح
فلننتظر بكاء السماء
يا حبيبتي) (^٢).
ولممدوح عدوان اقتباساته الخاصة كقوله:
(أتذكر يوم صغت صليبك القدسي من غصني) (^٣).
ويقول تحت عنوان "سفر الدم والميلاد":
(على خشب الصليب قضيت محنيا
وصوتك عبأ الساحة) (^٤).
ويواصل فيها إلى أن يقول:
(بكفك رحت تمسح من وجوه النادبين الدمع والأحزان
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢ ونحوه ص ٨١.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٢٨.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان ١/ ٤٧ تلويحة الأيدي المتعبة.
(٤) المصدر السابق ١/ ١٨٤.
[ ٢ / ٩١٤ ]
وأنت تخوض في المحنة
قفزت عن الصليب
قلعت في كفيك مسمارين من خشبه) (^١).
وفي تلاقح مع العقيدة النصرانية الضالة يقول:
(. . . قف أيا شارب الخمر لا تقترب من دماء المسيح
دمه ساخن، مذ لمسناه دون وضوء يصيح) (^٢).
ويقول:
(الدموع سلالمك المشرعات
إلى اللَّه أو للخلاص. . .
ثم ارتجفت أمام فحيح الخيانة
بالفخر واجهت طعنة غدر
كما يرتقي في الصباح
المسيح إلى الجلجلة) (^٣).
أمّا أحمد دحبور فقد حكى عن نفسه بأنه تربى في أحضان أستاذ نصراني اسمه "موريس قبق" منذ أن كان في الرابعة عشر من عمره، وهو الذي دله على الشعر الحديث قائلًا: (. . . أخبرني أن الشعر الحديث هو الشعر، أمّا هذا الكلاسيكي السلفي فقد انتهى أمره. . .، ويضحك موريس قبق:
أراهنك أنك بعد سنة واحدة لن تكتب إلّا الشعر الحديث، ويوم أتيته سعيدًا بخسارة الرهان قال لي: هذا لا يكفي، الشعر الحديث يعني أن تكون
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٩٤.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٦ أقبل الزمن المستحيل.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٩ أمي تطارد قاتلها.
[ ٢ / ٩١٥ ]
حديثًا في روحك ولغتك، وليس في الوزن فقط، الحداثة تعني التغيير والتجديد باستمرار. . .) (^١).
فلا غرو أن يكون الوفاء لهذا المعلم النصراني بترديد عقائد ملته ورموزها، وقد فعل ذلك دحبور، فمن ذلك قوله:
(والفادي الذي رُفِضَت كفالته على خشب الصليب) (^٢).
فهو يقرر عقيدة الصلب المفتراة فى النص السابق، وفى نص آخر أيضًا حيث يقول:
(صلبت الناصري
كلنا خشبنا الأثم) (^٣).
ويقول: (على جبل من العذاب أمامهم، ولأجلهم، حُمّلت آلافًا من الصلبان ولن يجدوا لهم عذرًا فما شُبهت حين صُلبت) (^٤).
وتحت عنوان "أجراس الميلاد ١٩٧١" (^٥) يقول:
(تخبرني الأجراس هذا الليل
عن مقاتل يعرفه الصغار
في يديه مسماران
تكبر الحقول حوله
ووجهه منارة:
تضيء مرة
_________________
(١) ديوان أحمد دحبور: ص ٢٤ - ٢٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٦.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٣٧.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٧٠.
[ ٢ / ٩١٦ ]
ومرة تقول لا. . .
. . . ساعتها، تخبرني الأجراس أن ساعتي حانت
وأن سيدًا يغادر الصليب
يحتفي ببعثه الرجال والطريق
تبكي فرحًا مدينةٌ. . .) (^١).
وله مقطوعة أخرى بعنوان "أجراس الميلاد ١٩٧٤" (^٢) يقول فيها:
(واجتمع الفقراء على فصح مذهول) (^٣).
وأخرى بعنوان "أجراس الميلاد ١٩٧٧" (^٤).
ويقول في موضع آخر:
(في كنيسة، قديسة المستحيلات اشعلت لي شمعتين) (^٥).
وفي مقطوعة له بعنوان "نقطة سوداء" (^٦) مهداة إلى محمود درويش، يقول.
(قديسة المستحيلات بينت لي الأمر. . .
