مرت الأمة الإسلامية بمراحل عديدة، وتقلبات كثيرة، وتغيرات متنوعة، وكان أظهر تغير حصل فيها ما حدث في أخطر قضيتين هما: "المنهج" و"التطبيق".
فأمَّا "المنهج" فقد توجهت إليه سهام المبتدعة بالزيادة فيه والنقص منه، تارة من خلال النظر والكلام والمنطق والفلسفة، وتارة من خلال الذوق والزهد، ومن هؤلاء وهؤلاء خرج "الزنادقة" الذين لم يصبح لهم بالدين أية علاقة إلّا علاقة الانتساب الاسميّ لتغطية ما يريدون الوصول إليه من إفساد للدين والناس.
هذا على الصعيد الاعتقاديّ، أمَّا على الصمعيد الفقهيّ فقد تحول الفقه عند بعض الفقهاء وخصوصًا في العصور المتأخرة، إلى مجرد تقليد للمذهب، وتفريع على فروعه، وتحول الأمر عند بعضهم إلى اتباع المذهب قبل أو أكثر من اتباع الدليل، أضف إلى ذلك أن عزلة فرضت على العلماء قليلًا قليلًا، فانحاز بعضهم إلى الزهد والعزلة والانقطاع، وتحول بعضهم إلى فقه المذهب وفروعه وحواشيه، تاركين الحياة العامة في سيطرة أهل الأهواء والشهوات، الذين يقربون الموافق لهم، ويرسخون العزلة لمن اعتزل أو عزل.
نعم لم تخل الأرض من قائم للَّه بحجته، ومنافح عن دينه وشريعته وداع إلى
[ ١ / ٥٦ ]
صراطه المستقيم، ومجاهد في سبيله، ولم يخل أولئك العباد والفقهاء المعتزلون من خير انطوت عليه نفوسهم، ونية صالحة ومقصد حسن، رغم ما فيهم من قصور وعجز، أو ابتداع وإحداث، حاشا أولئك الزنادقة من المتفلسفة والمتصوفة، الذين أصبحوا في ضفة أخرى غير ضفة الإسلام.
أمَّا الأدباء والشعراء فقد تحولوا تدريجيًا -إلّا من رحم اللَّه- إلى أبواق مديح، أو أدوات إلهاء وتسلية، صاحب ذلك ما صاحبه من استجداء ومديح للظلمة، وترسيخ للطغيان وبيع للمواهب الثقافية في أبهاء السلاطين، في الوقت الذي كان الترف فيه ينخر الحياة ببطء، والذي كان من أجزائه كثرة الجواري والقينات المغنيات اللواتي ملأن قصور الخلفاء والوزراء والأثرياء، وقمن بإشاعة روح اللهو وتحويل حياة "الملأ" إلى عبث ومجون، إضافة إلى ما كن يقمن به من أدوار تجسس ومؤامرات تدمير، وكان من بينهن يهوديات ونصرانيات وكثير من الوثنيات، فأصبح الطرب صناعة، ودسائس الجواري والقينات مهارة، وكان أكثر الداء في قصور الحكام الذين استسلموا لهذا حتى أصبح بعد قرون من استمراره سببًا في انهاك وتقويض روح الجدية والبناء والجهاد.
أمَّا "التطبيق" فقد بدأ التحول فيه بانقضاء عصر الراشدين وكان تحولًا يسيرًا، ولكنه ما فتئ مع طول الزمن يتوسع، وإن حصلت حالات أوبة، كما حصل في عهد عمر بن عبد العزيز (^١) -﵀- وغيره ممن شابهه.
إلّا أن اتساع الشقة بين المنهج والتطبيق وبين الوضع العام وذوي التأثير من أهل العلم والدين كانت تتسع رويدًا رويدًا، وبصورة بطيئة لا تكاد
_________________
(١) هو: الإمام العلامة، المجتهد الزاهد العابد الراشد أمير المؤمنين، كان من أئمة الاجتهاد والجهاد، ومن الخلفاء الراشدين، سيرته العطرة محل عبرة وقدوة، وقد جعل بسياسته الصالحة ذكرًا حسنًا لأمة محمد -ﷺ- بين الأمم، وأثبت في الواقع أن الصلاح والتقوى والعلم والأمانة والعدل هي أساس الحكم الصالح الرشد، توفي عليه رحمة اللَّه عام ١٠١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١١٤، وتهذيب التهذيب ٣/ ٨٨، وحلية الأولياء ٥/ ٢٥٣.
[ ١ / ٥٧ ]
تلفت الأنظار، ومع كل ذلك فقد بقيت الأمة في مجموعها -رغم كل هذه القواصم- معتصمة بدينها قائمة بالمقتضى الإيمانيّ والتعبديّ والتشريعيّ والأخلاقيّ والحضاريّ والتعبيريّ والاجتماعيّ لكلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه" ذلك أن الهبوط كان في معظمه نزولًا عن القمم السامقة أكثر من كونه انحرافًا عن الجادة.
إلَّا أن سنة اللَّه تعالى في خلقه لا تتبدل، فهو -سبحانه- لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد ضعفت أمم سابقة بسبب ضعف دينها، واندثرت عندما تركت الدين وأخلدت إلى الأرض، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (^١).
وأمة الإسلام تجري عليها ذات السنن التي جرت على الأمم قبلها، ولكنها سلمت من الزوال التام والاندثار الكامل رغم استمرارها في خط النزول البطيء، ذلك أن اللَّه توكل بحفظها، وحفظ كتابها ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (^٢).
ومن ناحية أخرى فإن هذه الأمة على الرغم من كل ما أصابها من عوامل الضعف والمرض لم تتخل عن الحكم بشريعة اللَّه طوال أربعة عشر قرنًا رغم ما حصل من شهوات مفسدة وشبهات ممرضة، وكذلك عاشت الأمة هذه الحقبة الطويلة من الزمن ولم تزل بالكلية رغم الكوارث الداخلية والخارجية التي أحاطت بها، بل كانت حتى في مسيرة هبوطها البطيئة تأتي لها صحوات عودة صاعدة، وانبعاثات تجديد مرتفعة، ومجرد بقاء أمة الإسلام هذه المدة الطويلة من الزمن على الرغم مما أصابها دليل حفظ اللَّه تعالى لها، ودليل بعث جديد نشهد اليوم ما يشبه أن يكون مولدًا جديدًا تعاني الأمة مخاضه بكل آلامه.
والناظر في تاريخ الأمة في القرون الثلاثة الفاضلة المشهود لهم بالخير
_________________
(١) الآية ٤٣ من سورة فاطر.
(٢) الآية ٩ من سورة الحجر.
[ ١ / ٥٨ ]
والعدل والإحسان، والعلم والإيمان، يجد فيه من العظات والعبر والدلائل والشواهد والنماذج ما يقتضي الاتساء، كما أن في القرون التالية من الفواقر العلمية والعملية على كل الأصعدة ما يقتضي الحذر.
