كاتب وفيلسوف لاهوتي ألماني، كان رائد حركة "نزع الطابع الميتولوجي" أي الأسطوري عن النصرانية، وتقول كتب تراجم الفلسفة بأن فكره اليوم يستلهمه الذين يسمون "لاهوتيي موت اللَّه" -تعالى اللَّه وتقدس- كان ابنًا لقس لوثري، درس تاريخ العهد الجديد، ودرس اللاهوت، ألف كتبًا بعنوان "العهد الجديد، إنجيل يوحنا" و"لاهوت العهد الجديد" و"يسوع المسيح والميتولوجيا" اهتم فيها بالجانب النقدي التاريخي للجانب "العجائبي" أي العجيب، والجانب الذي يسميه "الأسطوري" وركز على شطب الجانب العجيب والجانب الأسطوري من الوحي حسب رأيه (^٢).
وقد اقتدى به الحداثيون وساروا على منواله وخاصة أركون في كتابه الفكر الإسلامي قراءة علمية كما سوف يأتي.
هؤلاء الخمسة هم أشهر فلاسفة الغرب من اليهود والنصارى الذين أسسوا مناهج فلسفية نقدية وتاريخية لدراسة الوحي المتمثل لديهم في الكتاب المقدس عندهم، وقد سار الكتاب العرب على منوال هؤلاء، واستعاروا مفرداتهم ومناهجهم، وارتدوا أزياءهم الفكرية والفلسفية، وجاؤوا بحماس من يريد الهدم
_________________
(١) انظر ترجمته في: المعجم الفلسفي: ص ٣١٠ - ٣١٢، وموسوعة أعلام الفلسفة ٥١٨١١ - ٥٢١، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث ٤/ ١١٠.
(٢) انظر ترجمته في: المعجم الفلسفي: ص ١٨٥ - ١٨٦، وموسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٢٧١ - ٢٧٢.
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
السريع والتخريب المباشر، وتوجهوا إلى نصوص القرآن العظيم ثم إلى نصوص السنّة الشريفة ثم إلى سيرة وحياة الرسول الكريم -ﷺ- يدرسونها وفق هذه النظريات المستعارة، وقد أخذوها بتسليم كامل وقطعوا بصحتها وجزموا بسلامتها، وأوصلوها إلى درجة القداسة، وهذه بلا شك عقيدة كل معتقد، وهؤلاء أصبحوا يعتقدون بهذه المناهج وهذه الفلسفات اعتقادًا يجزمون به، ويجعلونه مقياسًا لكل أمر يتناولونه، ومن يقرأ كلام أركون في ما يسميه "التاريخية" يرى بوضوح مقدار تشبعه بهذا المنهج حتى أصبح عقيدة يزن بها الكتب المنزلة وكل قضايا الوحي ومقتضياته.
وأثناء قراءة كتب ومقالات أعداء الوحي من المستغربين من أبناء المسلمين وجدت أنهم لم يخرجوا عن المفهوم الغربي في دراستهم لدين الإسلام، ولذلك تجدهم يرددون بإمعيّة كاملة ألفاظ ومصطلحات أساتذتهم فيطلقون على الوحي مصطلح "ميثولوجيا" أي مجموعة الأساطير التي تعمل على فك مستغلفات الحياة والموت (^١)، ويجعلون المنهج "الميتولوجي" أساس دراستهم باعتباره علمًا يعالج تصنيف المعتقدات ويحللها ويقارنها وفق المفهوم الغربي بطبيعة الحال.
وأحيانًا يسمون نصوص الوحي "الميثات" جمع "ميث" وهي الأسطورة والقصة الخرافية التي يسودها الخيال، وتبرز قوى الطبيعة في صور كائنات حية ذات شخصية ممتازة، وتستخدم في عرض مذهب أو فكرة عرضًا شعريًا قصصيًا (^٢).
وإذا تكلموا عن الدين أطلقوا عليه اسم "ثيولوجي" وهو مصطلح يعني اللاهوت بالمفهوم الغربي النصراني واليهودي ويعرفونه بأنه علم يبحث في وجود اللَّه وذاته وصفاته وشممى أيضًا "ثولوجيا" وعلم الربوبية والإلهيات،
_________________
(١) انظر الميث الأسطورة في: المعجم الفلسفي: ص ١٣، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص ٤٢، والمفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص ١٤٥، ومعجم المصطلحات الأدبية: ص ١٠٦.
(٢) انظر الميثولوجيا في: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة لعلوش: ص ٢٠٧، والموسوعة العربية الميسرة ٢/ ١٧٩٧.
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
واللاهوت الطبيعي يعتمد على التجربة والعقل وحدهما دون الرجوع إلى الوحي، ويقابله عندهم اللاهوت المنزل ويعتمد على النصوص المقدسة (^١).
وإذا تعرضوا لدراسة الوحي ونصوصه تخاطروا بألفاظ تلقوها عن أساتذتهم، وتنافروا بالمصطلحات الغربية على أساس أنها هي الحق والحقيقة والعلم، من أمثال "الفيلولوجيا" وهي الطرق التي تستهدف إنجاز نص، وتسهيل قراءته ونقده، ودراسة النقدية من خلال الوجهتين التاريخية والمقارنة (^٢).
وقد استخدموا هذا المنهج النقدي تبعًا لسينوزا وغيره، وحاولوا من خلال هذا النقد هدم نصوص الكتاب والسنة كما فعل الغربيون في الكتب المحرفة، أو التشكيك في ثبوتها وصحتها أو في مدلولاتها القطعية، كما أنهم استعملوا لهذا الغرض الأخير منهج التأويل المعاصر الذي يطلقون عليه مصطلح "هرمنيوطيقيا" وهي طريقة تأويل، تدرس المبادئ المنهجية في التعامل مع النصوص وتفكيك رموزها وكشف أغوارها، وتستهدف في ميدان الوحي - الذي هو أهم ميدان للهرمنيوطيقيا الدراسة التأويلية للرموز والاستعارات، وتعني استخلاص المعنى الكامن انطلاقًا من المعنى الظاهر، أو الانطلاق من المعاني المجازية بحثًا عن المعاني الحقيقية.
وقد استخدم هذا المصطلح في أول الأمر في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس" عند الأوروبيين من يهود ونصارى، ثم اتسع مفهوم هذا المصطلح ليشمل كل العلوم الإنسانية، غير أن الحداثيين والعلمانيين في سياق تبنيهم لسبينوزا ومناهجه، توجهوا إلى الوحي من كتاب وسنة لدراسته على أساس المنهج التأويلي "الهرمنيوطيقي" حسب مفهوم تعبير الغربيين، وتعريب المستغربين (^٣).
_________________
(١) انظر الثيولوجي في: المعجم الفلسفي: ص ١٦٠ - ١٦١.
(٢) انظر الفيلولوجيا في: معجم المصطلحات المعاصرة لعلوش: ص ١٧١.
(٣) انظر عن "الهرمنيوطيقيا": معجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش: ص ٢٢٤ - ٢٢٥، =
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
ومن المصطلحات التي تقمصها المنهزمون من أبناء المسلمين في دراستهم للوحي مصطلح "التاريخية" أو "التاريخانية"، وقد أغرم بهذا المصطلح إلى حد التقديس محمد أركون ونصر أبو زيد، ويفضل أركون استخدام التاريخية ويفصل بينها وبين التاريخانية، على اعتبار أن التاريخانية هي التي تقول بأن كل شيء أو كل حقيقة تتطور مع التاريخ وتهتم بدراسة الأشياء والأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخية، ويرى أركون بأنه يجب تجاوز هذا المعنى إلى "التاريخية" التي تسمح وحدها بتجاوز الاستخدام اللاهوتي أو القومي، وبشكل عام الإيديولوجي للتاريخ (^١).
وقد عرفت كتب المعاجم الفلسفية "التاريخية" (بأنها صفة لكل ما هو تاريخي مميز عن الخرافي أو الخيالي، كما أنها من جهة أخرى ميزة الإنسان الذي يعيش التاريخ ويحياه باعتباره كائنًا تاريخيًا وكائنًا زمانيًا، والنزعة التاريخية هي النظر إلى كل موضوع معرفي على أنه نتاج حاضر ناشيء عن التطور التاريخي، أمّا أصحاب المذهب التاريخي فيرون أن الأحداث والظواهر الاجتماعية تتصف بالنسبة التاريخية، وهي على ذلك غير قابلة لأن تدرس على غرار الظواهر الطبيعية) (^٢).
ويتعامل المستغربون مع الوحي على الطريقة الغربية، باعتباره فكرة من الأفكار ويدرسون كيفية انتشاره، والنزعات التي أثرت في وجوده، وتطوره، مستبعدين قضية عصمة الوحي وعصمة المبلغ ووحدانية الموحي والآمر به، ثم يصدرون بناء على دراسة الظروف والملابسات والأوضاع التي مرت بها نصوص الوحي -وفق معلوماتهم، وحسب أغراضهم ومقاصدهم- الأحكام على النصوص وخاصة القرآن عند المستغربين من أبناء الشرق، ويطبقون
_________________
(١) = ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص ٩٠ - ٩١، وإشكاليات القراءة وآليات التأويل لنصر أبو زيد: ص ١٣، ٢٠، ٢٧، ٣٠، ٤٤.
(٢) انظر: الفكر الإسلامي قراءة علمية لأركون: ص ١٣٩.
(٣) معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص ٤٨. وانظر: معجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش: ص ٥٦.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
سائر مقتضيات هذا المنهج "التاريخي" على نصوص الوحي بصورة تدل على اعتقادهم العميق بعصمة وصحة هذا المنهج، وهم في "التاريخية" و"الهرمنيوطقيا" أتباع مخلصون لفلسفة مارتن هايدغر (^١)، ومتعصبون للمنهج التاريخي، ويعتبرون أن المعرفة التاريخية هي الأداة الأساسية لدراسة النصوص والمصير الإنساني، ويرون أن المنهج التاريخي قادر على الكشف عن طبيعة النص وأصله ومقصوده، وعن طبيعة الإنسان ومصيره، وعن القيم التي تشكل الحافز الأساسى للإنسان، وقد أدان مجموعة من الفلاسفة هذه النزعة المتزمتة التي تعتقد أن بوسعها نقل علم التاريخ من علم تأملي إلى علم يستند إلى التجريب والاختبار عبر قاعدة اختبارية تتمثل في مجموعات الأحداث التاريخية، وخطورة هذه العملية تكمن في أنها تؤدي إلى الاعتقاد بوجود قوانين حتمية تاريخية تسير المجتمع، مع ما ينتج عن ذلك من اتجاهات فكرية وعملية للسيطرة على الثقافات والمجتمعات تحت حجة قيادته وتغييره وفقًا لهذه القواعد التي وصفوها بالحتمية.
وقد سلكت النازية ثم الشيوعية الماركسية هذا المسلك وقامت فلسفاتها على هذا الأساس، وتقوم عمليًا اليوم فلسفة الغوب اللبرالية على هذه النظرة القاطعة، وإن كانوا لم يقولوا ذلك نظريًا، إلّا أن واقعهم السياسي والثقافي والإعلامي يرتكز على هذا المفهوم في الجملة؛ ولذلك
_________________
(١) مارتن هايدغر ١٨٨٩ - ١٩٧٦ م، ١٣٠٦ - ١٣٩٦ هـ، فيلسوف ألماني، وبدأ دروسه عند الآباء اليسوعيين ثم واصل دراسة اللاهوت حتى حصل على الدكتوراه، انتمى إلى النازيين، وتتلمذ على الفيلسوف اليهودي هوسرل، وعنه أخذ الفهج الظاهراتي وأهدى إليه كتابه "الوجود والزمن"، ورغم أنه من المفكرين المعدودين في أوروبا في القرن العشرين إلّا أنه كان شديد التعصب لألمانيته لغة وشعبًا ووطنًا، ويرى أن شعبه هو الوحيد القادر على تجديد الفكر الغربي، أثر بأفكاره الظاهراتية وفلسفته في تأسيس علم الوجود على الفلاسفة الوجوديين وخاصة سارتر، وقد جعل هايدغر الوجود الإنساني هو الذي يكتشف من خلاله معنى الوجود، ويرى أن الموجود البشري قد قذف به في العالم ضد إرادته، وقد سبق تفصيل ترجمته بأوسع مما هنا في ص ١٢٦ من هذا الكتاب. وانظر: الموسوعة الفلسفية: ص ٤٩٧ - ٤٩٩، وموسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٥٣٨.
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
يحاولون بسط سيطرتهم ونفوذهم في أوسع قدر ممكن من الأرض، تحت حجج التحضير والعصرنة وحقوق الإنسان والنظام العالمي الجديد، والإرادة الدولية، وغير ذلك.
وهذه النظرة المتزمتة المتشددة في استخدام "التاريخية" وتعميم منهجها والقطع بنتائجها، إلى حد التقديس والحكم القاطع وجعلها حتمية لازمة صائبة النتائج في كل الأحوال، هي التي غرق فيها أركون وجابر عصفور وعزيز العظمة ونصر أبو زيد وسائر المعارضين للوحى والمشككين في صحته وثبوته ومقتضياته، وهم في كل ذلك ليس لهم إلّا دور الاستيراد والتبني (^١).
لقد عاشوا وفي أعماقهم "منطقة فراغ" هائل بسب جهلهم بدينهم، وعجزت المناهج الغربية الوافدة أن تعطي لأصحابها اليقين وعوامل القوة والثبات، فاستمسكوا من هذه المناهج ما يظنون أنه يشكل لهم نقطة انطلاق، ومحور ارتكاز، فكانت "التاريخية" وغيرها من المناهج، وقد هربوا من تقديس المقدس حقيقة، فوقعوا في تقديس الأوهام والمناهج المتناقضة، ولا غرابة أن تجد منهم من يسلخ جلده ويغير موقفه بل وينقض بالشتائم والنقض لما كان يقدسمه من قبل؟ لانعدام الأسس والمعايير الاعتقادية الصحيحة التي يُمكن بها وزن الأمور بوضوح وموضوعية.
ومن أظهر موارد هؤلاء الذين يشككون في الوحي والنبوات "المورد الاستشراقي"، وقد تكلم المستشرقون كثيرًا عن التوحيد والوحي والنبوة، ودور الأديان ومهمتها في إطار من التشكيك والجحد للوحي والنبوة، ومحاولة تصوير الأنبياء على أنهم عباقرة ومصلحون تأثروا بالواقع الذي يعيشون فيه واستطاعوا استيعاب التراث القديم ثم صاغوه صياغة جديدة،
_________________
(١) انظر عن التاريخية والتاريخانية: معجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش: ص ٥٦، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص ٤٨، وقاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسامي ذيبان: ص ١٠٨، والفكر الإسلامي قراءة علمية لأركون ١٣٢، ١٣٩، وإشكالية القراءة لنصر أبو زيد: ص ٣١، ٣٦.
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
فتلقف ذلك الإفعات من أبناء المسلمين فرددوه تحت حجج التاريخية والفيولوجية، وقالوا بأن القرآن نشأ في نفس محمد -ﷺ- بتأثير البيئة التي عاش فيها، وقالوا بأن القرآن ليس وحيًا بل هو فيض من العقل الباطن، وأن محمدًا ﵊ كان من الذكاء والعبقرية بحيث استطاع أن يصوغ هذه التأثيرات الباطنية في كلام، ثم يؤثر بها في الآخرين، ومؤدى ذلك أن القرآن ليس وحيًا بل هو من عمل البشر، وقد صرحوا بذلك، والهدف من هذه الدعوى قطع الصلة بين المسلمين والقرآن، تمهيدًا للاستيلاء التام عليهم، كما صرح بذلك غير واحد من الذين يديرون الصراع ضد العالم الإسلامي.
ولما كان الوحي هو حجر الزاوية في النبوات وفي الدين كله، فقد ركز عليه دعاة التغريب وأثاروا حوله الشبهات والشكوك، وساقوها في قوالب براقة من الأسماء والمصطلحات التي توهم بالدلالات الكبرى وهي لا تدل على شيء.
ومما لا ريب فيه أن محاولة النظريات المادية المستحدثة في جحد الوحي ومعارضته والتشكيك فيه كلها ستنال من الفشل والوهن أكبر النيل، وها نحن نرى أنها حازت على مميزات الفشل في واقع الأمم التي نشأت فيها هذه النظريات، وقادت إلى الدمار والضياع والفوضوية، وعارضها وناقضها وبين تهافتها آخرون من أولئك الأقوام، ولكن المستغربين من أبناء المسلمين تحت وطأة الهزيمة النفسية يسارعون فيهم ويتسولون على موائدهم، فإذا ظفر الواحد منهم ببنوية أو تاريخية أو وجودية أو سوريالية عاد بها فرحًا فرح الجعل بدحروجته!!.
وهذا كله على بشاعته وفداحته - لم يكفهم، بل طفقوا يهدمون كل ما يترتب على الإيمان بالكتب المنزلة من أحكام وعقائد وقيم، وخاصة القرآن الكريم الذي شرقوا بما فيه شرقًا، وقاومتهم حقائقه، وأخزتهم براهينه وأطفأت نيران مجوسيتهم المادية الإلحادية، أنوار هدايته ومعجزاته المستمرة الدائمة.
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
وإذا تاملنا أوجه الانحرافات التي اقترفها المصابون بداء الحداثة والعلمانية حول قضية الوحي نجدها تدور على ثلاثة محاور:
١ - انحرافات متعلقة بالتلقي.
٢ - انحرافات متعلقة بالفهم.
٣ - انحرافات متعلقة بالتطبيق.
وكل محور من هذه المحاور تحته عدة فروع من الانحرافات.
فقد نظروا إلى نصوص الوحي المنزلة على الأنبياء، نظرة شك وريبة قادتهم إلى الجحد والإنكار واستعملوا في ذلك أساليبهم المختلفة فسخروا منها، ونزعوا عنها القداسة استعملوا الأسلوب الحداثي المعروف بتدنيس المقدس، وتبنوا الرأي الابتداعي القديم: "القول - بخلق القرآن"، وقالوا بأن القرآن ليس حقيقة، وأنه كلام بشر، وغير ذلك من الهوس العلماني الحداثي الذي يريدون به إبطال الوحي جملة، والقرآن على وجه التفصيل.
فكان تلقيهم للوحي تلقي الجاحد الراد، أو تلقي الشاك المرتاب، مع أضاميم أخرى من السخرية والاستخفاف والتدنيس، ونفي حقيقته، ونسبته إلى غير قائله، وإسقاط قداسته، إلى آخر ما عند القوم من أوشاب ومصائب، تصل في نهاية الأمر إلى إلغاء الوحي وعزله عن الواقع وطرده من الحياة وإزاحته عن التطبيق، ومن أظهر وأخطر انحرافاتهم في هذا الباب:
جحد الوحي والتشكيك في ثبوته أو ثبوت بعضه وإرادة القضاء عليه.
وما فتئ المعادون للدين يجلبون بخيلهم ورجلهم على كل ما له علاقة بالدين، وخاصة أصوله وقواعده التي تقوم عليها أسس الديانة، وقد رأينا فيما مضى كيف توجهوا إلى أصول عقائد المسلمين محاولين الهدم والتخريب، وفي هذا الفصل سوف نرى كيف صوبوا سهام مكرهم وكيدهم وحقدهم على الوحي منبع العقائد والشرائع، ومنهل الهدى والرشاد، ومورد أهل الحق والخير والفضل.
وعندما أقول الوحي فإني أعني ما ثبت أن اللَّه تعالى قاله أو أوحى
[ ٢ / ١٠٧١ ]
بمعناه إلى نبي من أنبيائه، أمّا الكتب المحرفة كالتوراة والإنجيل فإن الكلام هنا عن أصل نسبتها، ومصدر نزولها، وهذا حقيق بالاعتبار والاحترام، أمّا ما دخل عليها من تحريف وزيادة ونقصان، فقد بينا ذلك في الصفحات السابقة، وذكرنا أنه لا ينسب إلى اللَّه تعالى، وهو غير مراد بالكلام في هذا المقام؛ إذ هو من الكلام المختلق الذي لا احترام له ولا اعتبار في ميزان الحق.
ومن المهم أن نعرف كيف تسللت الضلالات الكفرية فيما يتعلق بنصوص الوحي إلى أبناء المسلمين، الذين ما كان أحد منهم يجرؤ على النيل من الفروع المستنبطة من نصوص الوحي فضلًا عن النيل من الوحي ذاته، بل كان الوحي عندهم من القداسة والاحترام بأرفع مقام.
حتى إذا خالطت بعضهم شبهات هذا العصر إثر التتلمذ على المستشرقين أو التلقي عن الغربيين، في أحضان استعمار يعادي هذه الأمة ويحاول اجتثاثها، بالجيوش، فإن لم يفلح فبالعملاء والأتباع الذين رباهم على عينه، ونشأهم على شبهاته.
فهاجت فيهم نيران الشبهات فأضحوا أئمة ضلال وإضلال داخلين في عموم قول النبي -ﷺ-: "ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد على قولهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة" (^١).
وهو تشبيه بليغ يدل على حالهم الذي عاشوه؛ فإن من أخص أوصاف القردة التقليد للآخرين عن جهل وعمى، وهذا حال العلمانيين والحداثيين بمدارسهم العديدة المختلفة، مقلدة محاكون، وأتباع طيعون في أيدي أساتذتهم من الغربيين، تقاحموا في مناهج الإلحاد والشكوك كما تقاحم القردة، وأقبلوا يسفون قمائم المذاهب وزبالات الأفكار على أنها الهدى والخير، معرضين عن الحق معارضين له مستكبرين عنه.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده عن معاوية ٣/ ٣٦٧ حديث رقم ٧٣٧٧، والطبراني في الكبير ١٩/ ٣٤١ حديث رقم ٧٩٠، وهو في صحيح الجامع ١/ ٦٧٦ حديث رقم ٣٦١٥ بهذا اللفظ.
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
ودفع بهم الغزاة إلى مواقع التأثير، وحركوهم في دولاب المواجهة المستمرة بأوجه عديدة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، الذي ما فتئ من أيام الحروب الصليبية إلى اليوم يمارس أنواعًا من الصراع مختلف الأساليب متحد الغاية، ابتدأ بالصراع العسكري، ثم الفكري بالاستشراق والتغريب: (فمنذ استيقظ العالم الأوربي لنهضته الحديثة، وهو يرى عجبًا من حوله "أممٌ" مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا إلى الصين، إلى الهند، إلى جزائر الهند إلى فارس إلى تركيا إلى بلاد العرب إلى شمال أفريقيا إلى قلب القارة الإفريقية وسواحلها، إلى قلب أوروبا نفسها تتلو كتابًا واحدًا يجمعها، يقرؤه من لسانه العربية، ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، عرفت لغة العرب أم لم تعرفها، ومن لم يحفظ جميعه، حفظ بعضه، ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، كالهند وجزائر الهند، وفارس وسائر من دان بالإسلام، فكان عجبًا أن لا يكون في الأرض كتاب كانت له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق على اختلاف الأجناس والألوان والألسنة، فمنذ ذلك العهد ظهر "الاستشراق" لدراسة أحوال هذا العالم الفسيح الذي سوف تتصدى له أوروبا المسيحية بعد يقظتها، وعلى حين غفوة رانت على هذا العالم الإسلامي، فكان من أول هم "الاستشراق" أن يبحث لأوروبا الناهضة عن سلاح غير أسلحة القتال، لتخوض هذه المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة الأجناس والألوان والألسنة، وجعلها أمة واحدة، تعد العربية لسانها، وتعد تاريخ العرب تاريخها، وبدأ الغزو المسلح وسار الاستشراق تحت رايته، وزادت الخبرة بهذه الأمم، فمن كان منها له لسان غير اللسان العربي، أعدت له سياسة جديدة لإغراقه في لسان الغازي الأوربي حتى يسيطر عليه، ومن كان لسانه عربيًا، أعدت له سياسة أخرى لإغراقه في تخلف مميت، لخصها وليم جيفور بلجراف (^١) في كلمته
_________________
(١) هو: وليم بلجريف، ويقال: بالجريف، ولد سنة ١٨٢٦ م، وتوفي سنة ١٨٨٨ م، =
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
المشهورة: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يُمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدحرج في سبيل الحضارة -يعني الحضارة المسيحية- التي لم يبعده عنها إلّا محمد وكتابه") (^١).
ثم أعقب ذلك ما أعقبه من استيلاء على منابر الفكر والتربية والتعليم في مصر، ثم على منابر الصحافة والإعلام، ووضعت الخطط المدعومة من دول الغرب لدفع هذه الأمة في متاهات لا نهاية لها إلّا الإنغماس في ظلمات الانحراف والجهل والتهتك، وكان من أقوى أسلحتهم لإيجاد هذا الفراغ أخذ أو "بعث" بعض أبناء المسلمين إلى بلاد الغرب ليعودوا من هناك وكل همهم زحزحة الأجيال عن تراثها ودينها ولغتها وتدمير المناعة الذاتية في مقاومة الغزاة، وإيجاد الفراغ الاعتقادي والفكري والروحي تمهيدًا لاستنبات بذور النصرانية والوثنية واليهودية والمادية الإلحادية.
عاد المبتعثون من الغرب وقد اتخذوه مثالهم المحتذى، ساعين إلى جعل المشرق الإسلامي على المثال الغربي الذي أشربوا حبه.
وظاهرهم في ذلك من أبناء المسلمين من تربى على مناهج المستشرقين ومدارس التبشير وصحافة العلمانية، حيث حقن الجميع من المبتعثين المسلوخين، والمقيمين المنسلخين، حقنوا بالنموذج الغربي، ونصب هذا النموذج في أعينهم معيارًا لكل شيء، وإن اختلفت الأحوال والظروف والملابسات، فكان مما حقن في تفكيرهم، إن الصراع مع الدين وقواعده والثورة عليه هو أسالص النهضة، فقام التلاميذ الأتباع بهذا الدور المتمثل في أوجه عديدة: منها المعاداة للدين والمحاربة للقرآن والسنة والتشكيك في ثبوتها والدعوة إلى العامية والأحرف اللاتينية، وإشعال
_________________
(١) = انضم إلى الرهبانية اليسوعية في لبنان وطوف المشرق العربي متنكرًا في زي طبيب سوري، ورحل إلى جزيرة العرب، ثم ترك مسوح الرهبان الذي كان يغطي به أعماله التجسسية وتحول إلى السلك الدبلوماسي في الحبشة وجزر الهند الغربية. انظر: المستشرقون ٢/ ٦١.
(٢) أباطيل وأسمار: ص ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
النزعات القومية وتحليل أواصر الأمة الواحدة، وتجاوز كل اعتبار روحي في الحياة والاكتفاء بالمقاييس المادية، واعتبار الاتجاه المادي فلسفة كاملة بذاتها، مضادة لكل ما عداها، وتقديس العقل وتدنيس النقل، وإحياء الوثنيات والأساطير إلى آخر ما هنالك من أباطيل وأضاليل.
لقد كان التعليم للمبتعثين والسيطرة على التعليم في بلاد المسلمين المستعمرة أخبث وأنكى وسيلة استطاع الغربيون فعلها في مضمار غزوهم للعالم الإسلامي، فمن خلال هذين الأسلوبين أخرجوا أجيالًا من أبناء المسلمين وقد صبغوا بالصبغة التي أرادها لهم أساتذتهم.