لا ربح ولا خسارة
بل ورقة أخذتها من دفتر الاماتة) (^٧).
ثم يضع هامشًا يشرح فيه المقصود بدفتر الاماتة قال: (هو دفتر يعطى لبعض الرهبان ليسجلوا فيه الحالات التي تمكنوا فيها من إماتة رغباتهم
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٧٠ - ٢٧٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٧٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٧٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٠٠.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٢٧.
(٦) المصدر السابق: ص ٥٢١.
(٧) المصدر السابق: ص ٥٢٨ - ٥٢٩.
[ ٢ / ٩١٧ ]
الدنيوية ليكونوا جديرين ببركة السيد المسيح) (^١).
وفي مقطع آخر عنوانه "٣٣" يقول:
(٣٣
اكتمال حب المسبحة
نقص واحدةٍ من سنوات المسيح بين المذود والخشبة) (^٢).
وهذا إقرار منه بعقيدة صلب المسيح -﵇- المفتراة، ولديه من هذا القبيل أشياء عديدة (^٣).
أمّا نوال السعداوي فقد حشت روايتها "سقوط الإمام" بالعقائد النصرانية حشوًا كريهًا، ومن ذلك قولها: (أذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد وأدعو المسيح لينقذني من الفقر، عشرون عامًا ولم ينقذني الأب أو الابن أو الروح القدس. . .) (^٤). فقد جعلت شخصية روايتها تذهب إلى الكنيسة تدعو غير اللَّه ثم لم تجد ملبيًا بعد دعاء عشرين سنة، ولم ينقذها الثالوث النصراني وهي في كل ذلك تسوق هذه العقائد في سياق نصراني يدل على ذلك أنها تصف الشخصية الأساسية في روايتها بأنها حملت وقالت (. . . كنت أصلي ويتجسد إله في أحلامي على شكل رجل، يمر بيد الحانية على صدري ويرتفع بطني بالمسيح) (^٥).
وهي عقيدة النصارى ذاتها تكررها بأسلوب قصصي هابط المعنى والمبنى.
وتقرر في موضع آخر أن عيسى ابن اللَّه (^٦) -تعالى اللَّه عما تقول- ثم
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٩٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٢٧.
(٣) نطر: المصدر السابق ص ٣٠، ٣١، ٥٧، ٧٠، ٣٦٦، ٤٢٧، ٥٣٩، ٦١٠، ٦٢٩.
(٤) سقوط الإمام: ص ٣٣.
(٥) المصدر السابق: ص ٤٦.
(٦) المصدر السابق: ص ٨٣.
[ ٢ / ٩١٨ ]
تقول: (ووجدتني أسير نحو الكنيسة وأنا أرسم فوق صدري الصليب، الأب والابن والروح القدس) (^١).
وتنسب إلى اللَّه تعالى الأبناء، وتسمي المولودة "بنت اللَّه" تعالى اللَّه وتقدّس عن هذا علوًا كبيرًا، ثم تقول: (وقال حارس القبة أن اللَّه هو الأب والابن والروح القدس. . .) (^٢).
إلى غير ذلك من عقائد الضلال، والنصرانية القاحلة التي تطبع هذه الرواية من أولها إلى آخرها.
ومن التأثر بالنصارى تسمية عبد اللَّه الغذامي كتابه الذي نال به درجة الدكتوراه من الغرب "الخطيئة والتكفير".
هذه نَماذج مختلفة لأشخاص مختلفين من بلاد عربية مختلفة، اجتمعوا في مذهب الحداثة مقلدين للأوروبيين وسائرين على خطاهم، في المادية مرة وفي النصرانية أخرى غير آبهين بما يقتضيه هذا وذاك من تناقض وتباين، فقد قنعوا بالمحاكاة التي يأملون أن يجنوا من خلفها احترام وتقدير أساتذتهم وتلامذة أساتذتهم.
وكيف لا يكون هؤلاء هكذا وأستاذهم الكبير الذي اقتفوا أثره "أليوت" الاستعماري النصراني حنى العظم، وهو أمريكي بروتستانتي، تخلص من جنسيته الأمريكية ونظرية الجمهورية السياسية، ومن ديانته، وذهب إلى بريطانيا ليعيش كاثوليكيا ملكيًا يؤمن بأن الدولة المثالية هي الدولة الكنيسية التي تشرف على التعليم فيها منظمات رهبانية، وأمن بالطبقية الملكية في بريطانيا، وأيدهم؛ لأن فيهم "دم الملوك" و"الصفوة المختارة" وأيد الاستعمار وعصبية العرق وقد صرح بأنه: كلاسيكي في الأدب، كاثوليكي انجليكاني في المذهب، ملكي في السياسة (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨٦.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣٢.