فالدين على سموه ورفعة شأنه ووثاقة دليله وصواب تعاليمه وصدق أخباره، لا يعمل في واقع الحياة من تلقاء نفسه بعيدًا عن عمل البشر وتطبيقهم.
فكما أن الدين جاء لإسعاد البشر فهو لا يعمل في الواقع بدون البشر، ولو شاء اللَّه لقهر الناس على الهدى، فلا ينحرفون عن الدين ولا ينصرفون كما لا تنصرف الشمس والأفلاك عن مسارها الذي قدره اللَّه لها، ولكن اللَّه تعالى لما خلق الإنسان جعله عاقلًا مريدًا يختار بين البدائل، بين الخير والشر والحق الضلال والفضيلة والرذيلة، وفي مقابل ذلك صار هذا الإنسان يحمل تبعة اختياره، وأصبح ما يحدث له في الدنيا والآخرة نتيجة لأعماله.
قال اللَّه تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (^١).
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ (^٢).
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣)
وقال سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ (^٤).
_________________
(١) الآية ٤١ من سورة الروم.
(٢) الآية ٤٤ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ٩٦ من سورة الأعراف.
(٤) الآية ١٦ من سورة الجن.
[ ١ / ٥٩ ]
وقال جلَّ وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (^١).
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (^٣).
وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن الدين يؤثر في حياة الناس من خلال النفوس التي تحمله، والبشر الذين يطبقونه، على قدر إقبالهم على الدين وإعراضهم عنه وحملهم أو تركهم له، وتطبيقه كاملًا أو تطبيق بعضه، والتزام مقتضياته أو عدم التزامها، والفارق بين دين الإسلام وغيره من المناهج، أنه في ذاته هو المنهج الصحيح والصراط المستقيم، في حين أن غيره من المناهج قد دخلها التحريف مثل أديان أهل الكتاب، أو قامت على بناء جاهليّ مثل المناهج الوضعية عمومًا.
كما أن دين الإسلام يفترق عن غيره أن النفوس والعقول تتقبله؛ لأنه دين الفطرة، في حين أن غيره -وإن تقبلته بعض النفوس- يلقى نفرة من النفوس والفطر والعقول، ولذلك نرى أن مما تميز به دين الإسلام على غيره أنه إذا تشبعت به النفوس، نفوس الأفراد أو الشعوب أو الأمم، فإنها تكون أبطأ انحرافًا -حين تصيبها أسباب الانحراف- من النفوس التي تقوم على عقائد باطلة، كما أنها تكون أقرب للشفاء من الأمراض التي تصيبها من النفوس التي لا تعرف الدين الصحيح أصلًا.
كل هذا يمكن من خلاله أن نعرف الأدواء التي أصابت الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل، كيف هبطت؟ ولماذا لم تحافظ على مكانتها
_________________
(١) الآية ٥٣ من سورة الأنفال.
(٢) الآية ١٦ من سورة الإسراء.
(٣) الآية ١١٧ من سورة هود.
[ ١ / ٦٠ ]
ومنزلتها العالية؟، بل لماذا لم تحافظ حتى على المستوى الأدنى الذي ما كان ينبغي لها -مطلقًا- أن تنزل عنه كما حصل في هذه الأزمنة الراهنة؟.
لقد تردى حال الأمة في هذه الحقبة ترديًا لم يسبق له مثيل في كل تاريخها، كانت تجتمع تحت راية الدولة العثمانية التي ورثت من أمراض من سبقها ما ورثت، وأضافت هي مع مرور الأيام أمراضًا أخرى وانحرافات غير التي ورثتها، سواء على المستوى المنهجيّ أو على المستوى التطبيقيّ، وما زالت تلك الانحرافات تتزايد والأمراض تتفاقم، وتعم آثارها كل بلاد الإسلام ومجتمعاته، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تأخذ بأسباب القوة والرقيّ، الماديّ والإداريّ على ما في هذه الأسباب من شطط، أو بعبارة أدق ما في أساسها الفلسفي من انحراف وجاهلية، إلّا أنها كانت في الواقع التطبيقي موضع قوة، استطاعت أوروبا من خلاله أن تقف ضد المسلمين في الحرب الصليبية الحديثة.
فبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى ١٣٣٢ - ١٣٣٦ هـ/ ١٩١٤ م - ١٩١٨ م والتي عصفت بالعالم طوال أربع سنوات، أدت الحرب إلى تغييرات جذرية في العالم، وإلى توازن غير مستقر اختل من جديد على نطاق واسع بعد واحد وعشرين عامًا حين نشبت الحرب العالمية الثانية ١٣٥٨ - ١٣٦٤ هـ/ ١٩٣٩ - ١٩٤٥ م، ومن هم هذه التغيرات اختفاء الدولة العثمانية (^١) واقتسام البلاد الإسلامية، بعد اتفاقية "سايكس بيكو" ١٣٣٤ هـ/ ١٩١٦ م والقائمة على تفاهم سريّ استعماريّ بين بريطانيا وفرنسا متمم لاتفاق رئيسيّ بين بريطانيا وفرنسا وروسيا لتقسيم الدولة العثمانية، وقد عينت فرنسا "جورج بيكو" قنصلها العام في بيروت مندوبًا ساميًا مكلفًا بمفاوضة الحكومة البريطانية بشأن مستقبل الولايات العربية في الدولة العثمانية مع مندوب الحكومة البريطانية "مارك سايكس" عضو مجلس العموم البريطاني والمندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى، واتفقا بعد عدة مداولات بينهما ومع وزير خارجية روسيا القيصرية على تقسيم أراضي الدولة العثمانية،
_________________
(١) انظر: موسوعة السياسية ٢/ ١٩٨ - ٢٠١.
[ ١ / ٦١ ]
وتفتيتها إلى كيانات صغيرة تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا وروسيا، وتعتبر هذه الاتفاقية أبرز أمثلة الخداع الغربيّ الصليبيّ الاستعماريّ للبلاد الإسلامية، وللشعوب عامة، إذ قامت بريطانيا بالتفاوض عليها وإبرامها في الوقت الذي كانت تعد فيه العرب بتأييد مطالبهم إذا ما حاربوا إلى جانبها ضد العثمانيين، وتنتهك بشكل فاضح مبدأ تقرير المصير الذي ادعى الحلفاء الالتزام به، إضافة إلى أنها كانت اللبنة الأولى لفرض اليهود في بلاد المسلمين وتوطيد أقدامهم في فلسطين من خلال وعد بلفور سنة ١٣٣٥ هـ/ ١٩١٧ م (^١) أي بعد اتفاقية سايكس وبيكو بسنة واحدة (^٢).