وقد أكد ذلك المستشرق الحاقد "هاملتون جب" (^١) حينما قال: (كانت النتيجة الخالصة لهذه الحركة التعليمية أنها حررت، بقدر ما كان لها من تأثير، نزعة الشعوب الإسلامية من سلطان الدين دون أن تحس الشعوب بذلك، وهذا وحده تقريبًا هو جوهر كل نزعة غربية فعالة في العالم الإسلامي، وهو المعيار الذي نقيس به قوة الرأي الحديث والرأي المحافظ أحدهما بالنسبة للآخر.
إن الإسلام من حيث هو دين قد فقد القليل من قوته، إمّا من حيث هو المسيطر على الحياة الاجتماعية فإنه أخذ في النزول عن عرشه؛ ذلك أن إلى جانبه قوى جديدة يصدر عنها سلطان يناقض تقاليد الإسلام وأوامره الاجتماعية في بعض الأحيان، ولكنه -رغم هذا- يشق طريقه بالقوة غير مبال بتلك الأوامر، ولكي نصف الموقف في أبسط العبارات نقول: إن ما حصل هو هذا، إلى عهد قريب، لم يكن للرجل العادي بين الرعايا المسلمين مآرب أو أعمال سياسية ولم يكن له أرب قريب المنال إلا الأدب
_________________
(١) مستشرق إنجليزي مولود في الاسكندرية سنة ١٣١٢ هـ/ ١٨٩٥ م، من أعلام المستشرقين المعاصرين، ومن القائمين على تغريب التعليم في مصر، كان عضوًا مجمعيًا في القاهرة ودمشق، درس اللغة العربية، في جامعات لندن واكسفورد وهارفرد، وكان مديرًا لمركز دراسات الشرق الأوسط. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٩٠.
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
الديني، ولم تكن له أعياد ولا حياة اجتماعية إلّا مقترنة بالدين، فكان الدين عنده كل شيء، أمّا الآن فقد اتسع مدى مصالحه في كل البلاد الراقية، ولم يعد نشاطه مقيدًا بالدين، فوضعت المسائل السياسية تحت نظره، وقرأ وقرئ له عدد من المقالات في موضوعات متنوعة لا علاقة لها بالدين، وربّما لا تتعرض لوجهة النظر الدينية مطلقًا، كما أن الحكم عليها قد يكون مقيدًا بمبدأ مختلف عن مبادئ الدين كل الاختلاف، وهو يجد أن الرجوع إلى المحاكم الشرعية لا يغنيه شيئًا في كثير من مصاعب حياته ومشاكلها، بل يجد نفسه خاضعًا لقانون مدني قد لا يعلم له مصدرًا صحيحًا يستمد سلطانه منه، ولكن لا شك أن هذا القانون لا يستمد سلطانه من القرآن ولا من السنة، ولم يعد الدين هو الرابطة الاجتماعية الوحيدة أو على الأقل الكبرى بينه وبين إخوانه، إذ أن مهام أخرى لا تمت إلى الدين بصلة ترغمه على الالتفات إليها، وهكذا نرى سلطان الإسلام قد انفصمت عراه عن حياته الاجتماعية، وهذا السلطان ينحسر شيئًا فشيئًا حتى يقتصر على دائرة صغيرة من الأعمال.
حدث كثير من هذا في غفلة من الناس لم يفطن إلى إدراكه إلّا عدد قليل من المتعلمين، ولم يعمد إلى تحقيقه إلّا عدد أقل من ذلك، ولكن التيار سار جارفًا لا يلوي على شيء وحينما رسخت قدمه لم يعد رده ممكنًا، ويظهر من المستحيل الآن ولاسيما إذا راعينا ازدياد المطالبة بالتعليم والازدياد في اتخاذ الأنظمة الغربية أن تنعكس، وأن يعود الإسلام إلى استئثاره بالسلطة الاجتماعية والسياسية استئثارًا لا ينازع فيه) (^١).
وهكذا وصف "جب" الموضوع وصفًا حقيقيًا وأوضح جوهر الصراع وأهدافه، توضيحًا عميقًا، ولو أن كاتبًا مسلمًا قال ذلك لقالوا: نظرية التآمر تسيطر على فكره، أو التخلف والجمود ومضادة الانفتاح، إلى غير ذلك من شتائم الجبهة العلمانية، ولكن أحد الذين مارسوا العمل التغريبي من خلال
_________________
(١) وجهة الإسلام: ص ٢١٧ - ٢١٨، وهو مجموعة من البحوث التي كتبها المستشرقون: هاملتون جب، وماسنيون، وكامبغمابر، وبرج، وفرار، ترجمة محمد عبد الهادي أوريدة.
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
التعليم المحلي والتعليم الابتعاثي يشخص الموقف والهدف والغاية من وراء كل المساعي الغربية "استشراقية أو تبشيرية أو تعريبية".
إن الصراع الدائر بين المسلمين الأصلاء وأبناء المسلمين الممسويخن يدور في الحقيقة على قضية سيادة الدين أو عدم سيادته.
وما الكلام عن قضية الوحي إلّا أحد هذه الميادين التي بدأ الصراع فيها مكشوفًا منذ عاد أعمى البصر والبصيرة "طه حسين" من فرنسا وهو يحمل جرثومة العداء للدين، فهاجم نصوص الوحي صراحة بلا مواربة، تحت حماية أسياده، وفتح باب جحدها والشك فيها والسخرية والاستخفاف بها ونفي كونها حقيقة ثابتة، ورفع القداسة عنها.
جاء طه حسين بما انطوت عليه نفسه من غل على القرآن والإسلام، وبما اجتمع عليه قلبه من دخائل العقائد الباطلة والجهالات المتواصلة، آخذ بذنب آراء الموجهين في فرنسا، ومديري التعليم الانجليز في القاهرة، فإذا هو يعلن ما استنسخه من كتبهم، ويشهر ما نقله عن محاضراتهم ودروسهم في زوايا الصمت الباردة المظلمة التي كانت تواري تحت صمتها البارد المخازي والمؤمرات، فكان كتابه "في الشعر الجاهلي" الصيحة الأولى المعلنة لفصل الدين عن الأدب والتاريخ والحياة الثقافية، بل كان هذا الكتاب التطبيق المعلن لمحاربة الإسلام على يد أبنائه، وذلك حين أعلن قائلًا: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة) (^١).
ثم أضاف: (فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية، وهي بمكة هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة، وإذا كان هذا حقًا،
_________________
(١) في الشعر الجاهلي: ص ٢٦ - ٢٧.
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدثت عنها الأساطير، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما ذلك لأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإيناس بن يريام صاحب طراوده) (^١).
كانت هذه إحدى أول صرخات الردة والمواجهة للدين والمناقضة الكاملة للوحي المعصوم.
وقد تصدى لها جهابذة من أصحاب الغيرة على الإسلام، وفندوا هذا الكتاب، وبينوا من أين استنسخه طه حسين، وما فيه من تناقض وتهافت وإلحاد وضلال (^٢)، ومن ذلك ما كتبته لجنة العلماء في مصر التي قررت أن (الكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم. . . وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من "اللادينية" التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت شعار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى، واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.
الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٨.
(٢) انظر: تحت راية القرآن للرافعي ﵀، ونقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضر حسين ﵀، ومحاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضري ﵀، ونقد كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد فريد وجدي، والشهاب الراصد لمحمد لطفي جمعة، وفي الشعر الجاهلي والرد عليه لمحمد حسين، والنقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي لمحمد أحمد المغراوي، والمدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين لنجيب البهبيتي، وغيرها.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلّا ليأتي عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي. . .).
ثم أوردت اللجنة النص السابق عن إبراهيم وإسماعيل وعقبت قائلة: (أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉، وقال: إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول اللَّه تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه ﵊: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ (^١).
وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة -يريد قصة الهجرة- نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى".
وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل والعرب ليحتال على جلب اليهود، وتأليفهم وينسب العرب إلى أصل ما جد زورًا لأسباب سياسية أو دينية، وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن في إثباته أبوة إبراهيم للعرب في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٢) الآية) (^٣).
وعلى رغم المناوءة الجادة والمناقشة الصريحة التي فضحت طه حسين وكشفت عمالته وخبث معتقده، إلّا أنه مُكِّن له، لأن الشق الثاني من تلاميذ الغرب كانوا على رأس الإدارة الحاكمة فقاموا بحماية زميلهم بتكليف من أساتذتهم.
_________________
(١) الآيات ٣٥ - ٣٧ من سورة إبراهيم.
(٢) الآية ٧٨ من سورة الحج.
(٣) هذا التقرير منشور بتمامه في كتاب تحت راية القرآن للرافعي: ص ١٦٧ - ١٧١.
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
وإلّا لو كانت هذه الأقوال -الموجبة لحد الردة- نشرت في بلد يحكم بالإسلام لكان الأمر غير الأمر!! لاسيما وقد رد طه حسين على تقرير العلماء والكتاب بما يثبت أنه مصر على أقواله الضالة.
وبهذا العمل وأشباهه تقدمت عجلة التغريب تقدمًا عمليًا لتدوس في طريقها القواعد والكليات وتحطم المبادئ والقيم والثوابت والأصول، في ظل حماية الأوصياء على الثقافة والإدارة، وتحت شعارات النفاق العصري: حرية الثقافة، وحرية البحث العلمي، وعالمية المعرفة، ووجوب النقد، إلى غير ذلك من شعارات أريد بها أول ما أريد هدم الإسلام واجتثاثه، على غرار ما وصف هاملتون جب في قوله المذكور سابقًا.
وقد عني الحداثيون بطه حسين وفكره غاية العناية، واهتموا بدراسة أعماله وآثاره المظلمة؛ باعتبار قائدًا للمشروع التنويري الجذري الشامل -بل حد تعبير أحد الحداثيين (^١) - إلى حد جعل مجموعة من طواغيت الحداثة الذين يصدرون كتابًا دوريًا بعنوان "قضايا وشهادات"، يخصصون العدد الأول منه عن طه حسين، ويجعلون ديباجة التعريف بقضايا وشهادات قولهم: (قضايا وشهادات، كتاب دوري يتطلع إلى عمل ثقافي جماعي، يبدأ من أسئلة الواقع اليومي التي تمس المثقف ودوره بقدر ما تمس الإنسان العادي الباحث عن الخبز والحرية والكرامة الوطنية، يطمح الكتاب إلى ربط الثقافة الديموقراطية العربية الراهنة بماضيها الثقافي، الذي قاتل من أجل العقلانية وكرامة الإنسان، وبناء مجتمع مدني تكون فيه المصلحة العامة متكأ للقول والفعل والمبادرة. . . .) (^٢).
ويعجب العاقل من الحرية التي يدعونها، وهم يمارسون أبشع أنواع
_________________
(١) انظر: قضايا وشهادات العدد الأول بعنوان طه حسين العقلانية الديموقراطية الحداثة: ص ٥ من قول لسعد اللَّه ونوس.
(٢) قضايا شهادات - العدد الأول: ص ١، ويشرف على هذا الكتاب الدوري كل من البعثي السعودي عبد الرحمن منيف والشيوعي الأردني فيصل دراج والعلمانيين الليبراليين سعد اللَّه ونوس وجابر عصفور.
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
الجور والعدوان والظلم والاستبداد ضد المسلمين في عقائدهم وتاريخهم وحضارتهم، ولا يسمحون في منابرهم بصوت إسلامي يناقشهم أو يحاورهم، والكرامة الوطنية التي يزعمونها وهم يسعون جاهدين إلى رمي الأوطان وإمكاناتها في إحضان الغرب، بكل ما أوتوا من جهد وقوة، والعقلانية التي يتبجحون بها وهم في أقصى درجات التخلف العقلي بإلحادياتهم ووثنياتهم وعلمانياتهم.
وقد حاولوا فعلًا الربط بين اتجاهاتهم المغرقة في الانحراف والضلال، واتجاهات أسلافهم من أمثال طه حسين ولويس عوض وسلامة موسى والطهطاوي، وقد أترعوا هذا الكتاب من قضايا وشهادات بالمدائح لطه حسين والثلب والسب لكل من عارضه أو خالفه، في خضم من حمية الجاهلية المعهودة، والتي وصفها اللَّه تعالى في قوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ (^١).
وقد قسموا هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، الأول بعنوان "طه حسين وتحرير العقل" (^٢)، والقسم الثاني بعنوان "طه حسين والحداثة" (^٣)، والقسم الثالث بعنوان "طه حسين وأزمة في الشعر الجاهلي" (^٤).
_________________
(١) الآية ٦٧ من سورة التوبة.
(٢) وكتب تحت هذا القسم فيصل دراج بعوان "الشيخ القليدي والمثقف الحديث"، وكتب يوسف سلامة "ديكارت وطه حسين مشكلة المنهج"، وكتب عبد الرزاق عيد "طه حسين ومنطلق العقلانية"، وكتب أحمد برقاوي "طه حسين والعقلانية".
(٣) وكتب تحت هذا القسم بهاء طاهر "صورة الغرب في آداب طه حسين"، وكتب علي سعد "مستقبل الثقافة في مصر في سيرة طه حسين الفكرية"، وكتبت أمينة رشيد "الإنسان المتمرد"، وكتب رشيد بوجدره "طه حسين الحداثة والذاتية"، وكتب عزّ الدين نجيب "طه حسين ومستقبل الفن في مصر"، وكتب سمير فريد "طه حسين والسينما"، وكتب محمود أمين العالم "طه حسين الحلم والواقع والمستقبل".
(٤) وكتب تحت هذا القسم عزيز العظمة "النص والأسطورة والتاريخ" وهو البحث الذي ألقاه في ندوة دار الساقي المسماة "الإسلام والحداثة" ونشر في الكتاب الناتج عن هذه =
[ ٢ / ١٠٨١ ]
والنظرة الأولية العجلى على العناوين والمقالات تكشف أي منزلة احتلها طه حسين عند هؤلاء باعتباره أول من اقتحم المقدس -حسب تعبيرهم-، وأول من رسخ مبادئ التفكير الديمقراطي الليبرالي، وأول من تجرأ على الاندفاع نحو الغرب، نحو المجتمع الحر!!، وأظهر عن أبرز وظيفة العقل العصياني، وقوض مسلمات التاريخ واللغة والدين، وأوجد أسلوب التمرد على المسلمات والرفض، وإعادة الصياغة لكل شيء، إلى آخر ما هنالك من مدائح حداثية هي عين الإدانة والذم، وهي - في الآن ذاته أمثلة على الانحراف المستشري، وأدلة على مدى ما وصلت إليه الحداثة وأربابها من عداوة لدين الإسلام وقرآنه وسنته ولغته وحضارته.
إن المعاني التي تواطأ عليها الحداثيون في إطرائهم الشديد والمبالغ فيه لسلفهم طه حسين لتؤكد تمام التأكيد أي معنى من الخصام واللدد الذي انحدر إليه سفهاء أهل التكذيب والفساد والمكابرة والشك، بحيث لا يُمكنهم الانصراف عن رأي يكون فيه الهوى والشبهة أساس المرتكز وجوهر الفكرة، بل هم يتهافتون على ذلك تهافت الذباب على موارده، فهم في غياهب جهلهم سادرون ويحسبون أنهم يبصرون، وفي ظلمات شكوكهم سائرون ويظنون أنهم مستبصرون، ولقد تحدث القرآن العظيم عن هذه الطباع الجاهلية الحمقاء المكابرة، وبين مقدار الصلف والعناد الذي جمدت عقولهم عليه، ويبست قلوبهم على سخائمه النتنة.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ (^١).
_________________
(١) = الندوة، وكتب هادي العلوي "طه حسين والتعصب الديني"، وكتب سيد البحراوي "قراءة في الشعر الجاهلي"، وكتب محمد جمال باروت "طه حسين والمؤسسة الأزهرية"، وكتب محمد عفيفي "الأبعاد الاجتماعية والسياسية لأزمة في الشعر الجاهلي"، وكتب علي فهمي "دلالات التحقيق القضائي حول "في الشعر الجاهلي" ووثيقة عن قرار النيابة الصادر حول كتاب "في الشعر الجاهلي"، وكتب محمد كامل الخطيب "الصراع بين العقلانية واللاعقلانية".
(٢) الآية ١٠٣ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ (^١).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ (^٢).
وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^٣).
ومنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في نصوص الوحي، ليكون أكبر أداة أوربية استعمارية تعمل علنًا في إفساد عقيدة الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها، منذ أن فعل ذلك تتالت على إثره محاولات التشغيب على الدين، والتشكيك فيه عن طريق الأدب والفن، فإذا نحن أمام جمهرة من الحثالة ليس لهم هم إلّا الدأب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم، وإيثار دينهم وفضائل أخلاقهم، وإجلال علمائهم وسلفهم.
واستعملوا في ذلك وسائل عدة، مرة بالتكذيب الجلي، ومرة بالتهكم، ومرة بالزراية، ومرة باسم البحث العلمي أو الأدبي أو الفلسفي، حيث لا علم ولا أدب ولا فلسفة، إنما جهل وضلال وانحراف، وبذلك تكون أوروبا قد نالت من المسلمين وأوجعت غاية الوجع بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمي طه حسين ونصر أبو زيد وحسن حنفي وفرج فودة. . . وأشباهها من الأدوات التي احترفت التدمير والخراب، تحت صياح دعائي، وشعارات تسويقية من حروف الدال الممنوحة من السوربون وأشباهه،
_________________
(١) الآية ٢٢ من سورة الأنفال.
(٢) الآية ٥٥ من سورة الأنفال.
(٣) الآيتان ٤٣، ٤٤ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
وعبارات العقلانية والعلمية والأدبية والنقدية، وغير ذلك من وسائل ترويج هذه الأدوات الإنسانية المربوطة بخيوط ظاهرة أو خفية بأوروبا.
ولو كانوا صادقين في مزاعمهم أنهم أحرار مفكرون لما كانوا في حضيض التقليد والمحاكاة يعمهون، إذ التقليد والاحتذاء يسقط الثقة ممن يدعي حرية الفكر؛ لأن الحرية لا تأتي بتقليد الآخرين والنسخ على منوالهم، فهذه عبودية وتبعية؛ لأن المقلد نزع نفسه من بنيان أمته وحضارتها وتاريخها وثوابتها تحت دعوى التحرر، ثم غرس نفسه في وحول الأمم الأخرى المعادية لأمته تاريخًا وواقعًا، وجرى في مجراهم يكرر ما يقولون ويترجم ما يكتبون، ويحارب أمته وقومه ليكسب رضى الأسياد ومدحهم، فأية حرية في هذا؟!.
لقد توارد الحداثيون على النيل من نصوص الوحي، وبرزت مواهبهم في كسب اعتراف الغرب بهم، ومن هؤلاء محمد أحمد خلف اللَّه (^١)، الذي أعد رسالة للدكتوراه -أيام كان في كلية الآداب- بعنوان "الفن القصصي في القرآن" أشرف عليها أمين الخولي (^٢)، الذي شاركه الفكرة ودافع عنه فيها.
_________________
(١) محمد أحمد خلف اللَّه، مصري شيوعي، عضو مؤسس، وأمين للحزب الشيوعي المصري المسمى حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، حارب القرآن تحت شعار الفن القصصي، وقال بأن القصص في القرآن ليس حقيقة، بل أساطير، وشكك في ثبوت القرآن وصحته، وفي ثبوت السنة، أفتى علماء الأزهر وغيرهم ببراءته من الإسلام. انظر: كتاب هجمات علمانية جديدة لكامل سعفان: ص ١١ - ٥٠.
(٢) أمين الخولي، كاتب مصري، ولد عام ١٣١٢ هـ/ ١٨٩٥، وتوفي عام ١٣٨٥ هـ/ ١٩٦٦ م تخرج من مدرسة القضاء الشرعي ودرس فيها، ونقل إلى كلية الآداب مدرسًا فأستاذًا ثم شغل منصب مدير عام الثقافة في وزارة التعليم في مصر، كون جماعة "الأمناء"، وأصدر مجلة الأديب سنة ١٣٧٥ هـ/ ١٩٥٦ م، وهو الذي علم محمد خلف اللَّه الجرأة على القرآن، تزوج بتلميذته عائشة بنت الشاطئ بعد قصة حب طويلة وبه تأثرت، تزعم الدفاع عن طه حسين، الذي كان مشرفًا على عائشة بنت الشاطئ في الدكتوراه، ابتعث إلى أوربا وبرلين، ورد على الذين انتقدوا طه حسين ومحمد خلف اللَّه، وأفتى علماء الأزهر بكفرهما، ووقع الفتوى جميع شيوخ الكليات =
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
ورد عليها عدد كبير من علماء مصر وكتابها ومثقفيها (^١)، وأقيمت عليهما دعاوى قضائية، وتتضمن رسالة خلف اللَّه المسماة "الفن القصصي في القرآن" عدة أمور تشكك في القرآن، منها:
أن القصص في القرآن عمل فني خالص خاضع لما يخضع له الفن من إبداع وابتكار، من غير التزام بصدق التاريخ والواقع، وأن محمدًا فنان بهذا المعنى، وعلى هذا الأساس كُتبت كل الرسالة من أولها إلى آخرها.
ويرى أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنّما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًا بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد، حسب زعمه.
ويرى أن الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي -ﷺ- ليست تاريخية، ولا واقعة، وإنّما هي تصوير لواقع نفسي عن أحداث مضت، أو أغرقت في القدم، سواء كان ذلك الواقع النفسي متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا لهما.
ويزعم أن القرآن قرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئًا، والمفسرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد.
ويرى أن الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة، وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأي وعبدوا ما يعبدون من إله.
ويقول بصراحة: إن القصة الأسطورية موجودة في القرآن.
_________________
(١) = وأساتذتها. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٤٧، وهجمة علمانية جديدة لكامل سعفان: ص ٣٨ - ٣٩، ٤٠، ٤٨، ٥٢ - ٥٣.
(٢) ممن رد عليها أحمد أمين، وعلي الطنطاوي، وأحمد الشايب، ومحمد علم الدين، وعبد الوهاب عزام، والعقاد، وغيرهم، وممن دافع عنه أستاذه أمين الخولي والقاص توفيق الحكيم. انظر كل ذلك في: هجمة علمانية جديدة: ص ١٦ - ٥٠.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
وأن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ.
وأن القرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب وأهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين.
وأن قصة إبليس من نوع الخلق الفني الذي يتشبث فيه القرآن بالواقع.
وأن القرآن اختلق صور الجن والملائكة.
وأن القصص في القرآن متدرج كما يتدرج أدب كل أديب، فالأديب يلتمس المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض له، وكذلك القرآن، ومن مظاهر ذلك النسخ والتدرج في التشريع (^١).
وهذه الأقوال كما يرى من له أدنى إلمام بالإسلام تناقض تمام المناقضة عصمة القرآن العظيم، بل قضية واحدة منها تكفي للحكم على قائلها بالردة والكفر (^٢)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (^٣).
وَوَسْمه قصص القرآن بالأساطير هو عين قول الكافرين الأولين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (^٤).
_________________
(١) هذا ملخص تقدم به أحمد أمين أحد أعضاء المناقشة لهذه الرسالة ورأى أن هذه مسائل خطيرة ورسالة خطيرة. انظر: هجمة علمانية جديدة: ص ١٨ - ٢٠، ولخلف اللَّه أقوال أخرى مشابهة لما ذكر. انظر: موسوعة الحضارة العربية الإسلامية - الجزء الثاني: ص ١٣٣ - ١٨٤.
(٢) وقد أثنى محمد أركون على كتاب خلف اللَّه هذا بأنه قد امتلك الجرأة وانتقد حرصه على مراعاة الموقف الإسلامي الإيماني، وزعم أنه قدم تنازلات مهمة تجاه عقيدة الإعجاز، فتأمل منحدرات الضلال إلى أين تصل بأصحابها. انظر: كتاب الفكر الإسلامي قراءة علمية لمحمد أركون: ص ٢٠٢ - ٢٠٣. وأثنى نصر أبو زيد على أمين الخولي في كتابه مفهوم النص: ص ١٠، ١٩.
(٣) الآيتان ٦٥، ٦٦ من سورة التوبة.
(٤) الآية ٥ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
وقد أخبر اللَّه عنهم وعن أشباههم ووصف حالتهم وصفًا تفصيليًا فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ (^١).
نعم إن هذا هو الوصف الحقيقي لحالتهم النفسية والفكرية ومخططاتهم المستقبلية، فمنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في القرآن والوحي عمومًا أتى بعده من استطرد وزاد، كما فعل محمد خلف اللَّه، ثم أتى بعدهما من زاد وطم على ضلالاتهم، واسترسل في أبواب الجحد والتشكيك والإلحاد.
فها هو عزيز العظمة يتعرض لهذه القضية تحت عنوان "النص والأسطورة والتاريخ" في ندوة عقدتها دار الساقي في لندن عام ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م بعنوان "الإسلام والحداثة"، وفيه قرر أن مراده بالنص: النص المقدس؛ لأنه في وضع يتعالى على التاريخ مع أنه في الحقيقة يخضع للتاريخ حسب قوله؛ لأن النصوص المقدسة ولدت في التاريخ وبه انفعلت، وفيه أثرت، فالتاريخ مجالها، وفي التاريخ أسرارها ومكامنها، ومن التاريخ أساطيرها وأسطورتها، كما أن في العلوم التاريخية والإنسانية الحديثة مفاتيحها (^٢).
_________________
(١) الآيات ٢١ - ٢٦ من سورة الأنعام.
(٢) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٢٥٩. وقد نشر هذا المقال أيضًا في كتاب قضايا وشهادات - العدد الأول: ص ٣٠٦.
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
ثم طالب بعد هذا الخلط قائلًا: (دعونا إذن نعاين كيف نظر علماء المسلمين، من متقدمين ومتأخرين إلى النص ونقارن بين هذه النظرة وما تفرضه علينا الحداثة) (^١).
وفي هذا التقسيم بين نظرة علماء المسلمين وأزلام الحداثة اعتراف بالفرق بين الطائفتين، وبين المبدأين، وهو اعتراف تؤكده جميع الأحوال والأقوال والاعتقادات لكل من الفريقين، وقد تحدث عن نظرة علماء المسلمين لنصوص الوحي القائمة على التقديس للوحي، وعصمة المبلغ وصحة التبليغ.
ثم يقول بعد ذلك في جرأة علمانية حداثية معروفة: (لم يتصد العلماء المسلمون إلى قضية صحة الأخبار والنقول على نحو منهجي منظم متجرد) (^٢).
وإن تعجب من شيء -أيها القارئ- فاعجب من هذه الدعوى العارية من البرهان، بل المخالفة لكل برهان، فإنه لم يُعرف في تاريخ البشرية جمعاء عناية بالنقل وأسانيده وسائر أحواله مثل عناية المسلمين بذلك، وقد وضعوا لتحري صحة النقل الأصول والقواعد العلمية مما يعتبر مفخرة للبشرية كلها وللمسلمين على وجه الخصوص، وقد اعترف بدقة المناهج الإسلامية، وشدة تحريها في النقل المنصفون من أهل الغرب، الذين يسارع الحداثيون العرب في الحصول على رضاهم.