(٣) انظر في النقد الحديث: دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية د/ نصرت عبد الرحمن: ص ١٩٩.
[ ٢ / ٩١٩ ]
ولأليوت كلمات قوية في تأييد الاستعمار والنصرانية، يقول فيها: (والأشارة إلى الضرر الذي أصاب الثقافات الوطنية في أثناء التوسع الاستعماري ليس إدانة للاستعمار نفسه بحال، كما يحب دعاة تفكك الاستعمار أن يستنتجوا، بل إن أعداء الاستعمار هؤلاء أنفسهم هم في معظم الأحيان أكثر المؤمنين بتفوق المدنية الغربية اطمئنانًا في إيمانهم، بوصفهم أحرارًا، وهم يجمعون في وقت واحد بين العمى عن فوائد الحكم الاستعماري، وعن ضرر تحطيم الثقافة الوطنية، وحري بنا حسبما يرى هؤلاء المتحمسون أن نقحم أنفسنا على مدنية أخرى ونجهز أفرادها بمبتكراتنا الميكانيكية ونظمنا في الحكم والتعليم والقانون والطب والمالية، ونوحي إليهم احتقار عاداتهم، واتخاذ موقف مستنير من الخرافات الدينية، ثم نتركهم لينضجوا في الخليط الذي أغليناه لهم) (^١).
ويرى أليوت أن الثقافة والنظم والقوانين والفنون الموجودة في أوروبا كلها انبثقت من النصرانية، يقول: (في المسيحية نمت فنوننا، وفي المسيحية تأصلت -إلى عهد قريب- قوانين أوروبا.
وليس لتفكيرنا كله معنى أو دلالة خارج الإطار المسيحي.
وقد لا يؤمن فرد أوربي بأن الإيمان المسيحي حق، ولكن ما يقوله ويصنعه ويأتيه كله من تراثه في الثقافة المسيحية، ويعتمد في معناه على تلك الثقافة، وما كان يمكن أن تخرج فولتير أو نيتشه إلّا ثقافة مسيحية، وما أظن أن ثقافة أوروبا يُمكن أن تبقى حية إذا اختفى الإيمان المسيحي اختفاءًا تامًا. ولا يرجع اقتناعي بذلك إلى كوني مسيحيًا فحسب، بل أني مقتنع به أيضًا بوصفي دارسًا لعلم الأحياء الاجتماعي، إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا) (^٢).
ويضرب أليوت أمثلة بالمذاهب الأدبية التي نشأت في أوروبا حيث
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩٩ - ٢٠٠، نقلًا عن كتاب لأليوت بعنوان "ملاحظات نحو تعريف الثقافة" ص ١٠٩ ترجمة شكري عياد، المؤسسة المصرية العامة - القاهرة.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٠٠ نقلًا عن كتاب أليوت المذكور: ص ١٤٥ - ١٤٦.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
قرر أن الكلاسيكية مرتبطة بالكاثوليكية التي تؤمن بسلطة روحية خارج الفرد، وأن الرومانسية مرتبطة بالبروتستانتية التي تعتقد بالصوت الباطني (^١).
وإذا كانت قصيدة أليوت "الأرض اليباب" التي نالت من الشهرة والمكانة عند الحداثيين المنزلة الكبرى، وأصبح الاحتذاء بها والسير على منهجها وتقليد أساطيرها ورموزها النصرانية صرعة الحداثيين، وميدان تنافسهم في المحاكاة الشكلية والموضوعية.
قصيدة الأرض اليباب أو الأرض الخراب هي عبارة عن تصوير لخواء الحياة في الغرب، لتركهم الحياة النصرانية (وقد كان أليوت يؤمن أن الحضارة الغربية حضارة مسيحية، إذ أن الأرض الخراب هي نفسها أسطورة الأرض التي حلت بها اللعنة، وبات ملكها عاجزًا جنسيًا أمام شهوة زوجته، وكان على أحد المنقذين أن يعود إلى الكنيسة، ليصل إلى الكأس المقدسة، كأس الإخصاب الطبيعي والحضاري والروحي، فيرفع اللعنة عن الملك العقيم وزوجته الأرض المجدبة، إلّا أن "تيرزياس" بطل قصيدة "أليوت" لا يصل إلى هذه الكأس؛ لأنه افتقد الإيمان بالكنيسة والمسيح، فلا يبقى هنالك إلّا لعنة "الأرض الخراب") (^٢).