وبهذا تفككت الوحدة العضوية للأمة الإسلامية وتبدلت بالحدود والتقسيمات والكيانات المتفق عليها في هذه الاتفاقية، فسقطت حتى الصورة التي كان المسلمون يرون فيها الرمز الشكليّ لوحدتهم، سقطت لأنها كانت مجرد صورة أمام حقائق كثيرة، واحدة منها تكفي في إتلافها، فكيف وقد اجتمعت وتظافرت!!.
وحل الاستعمار بعد انتهاء الحرب العالمية بقواته وجيوشه في أكثر بلاد المسلمين، واحتلوا أرضهم، وتحكموا في رقابهم وحياتهم، واشتغلوا بتغيير الأسس الفكرية والثقافية من خلال تغيير نمط التعليم، والاستيلاء على الصحافة، وتقويض مكانة أهل العلم والدين، وصياغة المجتمع صياغة أخرى على غير دين الإسلام.
كما اهتموا وبصورة مركزة على إيجاد أدوات تنفيذ لهم من أبناء المسلمين، وركزوا بشكل أخص على فئتين هما: "فئة الإداريين" و"فئة المثقفين" التي سوف يكون لهما أبلغ التأثير في تغيير وجهة الحياة في البلدان الإسلامية.
_________________
(١) انظر: وعد بلفور في المصدر السابق ٧/ ٥٣٦.
(٢) انظر: اتفاقية سايكس وبيكو في المصدر السابق ٣/ ١٢٠ - ١٢٣، وقد بقيت هذه الاتفاقية قيد الكتمان حتى إذا جاء البلاشفة وأسقطوا حكم القياصرة نشروها نكاية بهم.
[ ١ / ٦٢ ]
رحل الاستعمار الغربيّ بجيوشه وعساكره ولكنه خلف وراءه عوامل الخراب والدمار والانحراف.
الوحدة صارت شتاتًا، والشرع أصبح مكانه القانون، والمرأة أخرجت من عفتها وكرامتها وحجابها، وأضحت الخمور والعهر من الأمور العادية، وبدأت وجهة الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تتخذ مسارًا آخر حين ترك الاستعمار في مواطن التأثير والنفوذ تلامذته من أبناء البلاد المستعمرة، الذين قاموا بأدوار كبيرة لترسيخ الضلال والانحرافات التي لم يستطع ذوو الكفر الأصلي من المحتلين القيام بها.
قاموا بتنفيذ الدور الذي رسم لهم بدقة فاقت التصور، بل زادوا على ذلك ألوانًا من الضلال والفجور لم يكن المستعمر الأصليّ بقادر على تنفيذها، فصودر الشرع الشريف وحل مكانه القانون البشريّ، وأصبح تدريس الفلسفات المادية والمذاهب الوضعية بديلًا أساسيًا لتدريس العقيدة الإسلامية، وأضحى الإعلام منبر بث أنواع الانحرافات والضلالات الفكرية والسلوكية.
ومن أخطر الفئات التي قامت بتنفيذ مخطط الانحرافات "فئة المثقفين العلمانيين والحداثيين" ذوي العقول المسترقَة والنفوس المستعبدة، التي قامت وما زالت تقوم بترويج الركام الوثنيّ، وتسويق إفرازات الغرب الماديّ من مذاهب وفلسفات وممارسات خلقية واجتماعية وسياسية.
بيد أن الهوة السحيقة التي يسعى وكلاء الغرب اليوم إلى تعميقها وجرّ الأمة إليها، لم تنشأ بين يوم وليلة، بل كان لها إرهاصات عديدة، وأولها ما سبق الحديث عنه في قضية المنهج والتطبيق، ثم ما ترتب على ذلك من خلخلة في المفاهيم والمناهج واضطراب في ميادين التطبيق والعمل.
إن الانحرافات الكبيرة تبدأ صغيرة محتقرة في أول الأمر، ولكنها لا تفتأ تزداد على مر العصور وكر الأيام، حتى تصبح كبيرة متجذرة، لا يقوى على مقاومتها والتصدي لها إلّا أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية.
فالتصوف -مثلًا- كان في الدولة الأموية في زوايا مهملة لا أثر لها،
[ ١ / ٦٣ ]
ثم انتشر في الدولة العباسية أكثر، ومع ذلك كان منعزلًا عن المجتمع، أمَّا في الدولة العثمانية، فقد أصبحت الصوفية هي الدين، وهي المدخل إلى العلم والتدين.
ومن هنا رسخت الخرافات والأوهام تحت شعارات "من لا شيخ له فشيخه إبليس" و"كن مع شيخك كالميت بين يدي الغاسل"، وتظاهر مع الصوفية العقيدة الإرجائية التي تجعل الإيمان مجرد تصديق القلب، وتقول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.
وتدريجيًا أفرغت حياة المسلمين من التدين الصحيح ومن العمل النافع، ولم يبق فيها سوى وجدانيات قلبية مخلوطة بالانحرافات والضلالات.
وهذا مجرد مثال يُمكن تطبيق نمطه في الجانب الفقهيّ حيث "سُد باب الاجتهاد" وفي الجانب السياسي والاجتماعي وغيرها من الجوانب.
وبدأ الجمود والتخلف يسيطر على بلاد المسلمين قليلًا قليلًا حتى ضرب بجرانه وأصبح واقعًا ملموسًا، علمًا بأن عوامل الانحراف والضعف والجمود لم تأت جملة واحدة بل كانت تتراكم في بطء مع الأيام، ولم تأت كذلك في خط مستقيم مباشر، وإنّما كان الخط البياني لها مع استمرار انحداره التدريجيّ يصعد مرات مع ظهور المجددين، والغيورين على دينهم وأمتهم من أهل العلم وأهل السلطان.
ومهما يكن من أمر فقد اجتمعت حصيات الانحراف لتكون كومة واجتمعت الكومات لتكون جبالًا، وتفاعلت الانحرافات بعضها مع بعض حتى وصلت الأمة إلى الهوة الهابطة السحيقة، والناظر في تاريخ الأمة من القمة إلى الهوة يجد أمرًا مذهلًا محيرًا ومسافة بعيدة تدير الرؤوس، حتى كأنّما ينظر إلى أمتين منفصلتين عن بعضهما.
مفهوم العبادة للَّه تغير، وكلمة التوحيد أضحت عند كثيرين مجرد كلمة تقال، والعمل في وادٍ وكلمة التوحيد في وادٍ آخر.
[ ١ / ٦٤ ]
والتواكل والبطالة أضحت سمة غالبة، والمفهوم السلبي لعقيدة القضاء والقدر صار شائعًا، وأَصبح الدين في النهاية مجرد خيال وصورة خالية من الحقيقة، ومفهوم الجهاد عطل، وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أزيحت من الواقع.