إن عزيز العظمة يتوارد في طريقته هذه مع الرافضة والملاحدة والزنادقة، ويطابقهم مطابقة النعل للنعل، ولا يستبعد ذلك منه ومن أمثاله، ما دام كلا الفريقين أسقط الإيمان من حسابه وتجرد من دينه، وانحاز إلى الضفة الأخرى يرمي بسهام الهدم والتدمير والرفض والتفجير على كل ما له علاقة بالدين، والعبرة كل العبرة في عقائد هؤلاء التي انحرفت عن الهدى وتلقت مناهج الردى، فكان من أثر ذلك ما كان من انسلاخ عن الدين وتقحم في الأكاذيب
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق: ص ٢٦٠.
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
والافتراءات؛ لأن الباطل لايجد أبدًا قوته في ذاته وطبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا تراخت هذه القوة -وهي لا شك متراخية- اضمحل الباطل المستند إليها، أمّا الحق فثابت بطبيعته، قوي بنفسه.
وما نراه من دعاوى الحداثيين والعلمانيين وسائر قطيع المستغربين لا يخرج عن هذا قيد أنملة، وكيف لا وقد وصفهم أصدق القائلين بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (^١) فالوهن خاصية كل باطل وصلب كل ضلالة، ودليل ذلك من الواقع أننا نرى كل هذا التكالب العلماني الحداثي على الإسلام والقرآن والسنة وسائر قضايا الشريعة والعقيدة، وهو تكالب امتد في الزمان أكثر من قرن ونصف، وعاضدته قوى الكفر وأذيالها كل المعاضدة، ومع ذلك نرى أن الإسلام يقوى وجوده بين المسلمين، ويعود إليه أفراد المسلمين وجماعاتهم، وتتحرك دماء الحمية الإيمانية في عروقهم.
ولو أن كيدًا وجه إلى ملة غير المسلمين لانقرضت وزالت من الوجود، وهذه معجزة الهداية الإيمانية التي أثبتت أن اجتثاث الإسلام لا يُمكن ولا يحصل ولا يتحقق مهما فعل الأعداء، وأقرب مثال على ذلك مافعلته دولة الإلحاد الهالكة دولة الاتحاد السوفيتي في المسلمين في بلاد ما وراء النهر أو ما يطلق عليه في العرف السياسي اليوم "الجمهوريات الإسلامية"، فقد سعى الشيوعيون بكل طاقاتهم لتكفير المسلمين وإخراجهم من دينهم، وبعد سبعين سنة انقشعت غمة الإلحاد، ورأى العالم كله كيف أظهرت هذه الشعوب عودتها إلى دينها واستمساكها بعقيدتها.
وهذا مقتضى التحدي الإلهي للكافرين في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ (^٢).
_________________
(١) الآية ١٨ من سورة الأنفال.
(٢) الآيتان ٤٦، ٤٧ من سورة إبراهيم.
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
وعودة إلى مهازل أبي جهل المعاصر: عزيز العظمة، فبعد أن تكلم عن إخفاق المسلمين في تحري صحة الأخبار، كشف عن جهله، باشتراط الإجماع في السند الحديثي (^١).
ثم انكشفت عداوته في تشكيكه المكشوف في ثبوت السنة النبوية المطهرة، مع أساليب من التلبيس والمغالطة (^٢)، واعتماد الأكاذيب مثل قصة الغرانيق (^٣) الموضوعة، والتي قال عنها بأنها اشتهرت في يومنا تحت عنوان "الآيات الشيطانية"، وقال عن حديثها بأنه حديث يجافي الرواية التقليدية، ولو أنه لا يجافي طبائع الأشياء بل يماشيها (^٤)!!.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٢٦٠.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٢٦١.
(٣) قصة الغرانيق، ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ الآية ٥٢ من سورة الحج. وقد أخرجها ابن جرير في تفسيره مجلد ١٠ - ١٧/ ١٨٦ - ١٨٩، وسكت عنها، والسيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٦١ - ٦٦٤، والبغوي في معالم التنزيل مجلد ١٧٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤، والقرطبي في أحكام القرآن ٣/ ١٢٢٩ - ١٣٠٣، والشوكاني في فتح القدير ٣/ ٤٦١ - ٤٦٤، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٣٩ - ٢٤١. وذكرها ابن حجر في فتح الباري ٨/ ٤٣٨ - ٤٤٠، وعياض في الشفاء ٢/ ٧٤٩، وذكرها محمد أبو شهبة في كتابه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: ص ٣١٤ - ٣٢٣، وألف فيها محمد ناصر الدين الألباني رسالة بعنوان نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، وكذلك فعل تلميذه علي بن حسن الحلبي حيث ألف رسالة بعنوان دلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق رواية ودراية، وذكرها إبراهيم شعوط في كتابه أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ: ص ٦١ - ٧١، وقد بينوا ما في سند هذه القصة من علل تقضي بأنها موضوعة مكذوبة واهية الإسناد، ضعيفة لا تنجبر بحال من الأحوال. وبينوا ما في متن هذه القصة من نكارة وشذوذ وعلل اعتقادية ومخالفة صريحة للتوحيد، واتهام واضح للنبي -ﷺ-، وما فيها من مناقضة واضحة للقرآن العظيم، وأصول الإيمان.
(٤) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٢٦٢.
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
فتأمل كيف يشكك في السنة النبوية الثابتة، ويثبت قصة الغرانيق الموضوعة وهو مسلك أهل الضلال والهوى على مر العصور والدهور.
ثم تكلم عن الإجماع قائلًا: (وما الإجماع إلّا ممارسة سلطانية في ميدان المعرفة وإطلالة سلطانية على التاريخ) (^١).
وهكذا بالدعوى العرية عن أي برهان، يلغي أصلًا من أصول الفقه الإسلامي، ويزداد العجب حين تعلم أنهم يدعون الموضوعية والعقلانية وتحري الدقة!!.
ثم ينتقل بدخان شبهاته إلى كلام ربنا العظيم إلى القرآن المجيد فيقول عنه: (والقرآن نص ذو تاريخية معينة استصلحها العلماء المسلمون في العصور الوسطى، وفي أيامنا هذه استصلاحات شتى لمقاصد شتى، وهي ما نطلق عليها عبارة "أسباب النزول" ولكن علينا الاحتراز من التسرع الفرح والافتراض مع بعض التنورين من الإسلاميين، أن في أسباب النزول نهجًا عقلانيًا وتاريخيًا متكاملًا للنظر إلى النص القرآني) (^٢).
ثم يجعل النبي -ﷺ- وأصحابه -﵃- خاضعين للأجواء التي أحاطت بهم، مما أدى إلى استخدام ألفاظٍ أخذوها من محيطهم، أي: أن ألفاظ الشريعة ليست وحيًا من اللَّه، بل مخترعة لا من النبي -ﷺ- وأصحابه -مع ما في هذه الدعوى من ضلال وكذب- بل من الجو المحيط بهم، فيقول: (لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة، ولا فلاسفة، ولابد أن المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الإلهية تتميز تميزًا كبيرًا عما أسندوا إليها لاحقًا في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٦٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٦٣.
[ ٢ / ١٠٩١ ]
وهذا افتراء آخر ووصف للرسول -ﷺ- وأصحابه بالتخلف.
ثم يتحدث عن علاقة القرآن باللغة ويرى وجوب تجاوز تفسير القرآن وفق معهود العرب في لغتهم، ثم يوجب دراسة القرآن وفق مناهج الفهم التاريخي الذي يراد به إلقاء ظلال الريبة على النص القرآن المعصوم تمهيدًا لاقتلاعه، وفي السياق يضرب أمثلة لمناهج الفهم التاريخي التي يريد تطبيقها فيقول: (. . . تعترض دارسي القرآن مشكلات أخرى لا حل لها إلّا بتوسل مناهج الفهم التاريخي، فمع أن في الأخبار المتواترة حول جمع النص القرآني من البساطة والحزم ما يشجع على التصديق بها، إلّا أن البساطة والحزم القاسر -وهما علامة كل الحلول الفردية المتسلطة للقضايا المعقدة- يفيدان بإغلاق باب البحث أكثر من فائدتهما التاريخية، ما هو بالضبط الذي استثنى من مصحف عثمان، وعلى أية أسس تمت الاستثناءات؟.
وهل يُمكننا اعتبار الأحاديث القدسية بمثابة استثناءات مقصودة أو غير مقصودة؟، وهل بإمكاننا التدليل على أن خبر الغرانيق ينتمي إلى هذه الاستثناءات؟، وما كانت الأسس العقائدية أو السلطوية أو القبلية التي أسهمت في الشكل الذي اتخذه هذا المصحف؟، وكيف تشكل لدى عرب صدر الإسلام مفهوم الدين المدون؟، وقد أشار إلى هذا الأمر من منظور مختلف، إسماعيل مظهر (^١) عندما كتب: "ليس في السير القديمة ما يدلنا على أن النبي قد أمر بمثل هذا الجمع ومثل هذا الترتيب، على أن مجهودات عثمان أمير المؤمنين في هذا الصدد غير محمودة، فلدينا في
_________________
(١) إسماعيل مظهر، كاتب مصري، صنف وترجم الكثير من الآثار، وكان عضوًا في مجمع اللغة العربية، تلقى تعليمه في مصر، ثم سافر إلى جامعات لندن فتخصص في علوم الأحياء، ولكن ظل مهتمًا بالحياة الأدبية والفكرية واللغوية، أسس مجلة العصور، ورأس تحرير مجلة المقتطف ١٣٦٤ - ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٥ - ١٩٤٨، وأسهم في تحرير دائرة المعارف التي أشرفت عليها مؤسسة فرنكلين الذراع الثقافي للمخابرات الأمريكية، ولد سنة ١٣٠٨ هـ/ ١٨٩١ م، وترفي سنة ١٣٨١ هـ/ ١٩٦٢ م، من عقائده الضالة التشكيك في ثبوت القرآن. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٧٦.
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
القرآن بضعة أوامر ونواهٍ، ولم تكن الفكرة أن تجمع هذه الأشياء في صورة كتاب محبوك الطرفين، ولقد أغفل جامعوا القرآن هذه الحقيقة، فإن كل أمر من أوامر القرآن كان ذا علاقة بحالة من حالات ذلك العصر". . .، ثم ما شأن فواتح السور؟ هل هي ذات ارتباط بالحياة الدينية في جزيرة العرب، أم ترتبط بتقنية الكتابة في صدر الإسلام؟ وماذا كانت طبيعة المجهود التحقيقي إن شئت؟ وكيف نعلل التأكيد على خلق اللَّه السموات قبل الأرض في آية وخلق الأرض قبل السموات في آية أخرى؟، ولماذا لم ترتبط هذه الآيات المتناقضة بروابط الناسخ والمنسوخ) (^١).
هذه الأسئلة المرتابة التي يطرحها العظمة هي دليل آخر على نمط التفكير الحداثي العلماني في طرح الدعوى بلا دليل، وقذف أسئلة الشك والريبة بلا مستند، وهي عملية هزيلة يستطيع أن يقوم بها أضعف الناس عقلًا.
ولولا ضعف هذه "العظمة" المهشمة وقلة العلم ورسوخ الجهل عنده لما فاه بأقوال تدل على جهله المركب، فهو لا يعرف الحدود العلمية الفاصلة بين القرآن والحديث القدسي والحديث الصحيح والحديث الموضوع مثل حديث الغرانيق، وهو لا يعرف أنه استعان بجاهل مثله وهو إسماعيل مظهر الذي جعل جهد عثمان ﵁ في جمع المصحف غير محمود؛ لأنه بذلك أغلق على الزنادقة والمرتابين أبوابًا كانوا سيتمتعون بالخوض فيها، كعادتهم في ترك الحقائق والفرح بالمشتبهات والموضوعات ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (^٢).
مع أن هذه المسألة التي تعرض لها العظمة ومظهر من المحكمات الواضحات، وما فعله عثمان قد سبقه إليه النبي -ﷺ- في أصل الكتابة ثم الصديق ﵁ في جمعه بين دفتين، وكل ذلك في سياق الوعد
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٢) الآية ٧ من سورة آل عمران.
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
الرباني القاطع والإرادة الكونية الكائنة، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (^١).
ولولا ضعف عقل العظمة ومظهر لما استسلموا بسذاجة لتقليد الزنادقة وبعض المستشرقين الذين لا يوثق برأيهم ولا بفهمهم ولا بمعرفتهم للغة العربية، فضلًا عن أنه لا يوثق بمقاصدهم، كما أنه لا يوثق بمقاصد الذين قلدوهم.
وبعد تشكيكه في القرآن، والزعم بأن القرآن متناقض، يصل إلى مذهبه الباطل ليجعل منه المعيار للقبول والرد، ثم يذكر أسوته من الغربيين في اعتراف بالتبعية، واعتراف بانفصال الحداثة عن الذات ذات العقيدة والأمة والتاريخ والحضارة، وهذا الانفصال -عندهم- هو الذي يجعل منها المعيار القادر على الكشف العلمي عن حقيقة نصوص الوحي، فيقول: (. . . إن معرفة الذات لا تتم بالتطابق مع الذات بل بأخذ مسافة من الذات، وليس هذا بالممكن بالنسبة للحضارات إلّا باعتبار الزمان، وانصرام الذات المعروفة، ومعرفتها من قبل لاحق يُدرجها في سياق هو آخر، وهو بالتالي قابل للمعرفة.
إن الآخر المتأخر الذي نشير إليه ليس إلّا الحداثة، والحداثة تعني تحديدًا: وعي التحول وواقع الصفة النوعية لانسياب الزمن، لن نستعيد هنا الحداثة الفيلولوجية (^٢) والتاريخية في مجال النصوص المقدسة التي ابتدأت بريشار سيمون (^٣)، وتوصلت إلى إحدى ذراها عند سبينوزا (^٤) في دراسة للعهد القديم، والتي ترجمها الدكتور حسن حنفي إلى العربية، ثم استمر
_________________
(١) الآية ٩ من سورة الحجر.
(٢) فيلولوجيا: طرق تستهدف إنجاز نص، وتسهيل قراءته ونقده، بضمان شرعيته اللغوية، ولعبت الفيلولوجيا دورًا خاصًا في القرن التاسع عشر من الوجهتين التاريخية والمقارنة. انظر: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: ص ١٧١.
(٣) ريشار سيمون سبقت ترجمته ص ١٠٦١.
(٤) سبينوزا سبقت ترجمته ص ١٠٥٨.
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
تصاعدها في الدقة التاريخية واللغوية في القرنين التاسع عشر والعشرين. . .) (^١).
وهكذا نرى الإغراق في استعارة الكفر والإلحاد والشك، والالتصاق باليهودي سبينوزا مدحًا وتمجيدًا، وبالمنهج الفيلولوجي والتاريخي إشادة بالدقة المزعومة له، في الوقت الذي يكذب فيه النبي -ﷺ- وأصحابه، ويشكك في مناهج المسلمين من أصول ومصطلح ومناهج الضبط المعرفية في الإسلام.
وما بين هؤلاء وأعداء الإسلام من الغربيين الأمثل ما بين الشخص وظله، ثم تسمع -ويا للعجب- دعاوى التحرر الفكري والاستقلال المعرفي!!، وهم أرقاء للفكر الغربي ومناهجه وأساتذته، عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها، وكلهم مقلد، وكلهم سارق ناقل جاهل، ولا أدل على ذلك من عزيز العظمة هذا الذي نحن بصدد الحديث عن زيغه وسفسطاته.
فمن جهله قوله: (. . . شرّع المعتزلة لأنفسهم تاريخيًا، بإرجاع مذهبهم إلى الحسن والحسين وابن عباس وأبي بكر، أو كما رأى الأشاعرة في الأقوال المنسوبة إلى الرسول إنباءً عن أبي الحسن الأشعري) (^٢) (^٣).
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ٢٦٥.
(٢) هو: علي بن إسماعيل بن إسحاق يصل نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، ولد سنة ٢٦٠ هـ، وتوفي سنة ٣٢٤ هـ وقيل: ٣٣٠ هـ، وقيل بعد ذلك، وأخذ الاعتزال عن زوج أمه أبي علي الجبائي وبقي على ذلك سنوات ثم خرج إلى الناس فأعلن توبته من اعتقاد المعتزلة، وسلك طريقة ابن كلاب ثم ترك ذلك إلى مذهب أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد، وقد أخذ الأشعرية عنه مرحلته المتوسطة حين سلك مسلك ابن كلاب، ويعد الأشعري من متكلمي أهل الإثبات، ومن متكلمة الصفاتية، ويحتبر أقربهم إلى السنة وأتبعهم لأحمد بن حنبل. انظر: البداية والنهاية ١١/ ١٨٧، والعبر في خبر من غبر ٢/ ٢٣، ووفيات الأعيان ٣/ ٢٨٤.
(٣) الإسلام والحداثة ص ٢٦٦.
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
فتأمل الجهل بتراث المسلمين والكذب المكشوف في شأن المعتزلة ثم في شان الأشاعرة حيث جعلهم منتسبين إلى أقوال نقلها أبو الحسن الأشعري عن النبي، فيا له من جهل فاضح!!.
وفي المقابل نرى الالتحاق بالغرب والنقل عنه، فبعد أن ذكر سبينوزا اليهودي وأشاد به في دراسته الشكية للتوراة عاد مرة أخرى قائلًا: (نعود إلى سبينوزا وإلى فهم التاريخ الذي أسسه: فقد أسس سبينوزا ومن سار في مسارات موازية له، التاريخ بما هو معرفة لتاريخية الأمور: تاريخية النص، تاريخية وأسطورة محتوى النص.
وجاءت هذه المعرفة على صورة مغايرة للمعرفة قبل التاريخية للتاريخ والبنى الأسطورية للعلم التاريخي في العصور الوسطى الإسلامية: جاءت وعيًا للتحرر من سلطة الأسطورة ومن أسطورة السلطة، يعني أن المجهود السبينوزي -ونرمز به للجهود الموازية التي ما اكتملت إلّا في القرنين التاليين على سبينوزا- قضى على أسبقية المعنى على التفسير التاريخي، ذلك أن التعليلات التاريخية للنصوص المقدسة -إسلامية ومسيحية ويهودية- السابقة على سبينوزا كانت تفترض معاني نصوصها في ضوء واقعها اللاحق، ولم تكن جهودها الفيلولوجية موضوعية بل مرتبطة بمقاصد عقيدية أو عملية معينة، وقد افترضت هذه المقاصد أن ثمة "حقيقة" ناصعة تكمن في النصوص، وأن الجهد التفسيري يجب أن ينصب على استكناه الحقيقة هذه، أمّا الفيلولوجية السبينوزية فقد رامت استعادة موضوعية المعنى وحقيقة المعنى، لا البحث عن معنى الحقيقة،. . . وهدفت إلى إرجاع الحقائق والمعاني إلى نصابها المتعين زمانًا ومكانًا.
من نافل القول: إن انتباه النابهين منا في أواخر القرن الماضي وفي الربع الأول من هذا القرن إلى التاريخ كنمط ممارسة الحداثة في كل مجتمع متحول -مجتمعاتنا شأن المجتمعات الأوربية المتحولة في عصر العلمانية- لم يكن ناتجًا ببساطة عن لقاح الغرب، أو عداوة أو غزوه الثقافي كما يحلو للبعض أن يقول، نتج هذا الانتباه عن التحولات الكبيرة والانقطاعات
[ ٢ / ١٠٩٦ ]
الجوهرية في البنى الثقافية والاجتماعية لدينا، خصوصًا التحولات التي طرأت على سوسيولوجيا (^١) المثقفين والثقافة، وخروج هذه وهؤلاء عن الإطار التربوي والعقلي للثقافة الإسلامية، وتحول أهل هذه الأخيرة إلى أقلية هامشية، أدى ذلك إلى تزعزع سلطة الأسطورة بتزعزع مكانة أصحابها، وصار لزامًا على المدافعين عن هذه الأسطورة اتخاذ الحس التاريخي عنوانًا على حداثة أسطورتهم) (^٢).
ونستنتج من هذا الكلام عدة أمور:
١ - أن حملات الجحد والتشكيك الحداثي والعلمانية الموجهة ضد نصوص الوحي وخاصة القرآن والسنة أخذوها عن اليهودي سبينوزا، وكل ما يقال من الدراسة التاريخية للنصوص، والتأويل المعاصر لها تحت تأثير العلوم الاجتماعية، وإخضاع النصوص لفظًا ومعنى للدراسات النقدية "الفيلولوجيا"، ودعواهم أنها تأثرت بالإنسان فأصبحت نصوصًا بشرية، والتحدث عن الوحي باعتباره نصًا متعاليًا لابد من إخضاعه، ونصًا لغويًا بحتًا، وإخضاع نصوص الوحي لنظريات وقوانين التجربة والدراسات التطبيقية، والمناهج التحليلية والتفكيكية، وضرب النصوص بعضها ببعض، كل هذا يندرج تحت هذه المدرسة، وكله مأخوذ من الغربيين وخاصة من أستاذهم اليهودي سبينوزا، فما ظنك بقوم هذا سندهم وتلك مضامين عقيدتهم، وذلك موقفهم من نصوص الوحي؟.
٢ - المفردات التي ذكرتها في النقطة السابقة هي محور الهجوم التشكيكي والجاحد على نصوص الوحي، وهي مجرد شعارات لا تقوم على أساس، بل إن أساسها المعرفي متهالك من أصوله، والمقصود هنا أن جُلَّ كلام الحداثيين، عن الوحي -وهم مجرد مسخ غريب- يدور حول هذه
_________________
(١) سوسيولوجيا، ترجمة هذا اللفظ تعني علم الاجتماع، وهو علم ينصب على دراسة الظواهر الاجتماعية، ويقرر أن المجتمع حقيقة متميزة من أفراده، وأن ظواهره خاضعة لقوانين ثابتة كالظواهر النفسية والفيزيقية والبيولوجية. انظر: المعجم الفلسفي: ص ١٢٤.
(٢) الإسلام والحداثة: ص ٢٦٦ - ٢٦٧.
[ ٢ / ١٠٩٧ ]
العبارات المستعارة، التي يجدون فيها العذر السوفسطائي لجهلهم ومحاكاتهم ومروقهم من الدين وعداوتهم له.
٣ - بالنظر إلى هذا الكلام الذي قاله عزيز العظمة يتضح أن العظمة وحسن حنفي ونصر أبو زيد وعادل ظاهر وجابر عصفور ومحمد خلف اللَّه وهم أشهر من تكلم عن نصوص الوحي، وخاصة نصر أبو زيد، هؤلاء جميعًا يرددون تلك المفردات، ويكررون بصيغ مختلفة تلك الشعارات المأخوذة أصلًا عن سبينوزا اليهودي، ولانجد لهم أي خروج عن هذا المضمون إلّا بمقدار ما تتسع طاقتهم على الشرح والتفصيل، والتحشية والتهميش على المتون السيبونوزية والبنيوية والتشريحية!!.
٤ - إن ما يسمى "تاريخية النص" و"التفسير التاريخي للنص" ينطوي في الحقيقة على عدة مضامين هي:
أ- نفي حقيقة الوحي.
ب - جعل الوحي أسطورة من الأساطير.
جـ - التحرر من سلطة الوحي وأحكامه.
د - إلغاء أسبقية المعنى، وهذا يعني القضاء على النص تمامًا.
هـ - أنه لا حقيقة ثابتة للنص، بل إن كان فيه حقيقة فهي نسبية، زمنية.
و- نفي القداسة عن النص، ونقله إلى حقل المناقشة والنقد الهادم، والدراسات اللغوية البنيوية والاجتماعية المادية المختلفة.
ز- القول ببشرية النص وأنه ليس من وحي اللَّه تعالى، فلا عصمة له، ولا حقيقة لعصمة المبلِّغ.
هذه مضامين فكر العظمة ونصر أبو زيد في دراساتهم للوحي والقرآن خاصة.
٥ - أمّا قول عزيز العظمة بأن النابهين منهم -أي: من الحداثيين والعلمانيين- اتجهوا لهذا النوع من الدراسة، ليس تحت تأثير اللقاح الغربي، أو الغزو الثقافي، بل هو نتيجة الانقطاعات الجوهرية في البنى الثقافية والاجتماعية والخروج على الإطار التربوي والعقلي للثقافة الإسلامية التي تحولت -حسب
[ ٢ / ١٠٩٨ ]
زعمه- إلى هامش، وتزعزعت بناء على ذلك سلطة الأسطورة ومكانة أصحابها ويقصد سلطة نصوص الوحي و"القرآن والسنة" خاصة.
وهذا القول فيه حق وباطل:
أمّا الحق فهو أن الحداثيين والعلمانيين انغمسوا فيما أسماه "الانقطاعات الجوهرية" عن الثقافة والمجتمع، وهذا صحيح تمامًا، فإنهم قد عبروا البحر المتوسط ليكونوا جنودًا في القسم الثقافي والفكري لحلف الأطلسي، وانقطعوا جوهريًا عن هذه الأمة في العقيدة والتاريخ والسلوك، وصاروا جزءًا من الأعداء.
وأمّا الباطل فزعمه أن الحداثيين والعلمانيين لم يتأثروا بالغرب في هجومهم على نصوص الوحي، وأول ما يدل على بطلان قوله في السياق نفسه بالتحولات الكبرى والانقطاعات الجوهرية، فإلى أي شيء كانت تحولاتهم، وعن أي شيء كانت انقطاعاتهم؟.
لقد انقطعوا عن الإسلام وتاريخه، وتحولوا إلى الغرب وفلسفاته ومادياته وخرافاته المعاصرة.
وأكبر دليل على ذلك المنهج السبينوزي الذي تبناه عزيز العظمة في المقال نفسه، في سياق هجومه على نصوص القرآن والسنة.
أمّا اعترافات الحداثيين أنفسهم بالتبعية، والخضوع للتلقيح الغربي فكثيرة جدًا منها قول أحد النقاد مصورًا أنماط التبعية للغرب قائلًا: (. . . تكون التبعية الثقافية في جوهرها تبعية حضارية، باعتبار أن الحضارة مفهوم يشمل كل ما قام به الجنس البشري من إنجازات مادية ومعنوية، أمّا الثقافية فتعبر عن الجانب المعنوي من الحضارة. . . بضم الجانب الثقافي من الحضارة الذهنيات والمعارف والآداب والفنون والأعراف والأخلاقيات والسلوكيات الاجتماعية. . .) (^١).
_________________
(١) قضايا وشهادات ٤ خريف ١٩٩١: ص ٧٤، المعنون باسم الثقافة الوطنية: التبعية، التراث، الممارسة.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
وتحت عنوان "عصر الرجال الأطفال" كتب أحدهم عن العلل التي أصيبت بها الأمة وأن سببها التبعية فقال: (إن كل ما يذكرونه من علل ومعلولات ما هي إلّا أعراض ومضاعفات لحالة تاريخية مزمنة اسمها "التبعية". . . .) (^١).
ثم يقول: (إن التبعية ليست حالة عربية، بل هي علة تشمل ما أطلق عليه "العالم الثالث" حيث تسيطر عليه سيطرة مطلقة) (^٢).
ويتحدث عبد الرحمن منيف عن استعارة العرب للحداثة فيقول: (وإذا كان مفهوم الحداثة قد جاءنا من الغرب، وأخذ معنى أو معاني ولّدتها ظروف ذلك الغرب وتطوره، وإذا كان المفهوم ذاته قد تغير تبعًا للمراحل، أو زاوية الرؤية، فإن ما وصل إلينا هو الصدى وبعض صور الحداثة) (^٣).