هذا ملخص لفكرة ومضمون قصيدة أليوت التي ذاب الحداثيون فيها تقليدًا واستعارة وتقمصًا.
ولا ريب أن أليوت وقصيدته كانت نموذجًا نصرانيًا كما قال روزنتال عن أليوت، وعن قصيدته (إن صوفيته الفكرية، وإيمانه بالعدل المطلق للعناية الإلهية واهتمامه باللاهوت بوجه عام، واتجاهاته الفلسفية قد برزت بروزًا هائلًا بسبب ما أضفى عليها من اهتمام زائد، فقصيدة "الأرض اليباب" يُمكن، بل يجب، أن تقرأ على أنها موعظة مسيحية مستترة و"القصائد الأربع" على أنها تأملات دينية صريحة) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٠١، وانظر عن الرومانسية وجذورها النصرانية في المصدر نفسه: ص ١٠٣، ١٢٢، وعن الكلاسيكية وأصولها النصرانية فيه أيضًا: ص ٢٠١.
(٢) الحداثة الأولى: ص ١١٨. وانظر: الاتجاهات الجديدة: ص ١٣٩.
(٣) في النقد الحديث: ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ ٢ / ٩٢١ ]
ولا يجحد الحداليون العرب تاثرهم بأليوت وقصيدته الأرض اليباب، بل يتبنون ذلك.
يقول باروت: (لقد أثرت "الأرض الخراب" عميقًا في تحولات الشعر العربي الحديث، وهضمتها شعريًا نخبة، وترى نموذجها الشعري في الغرب) (^١).
ويقول ناقد حداثي آخر: (. . . أليوت الذي أصبحت قصيدته "الأرض الخراب" معينًا لا ينضب للشعراء الذين أتوا من بعده) (^٢).
وبئس به من معين، بل من مستنقع آسن ردي!!.
ويتحدث الناقد نفسه عن أثر "أليوت" وينقل عن غيره من النقاد (^٣)، ثم يتكلم عن تأثير أليوت القوي على السياب وينقل عن غيره أن السياب (علاوة على اهتمامه بقصيدة أليوت "الأرض الخراب" ومحاولته الواعية أو غير الواعية تقليد ما جاء في تلك القصيدة الكبرى من إشارات مفرطة إلى الأساطير وإلى الآداب الأجنبية) (^٤).
ثم يضيف (أن الشعر العربي الحر يعي أليوت وعيًا شاملًا إلى درجة إدخال مقتطفات من قصائد أليوت بلغتها الإنكليزية في تضاعيف القصيدة العربية) (^٥).
ثم ذكر اعتراف السياب في مؤتمر روما يتأثر أليوت على الشعر العربي الحديث، الشيوعي منه وغير الشيوعي والردئ منه والجيد على السواء) (^٦).
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ٢٠٦.
(٢) الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص ١٣٦.
(٣) انظر: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص ١٣٨ وينقل عن محمد النويهي.
(٤) المصدر السابق: ص ١٤٠ - ١٤١، والنقل عن عبد الواحد لؤلؤة.
(٥) المصدر السابق: ص ١٤١، والكلام منقول عن عبد الواحد لؤلؤة.
(٦) المصدر السابق: ص ١٤١.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
ويشير ناقد آخر إلى عمق تأثير أليوت في الشعر الحديث، وينقل عن غيره من النقاد الحداثيين ما يؤكد أن (. . . مدرسة الشعر الحر. . . كان أليوت أكبر مؤثر في اتجاهاتها. . . إن قصيدة "الأرض الخراب" لأليوت كانت إنجيل شعراء مدرسة الشعر الحر في العالم العربي، وأعظم مثل فني اقتفوا أثره) (^١).
هذا هو السند المظلم الذي اتصل به الحداثيون، وحاولوا غرسه في بلاد العرب المسلمة، في سعي متواصل لاجتثاث شجرة الإسلام، ويأبى اللَّه إلّا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
• • •