هذا هو غالب حال الأمة، ولايعني ذلك أنها خلت تمامًا من مؤمنين صادقين واعين مخلصين باذلين، سائرين وفق المنهج الصحيح، فهذه نماذج لم تخل منها حقبة من تاريخ المسلمين، ولكن الصورة السائدة، هي التي تقرر الموقف العمليّ، وليست القلة المتميزة مهما يكن حجم تميزها، إلّا أن يكون في أيديها مقاليد الأمور (^١).
جاء العصر الحاضر والأمة تتقلب في سفوح التخلف، فاستطاع الأعداء -بكل بساطة- أن يجدوا ثغرات الاختراق لجسد الأمة وحماها، فالتخلف الاعتقادي -الذي هو أساس كل تخلف- أضحى بلاء مستشريًا في كل بلاد المسلمين، حتى الجزيرة العربية مهبط الوحي ومنبع الرسالة تحولت إلى ما يشبه حال الجاهلية الأولى، فالقبور والأشجار تقدس وتعبد من دون اللَّه، والكهان والسحرة أكثر من العلماء وأشد تأثيرًا، والقبائل عادت إلى أساليب الغزو والسلب والنهب الذي كان قبل الإسلام، ولم يرتفع ذلك إلّا بدعوة التوحيد المعاصرة للإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه اللَّه تعالى.
والجزيرة مجرد مثال لأوضاع أخرى أشد وأنكى في كل بلاد المسلمين.
ومن التخلف الاعتقاديّ نشأت كل أنواع التخلف الأخرى: التخلف السياسيّ، والاقتصاديّ، والعلمي التجريبيّ، والحضاريّ، والثقافيّ، والفكريّ، والحربيّ، والصناعيّ.
ويُمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض الخطوط العامة في مسيرة الانحراف الثقافيّ والأدبيّ والفنيّ:
_________________
(١) انظر: واقعنا المعاصر: ص ١١٣ - ١٦٤.
[ ١ / ٦٥ ]
١ - التخلف الاعتقاديّ والثقافي والحضاريّ الداخلي في الأمة الإسلامية: وقد سبق بيان بعض ملامحه وهو الأساس لقابلية التبعية والاستعمار.
٢ - الحملة الفرنسية في عام ١٢١٢ هـ/ ١٧٩٨ م: ويعتبرها المنهزمون بداية الفتح العظيم، ومقدمة الانفتاح على العالم المتحضر، ويتحدثون عنها باعتبارها أعظم المآثر، وأفضل الإنجازات، ولم يذكر هؤلاء أنها كانت حملة صليبية، اتخذت من مصر قاعدة لقطع الطريق بين بريطانيا والهند بسبب التنافس الاستعماريّ.
جاءت الحملة الفرنسية ببعثة علمية وبمطبعة عربية لطبع الأوامر والتوجيهات والمنشورات "التحديثية" و"التقدمية"!! التي يصدرها الفرنسيون إلى المسلمين في مصر!!، وبدأ قائد الحملة ينفذ مخططه الصليبيّ بالمخادعة والتلاعب بالناس حين زعم أنه مسلم مثلهم، وأول نقاط المخطط التي بدأ بتنفيذها فعلًا، محاولة تنحية الشريعة الإسلامية.
وبدأت المطبعة تطالب الناس وتقنعهم بالخضوع للحملة الفرنسية ولأوامرها وإرشاداتها التي لا تريد من ورائها سوى الخير للمسلمين!!، وأن الإيمان بالقدر يستلزم الاستسلام الكامل للفرنسيين وعدم مقاومتهم، وطبعت المطبعة القانون الذي كان يستهدف إبطال الشريعة الإسلامية بالتدريج.
وقامت "البعثة العلمية" -حسب تسميتها- بنبش آثار الوثنية الفرعونية لتربط المصري بها بدلًا من الإسلام أو على الأقل يتذبذب بين الإسلام والوثنية.
وجاءت الحملة معها بمجموعة من البغايا والساقطات، وأرسلتهن في الشوارع حاسرات مظهرات لمفاتن أجسادهن، مغريات للمسلمات بتقليدهن والسير على منوالهن.
وعلى كل حال فقد كانت هذه الحملة العسكرية الموجهة ضد المسلمين ذات أهداف استعمارية واعتقادية، وكان لها نتائج سياسية واقتصادية
[ ١ / ٦٦ ]
وفكرية وسلوكية بالغة على مصير العرب في العصور الحديثة، وأسهمت في تفكيك الدولة العثمانية، تمهيدًا لاقتسام ممتلكاتها بين الدول الكبرى كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى (^١).
٣ - ولاية محمد علي (^٢) ١٢١٩ - ١٢٦٤ هـ/ ١٨٠٥ - ١٨٤٨ م: تولى حكم مصر نيفًا وأربعين عامًا، تولى بأمر السلطان العثمانيّ وتحت ولايته عام ١٨٠٥ م أي بعد خروج الحملة الفرنسية بثلاثة أعوام فطارد المماليك وقضى عليهم نهائيًا في مذبحة القلعة ١٢٢٥ هـ/ ١٨١١ م، وقضى على المقاومة الشعبية التي أوصلته للحكم، وقضى على بني قومه ومصدر قوته العساكر الألبان ثم بدأ يتصل بالفرنسيين الذين كانت علاقته بهم قديمة سرية واستعان بهم وبعموم الأوروبيين في بناء دولة على أسس من تنظيم حديث للجيش وبناء للبحرية، واقتضاه ذلك فتح المدارس الحديثة وإقامة المصانع، وإرسال البعثات.
وبدأ يحارب الدولة العثمانية وانتصر عليها بعد أن كان واليًا لها وبمساعدة من الأوروبيين استطاع الانفصال بمصر عن الدولة العثمانية وأبرمت لأجله معاهدة لندن ١٢٥٥ هـ/ ١٨٤٠ م والتي حصرت حكمه في داخل مصر وجعلت الحكم فيه وفي ذريته وحدهم.
ويعتبر محمد علي -عند المؤرخين والمفكرين العلمانيين- المؤسس الأول لدولة العلمانية والحداثة والممهد الأكبر للمشروعات التحديثية "التغريبية" المعاصرة، وقد عرف من شخصيته الغلظة والقسوة ومحبة الفخر،
_________________
(١) انظر: موسوعة السياسية ٢/ ٥٨٣ - ٥٨٦، واقعنا المعاصر: ص ١٩٨ - ٢٠٤.