ويقرر غالي شكري المعنى نفسه في قوله: (نحن لا ننقل سوى المصطلح في صيغته النهائية، ولا علاقة لنا بالتاريخ الاجتماعي والعلمي لهذا المصطلح، ولم نشارك في أية مرحلة من مراحل صنعه، أي إننا في الحقيقة "نركب" المصطلح كما نركب الطائرة. . . والفرق هو أننا "نستخدم الطائرة، أمّا المصطلح في العلوم الإنسانية، فإننا نستخدمه ويستخدمنا في وقت واحد، إنه يقول ليصبح جزءًا من العدسة التي نرى بها الأشياء، أي جزءًا من رؤيتنا، أو من قدرتنا على الرؤية) (^٤).
وهذه توصيف دقيق وحقيقي لحال كل الحداثيين بلا استثناء، حتى الذين يدعون أخذهم من التراث واعتمادهم على التراث، فإنّما يأخذون وينظرون بعيون الغرب.
وفي مجال الكلام عن نصوص الوحي يُمكن أن نطبق ما قاله غالي
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق: ٤/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) المصدر السابق ٢ صيف ١٩٩٠: ص ٢٠٩.
(٣) مجلة الناقد - العدد ٩: ص ١٧ مارس ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ.
[ ٢ / ١١٠٠ ]
شكري على ما قاله عزيز العظمة في شأن الوحي وما يقوله نصر أبو زيد، فنجد النتيجة أنهم جميعًا تحولوا إلى آنية يلقي فيها الغرب ما شاء من أفكاره وفلسفاته وضلالاته، ثم تفيض هذه الآنية بما ألقي فيها.
ويواصل عزيز العظمة في نيله من نصوص الوحي فيجعل الطيور الأبابيل التي ورد ذكرها في سورة الفيل أسطورة من الأساطير (^١)، ثم يتكيء على سلفه في هذا الدرب المعتم: طه حسين، ويقتبس نصوصه التي نقلناها آنفًا من كتابه "في الشعر الجاهلي" ويثني على هذا الاتجاه، وعلى العقلانية والتاريخية التي يتمتع بها طه حسين (^٢)، ثم يتجه بالتقديس الكهنوتي إلى المنهج التاريخي الذي يتبناه والمعرفة العقلية التي يزعمها، وأنه لا شأن لها بالنتائج الاعتقادية المترتبة عليها، أي: أنهم لا يبالون بأي حكم اعتقادي إسلامي، فيقول: (خضوع هذه التاريخية للعقل وللمعرفة العقلية التي لا شأن لها بالنتائج العقائدية لهذه المعرفة) (^٣).
ثم ينافح عن طه حسين مطبقأ مبدأ عدم الاهتمام بالأحكام الاعتقادية الإسلامية فيقول: (إن الردة التي جاء طه حسين بها قامت على أساس إعادة الاعتبار للأسطورة، وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية على التاريخ المؤسسة له في الحياة، ورفض إمكانية المساءلة، ووسمها بالخروج) (^٤).
ويُمكن مقابلة الدعوى بالدعوى وتزييف القول بالقول، وعلى هذا النمط يُمكن أن نقول بأن المنهجية التاريخية التي يقدسها عزيز العظمة وطه حسين ليست إلّا هراءً وأساطير متعالية يراد إخضاع غيرها لها، ومن لم يخضع لها فهو عندهم محكوم بردته وتخلفه ورجعيته وانعدام المنهج العلمي والعقلي عنده.
_________________
(١) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٢٦٧.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٧٠.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٢٧٠.
[ ٢ / ١١٠١ ]
وهم حقيقة يفعلون ذلك، ومن ذلك الكتاب الذي ألفه الطيب تزيني (^١) عن روجيه جارودي (^٢) لما ترك الماركسية ودخل في الإسلام، فجعل ذلك ردة، وسمى الكتاب "روجيه غارودي بعد الصمت حول فلسفة الردة عند غارودي، وآفاقها في الوطن العربي". بيد أن عزيز العظمة يلخص رأيه عن الإسلام بأنه يجب حل (عقدة أساطير التأسيس التي لم تقتصر على ميدان الدين بل تقدسه إلى التاريخ القومي وإلى التواريخ القطرية والسياسية) (^٣).
ويصرح علانية بامتناع وقوع الوحي، وهو خلاصة كل سفسطاته وأقواله السابقة، حيث يقول: (إننا نهتم بمضمون النص، فإننا نسلم بأن نزول النص غير قابل للنقاش، أنا لا أريد أن أتجنب التساؤل حول هذا الأمر؛ لأن الأمر محسوم بالنسبة لي؛ لأنني لا أعتقد بإمكانية التواصل بين القوى خفية وبين البشر، فالقضية محسومة ولا أعتقد أنها بحاجة إلى نقاش أو إلى نقاش زائد أو حتى إلى الإشارة، لأنها بالنسبة لي بديهية) (^٤).
وهذا اعتراف صريح بالكفر وإلحاد واضح وتكذيب اللَّه تعالى ولرسوله ومناقضة كاملة لكل الإسلام.
أيُمكن بعد ذلك أن يقال بأنه يُمكن الجمع بين الإسلام وهذا المنهج
_________________
(١) الطيب تزيني حداثي ماركسي يقيم في دمشق، يكتب في النقد والفلسفة من وجهة نظر معادية للإسلام بتطرف شديد، له مشروع كتابي تحت عنوان "رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة" في اثني عشر جزءًا، ظهر منه جزء واحد كبير الحجم فارغ المحتوى، وله كتاب عن جارودي وصف فيه إعلان جارودي للإسلام بأنه ردة، أي ردة عن الشيوعية!!.
(٢) روجيه جاروي أو غارودي، فيلسوف فرنسي، ولد سنة ١٩١٣ هـ، بدأ حياته ماركسيًا متعصبًا ثم أعلن أنه دخل في الإسلام وسمى نفسه رجاء، ولكنه كان محملًا بالفلسفة المادية فلم يؤمن بالغيب ولا بالآخرة، وتخبط في كثير من أركان الإيمان منذ البداية وكان تعرفه على الإسلام عن طريق الصوفي ابن عربي فكان ذلك سببًا آخر في انحرافه عن الإسلام، ناقشه بعض علماء المسلمين وبينوا له أنه ليس من الإسلام في شيء ومنهم الشيخ عبد اللَّه القادري. انظر: موسوعة السياسية ٤/ ٢٧٩، وحوارات مع أوروبيين أسلموا ١/ ١٩٥ - ٢١٤.
(٣) الإسلام والحداثة: ص ٢٧١.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٨٠.
[ ٢ / ١١٠٢ ]
الفكري الحداثي القائم على حرب اللَّه ورسوله ودينه ووحيه، كما يقول بذلك بعض المغفلين الجاهلين من أبناء المسلمين؟.
ويختم العظمة مقاله بخلاصة مهمة لمن أراد أن يعرف حقيقة الحداثة والعلمانية فيقول: (. . . إن عنوان الحداثة العلمانية في يومنا هذا هتك أساطير البداية) (^١).
وكل مؤمن موحد يقول ما قاله اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (^٢).
وما أجمل وأرقى ما قاله أديب العربية، وعميد الأدب العربي بصدق وحق: مصطفى صادق الرافعي عن القرآن: آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأروح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه "أعراف" الضمائر فابتز "أنفالها"، وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟، واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطر الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب، فما كان إلّا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه، ثم لايزال النور ينبسط على غطائه، وهو القرآن كم ظنوا -مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر- كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمرًا هينًا؛ لأنه أنزل في الأرض على بشر، كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضًا ذات دواب نورانية؛ لأن هلالها
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٨٠.
(٢) الآيتان ٣٢، ٣٣ من سورة التوبة.
[ ٢ / ١١٠٣ ]
كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلّا ما قال اللَّه ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ (^١) ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم اللَّه جعلت الثغور تضحك في وجوده الغيوب، وإن أوعدت بعذاب اللَّه جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب. . .، يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلّا كلامًا تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، يريدون أن يطفئوا نور اللَّه، وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه!، وهيهات هيهات دون ذلك درْجُ الشمس وهي أم الحياة في كفن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.
لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور اللَّه في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون) (^٢).
رحم اللَّه الرافعي وأجزل مثوبته، وهذا القول وإن خاطب به عرب الجاهلية الأولى، فإنه جدير أن يقال لعرب الجاهلية المعاصرة.
ومن أعلام هذه الجاهلية ممن سلك سراديب سبينوزا الكاتب
_________________
(١) الآية ١٨ من سورة الأنبياء.
(٢) تاريخ آداب العرب ٢/ ٢٩ - ٣١.
[ ٢ / ١١٠٤ ]
المصري: حسن حنفي القائل عن نفسه وعقيدته: (إيماني يكفرني) (^١) و(أنا ماركسي شاب) (^٢)، ويقول: (أنا وضعي منهجي. . . إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين) (^٣).
هذا المتردي في شعاب الضلال يعقب على عزيز العظمة في مقاله السابق والذي ألقاه في ندوة الساقي "الإسلام والحداثة" فيقول: (أبدأ أولًا بتحية الأخوة المتكلمين في هذه الجلسة لما تميز به خطاباهما معًا من علمية وجدية ودراسة لظواهر موجودة فعلًا، وهذه شيمة العلماء بالفعل، وتخلى الخطابان تقريبًا عن أحكام إيديولوجية مسبقة، وأنا أحي فيهما هذه الروح العلمية التي جعلتنا فعلًا نفكر معهما ونستوضح ونستفيد) (^٤).
ثم يلخص رأي عزيز العظمة في محاضرته المذكورة فيقول: (. . . إن النص يتراوح بين قطبين: الأسطورة من ناحية، والتاريخ من ناحية، فإما أن يذهب النص إلى الأسطورة، وفي هذا تذهب التاريخية، وإمّا أن يذهب إلى التاريخ وبالتالي نبتعد عن الأسطورة، وهذا يعني طبعًا أنه كلما كان النص أقرب إلى التاريخية يبدأ العلم هنا، ويبدأ النقد. . . الخ كنموذج طه حسين والمعتزلة، وأمّا إذا ابتعد النص عن التاريخ ووقع في الأسطورة، فهنا عكس البداية الأولى، وكأن التاريخ وبالتالي النص هو باستمرار جدل بين الخير والشر، بين الوهم والعقل، بين الخيال والواقع) (^٥).
ثم يطرح سؤالًا عن المخرج من ذلك؛ لأنه قد تقرر عنده أن نصوص الوحي لابد أن تخضع لأحد هذين القرارين الإلحاديين، التاريخية -بمضامينها المذكورة آنفًا- أو الأسطورية بما تعنيه هذه اللفظة من تكذيب للوحي ونسبته إلى الوهم والخرافة، وإن حاولوا أن يفلسفوا لفظ
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ٢١٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٢١٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٢١٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٧٦.
(٥) المصدر السابق.
[ ٢ / ١١٠٥ ]
الأسطورة، ويشرحونه شرحًا لا يزيدهم إلّا وبالًا.
ولحسن حنفي أقوال أخرى من هذا القبيل، لاسيما أنه من المعجبين بسبينوزا إلى حد القيام بترجمة كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" الذي قام فيه بدراسة التوراة وقضية الوحي دراسة تقوم على إلغاء أسبقية المعنى، وإقحام التعليلات التاريخية التي تجعل الوحي تحت هيمنة التغيرات، وتلغي حقيقة أن الوحي الثابت نسبته إلى اللَّه يحتوي على الحق والحقيقة، وقد أسس سبينوزا في كتابه هذا ما يسمى "تاريخية النص" و"أسطورة محتوى النص" ودعى إلى التحرر من سلطة النص تحت دعوى التحرر من سلطة الأسطورة (^١).
وهو أستاذ كل من جاء بعده في محاولة هدم الوحي وتحطيم حرمته وقداسته، وخاصة من أبناء المسلمين الذين أبوا واستكبروا على هداية خالقهم ومولاهم، وتشبثوا بكلام الطغام من اليهود والنصارى، وتربعوا على عروش من هواه صاغتها لهم أهواؤهم وتبعيتهم.
ويُمكن للمستبصر في قضايا "الصراع والتبعية" أن يلحظ عدة ظواهر تكاد تكون عامة:
أولها: أن الباطل إذا عجز عن المقاومة العلنية الظاهرة، استخدم القوة لفرض نفسه، أو استخدم الحيل السرية الخفية، كإظهار بعض اليهود والنصارى الإسلام؛ لإفساده من الداخل، أو أخذ بعض أبناء المسلمين ومسخ قلوبهم وعقولهم وإمدادهم بالقوى الحامية، وبثهم بين المسلمين ليقوموا بالدور المرسوم، وهذه ميزة الباطل قديمًا وحديثًا.
ثانيًا: لا يوجد في تاريخ المسلمين القديم والحديث أن مسلمًا حقيقيًا تظاهر باليهودية أو النصوانية لإفساد أديان اليهود أو النصارى، ولا استعمل
_________________
(١) انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا ترجمة حسن حنفي ص ١٩، ٣٢، ١١٢، وغيرها كثير.
[ ٢ / ١١٠٦ ]
المسلمون الجمعيات السرية التي تحاول نشر الإسلام بالدسائس والمؤامرات الخفية والمراوغات، ولا استجلبوا أبناء الملل الأخرى ليعيدوهم إلى أقوامهم هادمين للغات وتراث وآداب أقوامهم.
بل كان المسلمون يظهرون دينهم علانية ويدعون إليه جهرة ويخاطبون العقل والوجدان في إثبات التوحيد ومقتضياته، وتزيف الشرك والوثنية والإلحاد، في سطوع ووضوح بدون غمغمة ولا استتار ولا ثعلبية، وهذه ميزة الحق قديمًا وحديثًا.
ثالثًا: إن المتأمل في أحوال الملقنين من أبناء المسلمين يجد أنهم يدلّون ويفتخرون ويشمخون بامتطاء المذاهب والمناهج والفلسفات التي لُقنوها، أعظم من إدلال وشموخ أساتذتهم الذين ابتدعوا هذه المناهج والفلسفات، وهذه ميزة الأتباع والمقلدين والمحاكمين.
وفي باب الوحي والنقل استن حسن حنفي سنة أستاذه اليهودي سبينوزا، واختط منهجه في انتحال واضح، فها هو يتحدث عن الرواية الكفرية "آيات شيطانية" فيقول: (وما ورد بخصوص "الآيات الشيطانية" صحيح، ومن يبين أسباب النزول هو أن النبي محمدًا كان يحمل هم الوحدة الوطنية للقبائل العربية، وتكوين دولة في الجزيرة العربية، وكانت له مشاكل مع اليهود ومع النصارى "مع اليهود بصورة خاصة" ومع المشركين أيضًا، فجاء المشركون بعرض جيد -وأنا أتكلم عن الرسول كرجل سياسي وليس كنبي- وقالوا له: نعم، أيها الأخ ما المانع إن تذكر اللات والعزى لمدة سنة، وقل إنهم ليسوا بآلهة، ولكن لهم دور في الشفاعة عند اللَّه، وهكذا نأتي معك وتعمل ما تشاء من تغيير النظام في الجزيرة العربية، وكان هوى الرسول مع هذا العرض؛ لأنه يحل له قضية المشركين وتقسيم العائلة والأسرة والعشيرة إلى فريقين، فقال بينه وبين نفسه: إن هذا العرض يشكل بالنسبة لي كزعيم سياسي شيئًا جيدًا لأنه يحقق لي مصالحة مؤقتة مع العدو، وماذا يعني لو أنني ذكرت اللات والعزى لمدة سنة واحدة ثم أغير بعدئذٍ؟ ثم إن الوحي يتغير طبقًا للظروف. . .، فعندما نزلت الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
[ ٢ / ١١٠٧ ]
وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ (^١) قال القدماء: بأن الشيطان قد همس في قلب النبي "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" (^٢)، وبالنسبة لنا فإن الشيطان يعني عند المحدثين، هوى النفس، وبما أن العرض قد لقي هوى في نفس الرسول، فقد خرج على لسانه ما كان يتمناه، ثم صححه الوحي، وقالوا: لا، إنّما وحينا نحن يتوقف على هذا، أمّا الزائد فلا نتبناه، وأنا أقول: إن هذا صحيح، وهو ما يذكره كل المفسرين في أسباب النزول.
متى دخلت في روع الرسول هاتان الآيتان؟ إنهم يسمونها من الشيطان ونحن نقول من هوى النفس على أساس هذا العرض، فهي قضية صحيحة وبالتالي فسلمان رشدي (^٣) لم يقل شيئًا، أنا لا أتعرض لهذه الرواية -رواية سلمان رشدي- والأديب حر في أن يكتب كما يشاء، وحتى لو مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة، فلا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، أمّا أنه كافر وخرج، فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة. .) (^٤).
وفي هذا النص من التلبيسات الحداثية والجهالات العلمانية الكثير منها:
١ - جعله النبي مجرد سياسي يتلاعب بالدين، وهذه من مقتضيات
_________________
(١) الآيتان ١٩، ٢٠ من سورة النجم.
(٢) انظر حول هذه القضية المفتراه ص ١٠٩٠.
(٣) سلمان رشدي، روائي إنجليزي من أصل هندي مسلم، كتب رواية آيات شيطانية ٥٤٦ صفحة نشرها عام ١٤٠٩ هـ ويسخر فيها بالنبي -ﷺ- والوحي وجبريل وأمهات المؤمنين والصحابة في إطار روائي على شكل حلم، من خلال صور جنسية مكشوفة ومشاهد مثيرة للتقزز وألفاظ بذيئة سوقية، مرتكزًا على قصة الغرانيق المكذوبة، وقد ثارت قضيته إثر فتوى الخميني بإهدار دمه ووقوف بريطانيا والغرب في صفه والدفاع عنه، كما وقف الحداثيون العرب يدافعون عنه، وأصدر اتحاد الكتاب العرب في سوريا بيانًا يدافع عنه، وممن تصدى للدفاع عنه عزيز العظمة وحسن حنفي وجابر عصفور ونصر أبو زيد ورياض نجيب الريس وأنسي الحاج وشوقي بغدادي وآخرون.
(٤) الإسلام والحداثة: ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
[ ٢ / ١١٠٨ ]
المنهج التاريخي لدراسة الوحي وفق مذهب سبينوزا.
٢ - ينكر العلمانيون بشدة أن يكون في الإسلام سياسة، وحسن حنفي أحد مشاهيرهم، وهو هنا يقول بأن النبي -ﷺ- يتكلم كرجل سياسي، وهذا من تناقضاتهم الظاهرة المغرضة، ففي مجال إثبات الشرك المعاصر "العلمانية" ينفون أي صفة سياسية للنبي -ﷺ-، وأي مفهوم للدولة في الإسلام، وفي مجال التشكيك في الوحي وعصمته وعصمة المبلغ ﵊ يضفون على قصة الغرانيق المختلقة تحليلًا سياسيًا كما فعل حسن حنفي هنا.
٣ - يقول حسن حنفي بأن هوى الرسول كان مع العرض الجيد الذي تقدم به المشركون -حسب ما في قصة الغرانيق المختلقة- وهذا نفي لعصمة النبي -ﷺ- واتهام له بالهوى ومناقضة لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^١).
٤ - أنه بتبنيه قصة الغرانيق الموضوعة يؤكد النفسية المغرضة للحداثيين والعلمانيين تجاه الإسلام، فهم ينكرون النصوص الثابتة في القرآن والسنة، وينفون مدلولاتها ويحاربون مقتضياتها، وفي الوقت نفسه يثبتون الروايات الضعيفة والموضوعة، ويتخذونها أساسًا ومنطلقًا لباطلهم، مما يدل على الهوى المتأصل في هذه النفوس الزائغة.
٥ - الدفاع عن الزائغ سلمان رشدي، من جنس الدفاع عن الذات.
٦ - القول بأن الأديب حر، ولا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، دعوة صريحة إلى تهميش المقاييس الاعتقادية، وتقديس النقد والأدب وتقديم معاييرها على أي شيء آخر، وهذا هو أساس الصراع بين الإسلام والحداثة في هذا الزمان، وهو جوهر هذا البحث ومغزاه.
ومن أقوال حسن حنفي في هذا المجال -وهي نتيجة لمقدمات التشكيك التي فاه بها- قوله: (في قضية الفقر والغنى، هل أنت محتاج إلى
_________________
(١) الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم.
[ ٢ / ١١٠٩ ]
نص قرآني أو حديث نبوي لكي تعرف أو تجد حلًا لقضايا الفقر والغنى، وقضايا الوحدة والتجزئة، قضايا الهوية والاختلاف؟) (^١).
والجواب عند كل مسلم يؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -ﷺ- نبيًا أنه في حاجة إلى نصوص الوحي في هذه القضايا وفي غيرها؛ لأنه يؤمن بقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٢)، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^٣).
وفي استطراده مع منهج سبينوزا، ومسلك الجحد والتشكيك والاستهانة بالوحي عامة وبالقرآن خاصة يقرر بأن أي قول يقوله الشخص يُمكن أن يصبح قرآنًا، فيقول: (قلت أنت: قال اللَّه في كتابه الكريم: يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجارة استمروا ويكون كلامك صحيحًا. . . أي: أنك عبرت عن الواقع بصيغة لو كان الوحي هنا لعبر عن الواقع نفسه ربّما بصياغة بلاغية أجمل. . . إن المسلم يجوز له أن يطبع نصًا يعبر به عن مقصد في الواقع ويكون مصدرًا للحكم) (^٤).
لقد بلغت حربهم للإسلام وعدواتهم له أبلغ مما كان يخططه الصليبيون، لقد تحول العلمانيون والحداثيون من كونهم أدوات غبية في أيدي الأعداء المستخفين إلى أعداء حقيقيين، تغلي قلوبهم بالحقد على الإسلام أشد من غليان الحقد في قلوبهم معلميهم، على حد قول أحد أشباههم:
وكنت امرءًا من جند إبليس فاعتلى … بي الأمر حتى صار إبليس من جندي (^٥)
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٣٦.
(٢) الآية ٣٦ من سورة الأحزاب.
(٣) الآية ٦٥ من سورة النساء.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٣٦.
(٥) بيت من شوارد الشعر.
[ ٢ / ١١١٠ ]
وفي سياف استخدامه لأسباب النزول وخاصة الضعيف والموضوع منها، يشكك في نزول الوحي وفي النقل الحديثي (^١)، وذلك فى سياق محاضراته التي ألقاها في ندوة "الإسلام والحداثة" في لندن بعنوان (الوحي والواقع - دراسة في أسباب النزول) بل يصرح في هذه المحاضرة بأن كلام اللَّه وكلام البشر قد تداخلت، وذلك في قوله فى الرد على علماء المسلمين الذين ميزوا بين الوحي وكلام البشر: (. . . والحقيقة غير ذلك، فقد تداخل كلام اللَّه وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن) (^٢).
وهذا القول الادعائي هو عين قول الكفار من قبل، كما ذكر اللَّه ذلك في كتابه الكريم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾ (^٣).
وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾ (^٤).
وقد أوضح القرآن طريقة تفكير أسلاف هؤلاء الجاهليين المعاصرين،
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٣٧.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣٨.
(٣) الآيات ١٠٣ - ١٠٩ من سورة النحل.
(٤) الآيتان ١٨٥ - ١٨٦ من سورة الشعراء.
[ ٢ / ١١١١ ]
ثم النتيجة التي وصلوا إليها بعد تفكيرهم وتقديرهم، وهو وصف ينطبق تمام المطابقة على رؤساء وزعماء رهط الحداثة، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ (^١).
إنه الوصف الدقيق لأحوالهم، فقد خلقهم اللَّه ضعفاء لا يملكون قوة ولا عقلًا، ثم جعل اللَّه لهم القوة والإمكانات فاستكبروا بها على خالقهم كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ (^٢)، وهي نقلة كبيرة هائلة بين مرحلة النطفة القذرة ومرحلة الاستكبار على اللَّه ومخاصمته بالقول أو الفعل، وهذه النقلة تبين للإنسان أصله ونشأته ومصيره ومقدار فداحة الجرم بمخاصمته واستكباره وإعراضه، وقد مهد اللَّه له تمهيدًا بالقوة والمال والبنين والعقل والسمع والبصر ويطمح في الزيادة من كل ذلك رغم معاندته للَّه والآيات وجحده وشكا وتكبره، وقد وعده اللَّه بالإرهاق والتعب في الدنيا والآخرة، وتاللَّه إن المتأمل في أحوال المنحرفين الضالين في هذا الزمان من حداثيين وعلمانيين يجد أنهم يعيشون الضنك والألم والحيرة والشتات والتمزق، وبعضهم يعترف بذلك، وبعضهم يغطيه بأنواع المتع المحرمة من خمور ونساء ومخدرات.
ثم يصف اللَّه المنهجية التي يسير عليها الجاهليون القدماء والمعاصرون، وطريقة التفكير وأسلوب النظر مما يسمونه فلسفة، ومناهج عقلانية ودراسات تاريخية، وتحليلات منهجية، وأفكار تحررية، ونتائج موضوعية، إلى آخر ما لديهم من شعارات يزينون بها باطلهم؛ إنها في
_________________
(١) الآيات ١١ - ٢٦ من سورة المدثر.
(٢) الآية ٤ من سورة النحل.
[ ٢ / ١١١٢ ]
الحقيقة من هذا الباب الذي وصفه خالق الإنسان والعالم بكل خفاياه ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾ (^١).
هذه هي طريقة التفكير الحداثية والعلمانية وسائر أصناف المذاهب المادية الإلحادية.
ومن أعلام هذا المنهج: الجزائري الفرنسي السوربوني محمد أركون الذي تصدى لدراسة الإسلام ومناهجه وأصوله وفق المناهج الغربية والمذاهب الفلسفية المادية.
ومن الأمور التي تعرض لها أركون في دراساته "السوربونية" دراسة الوحي ونصوصه على ضوء عقيدة خاصة، ليست عقيدة الإسلام، قال عنه مؤلفا كتاب "رأيهم في الإسلام": (صاحب عقيدة واثق من صلابة تفكيره وصواب رأيه، ووضوح مواقفه. . .، يحافظ على اتصال دائم مع التطور الغربي، مخاصمًا مسلمين كثر، فوجئوا وصدموا باستعماله، في خواطره وأبحاثه التاريخية، نظريات استوحاها من حياة القرن العشرين، وأوروبا، وعلم اللغات وتحاليل اجتماعية وأصول تنظيمية، همه الأوحد تطهير رؤى هؤلاء لإسلامهم من الخرافات والأوهام والشوائب التي تشوبها. . .، فإعادة النظر بمجموع التقاليد الإسلامية لتوحيدها وكشف الرواسب المتراكمة التي عثَّرتها منذ الدعوة القرآنية، هي موضع اهتمام محمد أركون كما المصلحين المحدثين، مصدرها سلطان النص المطلق، وشرعية هذا السلطان الذي لا يخلو من تعصب نظري، فينبغي أن تؤدي الثقة العارمة بالنص إلى التقليل من أهمية التجدد في النظرة -أكانت شرقية أم غربية- إلى الإسلام، التي تواكب عمل أبرز أخصائي مسلم بالدين، ولا ريب، لغته فرنسية) (^٢).