(٢) هو: والي مصر من ١٢١٩ - ١٢٦٤ هـ، ولد في مقدونية التابعة لليونان اليوم سنة ١١٨٣ هـ/ ١٧٦٩ م من أسرة ألبانية، ادعى بعد ذلك أنه علويّ النسب، تولى للدولة العثمانية سنة ١٢١٩ هـ/ ١٨٠٥ م فقضى على المماليك في مذبحة القلعة سنة ١٢٢٥ هـ/ ١٨١١ م ثم استعان بالأوروبيين فانفصل عن العثمانيين وأصبح أداة لتنفيذ المآرب الغربية، وفي عهده بدأ الحكم بالقوانين وتعطيل الشريعة وإرسال البعثات التي قادت حركة التغريب والردة العلمانية المعاصرة، هلك سنة ١٢٦٤ هـ/ ١٨٤٨ م. انظر: موسوعة السياسية ٦/ ٩٢.
[ ١ / ٦٧ ]
وجنون العظمة، وهي صفات تؤهله (^١) ليكون ناجحًا في القيام بالأدوار التي تريدها الدول الغربية في بلاد المسلمين، احتوته فرنسا وأنشأت له جيشًا حديثًا مدربًا ومجهزًا، وأسطولًا بحريًا حديثًا وترسانة بحرية، والقناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر.
وقام محمد علي في مقابل ذلك بدور خطير في نقل مصر من المرتكز الإسلامي إلى شيء آخر، لقد كان الغرب يهدف إلى القضاء على الإسلام الحقيقي، الإسلام الصحيح الفعال، ووضع -آنذاك- أهدافًا مرحلية معينة تحقق له الوصول إلى غرضه، ومن أهم هذه الأهداف: القضاء على الكيان العضوي الجامع للمسلمين تحت راية "الدولة العثمانية"، والقيام بحملات "تغريب" للمسلمين، والتركيز على مصر -بلد الأزهر ومركز الثقل-، وتصدير التغريب إلى بقية العالم الإسلامي؛ ليضمنوا حينئذٍ تفتيت القوة الموحدة، ويحققوا تبعية العالم الإسلامي للغرب.
وكان محمد علي من أبرز من قام بهذا الدور، فقد أغروه بالانفصال عن الدولة العثمانية ومحاربتها والاستقلال عنها، ومكنوه من القيام بعملية التغريب، من خلال إغرائه بتحديث الدولة المستقلة!! وتحقيق أسباب القوة لها وكانت سياسة "الابتعاث" من أخطر ما فعله محمد علي لتحقيق المخطط التغريبيّ، ومنه بدأ الخطر "العلماني" يدخل ساحة التعليم والثقافة والفن والأدب ثم إلى ساحة الحياة العامة.
قام محمد علي بإرسال الشباب الصغار الأغرار عديمي الحصانة إلى فرنسا ليأخذوا من هناك ما شاءوا من العلم أو الفساد أو السلوك الغربي أو العمالة، ثم ليعودوا بعد ذلك ليكونوا رسل الغرب فكريًا وسلوكيًا وسياسيًا في بلاد المسلمين.
نعم كان محمد علي يرسل مع المبتعثين إمامًا للصلاة، يؤمهم
_________________
(١) هذه الصفات كانت متوفرة بعد ذلك في مجموعة من أدوات التخريب الغربيّ ومنهم أتاتورك وعبد الناصر وبورقيبة وصدام وغيرهم، ولذلك كانت من أبرز المؤهلات لاختيارهم ودفعهم لتنفيذ المآرب الغربية.
[ ١ / ٦٨ ]
ويعلمهم أمور دينهم، وكان هذا الإرسال مراعاة لتقاليد لها قداستها لا يُمكن الخروج عليها؛ لأن الصلاة كانت آنذاك ذات مكانة كبيرة في حس المسلمين ولا يُمكن التهاون في شأنها، ولا يتمكن محمد علي من كسر هذا الأمر في ذلك الحين.
ولكن الأئمة والمرشدين الدينيين أنفسهم كانوا جهلة ومنهزمين معنويًا وفكريًا فعادوا أئمة للتغريب ودعاة للتبعية، وكان من أشهرهم "رفاعة رافع الطهطاوي" (^١) الذي يعده العلمانيون والحداثيون طليعتهم.
عاد داعية إلى تحرير المرأة أي إلى السفور والاختلاط، وإلى الرقص، وإلى تقليد الغرب في أنماط حياته، قام بذلك رغم أن المجتمع آنذاك لا يتقبل ذلك، ولكن كان من ورائه محمد علي ونظامه المنشآن على عين أوروبا.
وقد قام محمد علي وأبناؤه من بعده، وتلامذة المدارس الغربية بدور كبير في جعل محور جديد للحياة مع المحور السابق الذي كانت عليه الأمة "محور الإسلام" وأسسوا قواعد النفوذ الفرنسي خاصة والغربيّ عامة، وفتحوا باب التغريب على مصاريعه، ولكن أمام الرياح الفرنسية خاصة، ثم جاء الدور البريطانيّ (^٢) بعد ذلك.
لقد كان "الطهطاوي" أحد الأمثلة بل أظهر الأمثلة للتبعية والمدافعة عن مواقف وأفكار أسياده، وما سجله في كتبه أكبر دليل على محاولات
_________________
(١) رفاعة رافع بن بدوي الطهطاوي، ولد في طهطا عام ١٢١٦ هـ، وتعلم في الأزهر، أرسلته حكومة محمد علي إمامًا للصلاة والوعظ مع بعثة إلى فرنسا وهناك تأثر وانسلخ من عقيدته، وعاد مبشرًا بالغرب وعقائده وأفكاره ونمط حياته، وألف في ذلك الكتب وأنشأ جريدة الوقائع المصرية، يعده العلمانيون والجهلة أحد أركان النهضة العلمية العربية بل إمامها في مصر، وهو في الحقيقة طليعة المنادين بالانحرافات الاعتقادية والسلوكية التي سار على دروبها المنهزمون من العلمانيين الحداثيين والإباحيين. انظر: الأعلام ٣/ ٢٩.
(٢) انظر عن محمد علي ودوره في: موسوعة السياسة ٦/ ٩٢ - ٩٣، وواقعنا المعاصر: ص ٢٠٥ - ٢١٥.
[ ١ / ٦٩ ]
الإلحاق الأولى التي يعتز بها العلمانيون والحداثيون اليوم.
ومع اعتزازهم به يشهدون بأنه (إبان احتلال الجزائر كان الطهطاوي يقيم في فرنسا، ولم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسيّ، ذلك أن فرنسا وأوروبا لم تسعيا في نظره وراء القوة السياسية والتوسع بل وراء العلم والتقدم الماديّ، كان عهده عهد اختراعات عظيمة، فكتب عنها بإعجاب "قناة السويس" ومشروع قناة بنما، والخط الحديدي القاريّ في أمريكا، ويبدو أن تطور المواصلات أدهشه حقًا فخص القطار البخاريّ بقصيدة عامرة. . . وحين احتلت الجزائر كان الطهطاوي هناك فلم ينل الحدث اهتمامه، وأوجز رؤيته لاحتلال الجزائر بالقول: إن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنّما هو مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات منشؤها التكبر والتعاظم) (^١).
وهذا النص وحده كاف في تصوير مقدار المسخ الذي أصاب عقل هذا الرجل الذي نال من الشهرة والإعجاب عند العلمانيين والمستغربين العرب ما لم ينله سواه (^٢)، نعم لم يكن هو الوحيد الذي سعى في إلحاق الأمة بالغرب، ولكنه كان الأظهر والأشهر.
وكانت كتبه المؤلفة والمترجمة أدلة صارخة على سعيه هذا، فهو على صعيد محاربة الشريعة الإسلامية -مثلًا- قام (بترجمة دستور ١٨١٨ م الفرنسي والمواد المعدلة التي أدخلتها عليه ثورة ١٨٣٠ م، وترجمة "العقد الاجتماعي" لروسو، و"روح القوانين"، و"تأملات في أسباب عظمة نهضة الرومان وانحطاطهم" لمونتسيكو. . . ولم يرفض استخدام العامية. . . وكان "تخليص الإبريز" الذي طبع عام ١٨٣٤ م هو البشارة الطهطاوية بمصر الجديدة التي لم يرها، ولكنها الممكنة، وعلى الرغم من أن الفكرة الوطنية المصرية والرؤية الليبرالية هما محور هذا الكتاب إلّا أن محمد علي. . . لم
_________________
(١) بحثًا عن الحداثة: ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) انظر: أمثلة من ثنائهم عليه في قضايا وشهادات ٢/ ١١، ١٢، ٢/ ١٢٢ - ١٢٣، ٢/ ١٤١ - ١٥١.
[ ١ / ٧٠ ]
يتخذ موقفًا سلبيًا واحدًا من الطهطاوي) (^١).
والحقيقة أن محمد علي وقف مع الطهطاوي وزملائه من المستغربين مساندًا مؤيدًا ليتكامل بذلك ضغط فكي التأثير الفكريّ والسياسيّ، في سياق استعارة فكرية وسياسية، وإلحاق بذيل قافلة الغرب.
٤ - مرحلة الاحتلال البريطاني الذي بدأ باحتلال مصر في عام ١٢٩٩ هـ/ ١٨٨٢ م: حيث استلم الإنجليز قيادة التأثير الفكريّ والسياسيّ بدلًا من الفرنسيين، وواصلوا تنفيذ المخطط مع زيادات أخر أجادها الإنجليز أكثر من أسلافهم واستفادوا من الأرضية السابقة التي هيأت لهم من قبل الفرنسيين ومحمد علي وأبنائه.
وجاؤوا إلى مصر أولًا، ومصر نافذة التأثير على غيرها من بلدان المسلمين في ذلك الزمان وحتى الآن.
وسعى المعتمد البريطاني (^٢) في تثبيت دعائم الحضارة المسيحية -حسب قوله- إلى أقصى حد ممكن وعين قسيسًا حاذقًا في الألاعيب وراسخًا في الحقد على الإسلام، عينه مستشارًا لوزارة المعارف (^٣)، وكان في يده السلطة الفعلية الكاملة في وزارة المعارف، ونفذ مخططًا واسع الأرجاء لإبعاد أبناء المسلمين عن دينهم، وتزهيدهم في العلوم الشرعية، وتشجيعهم على تلقي المذاهب والفلسفات الفكرية القادمة من وراء البحار، وقضى بخطته هذه على الأزهر والمدارس الشرعية والدراسات العربية وأخرج جيلًا جديدًا يمثل طبقة جديدة من المجتمع عن طريقها يتحرك المستعمر في كل المجالات الثقافية والفنية والأدبية والسياسية والتربوية والاجتماعية، وبواسطتها يتم تنفيذ الأدوار المطلوبة المرسومة، وتناسلت هذه الطبقة وتكاثرت حتى أصبحت هي المتنفذة في الأمور العامة.
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢/ ١٤٤ - ١٤٥ والكلام لغالي شكري.
(٢) هو اللورد كرومر.
(٣) هو دنلوب.
[ ١ / ٧١ ]
وبالمخطط الصليبي الذي رسمه مستشار وزارة المعارف خرجت أجيال لا ترى النور والخير إلّا فيما عند الغرب، ولا ترى الشر والضر إلّا فيما جاء به الإسلام، وهكذا أطبق بمخططه على أعناق الأجيال التي أصبحت بعد ذلك تتجه نحو الغرب بصواعية وبشغف، وتتلقى عنه المفاهيم والعقائد والممارسات ثم تعود لغرسها وتثبيتها في واقع الأمة المسلمة، من خلال التعليم والإعلام، ودور النشر، والمجامع الثقافية، والمدارس الأدبية، والصحف والمجلات والأندية والفن الذي أصبح يساوي العفن والانحراف والرذيلة، ولم يقتصر هذا التأثير على مصر، وإن كانت هي أوفر البلدان الإسلامية نصيبًا من الهجوم والمحاربة والغزو، ولكن الأمر كان أوسع من ذلك وأبشع، وذلك في المرحلة اللاحقة.
٥ - مرحلة الاستعمار والتي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والتي نفذت فيها المقررات السرية لمؤتمر سايكس وبيكو، وقد سبق شرح ذلك في مقدمة هذا البحث، وذكر آثاره ونتائجه.
كل هذه المراحل وما تبعها من أحداث أدت إلى إيجاد أجيال جديدة مبتوتة الصلة مع تراثها وحضارتها، ملتصقة بالجسد الغربيّ الذي لا يرضى ولن يرضى إلّا أن تكون مجرد تابعة خاضعة منفذة للمآرب.
وأقلها خبثًا تلك التي كانت تقف موقف المشكك المرتاب إزاء كل ما يتعلق بالدين وتاريخ الأمة ولغتها ومستقبلها، وتقف موقف الهائب المستيقن إزاء كل ما يجيء من الغرب.
وإذا رحنا نتتبع آثار تلك المقدمات في مجال الفن والثقافة والأدب فإننا نجد أن هذا المجال هو أوسع الميادين تأثرًا بالتغريب، وأقواها تأثيرًا لصالح المشروع التغريبي.
وسوف أعرض في عجالة سريعة الملامح الأساسية في مجال الفكر والأدب:
١ - يكاد يجمع المؤرخون لحركة التحولات الفكرية والأدبية المعاصرة
[ ١ / ٧٢ ]
أن خليل مطران (^١) هو رائد هذه التحولات، وطليعة التوجهات الحداثية وأستاذ الدعوة للعصرية المنافية للقديم كل القديم، وكبير دعاة التحرر من الأساليب القديمة ومن كل ما يذكر بها، ومن المروجين الأوائل لقضية التجديد في المضامين والتغيير الدائم (^٢).