ففي هذا التوصيف لأعمال أركون والإشادة بأعماله من قبل غربيين
_________________
(١) الآيات ١٨ - ٢٣ من سورة المدثر.
(٢) رأيهم في الإسلام: ص ١٤٥ - ١٤٦.
[ ٢ / ١١١٣ ]
دليل على نوعية الكتابات الاحتفالية التي يحظى بها هؤلاء ليقوموا بالدور الذي مدحوا بسببه، فيجتهدون في إثبات الجدوى وتوفير أسباب الغزو بأدوات عربية الأسهم أجنبية العقيدة والولاء.
وقد نظرت في بعض مؤلفات هذا الهائم فوجدت أن كلامه يتميز بما يلي:
١ - العجمة الواضحة في الفكرة والأسلوب والتناول (^١).
٢ - امتلاء كلامه بالألفاظ والمصطلحات الغربية، وخاصة الفرنسية، والتي توهم بأن هناك دلالات عظمى ينطوي عليها كلامه والمصطلحات المستخدمة فيه، وهي لا تدل على شيء، وهذا حال أكثر الحداثيين.
٣ - انطماس الغائية في كتاباته وضياع المفاهيم، حتى يكاد ينتهي إلى لا شيء أو إلى الآلية المطلقة، بل يجد القارئ لكتبه أنه يبدأ بالكتابة وهو لا يدري ماذا يقول ولا إلى ماذا يهدف، اللهم إلّا غرس الشكوك وتوطين الريب من خلال ما يسميه منهجية ومشروعية "التساؤل" التي ينطوي تحتها تزييف الحق، وإحقاق الباطل، من خلال الغموض والتشويش.
ومن أهم كتب أركون التي تعرض فيها للوحي، بل للقرآن على وجه الخصوص كتابه المسمى "الفكر الإسلامي، قراءة علمية"، وقد شرح أهمية هذا الكتاب ومنهجيته الفكرية: الوكيل المعتمد لترويج فكر وكتب محمد أركون المدعو هاشم صالح (^٢)، فقال بعد إشادة مطولة بأركون وجهوده ودرسه الأسبوعي الذي يلقيه في السوربون على طلاب الدراسات العليا عن الإسلام والحداثة!!.
_________________
(١) وقد حاول هاشم صالح الذي يصح أن يقال فيه "مجنون أركون" أن يشرح ويبسط ويوضح مقولات أستاذه، ولكنه كما قيل: أعمى يقود أعمى، وأبكم يفصح عن أبكم.
(٢) هاشم صالح، مترجم لكتب محمد أركون ومغرم به وبأفكاره إلى حد الذوبان، سعى إلى نقل كتب أركون من القرنسية إلى العربية، وقام بترجمة بعض محاضراته وإلقائها نيابة عنه في بعض الندوات الحداثية، وهو رجل لا يمتلك فكرًا استقلالًا بل هو مجرد ناقل ومسوق دعائي لأركون وفكره وكتبه، يظهر ذلك في هيامه الشديد إلى حد الإمحاء في أستاذه محمد أركون.
[ ٢ / ١١١٤ ]
قال: (. . . ثم أحس بعدئذٍ بالحاجة للعودة في الزمن إلى الوراء فوصل إلى مرحلة "التجربة التأسيسية" والنص القرآني، وشغل لسنوات عديدة أيضًا بدراسة القرآن بشكل مختلف جذريًا عن المنهجية الإسلامية التقليدية السائدة لدى كافة المذاهب دون أن يهمل مكتسباتها، ومختلف أيضًا عن المنهجية الاستشراقية الفللوجية (^١) بعد أن هضم كل إيجابياتها ومعطياتها، ونتج عن كل ذلك كتابه المعروف "قراءات في القرآن" المرتكز أولًا على المنهجية الألسنية، التي تشكل تقدمًا بالقياس إلى المنهجية الفللوجية، ثم يحل المنهجيات الانتربولوجية (^٢) والتاريخية وعلم الأديان المقارن، وقد تمت إضاءة النص القرآني يشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وقد نقلنا إلى العربية بعض فصول هذا الكتاب الذي صدر مؤخرًا بعنوان "الفكر الإسلامي: قراءة علمية") (^٣).
وسوف نرى من بعض النقولات التي ننقلها من الكتاب المشار إليه أي إضاءة استطاع أركون "المظلم في عقيدته" أن يضيء بها النص القرآني بشكل لم يسبق له مثيل من قبل كما يقول: "الذائب في أحماضه" هاشم صالح؟!.
يتحدث أركون عن التاريخية والهرمنيوطيقيا التي يدرس على ضوئها ثبوت القرآن وسيادته، ويتحدث أن سلطته جاءت من الدولة الأموية التي جعلته مصدر السلطة العليا فيقول: (. . . إنه عائد إلى الدولة الرسمية التي وضعت منذ الأمويين بمنأى عن كل دراسة نقدية، لأنها أرادت أن تجعل منه مصدرًا للسيادة العليا والمشروعية المثلى التي لا تناقش ولا تمس، لقد فرضت هذه الوظيفة السياسية للقرآن نفسها منذ أن تم تشكيل المصحف) (^٤).
وواضح أنه لا يرى للقرآن قداسة ولا أحقية في السيادة، وأنه لم
_________________
(١) سبق شرحها ص ١٠٦٦، ١٠٩٤.
(٢) سبق شرحها ص ٧٦٤.
(٣) الإسلام والحداثة: ص ٣٢١ - ٣٢٢.
(٤) الفكر الإسلامي: قراءة علمية لمحمد أركون: ص ٥١.
[ ٢ / ١١١٥ ]
يمتلك هذه الأحقية لكونه كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يعتقد كل مؤمن، بل يرى أن هذه السيادة والأحقية نالها القرآن بالفرض السياسي منذ أن تم جمع المصحف.
ويتحدث أركون في موضع آخر من كتابه عن ما يسميه "ظاهرة التقديس" للقرآن العظيم، فيرى أنها من ممارسة (الذين يستمتعون في اجترار نفس الكلام بسبب الكسل أو الجهل) (^١)، ويرى أن المشروع الأسمى هو أن (نجمد كالاقنوم عامل التقديس الموجود في القرآن والأناجيل والتوراة) (^٢)، وأنه لابد من (بلورة نظرية مُرضية لظاهرة التقديس، أو لانبثاق ظاهرة التقديس ومنشئها ومسارها داخل الوعي، ودعاماتها المتغيرة في الوجود البشري، فإننا عندئذٍ نكتشف أن مشاكل الصحة والموثوقية أو الاختراع والتحريف الذي لحق بالنصوص المتلقاة على أنها مقدسة، أقول: نكتشف بأن هذه المشاكل ثانوية في الحقيقة، أن منطق الثالث المرفوع "منطق الصحة أو اللاصحة" يبدو عندئذٍ تافهًا لا أهمية له لأننا نكتشف قارات أخرى من الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية للإنسان، كانت هذه القارات قد طمرت أو طمست وأزيحت من ساحة البحث والتفكير عن طريق ثيولوجيا (^٣) من نوع منطقي - مركزي. . . .) (^٤).
إن اطراح أركون لقضية الصحة والموثوقية لنصوص الوحي واعتبارها قضية تافهة لا أهمية لها، مجرد دعوى يغطي بها مقصده من منهجيته القائمة على دراسة "التقديس" أو تجميد التقديس من خلال ما يسميه الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية بعيدًا عن أي نظرة دينية أو حسب تعبيره ثيولوجية، إن هذه الالتفافة البعيدة سوف يصل من خلالها إلى إسقاط صحة وموثوقية النص القرآني المقصود بدراسته، وهذا ما يحاول فعله حقيقة تحت أردية الألسنة والتاريخية؛ لأن إسقاط القداسة أو تجميد القداسة سوف يؤدي إلى جعل القرآن مثل أي كلام بشري، فلا حرمة له ولا مكانة، ويُمكن مناقشته
_________________
(١) و(^٢) و(^٤) المصدر السابق: ص ٥٨.
(٢) سبق بيانه ص ١٠٦٥.
[ ٢ / ١١١٦ ]
بنيوبيًا كما يدعو نصر أبو زيد أو ألسنيًا كما يدعو أركون، وبذلك ينزلونه في سوق تلاعباتهم الفكرية التي لا تصلح لدراسة كلام شاعر أو أديب لما فيها من التناقض والفوضوية، فضلًا عن دراسة كلام اللَّه العزيز الحميد.
وفي موضع آخر يتكلم عن صحة القرآن وثبوته باعتباره مجرد فرضية (^١).
ثم يتكلم عن أن الخطاب الإسلامي لم يستطع التوصل إلى التمييز في القرآن ونصوص الوحي بين الأسطورة والتاريخ، وأنه أي الخطاب الإسلامي المعاصر: (لا يزال بعيدًا جدًا عن تاريخانية القرن التاسع عشر الأوروبية التي توصلت إلى تهميش العامل الديني والروحي المتعالي وحتى طرده نهائيًا من ساحة المجتمع، واعتباره يمثل إحدى سمات المجتمعات البدائية) (^٢).
وهذا دليل ساطع على الانتماء الاعتقادي القوي للغرب ومذاهبه، والعداء الشديد المتأصل للإسلام وأهله، إضافة إلى الجهل الضارب بأطنابه، والنفسية المغرضة التي يتناول من خلالها الإسلام ومقتضياته، والقرآن ومستلزماته الواقعية، بل وصل به الحد في هذا المضمار أنه هاجم الكتب التي كتبها غربيون يثبتون فيه صحة القرآن وسلامته من التحريف، وصحة الإسلام وثبات مناهجه وقوة حقيقته ووصفها بأنها كتب تبجيلية هزيلة، لا لشيء إلّا لقيام مؤلفيها بتوضيح الحقيقة بطرق علمية في أحدها وفلسفية اجتماعية في الثاني (^٣)، فهل من دليل أكبر من هذا الدليل على مقدار ما ينطوي عليه "أركون" من عداء للإسلام وانتماء لأعدائه؟.
ويصف أركون قصة أصحاب الكهف بأنها أساطير (^٤).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٦٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٨.
(٣) تحدث في هذا الصدد عن كتاب موريس بوكاي المسمى "التوراة والقرآن والعلم: الكتابات المقدسة ممتحنة على ضوء المعارف الحديثة" فقال عنه أركون: (كتاب تبجيلي هزيل جدًا) ثم عن كتاب روجيه جارودي "وعود الإسلام" فقال عنه: (كتاب هزيل أيضًا). انظر: الفكر الإسلامي لأركون: ص ٨٣ - ٨٤.
(٤) المصدر السابق: ص ٨٤.
[ ٢ / ١١١٧ ]
ويعيد الكلام عن الخطاب الإسلامي المعاصر فيصفه بأنه (الذي يزعم أنه يحرك التاريخ المعاصر ويحد له من جديد ديكتاتورية الغاية المثلى على طريقة الإسلام البدائي، هذا الخطاب هو خطاب إيديولوجي، مغلق على البعد الأسطوري والرمزي ذي الأهمية الحاسمة جدًا في القرآن) (^١).
وفي سياق حديثه عن الإسلام الذي يريد أن يجعله في موازين مذهبه "التاريخي" بل مذهب أساتذته الفرنسيين يقول بعد إيراد قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣) ثم أورد قولًا لأحد أساتذته "التاريخيين" ثم قال بعد ذلك: (تحدد هذه الاستشهادات الثلاثة، بشكل ممتاز، مجال التفحص الذي سنقوم به، لدينا من جهة دين اسمه الإسلام، الذي يقدم نفسه، استثناءً على كل الأديان الأخرى، بصفته الدين الحقيقي، لأنه كان محلًا للوحي النهائي والأخير المعطي من قبل اللَّه لكل البشر، ولدينا من جهة أخرى التاريخ المتولد عن الفعل البشري، الذي تزيد في تسارعة "انتفاضة الحياة" التي لا تقاوم، إلى حد أن الإنسان يعيد اليوم من جديد صنع التجربة التراجيدية كما حصل في زمن الإغريق القدماء) (^٤).
ثم يعلل أخذه بهذا المنهج قائلًا: (لكي تحلل وتدرس وضع الإسلام الراهن في مواجهة الحداثة بشكل صحيح، فإنه من الضروري أن نوسع من مجال التحري والبحث لكي يشمل، ليس فقط الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وإنّما القرآن نفسه أيضًا إن المهمة تبدو مرعبة لأسباب معروفة جيدًا، سوف
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٠٩.
(٢) الآية ٣ من سورة المائدة.
(٣) الآية ١٩ من سورة آل عمران.
(٤) المصدر السابق: ص ١١٣.
[ ٢ / ١١١٨ ]
نرى، مع ذلك، لماذا هي شيء لابد منه، إذا ما أردنا أن نعالج بشكل دقيق المكان الذي أتيح للتاريخية أن تحتله في الإسلام) (^١).
وهكذا يتبدى لنا أركون في أوضح صورة من صور استهانته بالإسلام والقرآن، وتقديسه للمنهج التاريخي، واستخدامه له على أساس اعتقادي ديني يزن به أمور الإسلام والقرآن ويجعل منه الميزان للحكم والقبول والرد، وللماضي والحاضر والمستقبل.
وفي موضع آخر يتحدث بصورة تشكيكية عن ثبوت القرآن، ويؤكد أن القطع بذلك إنما هو من قبل الروح "الدوغمائية (^٢) " أي المنغلقة القاطعة بانفرادها بالحقيقة.
ثم يتحدث عن جمع أمير المؤمنين عثمان -﵁- للمصحف وتوحيد المصاحف عليه بأن ذلك من قبل الهيجان السياسي الديني، الذي قام بفرض نسخة رسمية واحدة، وأن المسلمين يثنون بدوغمائية على هذا الموقف، ثم يقرر في الصفحة نفسها بأن (الفكر الإيجابي "الواقعي" هو فكر تاريخي) (^٣).
فتأمل "الدغومائية" التاريخية التي غرق فيها، والرمي بالظنون والتهم على أعظم وأهم مصدر من مصادر الدين الإسلامي، والتشكيك في ثبوته. إنه القطع والجزم بصحة الأوهام والافتراضات، في سبيل وصم الحقيقة الثابتة بالشك، وإلحاقها بالأوهام.
وهذا النوع من الجدل واللدد في الخصومة أسلوب قديم من أساليب الكافرين، حيث تقوم معاداتهم للحق على أساس الجدال بالباطل والتي هي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٣ - ١١٤.
(٢) الدغمائية: حالة المذهب عندما تنفرد بالحقيقة، فلا تجيز لغيرها الحق في ادعائها أو الشك فيما جاءت به أو مناقشته، ويطلق أيضًا على بعض النظريات الفلسفية التي تقول بأنها القول الفصل فيما ذهبت إليه من تفسير للكون وللمسائل الفلسفية. انظر: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة ص ٨٠.
(٣) الفكر الإسلامي لأركون: ص ١٢٦.
[ ٢ / ١١١٩ ]
إحدى صفات الكافرين الكبرى، وهم لا يقتصرون على الجدال بالباطل، بل يضيفون إليه ممارسات الاستهزاء والسخرية لتغطية ضعفهم وزيف حجتهم، لتمرير عقيدتهم على الإغرار البسطاء الجهلة.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ (^٢).
هذه هي طبيعة الكفر والكافرين يصفها العليم الخبير، الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه. إنهم دائمًا يريدون دعم آرائهم الباطلة ومذاهبهم الضالة بأي أسلوب، وحيث أن بينهم وبين الحق تباعدًا، فإنهم لابد أن يلجأوا للباطل يزخرفونه ويجادلون به، ليدحضوا به الحق الثابت.
ومن طبائع أعداء الحق أنهم يظهرون في صورة استكبار وتجبر واستعلاء وانتفاش بالباطل، فهم متكبرون على الحق لا يعترفون به، حتى ولو اتضح له، وهم ملتزمون جانب الباطل بتأثير أهوائهم، يجادلون عنه بالزخرف من القول، وبالدعاوى المنتفشة الخاوية، وبالأدلة المزركشة الواهية، وهذا ما ذكره اللَّه تعالى عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (^٣).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ (^٤).
_________________
(١) الآية ٥٦ من سورة الكهف.
(٢) الآيتان ٤، ٥ من سورة غافر.
(٣) الآية ٣٥ من سورة غافر.
(٤) الآية ٥٦ من سورة غافر.
[ ٢ / ١١٢٠ ]
أي: ليس عندهم حجة ولا برهان ولا حق، بل ما عندهم إلّا الكبر الناشيء عن أوهام اعتقدوها وأباطيل اعتنقوها، وهو كبر يظهر في حالة المقصودين بهذا البحث، في الاستعلاء بالمصطلحات والمذاهب والمناهج التي استنسخوها، فرحين بما لديهم من الباطل، وليس في صدورهم إلّا ظلمات الشبهات والكبر الناشيء عن أوهامهم ولكن هذا الكبر والتعالي الذي يرتدون بأرديته تحت المغالطات: بالتعميم الكاذب، أو التخصيص الجائر، أو بالحذف المقصود، أو بالإضافة الظالمة، أو بالتمويه المخاح، أو بالإيهام الثعلبي، وغير ذلك من طرق الاستكبار على الحق، الناشيء من كبر في صدورهم ما هم ببالغيه لأنهم يستندون إلى هراء، ويتكئون على أوهام، ويجادلون في آيات اللَّه وشرعه بغير سلطان من علم ولا برهان ولا حجة، إلّا ماسولته لهم أنفسهم الخائبة وعقولهم الخاوية، فلا سند من علم صحيح ولا من عقل سليم، بل هم يُصرفون إلى شتى السبل الضالة، ويصرفون إلى الزيغ والباطل، ويتعلقون في جدالهم ومحاولة إدحاض الحق بما هو أوهى من خيط العنكبوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ (^١).
وإذا تأملنا بإنصاف وعدل وموضوعية ما يكتبه هؤلاء عن اللَّه تعالى، وعن كتابه وعن النبوات وغير ذلك من قضايا الاعتقاد والتشريع الإسلامي وجدنا أنهم يجادلون فيها بغير علم، ويتبعون قادتهم من شياطين الإنس الذين يدلونهم على طرق الغواية، ويرشدونهم إلى أسباب الزيغ والانحراف ويقودونهم إلى عذاب النار وبئس المصير، وهذا ما وضحه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ (^٢).
_________________
(١) الآية ٦٩ من سورة غافر.
(٢) الآيتان ٣، ٤ من سورة الحج.
[ ٢ / ١١٢١ ]
وهؤلاء القادة رؤوس الطواغيت هم مثل أتباعهم في الجهل والزيغ وإعتناق الباطل إلّا أنهم يتعالون بموقفهم القيادي، ويعتزون بالأتباع الذين يصفقون لهم، ولكنهم إذا حكت الحجج أقوالهم وكشفت البراهين زيف دعاواهم انثنوا بأعطافهم تكبيرًا واستعلاءً، وانصرفوا إلى باطلهم الذي تعرّى يحاولون ستر سوأته وتغطية عورته بالمكابرة والإصرار، وإطلاق الشتائم، وتكذيب الحقائق وتصديق الأوهام، وهذا بعض مما وصفه اللَّه تعالى من أحوالهم حيث قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ (^١).
إنّ المتتبع لآيات القرآن الحكيم بتدبر وإيقان يستطيع أن يفهم نفسيات هؤلاء، ويعرف أصول منطلقاتهم وأهدافهم ومخططاتهم ومشروعاتهم، وليس في الواقع من أعمالهم إلّا تصديق ما جاء في القرآن من أوصافهم، مع فروع كثيرة من ممارساتهم وجزئيات عديدة من أقوالهم، لا تخرج عن تلك الأصول التي قالها اللَّه تعالى في ذكره لأحوالهم فسبحانه من عليم خبير.
وهكذا يبدو لنا محمد أركون وأشباهه من الذين يجادلون في آيات اللَّه بالباطل ليدحضوا به الحق.
وفي محاضرة لأركون في ندوة الإسلام والحداثة يقول تحت عنوان "الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم" حين اعترض عليه أحد الحاضرين وطلب منه احترام المقدسات وخاصة الوحي والتنزيل أجاب أركون: (بالطبع، معك بعض الحق، وقد نبهت منذ البداية إلى أنه ينبغي أن نسير في موضوع الحداثة بتؤدة وبطء فالأرض مزروعة بالألغام، ولكنك تستخدم كلمات كثيفة جدًا ومثقلة بالدلالات التاريخية دون أن تحاول تفكيكها أو تحليلها. . .، كل هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي "كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص" لم نعد التفكير فيها
_________________
(١) الآيتان ٨، ٩ من سورة الحج.
[ ٢ / ١١٢٢ ]
الآن، ونحن نستخدمها وكأنها مسلمات وبدهيات ونشر بها كما نشرب الماء العذب، هذا ما تعودنا عليه منذ الصغر ومنذ الأزل، ولكن إذا صممنا على أن ندخل فعليًا في مناخ الحداثة العقلية، فماذا نرى؟ ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص هذه المفردات الضخمة الكثيفة التي تملأ علينا أقطار وعينا؟، ماذا تقول لنا بخصوص هذه المصطلحات الإيمانية المشحونة بالمعاني وظلال المعاني. . . عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لا يعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وإبعاده المخفية، وكل الأخطار المرافقة لاستخدامه، فمثلًا عندما يقول المؤمن التقليدي أن هناك أشياء لا تتغير ولا تتبدل، وعندما يقول هناك المقدس "أو الحرم باللغة الإسلامية الكلاسيكية".
وينبغي عدم التساؤل حوله أو مسه، وعندما يقول: هناك الوحي، وكل هذه الأديان انطلقت من النقطة نفسها: الوحي. . . الخ عندما يقول كل ذلك فإنه يستخدم لغة كثيفة أكثر مما يجب، هكذا تلاحظون أني استخدم صفة كثيفة أو ثقيلة "بمعنى الوزن" الحيادية لكيلا أطلق أي حكم قيمة، ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها تعني أن كواهلنا تنؤ تحت ثقل أكياس هذا المعجم القديم، فهو أثقل من أن نحتمله أو نستطيع حمله بعد الآن،. . . ففي هذه الأكياس "أكياس المعجم التقليدي" أشياء كثيرة لا شيء واحد، وينبغي أن نفتحها لكي نعرف ما فيها، لم نعد نقبل الآن بحملها على أكتافنا وظهورنا دون أي تساؤل عن مضمونها كما حصل طوال القرون الماضية، ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص كل واحدة من هذه الكلمات والمصطلحات الثيولوجية القديمة؟، ماذا تقول لنا إذا ما قبلنا أن ندخل فعلًا في مناخ الحداثة ونتنفس هواها الطلق؟) (^١).
وهذا الكلام مليء بالدلالات الحداثية في موقفها من الوحي والمصطلحات الإسلامية، ومن الإسلام، وهو واضح تمامًا في تشخيص المشروع الحداثي إزاء كل هذه القضايا، بل إزاء الإسلام جملة وتفصيلًا.
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ٣٢٧ - ٣٢٨.
[ ٢ / ١١٢٣ ]
ثم يسترسل في كلامه ليصل إلى قضية "الوحي" فيقول: (أتمنى هنا عندما تلفظ كلمة الوحي أن تشعر بأنها كلمة شديدة الخطورة والأهمية، وأنه لا يُمكننا استخدامها بسهولة وبمناسبة ودون مناسبة، بمعنى أننا لا نفهمها جيدًا، وإنها بحاجة لأن تخضع لدراسة جديدة دقيقة لا تقدم أي تنازل للتصورات الألفية التي فرضتها العقائد الدوغمائية الراسخة، أتمنى أن ننظف من كل ما علق بها من أوشاب إيديولوجية، وذلك لأن العقائد الدوغمائية الراسخة تحمل في طياتها الكثير من الإيديولوجية. . . إن عملنا يتمثل في عزل، وفرز كل ما أضيف إلى كلمة وحي من أشياء تثقلها وتجعل منها أداة إيديولوجية أو آلة إيديولوجية من أجل الهيمنة والسيطرة، وليس فضاء للمعرفة المنفتحة على الكون، وهذا إشكالي، فنحن لا نعرف بالضبط ما هو الوحي، وأستطيع أن أقول الآن ما يلي: لا توجد حتى هذه اللحظة التي أتكلم فيها أمام أي مكتبة في العالم، ولا أي كتاب في أية لغة من لغات العالم يطرح مشكلة الوحي على طريقة العقلانية الحديثة ومنهجيتها) (^١).
ويتضمن هذا القول عدة أمور:
١ - أنه يريد إخضاع الوحي للدراسات المادية التي يعتقدها أركون ويؤمن بها، ومثله في ذلك مثل الماركسي الذي يدرس الوحي والإسلام بناء على الديالكتيك الشيوعي.
٢ - أن الدوغمائية التي يصف بها المؤمنين الملتزمين بالإسلام في مجال التشنيع والسباب والتنفير من عقائدهم، يمارسها هو بنفسه، ويتضح ذلك من خلال هذا النص والذي قبله وغيره من النصوص التي جعل فيها العقلانية والتاريخية والألسنية المعايير الصحيحة القاطعة التي لا تقبل النقاش ولا المؤاخذة، وإن لم يقل ذلك صراحة إلّا أن شدة تعصبه لها وشدة إيقانه بها يدل على دوغمائيته الشديدة.
٣ - إنه يريد أن ينقي الوحي -حسب زعمه من العقائد الدوغمائية
_________________
(١) المصدر السابق ص ٣٢٩ - ٣٣٠.
[ ٢ / ١١٢٤ ]
والإيديولوجية-، وهذا معناه أنه يريد إزالة الثقة المطلقة بالوحي وإحلال الشك مكان اليقين وإزالة الاعتقاد الإيماني بالوحي وهو ما يسميه الإيديولوجيا، وإحلال الاعتقاد الشكي والكفري تحت دعاوى التخلص من الإيديولوجيا، وما محاولة الكفار من قديم الزمن إلّا من أجل الوصول إلى هذا المقصد.
٤ - إنه يعترف بأنه لا يعرف بالضبط ما هو الوحي، وهذا اعتراف بالجهل فكيف يصح له أن يتكلم عن شيء يجهله أو يحكم على شيء لا يعلمه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ (^١).
٥ - زعمه بأنه لا توجد في العالم كتب تطرح قضية الوحي، والتي يسميها "مشكلة الوحي" طرحًا عقلانيًا حديثًا هذا الزعم كاذب مخالف للواقع، ويتضمن إضافة إلى الكذب الثقافي الاعتزاز والافتخار بالنفس وهو من باب الكبر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (^٢).
ويتضمن أيضًا نفي التبعية عن نفسه، ونعت منهجه بالاستقلال، وهذا كذب آخر ومكابرة للواقع الذي يعيشه ومناقضة لما في كتبه من دلائل واضحة على تبعيته.
وفي موضع آخر يصف العقل الديني، منطلقًا من عقلي لا ديني، ويعتبره عقلًا تابعًا غير مستقل، ولم يفطن إلى أن العقل الجاهلي اللاديني هو العقل التابع للهوى والشبهة والشهوة والأقوال الضالة والمذاهب الباطلة، ولم يدر بأنه غير مستقل، وأقرب مثال على ذلك عقله هو؛ حيث ارتكس
_________________
(١) الآية ٨ من سورة الحج.
(٢) الآية ٣٥ من سورة غافر.
[ ٢ / ١١٢٥ ]
في تبعية عمياء للمناهج والفلسفات الغربية فجعلها قبلته واستدبر الحق.
يقول أركون: (العقل الدين. . . يشتغل داخل إطار المعرفة الجاهزة، ويستخرج كل المعرفة الضخمة استنادًا إلى العبارات النصية للكتابات المقدسة "من قرآن وأناجيل" و"توراه" وإذن فالعقل الديني بطبيعته عقل تابع لا مستقل، وبالتالي فهو لا يطرح مشكلة أصل الوحي المعطى، أو معطى الوحي: أي الوحي كظاهرة موضوعية موجودة بغض النظر عن مشاعرنا الذاتية، تمامًا كوجود الظواهر الفيزيائية أو البيولوجية. . .، ومن هنا جاء تقديس الشريعة والقانون الإسلامي واعتباره فوق البشر والتاريخ) (^١).
ثم يتحدث أركون عن القرآن ونصوص الوحي عمومًا باعتبارها "أسطورة" كما قال أسلافه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (^٢).
ثم يشرح مراده بقوله القرآن خطاب أسطوري، فيفصل تفصيلًا أشنع من الإجمال الذي بدأ به، وعلى كل حال فهو لا يرى في القرآن ولا يعتقد فيه، ما يراه ويعتقده كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا، ويعتبر أن اللغة العربية قد شحنت بدلالات دينية يجب تخليصها منها، وهو أحد المنادين بتفجير اللغة واستخدم كلمة "مخيال" في كتابه الفكرة الإسلامية: قراءة علمية (^٣)، وعندما استضافته اليمامة كتبت على غلافها لما اختطفت طائرة كويتية "مخيال الموت"، وفي الداخل إشادة بأركون وبمشروعه التفجيري للغة العربية، وجعلت لفظة المخيال دليل تعانق بين اليمامة التي كان رئيس تحريرها -آنذاك- متخرجًا من السوربون أي أنه ارتضع هو وأركون من ظئر واحدة.
يقول أركون: (لا تزال لغة القرآن، وكانت دائمًا منغرسة ومتجذرة في
_________________
(١) الإسلام والحداثة ص ٣٣٨.
(٢) الآية ٥ من سورة الفرقان.
(٣) انظر: الفكر الإسلامي قراءة علمية: ص ٧٤.
[ ٢ / ١١٢٦ ]
الحقل الدلالى والمعنوي للقرآن. . .، وهذا خلع على المفردات العربية أو المعجم اللغوي العربي شحنة دينية كثيفة، إلى حد أنه يصعب علينا اليوم إعادة اشتغال وبلورة المصطلح العربي بطريقة علمية كما يحصل في اللغات الأخرى. . . .، الصعوبة الأساسية التي تنهض أمامنا اليوم إذا ما أردنا أن نكتب الفكر باللغة العربية، فأي تعبير أو أي صياغة لغوية حديثة قد تبدو انتهاكًا للمقدسات في حين أنها لا تهدف إلى ذلك على الإطلاق، فعندما أقول: القرآن خطاب أسطوري البنية فإن المسلم يولول ويثور وينادي بالثبور وعظائم الأمور في حين أني لم أقل شيئًا خارقًا للعادة أو يسبب أي مشكلة. . .) (^١).
ثم يحاول أن يسفسط حول معنى الأسطورة فيقول: (. . . إن معنى التعبير: القرآن خطاب أسطوري البنية هو شيء مختلف تمامًا عن كل ما هو سلبي أو شائن، أنه يعني أن البنية اللغوية أو الأسلوبية للقرآن هي بنية مجازية رمزية في معظمها، فالمجاز والاستعارة والحكاية وضرب الأمثال تخترق كلية الخطاب القرآني من أوله إلى آخره. . . . .) (^٢).
وهذا عذر أقبح من فعل كما تقول العرب، وتلاعب بالألفاظ لا يغير من حقيقة المعنى شيئًا، ولا ينفي عن القائل اعتقاده بأن القرآن أسطورة كما كان يعتقد الكفار الأوائل، وعند هذه المسألة يجب التنبيه إلى الأسلوب من أساليب المجادلين في آيات اللَّه بغير علم ولا هدى من الجاهليين الأوائل والمعاصرين، أسلوب يتمثل في الادعاء بأنه "أساطير" من غير حجة على الدعوى ولا برهان، إلّا مجرد الخصومة بالباطل، ومن الطبيعي أنه ليس لديهم ما يقولونه عن القرآن إلّا إلقاء الدعاوى العرية من أي دليل، وهذا يُمكن أن يقوله أي أحد حتى في إنكار ضوء الشمس في ضحى النهار في العراء في اليوم الصحو، ولكن هل مجرد القول يكفي في إثبات الحجة، ولذلك نقل اللَّه أقوالهم هذه ورد عليها، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
_________________
(١) و(^٢) الإسلام والحداثة: ص ٣٤٦ - ٣٤٧.
[ ٢ / ١١٢٧ ]
هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ (^١).
ومن رؤوس أهل الباطل المتصدين لكتاب اللَّه تعالى وللوحي الكريم بالنقد والرد والتشكيك الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد الأستاذ في إحدى الجامعات المصرية، والذي صدر ضده حكم بالردة، وبلزوم طلاق زوجته منه!!، وهي مثله في الضلالة، وقد تبرعت له الحكومة العلمانية بالحماية والرعاية، ثم سعت في إخراجه خوفًا عليه من مصير صنوه الهالك فرج فودة، واستقبلته أسبانيا ودعته هولندا وبريطانيا وفرنسا وأمريكا للإقامة فيها ووعدته بحق اللجوء، في الوقت الذي تطارد فيه الشباب المسلم وتعتقلهم وتحاكمهم، وتحاكم بعض قادة العمل الإسلامي ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (^٢)، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (^٣).
وقد تصدى نصر أبو زيد للوحي تصدي العدو المبغض، وتناول القرآن تناول الشانيء المحارب، وتعامل مع العقيدة والشريعة تعامل المستخف المستهين، بأساليب ملتوية من المكر والخديعة، ولو أردنا أن نجمع أقواله في هذا المجال لطال الكلام؛ لأن أكثر كتاباته تدور في مجال التأصيل لمذهبه القائم على التشكيك في صحة القرآن وثبوته، وصحة نقله، وجمعه، وجحد قضاياه الاعتقادية، ولوازمه التشريعية.
ومن كتبه ومقالاته في هذا الصدد: كتاب "مفهوم النص" (^٤)، وكتاب
_________________
(١) الآيات ٤ - ٦ من سورة الفرقان.
(٢) الآية ١٠ من سورة التوبة.
(٣) الآية ٨ من سورة التوبة.
(٤) وقد قام بعرض هذا الكتاب ودراسته ومدحه والإشادة به حسن حنفي في مجلة فصول العدد ٣ و٤ فبراير ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ٢٢٧ وص ٢٣٧، وجابر عصفور في مجلة إبداع العدد ٣ مارس ١٩٩٢ م/ ١٤١٢ هـ: ص ٣٠. "بعضهم أولياء بعض".
[ ٢ / ١١٢٨ ]
"إشكاليات القراءة وآليات التأويل"، وكتاب "نقد الخطاب الديني" وكتاب "الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية"، ورسالة الماجستير عنده بعنوان "الاتجاه العقلي في التفسير -دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة-"، ورسالة الدكتوراه بعنوان "فلسفة التأويل عند محي الدين بن عربي"، وله مقال بعنوان "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع نشره في قضايا وشهادات ٢/ ٣٨٤، ومقال بعنوان "محاولة قراءة المسكوت عنه في خطاب دين عربي"، نشره في مجلة الهلال في مايو ١٩٩٢ م/ ١١/ ١٤١٢ هـ، ومقال بعنوان "قراءة التراث وتراث القراءة"، نشره في مجلة أدب ونقد في نوفمبر ١٩٩٢ م/ ٥/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق"، نشره في مجلة القاهرة في أكتوبر ١٩٩٢ م/ ٤/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني"، نشره في مجلة القاهرة في يناير ١٩٩٣ م/ ٧/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "المرأة البعد المفقود في الخطاب الديني المعاصر"، نشره في مجلة القاهرة في فبراير ١٩٩٣ م/ ٨/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "المرأة في المجتمع: جراح اللغة وجراح الهوية"، نشره في مجلة أدب ونقد في مايو ١٩٩٣ م/ ١١/ ١٤١٣ هـ (^١).
وكل هذه الكتب والمقالات تصب في مستنقع العلمانية الآسن، وتفوح منها رائحة الكراهية الشديدة لكل ما يتصل بهذا الدين من أصول وفروع وعقائد وتطبيقات، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
وأهم ما كتبه في تصديه للوحي بالنقد والتشكيك كتاب "مفهوم النص"، وقد خصصه لدراسة علوم القرآن وقف منهجه البنيوي، ثم مقاله المعنون باسم "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع" والتوجه إليهما لأخذ شواهد منها على انحرافه يعني أن نأخذ كل أو جُلَّ ما فيها، وهذا أمر لا يتسع له المقام هنا؛ ولذلك فسوف أقتصر على بعض الشواهد ذات الدلالات، من خلال إحالات على أهم محاور كتاباته في هذا الشأن، والتي فيها الدلالة
_________________
(١) وقد أشار إلى معظم هذه الكتب والمقالات وعلق عليها د/ كامل سعفان في كتابه هجمة علمانية جديدة ومحاكمة النص القرآني: ص ١٥٣ إلى آخر الكتاب.
[ ٢ / ١١٢٩ ]
الواضحة على عقيدته في اللَّه تعالى، وفي كلامه -جلَّ وعلا-، وأهم المحاور الفكرية لنصر أبو زيد في قضية الوحي والقرآن خاصة هي هذه الجمل المنقولة نصًا أو بالمعنى من كتبه:
١ - القرآن نص لغوي يعامل كما يعامل أي نص آخر، وكذلك سائر النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية (^١).
٢ - القرآن فعل بشري، وتبنى القول ببشرية النصوص الدينية؛ لأن الإصرار على كون النص القرآني إلهيًا مجرد وهم (^٢).
٣ - القرآن منهج ثقافي متأثر بالظروف والمتغيرات التاريخية، والاجتماعية في كل عصر، ومصداقية النص تنبع من دوره في الثقافة وتقبلها له، فما توفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائوة النصوص وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصًا دالًا فهو كذلك (^٣).
٤ - المجاز والتأويل ركيزتان ينطلق منهما للتلبيس والتدليس والتشكيك والمجادلة في آيات اللَّه، ومطيتان لتبرير أنواع عديدة من تلاعباته بنصوص الوحي تلقيًا وفهمًا وتطبيقًا (^٤).
٥ - البحث عن المفقود في النص، والذي لم يستطع علماء المسلمين الوصول إليه، والسخرية من فهمهم واستنباطهم واستدلالهم (^٥).
٦ - من علامات الانطماس والجهل الإيمان بالمصدر الإلهي للنص، والتركيز على مصدر النص وقائله فقط إهدار لطبيعة النص ذاته وإهدار لوظيفته في الواقع (^٦).
_________________
(١) انظر: مفهوم النص: ص ٩، ١٠، ١٢، ١٨، ١٩، ٢٤، ٢٦، ٢٨، ٩٧، وقضايا وشهادات ٢/ ٣٨٩، ٣٩١، ٣٩٢.
(٢) قضايا وشهادات ٢/ ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٠، ومفهوم النص: ص ٢٤.
(٣) مفهوم النص: ص ٢٤، ٢٦، ٢٧، ٢٨، وقضايا وشهادات ٢/ ٣٨٧.
(٤) قضايا وشهادات ٢/ ٣٩٢، ٣٩٣.
(٥) مفهوم النص: ص ٢٦، ٩٢، ٩٩، ١٣٤.
(٦) قضايا وشهادات ٢/ ٣٩١، ومفهوم النص: ص ٥٧، ٦٧.
[ ٢ / ١١٣٠ ]
٧ - الهجوم الشديد على الخطاب الديني المعاصر المتمثل في الحركات الإسلامية لكون هذا الخطاب يعتمد على السلفية والتراث، وعلى الفكر الرجعي التثبيتي (^١).
٨ - الاستدلال بالموضوعات والأكاذيب والأقاويل الشاذة وبدع أهل الكلام، والآراء الضعيفة في كتب علوم القرآن (^٢).
٩ - النبي ابن المجتمع ونتاجه، والوحي له أسبقية عند العرب تتمثل في الكهانة والشعر من حيث أن هذه جميعًا فيها اتصال الإنسان بغير الإنسان، وإلغاء الكهانة يؤدي إلى إلغاء الأساس الوجودي والمعرفي لظاهرة النجوة، وظاهرة الوحي استندت إلى مفهوم عميق في الثقافة وهو إمكانية اتصال بين البشر وبين العوالم الأخرى من الملائكة والشياطين (^٣).
١٠ - أخذ النبي -ﷺ- بالحنيفية ودين إبراهيم -ﷺ- كان ناتجًا عن التأثر ببعض المتحنفين من قريش وغيرها، وقبول العرب للحنيفية والتوحيد كان بتأثير سياسي واجتماعي لمقاومة التفكك الداخلي والخطر الخارجي (^٤).
١١ - التشكيك في أمية النبي -ﷺ-، والقول بأنه كان حائرًا بعد مجيء الوحي أول مرة إليه، وأنه كان يتشوف إلى ما يطمئنه على صحة قواه العقلية (^٥).
١٢ - يزعم أن القول بعدم تعارض الدين الإسلامي مع البحث العلمي العقلي الحر، أو عدم التعارض بين العقيدة الإسلامية والعلوم المعاصرة مجرد دعوى (^٦).
_________________
(١) مفهوم النص: ص ٢٠، ٢٦، ٢٨، ١٠٤.
(٢) مفهوم النص: ص ٤٣، ٤٥، ٦٦، ٥١، ٧٠، ٧٢، ١٣٠، ١٣٢، ١٣٤، ١٤٥، ١٤٦، ١٤٧.
(٣) مفهوم النص: ص ٣٤، ٣٦، ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٥٩، ١٤٤.
(٤) مفهوم النص: ص ٦٣، ٦٤، ٦٥.
(٥) مفهوم النص: ص ٧٠، ٧١.
(٦) قضايا وشهادات ٢/ ٣٨٥.
[ ٢ / ١١٣١ ]
١٣ - قوله بخطورة الدعوة إلى أسلمة الحياة وإلى الحاكمية، وإلى أسلمة الأدب، لأن ذلك يعني تحكيم رجال الدين في كل شؤون الحياة، وإفساح المجال لسيطرة خطاب ديني غاشم يطفي كل المصابيح الإنسانية (^١).
١٤ - رفع غطاء القداسة عن الخطاب الديني القديم والحديث على السواء (^٢).
١٥ - أخطأ التنويريون العرب حين نظروا إلى النصوص الدينية برؤية لا تاريخية، أي حين اعتبووها نصوصًا مطلقة، وهذا استخدام نفعي ذرائعي أعاقهم عن التقدم، ومكن السلفية من الانقضاض على ما حققته التنويرية (^٣).
١٦ - الوعي التاريخي العلمي بالنصوص الدينية يتجاوز أطروحات الفكر الديني قديمًا وحديثًا، ويعتمد على إنجازات العلوم اللغوية خاصة في مجال دراسة النصوص، وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص -اللَّه- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقي - الإنسان، بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد (^٤).
١٧ - معضلة الفكر الديني أنه يبدأ من تصورات عقائدية مذهبية عن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية وعلاقة كل منها بالأخرى، ثم يتناول النصوص الدينية جاعلًا إياها تنطق بتلك التصورات والعقائد (^٥).
١٨ - البنية الفكرية الدينية تطرح رؤية للعالم والطبيعة والإنسان وتضعهم في علاقة مقارنة مباشرة مع اللَّه، ومن الطبيعي أن تؤدي المقارنة إلى تهميش النسبي والجزئي والحادث لحساب المطلق والكلي والقديم (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣٨٦.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٨٦، ٣٨٨، ومفهوم النهي: ص ١٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٨٦ و٣٨٩.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٣٨٧.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٣٨٧.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٣٨٨.
[ ٢ / ١١٣٢ ]
١٩ - القول بأزلية الوحي وقدم القرآن (^١)، يضفي عليه قداسة يستمدها من الامتداد التراثي وعميق التاريخ موهمًا أنها الإسلام ذاته (^٢).
٢٠ - القول بخلق القرآن رؤية حيوية وديناميكية، والذين قالوا بذلك مبدعين، وهم الذين أثروا في مجال المعرفة العلمية للإنجازات التي أفادت منها أوروبا (^٣).
٢١ - الذي ندعو إليه هو عدم الوقوف عند معنى النصوص في دلالاتها التاريخية الجزئية، بل لابد من اكتشاف المغزى الذي يُمكن لنا أن نؤسس عليه الوعي العلمي التاريخي، وهنا لابد أن تكون الدلالات مفتوحة وقابلة للتجدد مع تغير آفاق القراءة المرتهن بتطور الواقع اللغوي والثقافي (^٤).
٢٢ - العائق دون إخضاع النصوص الدينية للمنهج العقلي والتاريخي واللغوي التحليلي هو توهم إن الكلام الإلهي لابد أن يكون مخالفًا للكلام الإنساني، وهذا التوهم هنا مبني على افتراض أن العلاقة بين الإلهي والإنساني تقوم على الانفصال، بل على التعارض والتضاد (^٥).
٢٣ - القرآن كلام اللَّه وكذلك عيسى ﵇ رسول اللَّه وكلمته، وإذا كان القرآن قولًا ألقي إلى محمد -ﷺ- فإن عيسى بالمثل كلمة اللَّه، والوسيط في الحالتين هو الملك جبريل، وفي الحالتين يُمكن أن يقال أن كلام اللَّه قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًا لغويًا في لغة بشرية
_________________
(١) ينسب نصر أبو زيد هذا القول إلى أهل السنة جهلًا وافتراء، وحقيقة مذهبهم أن صفة الكلام للَّه تعالى فعلية من حيث نوعها وأفرادها، وذاتية من حيث أصلها واتصاف اللَّه بها أزلًا، أمّا الكلام المعين فليس بأزلي بل تكلم به تعالى متى شاء. انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٦٨ - ٧١.
(٢) قضايا وشهادات ٢/ ٣٨٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٨٨.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٣٨٩، ٣٩٠، ٣٩٢، ومفهوم النص: ص ١٩.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٣٩٠.
[ ٢ / ١١٣٣ ]
هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًا، أو تأنسن الإلهي (^١).
٢٤ - تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا -بكسر اللام- له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح والكرسي والعرش -وكلها تساهم- إذا فهمت فهمًا حرفيًا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس (^٢).
٢٥ - الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في المرحلة الأولى للنصوص، ومن غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتهما لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري (^٣).
٢٦ - الخطاب الديني المعاصر يناقض نفسه حين يعارض التأويل المجازي للنص القرآني؛ لأنه لا ينطلق من فهم علمي للنصوص، وذلك حين يرفض تأويل صورة الملك والمملكة وكل ما يساندها من صور جزئية كالعرش والكرسي، تأويلًا مجازيًا، ويتمسك بدلالالتها الحرفية تمسكًا يكشف عن الطابع الإيديولوجي له (^٤).
٢٧ - الدلالات الجزئية للنص القرآني خاصة في مجال الأحكام والتشريع يسقطها تطور الواقع الاجتماعي التاريخي، وتتحول من ثم إلى شواهد دلالية تاريخية (^٥)، ومن الدلالات التي أسقطها التطور التاريخي: أخذ الجزية من أهل الكتاب (^٦) والرق والعتق (^٧)، ومن النصوص التي يجب أن تعتبر دلالتها من قبيل الشواهد التاريخية النصوص الخاصة بالسحر والحسد
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٩٢.
(٣) و(^٤) المصدر السابق ٢/ ٣٩٢.
(٤) و(^٦) المصدر السابق ٢/ ٣٩٤، ٣٩٥.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٣٩٥.
[ ٢ / ١١٣٤ ]
والجن والشياطين، وحكم الربا، والحجاب للمرأة (^١)؛ لأنها مجرد مفردات نشأت في بنية ذهنية ترتبط بمرحلة محددة من تطور الوعي الإنساني (^٢)، واللغة العربية قد تشير إلى مدلولات ليس لها وجود عيني، مثل كلمة "العنقاء" التي ليس لها مدلول عيني واقعي (^٣).
ومن معطيات النص الحرفية والتمسك بالدلالات التي تجاوزتها الثقافة وتخطتها حركة الواقع: جعل العلاقة بين اللَّه والإنسان محصورة في بعد "العبودية" والعبودية تستدعي مقولة "الحاكمية" (^٤).
٢٨ - لابد من التفريق في نصوص الوحي بين المعنى والمغزى، فالمعنى له طابع تاريخي، ويمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها وتشكلها ويتمتع المعنى بقدر من الثبات الملحوظ، أمّا المغزى فله طابع معاصر، بمعنى أنه محصلة لقراءة عصر غير عصر النص، وهو ذو طابع متحرك مع تغير آفاق القراءة، وليس المغزى هو المقاصد كما حددها الفقهاء، بل هو ناتج قياس الحركة التي أحدثها النص في بنية اللغة، ومن ثم في الثقافة والواقع، والقياس المحدد لحركة النص ولاتجاهها مقياس معاصر، ومعنى ذلك أن المغزى ليس محكومًا فقط بضرورة ملابسته للمعنى، بل توجه حركته آفاق الواقع الراهن والعصر؛ لذلك قلنا أن المغزى متحرك بحكم ملابسته لآفاق الحاضر والواقع.
أمّا مبدأ "لا اجتهاد فيما فيه نص" فهو مغالطة دلالية، ولذلك يُمكن تطبيق المغزى في المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث؛ لأنه من الطبيعي أن تكون حركة النص التشريعية غير مصادمة للأعراف والتقاليد والقيم التي تمثل محاور أساسية في النسق الثقافي والاجتماعي (^٥).
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢/ ٣٩٥، ٣٩٧، ٣٩٨.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٩٦.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٩٧.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩ - ٤٠٢.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٥. وانظر: أيضًا ص ٣٨٩.
[ ٢ / ١١٣٥ ]
٢٩ - الدراسات الحديثة للنصوص تعطي اهتمامًا للمضمر والمسكوت عنه، والمدلول عليه بطريقة ما في الخطاب ذاته.
والمسكوت عنه في الخطاب يمثل أحد آليات النص في التشكيل بما هو جزء من بنيته الدلالية، وقد يكون المسكوت عنه مدلولًا عليه في الخطاب بطريقة ضمنية، وقد يكون مدلولًا عليه بالسياق الخارجي، فالمسكوت عنه المدلول عليه في السياق الخارجي نجده في قضايا المرأة عمومًا وفي مسألة نصيبها في الميراث خصوصًا، أمّا المسكوت عنه المدلول عليه في الخطاب ضمنيًا فنجده في قضية المواريث بشكل عام، فتوريث المرأة نصف ميراث الرجل جاء به النص وله مغزى ودلالة مضمرة وهي تحرير الإنسان -الرجل والمرأة- من أسر الارتهان الاجتماعي والعقلي، لذلك طُرِح العقل نقيضًا للجاهلية، والعدل نقيضًا للظلم والحرية نقيضًا للعبودية، ولم يكن يمكن لتلك القيم إلّا أن تكون مضمرة مدلولًا عليها، فالنص لا يفرض على الواقع ما يتصادم معه كليًا بقدر ما يحركه جزئيًا، ولعل مسار الاجتهاد قد تحدد الآن في مسألة ميراث البنات، بل في كل قضايا المرأة المثارة في واقعنا، والتي يصر الخطاب الديني على التمسك بمناقشتها في حدود معاني النصوص مهدرًا المغزى، حاكمًا على التاريخ بالثبات وعلى دلالة النصوص بالجمود.
ولكن دلالة المسكوت عنه في مسألة الميراث لا تقف عند هذا الحد، بل تتحرك حركة غير مسبوقة في اتجاه العدل وتوزيع الثروة.
إن وقوف الخطاب الديني عند المعاني ينتهي في التحليل الأخير إلى الارتداد بالواقع وتجميد النصوص في نفس الوقت (^١).
هذه نصوص كلامه في أكثر الفقرات، وملخص مضموني في بعض الفقرات، وهي كلها تدل على الاتجاه "البنيوي" "التناصي" "التأويلي" "التاريخي" التي تتلخص في ثلاثة مضامين أساسية:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٠٥ - ٤٠٧.
[ ٢ / ١١٣٦ ]
الأول: التشكيك في ثبوت الوحي كله أو بعضه، وجحد إضافته اللَّه تعالى، بنفي قداسته، وجعله مخلوقًا، وجعله من نتاج الواقع والثقافة والبشر.
الثاني: إزاحة دلالاته الأصلية، وإسقاط طريقة النبي -ﷺ- وأصحابه والتابعين علماء الحق من المسلمين، في فهم دلالات النصوص، وجعل دلالات نصوص الوحي مشاعة ومفتوحة لأفهام الزنادقة والمنحرفين والجاهليين من الحداثيين والعلمانيين والمستشرقين وتلامذتهم.
الثالث: كل ما سبق تمهيد لإزاحة نصوص الوحي عن الواقع والتصرف فيها -تطبيقًا- وفق أهواء العلمانيين والحداثيين، وكل ذلك على أساس رفض الاستسلام للوحي وترك القبول له، والمجاهرة بالمعارضة الصريحة له.
وهذه المضامين الأساسية التي هي جوهر كلام "نصر أبو زيد" هي عينها، المضامين الحاضرة في كلام الحداثيين عن نصوص الوحي، ولا يُمكن جمع كل ما صدر عنهم في هذا الباب من انحرافات ولكن في الشواهد السابقة، -وما سوف يلحق بعد قليل- يكفي في توضيح ملامح اعتقاداتهم المناقضة للإسلام في هذا الركن العظيم، علمًا بأن ما سبق ذكره من أقوال منظري الحداثة الفكرية والعلمانية اللادينية ينطبق على قضية الوحي التي هي الركن الثالث "الإيمان بالكتب"، وينطبق أيضًا على الركن الرابع "الإيمان بالرسل" حيث لا انفكاك بين هذين الركنين.
ومن شواهد انحرافاتهم في قضية الوحي قول جابر عصفور (^١) في ندوة
_________________
(١) جابر عصفور، علماني حداثي مصري، أستاذ النقد الأدبي في جامعة القاهرة، ومن مؤسسي مجلة فصول، وله عدة مؤلفات منها: المرايا المتجاورة دراسة في فكر طه حسين النقدي، وله مترجمات منها: البنيوية، والماركسية والنقد الأدبي، ومن آخر مؤلفاته هوامش على دفتر التنوير صب فيه عصارة تطرفه العلماني وغلوه الحداثي، وهاجم دعاة الإسلام، وروج لظلاميات الحداثة والعلمانية تحت الشعار الكاذب "التنوير" ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. انظر عن ترجمته: الإسلام والحداثة: ص ٤١٦.
[ ٢ / ١١٣٧ ]
الإسلام والحداثة في سياق موضوعه "إسلام النفط والحداثة" والذي خصصه للرد على مواقف أهل الغيرة الإيمانية في هذه البلاد ضد الحداثة (^١).