٢ - جماعة الديوان (^٣)، وقد سعت هذه الجماعة -فيما سعت إليه- في تقليد المدرسة الإنجليزية والسير خلف مفاهيمها وحتى سلوكياتها، إلى حد أن رواد هذه الجماعة كانوا يقلدون حتى في سلوكهم الشخصيّ ما كان يفعله الإنجليز (^٤).
وكانت هذه الجماعة تهدف إلى ("إقامة حد بين عهدين لم يبق ما يسوّغ اتصالهما"، وتصف هذا المذهب بأنه: "إنسانيّ، مصريّ، عربيّ. . . "، ويصل أصحاب الديوان إلى وصف هذا المذهب بأنه "أتم نهضة أدبية ظهرت في لغة العرب منذ وجدت" خصوصًا أنهم ينشئونه بحس تاريخي "والتاريخ يمضي بسرعة لا تتبدل، ويقضي أن تحطم كل عقيدة أصنامًا عبدت قبلها" وبهذا الحس يبدأون بنقد الشعر الذي سبقهم، ثم يخلصون بعد ذلك إلى عرض مبادئهم) (^٥).
_________________
(١) ولد في بعلبك ١٢٨٩ هـ/ ١٨٧٢ م لأسرة نصرانية وأقام في مصر واتخذها موطنًا له واشتغل في تحرير الأهرام وفي عدد من كبريات الجرائد المصرية، وأصدر المجلة المصرية، وتولى إدارة الفرقة القومية في مصر، يسمونه شاعر القطرين مصر ولبنان، يعتبر أحد إرهاصات الحداثة الشعرية ومقدم دعاة التغريب، خاصة ناحية فرنسا التي أقام فيها ردحًا من الزمن وتشبع بما فيها، كان له صلات بحزب تركيا الفتاة والماسون، توفي سنة ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ١٩٣، والصراع ببين القديم والجديد ٢/ ١٢٧٦.
(٢) انظر ما كتبه عنه أدونيس في الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٩٣ - ١٠٥ تحت عنوان "خليل مطران أو حداثة السليقة" المعاصرة.
(٣) مؤسسها ورئيسها عبد الرحمن شكري ومعه العقاد وإبراهيم المازني.
(٤) كان العقاد يقلد توماس هاردي في اقتناء كلب يصطحبه وسماه "بيجو" أسوة بالعادات الأوروبية، ولما مات كلبه الأثير رثاه العقاد بحزن بالغ. انظر: أدب الردة: ص ٢٢.
(٥) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٧٧، وما بين الأقواس الداخلية من كلام جماعة الديوان.
[ ١ / ٧٣ ]
وعندما لخص أدونيس فكر الثلاثة الذين أسسوا هذه الجماعة قال: (ويشترك هؤلاء الثلاثة من الناحية السياسية الاجتماعية، برفضهم الوضع السائد، وطموحهم إلى ما هو أفضل، ومن الناحية الثقافية بانحيازهم إلى الثقافة الإنكليزية، ومن الناحية المنهجية - الفكرية بتغليبهم العقل) (^١).
وهذه الركائز إضافة إلى ما سبق تعطي إضاءة كافية حول الاتجاه الفكريّ لهذه الجماعة، وعمق التبعية الغربية التي سيطرت على أصحابها، رغم أنهم إذا قيسوا بمن جاء بعدهم من المتبعين للغرب والسائرين على منهاجه يعد هؤلاء من المحافظين التقليديين، حسب ما يطلقه غلاة الحداثيين (^٢).
وليس من شأننا هنا التفريق بين هؤلاء وهؤلاء، وإنّما الشأن ذكر سلسلة الانحرافات.
٣ - جماعة أبولو (^٣)، وقد تأثرت بالنزعة الغربية لمؤسسها الذي نشأ وتعلم وتأدب في إنجلترا وتزوج منها، وختم حياته بالعيش في أمريكا حيث مات ودفن هناك، وكان يتبع المذهب الرومانتيكي الإنجليزيّ، وتتلمذ منذ طفولته على شعر مطران واستمر حتى كبره معجبًا به إعجابًا أشبه بالتقديس والعبادة -حسب قول أدونيس (^٤) - حتى قال مخاطبًا له:
(وهل أنا إلّا نفحة منك لَمْ تزل على عجزها ضمأى، وإن دمت قدوتي وما عابني إطراء حبي، فإنّما أعبر عن ديني وأنشر ملتي) (^٥) ويكفي في تصور مقدار نبعيتهم الاسم الذي أطلقوه على حركتهم الفكرية
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٧٦.
(٢) انظر عن جماعة الديوان: الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي ٢/ ٩٥٧ - ٩٧٨، والثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٧٥ - ٩٠.
(٣) أنشأها أحمد زكي أبو شادي، وكان من أعضائها إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، والشابي وصالح جودت.
(٤) انظر: الثابت والمتحول ٣ صدمة الحداثة: ص ١١٠.
(٥) أوردها أدونيس في الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١١٠.
[ ١ / ٧٤ ]
والشعرية، معللين ذلك بقولهم: (. . . وكما كانت الميتولوجيا الإغريقية تتغنى بألوهية أبولو رب الشمس والشعر والموسيقى والنبوة، فنحن نغني في حمى هذه الذكريات التي أصبحت عالمية، بكل ما يسمو بجمال الشعر العربي وبنفوس شعرائه) (^١).
وقد لخص رئيس هذه الجماعة أظهر مبادئها وذكر أن أعظم أثر لهذه المدرسة: (إنّما جاء عن طريق التحرر الفنيّ والطلاقة البيانية، والاعتزاز بالشخصية الأدبية المستقلة والجرأة على الابتداع مع التمكن من وسائله، لا عن طريق المجاراة للقديم المطروق، والعبودية للرواشم المحفوظة، والتقديس للتقاليد المأثورة) (^٢).
على أن هذا الذي دعوا إليه ليس مختصًا بالجانب اللغويّ والأدبيّ كما قد يظهر بل هو شامل لكل شيء، فهم قد قرروا أن يكون فكرهم وشعرهم مستلهمًا لكل التراث الإنساني و(يشمل ما ادخرته الإنسانية من فن وفلسفة ورأي ودين، لا فرق في ذلك بين ما كان منه عربيًا أو أجنبيًا) (^٣).
وعلى كل حال فالملامح العامة لأبولو لا تخرج من دائرة الاستلاب والتغرب (^٤).
٤ - معروف الرصافي (^٥)، وقد اعتبره أدونيس طليعة الحداثيين، وأطنب في الثناء عليه، وأتى بشواهد عديدة من أقواله، التي اعتبره بناء عليها مجددًا، ومن ذلك قوله عنه: (هاجم اجتماعيًا العادات والتقاليد الدينية وغيرها) (^٦).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١١١، وقد نقل هذا النص من مجلة أبولو العدد الأول أيلول سبتمبر ١٩٣٢ م/ ١٣٥٠ هـ ص: ٤ - ٥.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٣، والقول منقول من كلام لأبي شادي.