فقد جعل ما أطلق عليه إسلام النفط وإسلام الحنابلة والوهابية إسلامًا يقوم على النقل والاتباع والجبر في حين أن الحداثة تقوم على العقل والإبداع والاختيار (^٢) في سياق من التناقض والجهل الذي يتضح مثلًا في خلطه بين الابداع والابتداع والبدعة (^٣)، وهو خلط ينم عن جهل باللغة والشرع والواقع، كما ينم عن الدعوى المغرضة التي تنضح بها كتاباته.
_________________
(١) وقد تصدى في محاضرته هذه لكتاب الشيخ عوض القرني "الحداثة في ميزان الإسلام"، وللمقدمة التي كتبها فضيلة الثخِ عبد العزيز بن باز، لهذا الكتاب الذي صدر سنة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، فكان سببًا في كشف الحداثة -المحلية خاصة- وبيان مظاهر انحرافات أصحابها. وقد كان لهذا الكتاب أصداء واسعة بين الحداثيين والعلمانيين من جهة، والمسلمين علماء ودعاة وعامة من جهة أخرى، فقد رحب به هؤلاء، واعتبروه إيضاحًا عقديًا وفكريًا على درجة عالية من الأهمية والنضوج والتوثيق في حين أن الحداثيين اعتبروه حربًا أصولية قاد لواءها فضيلة الشيخ عبد العزيز، وتصدوا له بالرد والهجوم الشرس الذي يؤكد عمق الضربة والوجع الذي لحق بهم، وممن كتب في ذلك جابر عصفور في المقال المشار إليه، وقد ألقاه في ندوة "الإسلام والحداثة"، ونشره في الكتاب المعنون بالعنوان نفسه، ونشره في قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٥٧، ثم نشره في هوامش على دفتر التنوير: ص ٨٣ - ١١٥. وكتب محمد العلي في جريدة الوطن عدة حلقات بعنوان "قراءة ساخنة في كتاب بارد" في ٢١ مارس ١٩٨٩ م الموافق ١٤/ ٨/ ١٤٠٩ هـ عدد ٥٠٦٠ وقبل ذلك ثلاثة أعداد وكان قد أعد هذه الكتابة في منشور سري تداوله الحداثيون بعنوان "الأذهان المستطرقة". وكتب شاكر النابلسي المتخصص في تلميع الحداثيين السعوديين من خلال تمثيلياته ومسرحياته النقدية المستهدفة أصلًا إضفاء المديح والدعاية للمقصودين بالنقد!! ومن كتبه التي تعرض فيها لكتاب الشيخ عوض "بنت الصمت دراسة في الشعر السعودي المعاصر" وقد نشرت قضايا وشهادات في عددها ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٥٣ مقدمة المؤلف ومقدمة فضيلة الشيخ ابن باز تحت عنوان "وثيقة ٨" وفي العدد نفسه ص ٢٢ أشار إلى بعض مضامين الكتاب الحداثي سعد اللَّه ونوس.
(٢) انظر: الإسلام والحداثة: ص ١٧٨.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٧٨ - ١٧٩.
[ ٢ / ١١٣٨ ]
وقد جعل جابر عصفور القرآن نصًا أولًا تبعًا لأدونيس وأركون، وجعل تطبيقات الإسلام نصًا ثانيًا، فقال: (إن علاقة إسلام النفط بالإسلام -النص الأول الو استخدمنا مصطلح أدونيس - أركون) - هي علاقة النص الثاني بأصله الذي يعيد إنتاجه لصالحه الخاص، من حيث هو نص ثانٍ، عبر وسائط يُمكن أن تسقط جوانب من النص الأول أو تضيف إليه، وأن تضخم أو تصغر أو تعيد ترتيب بعض المكونات، أو تركز على بعضها دون بعض. . . الخ، ما ظل النص الأول "حمال أوجه" يُمكن أن يتوافق بعضها - أو كلها، تأويلًا، والغاية النهائية لإعادة إنتاج النص الأول. . . إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقلي "الاتباعي"، الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث، ويؤسس علاقة متميزة بفكر الحنابلة الذي تمثله كتابات ابن الجوزي وابن تيمية بوجه خاص، وهي كتابات لها علاقاتها الأصولية التاريخية بالمذهب الوهابي، أهم المذاهب النقلية السائدة في منطقة الجزيرة العربية. . . إن إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقلي. . .) (^١).
ثم يورد جملة من قضايا الاتباع وأدلته ويسخر بها ويجعلها دليلًا له على الاتباعية التي يراها عيبًا إلّا إذا كانت اتباعًا للغرب في "البنيوية" و"التناصية" و"الدال" و"التماهي" و"المتح"، وغير ذلك من العبارات التقليدية المستعارة.
والشاهد المراد في هذا القول أنه تبعًا لأركون وتشبهًا بأبي زيد يجعل القرآن العظيم نصًا أولًا، وما تفرع عنه من فهم وتطبيق نصًا ثانيًا، وهذا هو عين قول نصر أبو زيد، الذي أنكر صدور الوحي عن اللَّه تعالى، وجعله من معطيات الواقع الاجتماعي والثقافي.
ومن فعاليات ندوة الإسلام والحداثة المحاضرة التي ألقاها العلماني المتطرف عادل ظاهر، والتي بعنوان "الإسلام والعلمانية"، وقد حشد
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٧٩.
[ ٢ / ١١٣٩ ]
فيها ألوان حقده على الإسلام ودعاته المعاصرين، خاصة الذين يدعون إلى الإسلام الشمولي المتمثل في أن الإسلام "دين ودولة وعقيدة وشريعة"، وقد أشار في هذه المحاضرة إلى جحد الخالق -﷾ (^١) -، وقال عنه: (هل يُمكن لكائن له طبيعة اللَّه أن يفرض على المؤمنين في كل عصورهم وأممهم ألّا يفصلوا بين دينهم والسياسة) (^٢).
وقد امتلأ مقاله بالجهل الفاضيح بالإسلام وأدلته وأقوال علمائه، ثم تصدى للأحكام التشريعية بالجحد والنفي ووجوب الاستبعاد (^٣).
ثم يتعرض لقاعدة "لا اجتهاد مع النص" ومنها ينطلق إلى نصوص القرآن والسنة مشككًا في ثبوتها ثم في مدلولاتها، فيقول عن المسلمين: (المهم أن هناك في نظرهم نصوصًا ثابتة ثبوتًا يقينيًا لا يأتيه الشك مطلقًا، وأن القواعد والأحكام الشرعية التي تنطوي عليها هذه النصوص هي قواعد وأحكام مطلقة بسبب الثبوت اليقيني المطلق لهذه النصوص، فإذا كان هناك -مثلًا- نص من هذا النوع يقول بوضوح أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن هذا ملزم لنا بحرفيته في نظرهم، في كل الظروف والحالات، فلا يجوز أن تضعه موضع اجتهاد فنقول -مثلًا- إن الظروف اليوم غير ما كانت عليه ولا تسوّغ الأخذ بالقاعدة الشرعية المذكورة بحرفيتها. . . الخطأ الفلسفي. . . يتعلق بمقدمتهم القائلة إن هناك نصوصًا ثابتة ثبوتًا يقينيًا لا شك فيه. . . .
إن ثبوت النصوص وإن لم يكن أمرًا مشكوكًا فيه فعليًا، لا يعني أنه ليس أمرًا مشكوكًا فيه من حيث المبدأ، فإن الأدلة على ثبوتها قد تكون من القوة بمكان تجعل من غير المسوغ لنا الشك في ثبوتها، إلّا أن هذه الأدلة مهما كانت قوية لا يُمكن أن تكون أدلة مطلقة على
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٧٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٦، ونحو ذلك في ص ٨٠ وص ٨١.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٨٠، ٨٢، ٨٣.
[ ٢ / ١١٤٠ ]
ثبوتها، من هنا يتضح أن عدم وجود أي سبب لدينا للشك في ثبوتها لا يُمكن أن يعني أنه لا يُمكن أن يوجد سبب للشك في ثبوتها، بمعنى آخر أن يمتنع لدينا عمليًا أو واقعيًا الشك في ثبوتها لا يعني امتناع الشك في هذا حتى من حيث المبدأ. . .، وإذا كان ممكنًا لكتاب ديني كالتوراة أن يكون موضوع عبث وتحريف، كما يصر عدد كبير من منظري الصحوة أنه يصدق فعلًا على التوراة، فما الذي يمنع من حيث المبدأ أن يصدق الشيء ذاته على أي كتاب ديني سواه؟. . .، وإذا صح تحليلنا إذن فلا مسوغ للقول بثبوت النصوص المعنية على نحو مطلق، وإذا كان الطابع المطلق للأحكام والقواعد الشرعية التي تشكل مدار نقاشنا مستمدًا من الثبوت المزعوم للنصوص المعنية على نحو مطلق، إذن لم يبق ثمة أساس لإسناد طابع مطلق لهذه الأحكام والقواعد) (^١).
في هذا النص الصريح جحد ثبوت القرآن والسنة وإنكار ما يترتب عليها، وفيه الدلالة الواضحة على الموقف الحداثي والعلماني من الإسلام عقيدة وتطبيقًا، فقد بين أصول نظرته العلمانية في الإسلام وفي مصادر التشريع، ثم طرد ذلك على قضايا التطبيق في الواقع سعيًا إلى إثبات الاتجاه العلماني من خلال المحاولة الشبيهة ببيت العنكبوت لإزاحة الإسلام -العدو الأكبر للعلمانية- من الطريق، وإفساح المجال لفلسفات الإلحاد والعلمانية، أن تحل محل القرآن والسنة، وأن تكون لها القداسة في قلوب الناس مثل القداسة التي للوحي المعصوم، وهيهات هيهات دون ذلك أهوال!!.
ويعتبر عادل ظاهر أحد أبرز الرؤوس الرجيمة في تبني العلمانية والدفاع عنها وتسويق فكرتها بين المسلمين، ومحاربة خصمها الشديد القوي المتماسك "الإسلام" الذي هدم الوثنيات الجاهلية السابقة، ويستطيع هدم الوثنيات الجاهلية المعاصرة واللاحقة ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨٣ - ٨٥.
[ ٢ / ١١٤١ ]
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (^١).
ومن أبرز محاولاته كتابه المسمى "الأسس الفلسفية للعلمانية" وهو كتاب مليء بالإلحاد والمناقضة الكاملة للإسلام، والمحاولة الدائبة لتزييف حقائقه الاعتقادية والتشريعية بدءًا من جحد وجود اللَّه تعالى، إلى السخرية والاستخفاف بأسمائه وصفاته -جلَّ وعلا-، أمّا النبوات والوحي فإنه ينالها على طريقته الحداثية بالأسئلة الشكية الموصلة إلى النفي الكامل والجحد، وهو من نوع كلامه الذي سبق نقله، ليكون ممثلًا للعلمانية الصلبة ونموذجًا للعلماني الصلب الذي أطنب في توصيفه في كتابه، في مقابل نقده للعلمانية اللينة والعلماني اللين (^٢).
أمّا أدونيس فإنه يدعم مواقفه الاعتقادية السابقة المنحرفة، بموقف آخر مضاد للوحي بالجحد له والسخرية منه والتدنيس له، وقد ملأ كتبه بذلك، وهو ما يتوافق مع عقيدته الباطنية، وأفكاره الإلحادية، التي بات واضحًا أنه لا يترك فرصة إلّا اهتبلها في شبيل مناقضة الإسلام، وترويج الكفر والإلحاد، في إصرار وعناد، وغلو وتطرف منقطع النظير.
ففي تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" يستخرج من التاريخ القديم كل شاذ، ويتلقى أعفن ما فيه ويتلقف أقوال الزنادقة والملحدين ويجعل منها تكأة في انطلاقه لتثبيت معتقده فها هو يعتمد في جحد النبوة والوحي على أقوال الملحد الزنديق أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (^٣)، الذي يقول عنه:
_________________
(١) الآية ٣٣ من سورة التوبة، والآية ٩ من سورة الصف.
(٢) انظر أقواله المنحرفة عن الوحي والنبوات -مثلًا- في كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية: ص ٦٦، ٦٧، ٦٨، ٧٩، ٨٢، وغيرها كثير، وهذا الكتاب ضروري لمن أراد أن يعرف الأصول الاعتقادية للعلمانية العربية والأسس الإلحادية التي تقوم عليها، وهو دليل واضح ودامغ في الرد على الدين يعتقدون -جهلًا أو تلبيسًا- أن العلمانية لا تناقض الإسلام.
(٣) سبقت ترجمته: ص ٩٣٣.
[ ٢ / ١١٤٢ ]
(يقوم نقد الرازي للنبوة على أساسين، عقلي وتاريخي، ومقدمة الأساس الأول أن العقل مصدر المعرفة، ولذلك يجب أن يكون متبوعًا لا تابعًا) (^١).
وبعد أن ينقل نصوصًا من كلام صنوه الرازي يقول: (ثم ينتقل الرازي بعد نفي النبوة كمبدأ إلى انتقادها كظاهرة) (^٢).
وبعد ذكر كلامه المتهافت يقول أدونيس: (والرازي هنا يقول أنه ليس هناك في ظاهرة النبوة ما يوجب عقليًا حدوثها في قوم دون قوم، ذلك أن مثل هذا الاختصاص تفضيل لبعض على بعض، وجعل بعض هداة لبعض، وهو ما يأباه العقل ولا يقره (^٣)، خصوصًا أن هذا الاختصاص يؤدي إلى الشقاق بين الناس. . .) (^٤).
وفي استتارٍ خلف أقوال الرازي الملحد يقول: (. . . أمّا عن الأنبياء أنفسهم فيقول الرازي: "زعم عيسى أنه ابن اللَّه، وزعم موسى أنه لا ابن له، وزعم محمد أنه مخلوق كسائر الناس. . .، ومحمد زعم أن المسيح لم يقتل، واليهود والنصارى تنكر ذلك وتزعم أنه قتل وصلب"، وهذا تناقض واضح بين الأنبياء أنفسهم، مما يدل، في رأي الرازي، على بطلان النبوة، ذلك أن النبوة تقوم على الوحي الذي ينزله اللَّه، ولما كان اللَّه واحدًا، فإن مصدر النبوة واحد، ولهذا يجب أن يكون الوحي واحدًا، وبما أن اللَّه لا يُمكن أن يتناقض، فإن الأنبياء هم الذين يتناقضون، ومن هنا بطلان النبوة؛ لأن تناقضهم دليل على أنهم غير صادقين) (^٥).
وعلى الرغم من محاولة أدونيس الاستتار خلف أقوال الملحد الرازي إلّا أنه لم يستطع ذلك في كل المواقف، فصرح بهذه الأقوال الدالة على مقدار انحرافه.
_________________
(١) و(^٢) الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٨٠ - ٨١.
(٢) تأمل الطرح الإلحادي القائم على مجرد الادعاء، وهو أسلوب قديم جديد يتداوله الكافرون وسائر الملاحدة ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.
(٣) الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٨٠ - ٨١.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٨٢.
[ ٢ / ١١٤٣ ]
أمّا أقواله التي بناها على أقوال الرازي فهي من التهافت والهزال بمكان، حيث أنهما -أعني الرازي وأدونيس- لم يفرقا بين الوحي الصحيح الثابت، والأقوال المكذوبة المنسوبة زورًا وكذبًا إلى اللَّه تعالى وإلى أنبيائه، فعيسى ﵊ لم يقل أبدًا أنه ابن اللَّه، بل قال بأنه عبد اللَّه، وأقوال اليهود والنصارى في قتل المسيح ليست حجة على الوحي الصحيح، ولكن الذين في قلوبهم زيغ الشرك والجهل لا يعقلون.
ويقول أدونيس: (وإذا كان الرازي قد أبطل الأساس وهو النبوة، فقد كان طبيعيًا أن يبطل الأديان. . .) (^١).
وهذا أمر معلوم، فإنه ما من أحد يجحد النبوات أو يشكك في الوحي إلّا وهو يهدف إلى إبطال الدين والمنزل من عند اللَّه، تمهيدًا للدين المختلق من عقول الكافرين، فإنه لابد أن يدين الإنسان لشيء مّا، ولابد أن يعتقد عقيدة مّا، وهؤلاء بسعيهم إلى إبطال الدين الحق، ينطوون -عمليًا- على تثبيت عقائد الإلحاد التي يؤمنون بها، ودعوة الناس إلى اتباعها، وهذا من البديهيات التي يشهد لها واقع الملاحدة والكفار والمشركين قديمًا وحديثًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾ (^٢).
وفي تتبع أدونيس لخطوات الرازي يقول: (وينتقل الرازي من إبطال النبوة والأديان إلى نقد الكتب المقدسة، وإبطالها، ويرتكز نقده، هنا، في المقام الأول، على تشبيه اللَّه وتجسيمه، وعلى ما في هذه الكتب من التضارب، وكان للقرآن بشكل خاص النصيب الأوفى والأشمل من النقد الذي وجهه الرازي إلى هذه الكتب، وهو ينقد القرآن، من الناحيتين: ناحية المعنى، وناحية الشكل، يقول: "قد واللَّه تعجبنا من قولكم القرآن هو معجز وهو مملوء من التناقض، وهو أساطير الأولين وهي خرافات"، ويقول: "إنكم تدعون أن المعجزة قائمة موجودة، وهي القرآن، وتقولون: من أنكر
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٨٣.
(٢) الآية ١٢ من سورة العنكبوت.
[ ٢ / ١١٤٤ ]
ذلك فليأت بمثله. . . إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء، وما هو أطلق منه ألفاظًا وأشد اختصارًا في المعاني، وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعًا، فإن لم ترضوا بذلك، فإنا نطالبكم بالمثل الذي تطالبوننا به"، وهذا النقد يتناول القرآن من حيث ألفاظه وتراكيبه وفصاحته وموسيقاه اللفظية، ويرى أن هناك نتاجًا أعلى، في هذا كله، من القرآن ويتناوله من حيث معناه، فيرى أنه أسطوري خرافي "من غير أن تكون فيه فائدة أو بينة على شيء". . .، وعلى هذا ينكر الرازي أن يكون القرآن معجزة أو حجة، أو أن تكون الكتب الدينية الأخرى معجزة أو حجة، ويرى أن الإعجاز والحجية يتمثلان في الكتب العلمية والفلسفية، يقول: "لو وجب أن يكون كتاب حجة، لكانت كتب أصول الهندسة والمجسطي الذي يؤدي إلى معرفة حركات الأفلاك والكواكب، ونحو كتب المنطق وكتب الطب الذي فيه علوم مصلحة الأبدان، أولى بالحجة، مما لا يفيد نفعًا ولا ضرًا ولا يكشف مستورًا"، وهكذا يرى الرازي أن الفعل هو وحده مصدر المعرفة وأصلها وأن النبوة باطلة، وهو لذلك يرى أن العقل هو الذي يهدي الإنسان، وأن النبوة هي التي تضله، ولقد كان من الخير والحكمة ألا يكون هناك أنبياء ولا أديان، إذ "لولا ما انعقد بين الناس من أسباب الديانات لسقطت المجاذبات والمحاربات والبلايا") (^١).
وهكذا يسلك أدونيس نفسه في هذا المسلك الإلحادي ولكن تحت ستار الرازي الملحد، وبذلك يؤسس للحداثة العربية والعلمانية العربية الأساس الاعتقادي الذي تنطلق منه، والأصل الفكري الذي تنبثق عنه، وهذا ما حصل فعلًا على مستويات عديدة عند الحداثيين، حتى الذين لا يتبعون مدرسة أدونيس، فإن كثرة إدمانهم قراءة كتب الملاحدة القدماء والمحدثين، وشدة تعمقهم في الاطلاع على نتاجهم أوصلهم إلى دركات الإلحاد والجحد، وأمثلهم طريقة هو من لم يجرؤ على المجاهرة بالجحد الصريح،
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٨٤ - ٨٥.
[ ٢ / ١١٤٥ ]
ولكنه ينطوي على شكوك كثيرة، ورِيَب عديدة، تجعله ينظر إلى الدين والوحي والنبوات وكل ما يترتب عليهًا نظرة الشك، ويكون بذلك من "اللاأدرية"، وهذا في حد ذاته كفر وضلال.
وفي ختام بحثه عن "تأصيل الأصول" يمتدح أدونيس منهج الرازي وهو في الحقيقة "منهش" بالشين المعجمة وليس منهجًا؛ لأن الإلحاد والكفر وإن تزيا بأزياء التفلسف والتعالم وغيرها، يبقى في حقيقة أمره تخلفًا وعتها فكريًا، وارتدادًا إلى حياة العجموات بل إلى ما هو أقل من ذلك، وما من ملحد أو مشرك أو شاك إلّا وهو حليف الباطل ومستلزماته من الكذب والكبر وغيرها، ويشهد لذلك ما في جدلياتهم من تشغيب وتكذيب وادعا وسفسطة وجهل وتناقض ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (^١).
قال أدونيس: (لقد نقد الرازي النبوة والوحي وأبطلهما، وكان في ذلك متقدمًا جدًا على نقد النصوص الدينية في أوروبا القرن السابع عشر، إن موقفه العقلي نفي للتدين الإيماني، ودعوة إلى إلحاد يقيم الطبيعة والمحسوس مقام الغيب، ويرى في تأملهما ودراستها الشروط الأولى للمعرفة، وحلول الطبيعة محل الوحي جعل العالم مفتوحًا أمام العقل: فإذا كان للوحي بداية ونهاية فليس للطبيعة بداية ولا نهاية، إنها إذن خارج الماضي والحاضر: إنها المستقبل أبدًا) (^٢).
أمّا أن الرازي نقد النبوة والوحي فليس بأولٍ في هذا فقد سبقه فرعون وقوم نوح وقوم صالح وكفار قريش وغيرهم، وهو في الحقيقة ليس نقدًا بل هو تهويش معهود من ملل الكفر وطواغيته، أمّا إبطال الوحي والنبوة فليس ذلك في مستطاعه ولو كان ظهيره كل أهل الأرض، ذلك أن حقائق النبوة والوحي في أصل ثبوتها، وفي دلائل صدقها في ذاتها وفي مقتضياتها وفي أخبارها الغيبية وموافقتها العلمية للتجارب البشرية الثابتة، يدل غاية الدلالة
_________________
(١) الآية ٥٦ من سورة الكهف.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢١٤.
[ ٢ / ١١٤٦ ]
على أن براهين الحق وأدلته الحقيقة تفرض نفسها ولو كره الكافرون.
غير أنه يُمكن لنا هنا أن نلمس جانبًا من التفكير الحداثي والعلماني في سياق مواجهتهم وحربهم لدين الإسلام، فما أن يجدوا زنديقًا يقذف بشتائمه ودعاواه الباطلة إلّا اتحدوا معه وفرحوا به وأشادوا به، ورفعوا من شأنه، واستعاروا مواقفه وأقواله، في خضم عماوة غبية وجهالة ضلالية، وخذ مثالًا على ذلك أقوال أدونيس السابقة في مدح نظيره الرازي الملحد، وجعل عقيدته في الطبيعة هي المستقبل أبدًا، وما أصدق الوصف القرآني فيهم ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ (^١).
والمقصود أن أدونيس بتقريره وشرحه لكلام الرازي الملحد وثنائه عليه، يعطي صورة عن مذهبه الإلحادي القائم على جحد النبوات والوحي، وهو أستاذ من أكبر أساتذة الحداثة في العالم العربي، فما ظنك بتلامذته والمحاكين له والمعجبين به؟.
لقد أسس أدونيس لأتباعه أسسًا اعتقادية من خلال الدعوة إلى الحداثة والإبداع، وأنشأ جيلًا من المثقفين والأدباء لا توقير عندهم للَّه تعالى، ولا منزلة للدين لديهم، فهم بين جاحد ومرتاب.
ولنأخذ شيئًا من تلقيناته التي يبثها فيهم ضد نصوص الوحي، وما يترتب على ذلك من لوازم ومقتضيات في الواقع، يقول:
(في الشرق حروب مسعرة تحت راية نص ديني أصيل، والإنسان العربي يقاتل دفاعًا عن مبادئ لا يؤمن بها، فهو جندي في خدمة الأوهام، يستميت لتوطيد قيوده.
وهذه الدعوات للتقيد بحرفية النصوص قد تعنف، وتتعاظم خاصة أن الشعوب عامة تزداد تقبلًا للطروحات العقائدية والتصورات الخرافية أو ما شابه.
_________________
(١) الآيتان ٥٣، ٥٤ من سورة المؤمنون.
[ ٢ / ١١٤٧ ]
أوليست هذه النصوص أسسًا ودعائمًا لدولة إسرائيل؟
وللنصوص العربية دور مماثل.
ما النص الأصيل؟:
حسب التفسير الشائع -في الدين اليهودي والمسيحي والإسلامي- النص عالم تزول من الإرادة الإنسانية أمام إرادة اللَّه، فأي معنى يبقى لعالم فقد إنسانه واحتفظ باللَّه والنص؟ إذ أن جوهر الإنسان في غده وليس في ماضيه.
فجذوره مهيار في خطواته، والإنسان لم يجد هويته يوم صاغ لغته فحسب (^١)، وإنّما وجد أصله، فمهيار نقيض كل نظام قائم على نصوص أصيلة، اتخذ الحرية مقرًا، والديمقراطية الاشتراكية عقيدة لا يقبل بأصل غير الإنسان) (^٢).
يصح أن نطلق على هذا النص أنه من ملخصات "الإبداع الحداثي" الذي يضج القوم بالدعوة إليه إلى حد التقديس، فلا إبداع مع نصوص الوحي، مع الإسلام خاصة؛ لأن الكلام هنا موجه إلى العرب المسلمين، وهم ميدان المعركة التي يخوضها المستغربون ضد العقيدة والدين.
أي أن الإبداع لا يُمكن أن يلتقي مع "النص الأصيل" وهذه حقيقة من حيث واقع الحداثيين، أمّا من حيث التصور والإمكان فهذا مجرد وهم وادعاء، ووسيلة لجذب الأغرار إلى حمأة الإلحاد والكفر من خلال التغرير بهم والمخادعة لهم، بمثل هذه الكلمات الجوفاء و"لا إبداع مع النص" "النص ضد الإبداع" فتنشأ في نفوسهم البغضاء للنصوص الشرعية وما ينبثق منها، ثم تنشق "إبداعاتهم" عن ثمرات مرة نتنة من الشكوك والريب والإعراض والرد والاستكبار على دين اللَّه ومنهجه.
_________________
(١) انظر: مثل هذا القول في الكتابة خارج الأقواس لسعيد السريحي: ص ٢٠، ٢٣، ٢٤.
(٢) رأيهم في الإسلام: ص ٣٤ - ٣٥.
[ ٢ / ١١٤٨ ]
وإذا كان أدونيس يعلم أن دولة اليهود قامت على نصوص التوراة المحرفة والتلمود الماكر، فلم يستكبر ويعرض بجانبه ويثني عطفه إذا نادى مسلم بإقامة المجتمع والدولة على أساس الإسلام؟.
بل إن أدونيس وهو يحارب النص باعتباره عالم تزول فيه الإرادة الإنسانية -حسب قوله- يمارس ذلك أبشع ممارسة حين يستعيد النص النصيري الباطني، ويسعى في إحيائه وترسيخه وبثه (^١)، بل إنه يستعير النص الغربي بطريقة انتحالية فجة، ويستنسخ أقوال الغربيين ونصوصهم ويترجمها إلى اللغة العربية، ناسبًا النص المستنسخ إلى نفسه.