(٣) المصدر السابق: ص ١١٥، والقول منقول من كلام أبي القاسم الشابي.
(٤) انظر عن جماعة أبولو: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٠٠١ - ١٠١٣، والثابت والمتحول ص ٣، صدمة الحداثة: ص ١٠٩ - ١١٩.
(٥) ستأتي ترجمته ص ١٢٢٦ من هذا البحث.
(٦) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٦١.
[ ١ / ٧٥ ]
وأشاد بدوره في (نقد الماضي العربي من الناحيتين الدينية والتاريخية) (^١)، وأتى بجملة أقوال له في الهجوم على الحجاب وأحكام الشريعة وإيجاب التخلص من الماضي (^٢).
غير أن الموضوع الذي أطنب أدونيس الكلام فيه، والذي جعله يشيد بالرصافيّ بسببه هو موقفه من الدين، وملخص ما جاء به أدونيس عنه هو إنكار الرصافيّ للدين والوحي والنبوة وإنكار الغيبيات ورفض فكرة العبادة والدين، والثواب والعقاب والجنة والنار، ورفض التشريعات (^٣).
وأطنب في امتداحه والاستشهاد بكلامه في قضايا عديدة (^٤).
٥ - جبران خليل جبران (^٥)، يعتبره أدونيس المؤسس الأمثل والأعمق لرؤيا الحداثة (^٦) ولم يطنب في الثناء على أحد في كتابه تلمود الحداثة كإطنابه في الثناء والامتداح لجبران، وقد اعتبره "نبيًا للحداثة" (٧) وأطنب في شرح ما سماه سمات نبوة جبران (^٧)، وعن الوحي الذي يأتيه، والكشف عن الغيب والرؤيا الإشراقية التي زعم أنه يتحلى بها (^٨).
وفي الوقت الذي يجحد فيه أدونيس الدين والغيبيات الدينية يؤمن بغيبيات إلحادية خرافية مثل غيبيات جبران وغيبيات الباطنية النصيرية وغيبيات الوثنية الإغريقية، ثم تحدث عن جحد جبران لوجود اللَّه تعالى من خلال الاستهانة به -جلَّ وعلا-، ورفضه لكل ما يجيء من عند اللَّه تعالى.
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٦١.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٦٢ - ٦٤.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٦٥ - ٦٦.
(٤) المصدر السابق ٣/ ٦١ - ٧٢.
(٥) ستأتي ترجمته: ص ١٣٤ من هذا البحث.
(٦) المصدر السابق ٣/ ١٦٣.
(٧) انظر: المصدر السابق ٣/ ١٦٤ - ١٦٥، وسوف يأتي في الفصل الثالث من الباب الثاني تفصيل ذلك.
(٨) المصدر السابق ٣/ ١٦٦ - ١٦٩.
[ ١ / ٧٦ ]
ويقرر أدونيس أن إبداع جبران يأتي من سخريته بالقيم الدينية والاجتماعية، وقدرته العالية على هدم الأفكار والمعتقدات الراسخة، والإتيان بآفاق العدمية، وذلك من خلال إعلانه -حسب قول أدونيس- قَتْل اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا- الذي فتح المجال لحركة الإبداع الطويلة المدى (^١).
وقد أثبتُّ في مواضع مختلفة من البحث نقولات عديدة من كلام أدونيس عن جبران الذي أطال فيه القول إطالة متعمدة لكونه يلتقي معه في المبدأ الإلحاديّ والمشروع التخريبيّ والردة الجاهلية والعمالة للأعداء (^٢).
٦ - شعراء المهجر، وهؤلاء كانوا رأس حربة للغزو الفكريّ، والاستقطاب الاعتقاديّ لصالح الغرب، وقد انطلقوا في مواقفهم العدائية للأمة، من منطلق عقائدهم النصرانية، حيث كانوا وما زالوا يحملون أحقادًا صليبية متجذرة في نفوسهم، وكانوا وما زالوا ينتمون إلى بني ملتهم في الغرب.
وإذا كنت قد ذكرت جبران وحده، وهو أحد أعلام المدرسة المهجرية، فإن ذلك لا يعني أن بقية المهجريين كانوا عكسه، نعم كان جبران أخطر وأثره في الانحراف أعمق.
وكذلك بقية أدباء المهجر، وخاصة "الرابطة القلمية" التي ظهرت عام ١٣٣٨ هـ/ ١٩٢٠ م في نيويورك على يد مجموعة من نصارى لبنان (^٣)، وأصدرت مجموعة من المجلات والنشرات والكتب، وكان من أهم سماتها كما قال أدونيس: (الاقتلاع المادي والمعنوي، وما يرافق هذا الاقتلاع من هزات انفعالية وفكرية. . .) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٧٦ - ١٧٩.
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٦١ - ٢١١.
(٣) أسس هذه الرابطة عبد المسيح حداد، ومن أعضائها جبران خليل جبران، ومخائيل نعيمة، وندره حداد، وألياس عطا اللَّه، ووليم كاتسفليس، ونسيب عريضة، ورشيد أيوب، وإيليا أبو ماضي، ووديع باحوط. انظر: الثابت والمتحول ٣/ ١٦٢.
(٤) انظر: المصدر السابق ٣/ ١٦٢.
[ ١ / ٧٧ ]
وكان جبران رائد هذه الرابطة وكبير المؤثرين فيها ولا يُمكن بطبيعة الحال نسيان شخصية "أمين الريحاني" (^١) صاحب الجولات المريبة في بلاد المشرق العربي، وما نسب إليه من علاقة استخباراتية بالحكومة الأمريكية.
كما أنه لا يُمكن نسيان التجمعات والروابط والجمعيات القومية التي أقامها المهجريون في أوروبا وأمريكا والبرازيل وأستراليا، وارتباط هذه التجمعات بسياسة الدول الغربية، والمنظمات الماسونية، وأثر كل ذلك في ازدياد وطأة الانحرافات في بلاد المسلمين (^٢).
٧ - الحداثة العربية، تولدت من كل تلك المقدمات ما يسمى بالحداثة العربية وهي في الحقيقة غربية الأصل والنشأة والتوجه والأهداف، ولكنها مترجمة إلى العربية ومنقولة إليها بأحرف عربية الحرف أجنبية الولاء.
انفجرت شرارتها من العراق وانطلق صخبها من هناك ليصل إلى جميع البلاد العربية، وفي البحث تفصيل هذا الانحراف.
• • •
_________________
(١) ستأتي ترجمته.
(٢) انظر: عن هذه الجمعيات والمنظمات كتاب فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام لصالح العبود ص ١٤٢ - ٢١١.
[ ١ / ٧٨ ]