وقد تراكمت انتحالاته للنصوص الغربية وغيرها إلى حد جعل بعض الحداثيين يؤلف في ذلك كتابًا بعنوان "أدونيس منتحلًا" أثبت فيه المؤلف بالوثائق والشواهد انتحالات أدونيس "عميد الحداثة العربية"، وقال عنه: (ثمة نادرة بصدد أدونيس شائعة لدى المهتمين بالشعر العربي مفادها أن الرجل طالما "يعيد طبخ" ما لغيره، تلخص هذه الصيغة بالطبع ما يقعون عليه في شعره هنا وهناك من أصداء لأعمال الآخرين، يعيد هو "معالجتها" أو يذيبها في نسيج لغته، بحسب التحديد العلمي الذي سنعود إليه، تدخل هذه الأصداء في عداد السرقة، لكن هناك في أذهان الكثيرين منها أيضًا جملًا كاملة مأخوذة عن الآخرين بالحرف الواحد أي: منحولة هذه الجملة، التي يقدم لك كل واحد من متتبعي الشاعر عددًا منها، هي الخيط الموصل إلى انتحالات أدونيس الكبرى) (^٢).
ومن ضمن الشواهد التي ساقها المؤلف لإثبات سرقات أدونيس مقال له عن الوحي نشره في مجلة مواقف العدد ٤٣ خريف ١٩٨١ م/ ١٤٠١ هـ يذكر فيه أن الوحي مجرد وهم، ولكنه وهم يفعل في نفوس المؤمنين به
_________________
(١) انظر: الفصل الرابع من الباب الأول من هذا البحث ففيه دلائل عديدة على ذلك.
(٢) أدونيس منتحلًا: ص ٢٧.
[ ٢ / ١١٤٩ ]
وعقولهم كأنه الحقيقة الوحيدة الأولى والأخيرة، وذكر المؤلف أنه سرق ذلك عن محمد أركون (^١).
أمّا في نتاجه المسمى شعرًا فقد نال من الوحي وتهكم به في هجائية حداثية ورمزية إحداثية، تحتوي على معاني عديدة من الانحراف الذي تشبعت نفسه به.
ومن ذلك قوله قاصدًا الوحي، وكلمات النصوص الشرعية:
(كلمات بلا قمر تعبر نحونا، غيمة عابسة تحمل ثلج البلاد
ابتعد أيها المجوسي الضيف قبل الأوان تدخل تخومنا
وجهنا أمير على الفراغ وتاريخنا زبد
ابتعد ابتعد
الوحل يطرح شباكه علينا
الوحل بلغنا بنسيجه) (^٢).
ويشير إلى القرآن باسم صوت اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس- ناسبًا إليه الفساد والتخلف والجمود، يقول:
(أغير الحياة: شكل سيرها
وآدميًا موثقًا يخبزه
يغض بالهواء - يبقى اللَّه في حلقومه معلقًا؛
ولا يزال صوته
يجتاحني، وفمه حجارة:
خطاي لا أريدها) (^٣).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٣٠ - ٣١.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٣١.
(٣) المصدر السابق ١/ ٢٤٣.
[ ٢ / ١١٥٠ ]
ويعبر عن ماديته وإلحاده ومضادته للوحي في قوله:
(أطلق سراح الأرض، وأسجن السماء. . .) (^١).
ويسوق ألفاظ الهجاء الحداثي العلماني المعتادة ضد الدين والوحي وما ينبثق منها، فيصفها بالسلاسل والمسامير والقضبان، وهي رموز للتخلف والإرهاب الفكري، ثم يسخر بالمصطلحات الإسلامية الاعتقادية كالتقديس للوحي والتصديق به، والتسليم له، والإمساك عن ما أمسك عنه، وترك البدع والمحدثات، يقول:
(ثمة سلاسل، مسامير، قضبان
بشر بأقدام أربع تصهل وعلى اللجام أحلام وعطور
التقديس التصديق والعجز
السكوت، الإمساك الكف التسليم التسليم
ثمة أصوات تتعالى
البدعة البدعة! المحدث المحدث!
نبطل سنة قديمة
نرد للإنسان اسمه، ونبدأ
اقرع أيها الزمن اقرع) (^٢).
وهذه ألفاظ لا تحمل معنى ألفاظ الهجاء الجاهلي القديم الذي كان يوجهه كفار العرب الأوائل ضد النبي -ﷺ- وضد القرآن وقصارى أمر هذه الكلمات الألفاظ أنها كلمات شائهة هرمة لا وزن لها في ميدان النظر والحجاج.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٠٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧. وانظر نحو ذلك في كلام لجابر عصفور في كتاب الإسلام والحداثة: ص ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٢ / ١١٥١ ]
ويحلم أدونيس بالطائر المخلبي والرمح، وهي رموز ثناء لفكرته الإلحادية "الحُلُم" التي يرى أنها سوف تغطي على القرآن "الحروف المقدسة" ولكنها أوهام وأمنيات أولياء العنكبوت، وأكوام الرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون مما كسبوا أو تمنوا على شيء؛ لأن اللَّه حافظ كتابه ودينه ولو كره الكافرون، يقول أدونيس:
(الحلم طائر مليء المخالب يعشعش في سقف الأيام.
رمح يخرق الفارس والدرع
يجلس فوق الغنيمة ويشرب النجيع كالخمر
نجيع اللؤلؤ والكتاتيب
الحروف المقدسة وأسرار الموائد والكراسي) (^١).
وغير ممكن تتبع كل أقواله التي من هذا النوع، ويُمكن القول إجمالًا بأنه يصف القرآن بالغبار ويجعله رمزًا للتخلف (^٢)، ويقول عنه بأنه الورق الميت في كتاب قديم (^٣)، وأنه كلام السماء وشجر النوم (^٤)، ويدعى زوال الوحي ويقول بأن الوحي مات (^٥)، ويسعى في خطة حداثية معروفة لما يسميه "محو نص الرمل" (^٦) أي: محو القرآن وإبعاده؛ لأنه مادي ابن الأرض، والأرض حضورها غياب للسماء للوحي (^٧).
أمّا السخرية والتدنيس للوحي وأسماء الكتب المنزلة فكثير في كلامه (^٨)،
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٤٩.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٢٢.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٦٨.
(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٨٥.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٢٧.
(٦) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٢٧.
(٧) انظر: المصدر السابق ٢/ ٦١٦.
(٨) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٧٤.
[ ٢ / ١١٥٢ ]
فمرة يجعل جسد الحبيبة إنجيل من الحبر (^١)، ومرة يقول: (خريطتي أرض بلا خالق والرفض إنجيلي) (^٢)، وحينًا يجعل حداثته دينًا ويقول: (أبدع إنجيلي) (^٣)، وحينًا آخر يقول: (إنجيل الفضاء) (^٤)، ويقول: (سكنت إنجيل الرضاعة) (^٥).
أمّا سخرياته واستخفافه بالقرآن العظيم فكثيرة منها استشهاده بقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (^٦) في بداية مقطوعة جنسية فاضحة بعنوان "تحولات العاشق" (^٧) حيث يوظف هذه الآية الكريمة توظيفًا جنسيًا في استهانة واضحة مقصودة، ومن ذلك وصفه للحداثة بأنها فضاء يؤرخ وشهب تؤسس الفضاء ثم يورد آيات من القرآن جاعلًا الحداثة هي الكتاب من غير ريب، فيقول:
(السلام للفضاء الذي يؤرخ لنا
السلام للشهب التي تؤسس الفضاء
ألف لام ميم
ذلك الكتاب
لا ريب لا ريب) (^٨).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٣٧.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٣٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٠٨.
(٤) المصدر السابق ١/ ٥٩٣.
(٥) المصدر السابق ٢/ ١٨٨.
(٦) الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
(٧) ١/ ٥٠٥ وانظر: كلامه عن هذه الآية الكريمة في الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٩٧.
(٨) المصدر السابق ٢/ ٤٢١. وفعل مثله في هذا أحد أطفال الحداثة المحلية، واسمه محمد المساعد حيث كتب ما يسميه شعرًا وبدأه بألف لام ميم ثم ذكر قرون الهجرة وجعلها ظلامًا.
[ ٢ / ١١٥٣ ]
ويدنس اسم الآية والكتاب الكريم حين يستخدمها في ثنائه على توجهه وعقيدته في قوله:
(جامح احتضن الأرض كأنثى
وأنام، موقظًا حبي فيها
لهبًا يفتح، يستنزل فيها
آية
اني كتاب
ودمي حبر
وأعضائي كلام) (^١).
أما إنه آية زيغ وضلال وكتاب غواية وانحراف.
ويستخدم مطالع بعض سور القرآن المجيد في شعره في تقصد للتدنيس والاستخفاف فيقول:
(حم، آلم
حيث أفرغ قلبي من أخبار الغير
أمحو الحدود. . .
وتكون أشيائي مرموزة
ولست أنا من ينطق بها
بل
حم، آلم
ولست أنا من يكتب) (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٧١٤. وانظر: التعليق على الهامش رقم (٨) في الصفحة السابقة.
[ ٢ / ١١٥٤ ]
وقد يظن بعض الأغرار بأن ذلك اعتراف من أدونيس بالقرآن، غير عالم بأن الحداثيين وعميدهم أدونيس يرون أن القرآن مجرد تراث فلكلوري (^١) يُمكن استخدام رموزه في سياق حداثي تدنيس.
بل لقد صرح أدونيس بأن القرآن شعر لا كالشعر (^٢)، وإنه جاء توكيدًا لحاجة عضوية نشأت في وسط اجتماعي أمي، ولذلك كان فنًا قوليًا وخطابيًا، وأن خطابية القرآن للتعليم والتحريض والتأثير وإذكاء الحماسة، وهذه صفات الخطابة وليست صفات العقل والفلسفة، ولذلك أوجد القرآن كما يفهم من كلامه عقليات متخلفة وجماهير استمالها هذا النص الخطابي (^٣)، وبذلك يرى أن القرآن العظيم قد أثر سلبًا في الذوق الأدبي العربي (^٤).
ولا غرو أن يكون هذا موقفه وقد مضى معنا كيف أثنى على الرازي الملحد جحده للنبوة وسخريته بالكتب المنزلة وخاصة القرآن، وسعيه لإبطال القرآن العظيم والتهكم بمعجزاته، وجعله كتب الفلسفة والحساب والطب هي الحجة (^٥).
وأثنى أيضًا على الزنديق ابن الراوندي في اعتراضه ورده لإعجاز القرآن، وقوله بأن المعنى في القرآن متناقض، وتهكمه بالكتاب العظيم (^٦).
وامتدح عبد اللَّه بن المقفع قائلًا: (كان ابن المقفع من أوائل الذين وقفوا من الدين موقفًا عقليًا، فانتقد الدين بعامة وخص الإسلام، فانتقد
_________________
(١) انظر: قول شوقي عبد الحكيم، الذي جعل القرآن مصدرًا من المصادر الفلكلورية في كتابه موسوعة الفلكلور والأساطير الشعبية: ص ٣٤. وأكثر الحداثيين يعدون القرآن من التراث أسوة بالشعر والحكاية الشعبية والمؤلفات الأدبية وغيرها.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٠٢.
(٤) انظر: رأيهم في الإسلام: ص ٣٥.
(٥) انظر: الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٨٤ - ٨٥.
(٦) انظر: المصدر السابق ٢/ ٧٦.
[ ٢ / ١١٥٥ ]
القرآن، وما فيه من عقائد، وتصوره للَّه والرسول. . .) (^١).
كل ذلك في سياق جحده وإنكاره ومحاولاته الإلحادية في إبطال الدين الإسلام والتشكيك في أصوله، وقد استنسخ أتباعه ومحبوه هذه المضامين الاعتقادية الضالة وساروا على منواله فيها.
وقد مرّ معنا كيف استخدم بعض السور والآيات في كلامه على سبيل الاستخفاف والتدنيس، وكيف استعمل اسم الآية والسورة ومطالع بعض السور استعمالًا حداثيًا يستهدف الحط من شأن القرآن، والتقليل من مكانته وقداسته، وليس هذا خاصًا بأدونيس، بل وغيره من أصحاب الملة الحداثية سلكوا هذا المسلك وخاصة في جعل الشعر قرآنًا، وجعل القرآن العظيم شعرًا من خلال تسمية القصائد سورًا والأبيات الشعرية آيات، ومن خلال وصف القرآن بأنه شعر.
وهذا دليل على أن الكفر وإن تغيرت أزمانه فإن أصحابه يحاكون بعضهم ويرددون أقوال بعض، ففي هذا اللون من الانحراف نجد أن الكفار الأوائل قالوا عن القرآن بأنه شعر ووصفوا النبي -ﷺ- بأنه شاعر، مع وجود الفرق الكبير الهائل بين نسق القرآن العظيم، ونظم الشعر، فضلًا عن الفرق العظيم بين المعاني والمضامين القرآنية، وما في الشعر من ضعف وحشو وهزال، ولا جرم أن يكون الفرق بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، إذ الفرق بين كلام اللَّه وكلام البشر كالفرق بين اللَّه -جلَّ وعلا- والبشر.
ومن أقوال الكفار الأوائل في وصف القرآن وناقله ﵊ ما حكاه اللَّه عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ (^٢).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ٢/ ٧٣.
(٢) الآية ٥ من سورة الأنبياء.
[ ٢ / ١١٥٦ ]
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (^١).
ولذلك رد اللَّه عليهم هذه الدعاوى المتخبطة والمجادلة الباطلة، فقال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (^٢)، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ (^٣)
وأقوال الحداثيين والعلمانيين المعاصرين في إضافة الشعر إلى القرآن، ووصف القرآن بالشعر هي من جنس أقوال أسلافهم الذين ذكرهم اللَّه في القرآن العظيم، وقد مر معنا قول أدونيس القرآن شعر لا كالشعر (^٤)، وقد كان جبران خليل جبران يسمي قصائده سورًا، وسمى إحدى قصائده "سورة القدر" وذلك ضمن طموحه العظيم -كما يقول باروت- أن يكون نبيًا (^٥).
وفي إحدى وثائق الكتاب الدوري قضايا وشهادات جاءوا لأحد أسلافهم بقول فيه: (الشعر يا قوم يا ذوي العيون رسالة ووحي لا شعوذة ولا تدجيل، ومعاذ الرسالة والوحي أن يهبطا إلّا على طهر القلوب. . . جعلت هذه النفحات مقطوعات دعوت كلًا منها "سورة" أو "أغنية") (^٦).
ونشرت مجلة مواقف مقطوعة لشاعر حداثي بعنوان "آية الرجم" وتقول المجلة أنه عنوان لمجموعة شعرية جديدة تتكون من خمس "سور"، واكتفت
_________________
(١) الآيتان ٣٥ - ٣٦ من سورة الصافات.
(٢) الآية ٤١ من سورة الحاقة.
(٣) الآية ٦٩ من سورة يس.
(٤) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٣.
(٥) انظر: الحداثة الأولى: ص ٢٣٨.
(٦) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ١٦٠، والكلام لخير الدين الأسدي وتاريخه ١٣/ ١١/ ١٣٦٩ هـ ٨/ ٢٧/ ١٩٥٠ م.
[ ٢ / ١١٥٧ ]
المجلة بنشر "سورتين" من هذه المجموعة التي يلتزم فيها الشاعر بحرف الجيم في كل سطر (^١).
وفي قضايا وشهادات ما نصه: (إن رواية حدث أبو هريرة (^٢) إن صح التعبير آيات انحلت وانفرطت فأعيد تجميعها وصفها بنسق مغاير، فاحتفظت بخيوط الأصل وإن حاكت منها ثوبًا فنيًا جديدًا. . .، ويخلق المسعدي (^٣) الجو القرآني برجوعه إلى أماكن وأسماء ترتبط ذهنيًا بالنبوة والدعوة الإسلامية، فهو يكثر من ذكر آدم وحواء ومكة ويشير إلى أهل الكهف وأبي رغال والكعبة والحجر الأسود وغار حراء، وبالإضافة إلى ذلك فإن المفردات التي تتواتر في نصه قرآنية. . .، وتتراوح فصول الرواية في الطول والقصر كما تتراوح السور في القرآن. . .، وترسيخًا لكل ما سبق من استدعاءات قرآنية فقد استهل المسعدي روايته بما أطلق عليه "الفاتحة" وهي تسبق الفصل الأول، ولكن عوضًا عن أن تكون صلاة لرب العالمين فهي بيت شعر) (^٤).
وعن هذه الرواية قال مؤلفا رأيهم في الإسلام في سياق ترجمتهم لمؤلف الرواية: (فعمله الأساسي "هكذا تكلم أبو هريرة" يتبع الشكل القرآني والشرعي كما الحديث الشريف، ومن المصادفات أن يكون بطل المسعودي مشكوكًا في وجوده التاريخي الذي ينفيه دارسو الإسلام) (^٥).
_________________
(١) انظر: مجلة مواقف - العدد ٥٩/ ٦٠ صيف خريف وخريف ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ الصفحات: ١٥٤ - ١٦٧، والمقطوعات المشار إليها لحسن طلب.
(٢) رواية حدث أبو هريرة محمود المسعدي من تونس، وتقع في ٢٣٢ صفحة، نشر دار الجنوب للنشر - تونس، الطبعة الثالثة ١٩٨٩ م.
(٣) محمود المسعدي، حداثي تونسي مسؤول كبير في الدولة أيام بورقيبة، تقرب منه فأولاه مناصب رسمية فكان وزيرًا للعدل، ثم رئيسًا لمجلس الأمة ووزيرًا للثقافة، تشاؤمي النزعة، مع إخلاص دائم وثناء لبورقيبة وأفكاره، اشتهر بروايته حدث أبو هريرة، ولد سنة ١٣٢٩ هـ وهو من خريجي جامعة السوربون. انظر: رأيهم في الإسلام: ص ١٥٣ - ١٥٤، وغلاف روايته حدث أبو هريرة.
(٤) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٤٠.
(٥) رأيهم في الإسلام: ص ١٥٣. وسمياه المسعودي والصواب المسعدي.
[ ٢ / ١١٥٨ ]
وهذا افتراء على الإسلام من جملة افتراءات عديدة حشي به الكتاب، الذي ألف من أجل إعلاء شأن المعادين للإسلام واتخاذهم أدوات لهدمه، وإلّا فمن قال من دارسي الإسلام بأن شخصية الصحابي الجليل أبي هريرة الدوسي ليست حقيقية؟.
وقد يظن بأن محمود المسعدي حين قالوا عنه بأنه أخذ من القرآن واهتم بالقرآن أنه لعلم منه بالقرآن أو تقديس منه وتوقير للقرآن، كلا، إن المسألة لا تعدو أن تكون استعمالًا أدبيًا بحتًا للقرآن والحديث على اعتبار أنهما من التراث!!.
ولكي نعرف مدى علم المسعدي بالقرآن وبالشرع الإسلامي وضوابطه وأحكامه نقرأ له هذا النص: (فعلى الإنسان أن يعي حالته ووضعه إذا شاء التبصر بالمجتمع والثقافة، فتذكيرًا بآية قرآنية تقول ما معناه: العالم -المجتمع- لا يتبدل طالما الإنسان لا يتغير، والمقصود تغيير نظرة الإنسان للكون، وفي ذلك انطلاقة تجديد) (^١).
ومن المعلوم أن هذا القول منه في رواية القرآن بالمعنى يعرف تحريمها صغار الطلاب من أبناء المسلمين.
وهذا التحريف والاستهانة بالقرآن يذكر بنص آخر لمحمد أركون يقول فيه: (العدو الرئيسي هو عجز المجتمعات الإسلامية عن السيطرة على التحرك الأعمى، داخليًا كان أم خارجيًا الذي يتحكم بمجرى تاريخنا، وهذا ترجمة حالية للآية القرآنية القائلة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾) (^٢).
ويذكر بنص آخر استشهد فيه أحد الحداثيين -كما يزعم- بآية قال فيها: "كل من على الأرض فان ولا يبقى إلّا وجه ربك ذي الجلال والإكرام"
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٥٦.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥٢.
[ ٢ / ١١٥٩ ]
البشرية باقية والإنسان زائل حتى ولو ضحى أحيانًا بشيء من حياته الخاصة) (^١).
ومن المعلوم أن الاستهانة بحقوق الألفاظ والنقول والنصوص هو دأب المغالطين والمعاندين، فإن الآية الأولى التي يشيرون إليها هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (^٢)، والآية الثانية هي قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٣)، ويا للعجب من الحداثة العربية الفكرية والأدبية ما أشد عناية أصحابها بالنصوص، وما أعمق معرفتهم بها وما أقوى صلتهم بمصادرها!!.
وكيف لا يكون هذا هو حالهم وقد نزولوا سوق الحداثة القائم على الفوضى وضياع حقوق الألفاظ والنصوص والمعاني والدلالات.
أمّا نزار قباني فلا يجد لقصيدة النثر -التي لا يعترف بها كثير من الحداثيين لتهافتها وضعفها وتفكك مبناها- إلّا أن ينسبها إلى القرآن العظيم وإلى سور معينة منه، وإلى التوراة أيضًا، يقول: (احتمالات النثر لا نهائية، ومن هذه الاحتمالات قصيدة النثر التي نجد لها أصولًا في الكتب المقدسة، كما في سورة مريم وسورة الرحمن وفي قصار السور القرآنية، كذلك نجدها في نشيد الإنشاد وفي المزامير) (^٤).
وعلى ضخامة هذا الاستخفاف بالقرآن العظيم فإن القاريء لما يسمى "قصيدة النثر" في نتاج توفيق صايغ أو أنسي الحاج أو أدونيس، لا يُمكنه -إن كان صاحب ذوق وأدب- إلّا أن يتقزز من كلمات متراكمة وفواصل وعلامات ترقيم وفراغات تدل على فراغ عقول وقلوب أصحابها.
ويكفي المتأمل العاقل أن يعلم أن أول من اخترع قصيدة النثر هي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٩ - ١٢٠، وهذا القول للحداثي المصري جمال الغيطاني.
(٢) الآية ١١ من سورة الرعد.
(٣) الآيتان ٢٦، ٢٧ من سورة الرحمن.
(٤) قضايا الشعر الحديث: ص ٢٤٣.
[ ٢ / ١١٦٠ ]
مجلة شعر (^١) المعروفة بعمالتها، وأن إرهاصاتها كانت على يد دعاة الشعر المنثور من نصارى العرب (^٢)، وإن كان أصحاب التحلل الديني لا يعتبرون ذلك مسبة؛ لأنه قد تساوى عندهم العقائد والملل الحقة والضالة، بل لهذه الأخيرة المقام الأسمى عندهم!!.
وحتى يتضح مقدار الكذب الذي ألقاه نزار عن قصيدة النثر وإضافتها إلى القرآن العظيم -شرفه اللَّه- يُمكن لنا أن نقرأ كلام بعض رواد وكتاب ونقاد الأدب العربي المعاصر في موقفهم من الغثاء الذي يطلقون عليه اسم "قصيدة النثر".
يقول جهاد فاضل عن هذه العصابة: (إذا كتبوا نثرًا، ونثرًا رديئًا سموه شعرًا) (^٣).
ويقول: (وهبطت نعمة من السماء تدعى قصيدة النثر تلقفها أول من تلقفها من كان مرفوضًا في الماضي في امتحان الشروط الشكلية، ولكن بدل أن يقنع هذا بحظه في نادي الشعر أصيب بالخيلاء وبات يعتبر أن موسيقى الشعر تحول دون الشعر، وأن الشعر لا يتحقق إلّا بالنثر، وأكثر من ذلك اعتبر أن جذور قصيدة النثر موجودة في التراث العربي، وهي تمتد إلى العصر الجاهلي، فسجع الكهان في الجاهلية قصائد نثر، وآيات القرآن الكريم قصائد نثر، وكذلك خطب الإمام في نهج البلاغة وشطحات المتصوفة.
مثل هذا النظر لا يستقيم بالطبع مع الحقائق التاريخية والموضوعية معًا، فقصيدة النثر، إذا أريد معرفة جذورها، فهذه الجذور موجودة في التراث الشعري الأوروبي، لا في التراث الشعري أو الأدبي العربي، إنها موجودة في كتابات رامبو وبودلير ولوتريامون وسواهم، أمّا اللغة العربية فلم تعرف
_________________
(١) انظر: الحداثة الأولى: ص ٥٢.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٨٨ - ١٨٩ حيث أشار إلى دعوة جورجي زيدان إلى الشعر المنثور، ثم دعوة أمين الريحاني ثم بولس شحادة وغيرهم.
(٣) قضايا الشعر الحديث: ص ٥٢.
[ ٢ / ١١٦١ ]
في تاريخها مثل هذا النمط من التعبير) (^١).
(ورغم الحبر الكثير الذي أريق منذ ربع قرن حول علاقة قصيدة النثر بالشعر، فما زالت قصيدة النثر العربية قصيدة عربية غير شرعية وغير مقنعة، إنها صنو العجز ومرادف الخيبة، وما زال مكانها هو النثر لا الشعر) (^٢).
(لقد رفضنا قصيدة لا لنسبها الأجنبي (^٣) بل لأن تاريخها عندنا حافل بقلة الشعر وكثرة النثر الرديء، أنت تقول أنها "نبضة كامنة" نحن نقول إذا كان من كمون في هذه النبضة الهابطة فهو للعجز، وإذا كان من بروز فهو للشهوة الشعرية الخائبة!) (^٤).
(الأمر الذي ينير الانتباه أن أكثر الذين كتبوا قصيدة النثر أو دافعوا عنها لهم "موقف" من التراث العربي الإسلامي، إنهم هاربون من هذا التراث لا منطلقون منه، أن التراث في ضميرهم مشكلة لا عملية انتماء فخور) (^٥).
(إني لا أريد أن أقول أن الفكر القابع وراء التنظير لقصيدة النثر هو فكر أقلي، وهناك ألف دليل على ذلك) (^٦).
(لقد قرأت في الفترة الأخيرة كتبًا في نقد الشعر فوجدتها مصابة بعدوى "قصيدة النثر" فبدلًا من أن تكون لغة النقد لغة علمية باحثة محللة منقبة مقارنة كانت لغة الطبيعة في ليلة من ليالي كانون: غيوم داكنة سوداء مشحونة بما لا يعلم أحد حتى الناقد نفسه، وأفق ضبابي سديمي لا يرى فيه شيء وهكذا وقع الناقد فرية الإبهام والتعمية، اصطاده
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦١ - ٦٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٣.
(٣) من المقرر عند الحداثيين أن التبعية للغرب ليست مذمة بل هي محمدة عند أكثرهم.
(٤) المصدر السابق: ص ٦٥.
(٥) المصدر السابق: ص ٦٦.
(٦) المصدر السابق: ص ٦٧.
[ ٢ / ١١٦٢ ]
صاحب قصيدة النثر وقذف به في متاهاته، وتحول النقد إلى نوع من قصيدة النثر نفسها) (^١).
(في خلال السنوات العشرين الماضية جرت أعظم عملية استيطان في الثقافة العربية أريد بموجبها زرع قصيدة النثر في الشعر العربي واعتبارها شكلًا شعريًا شرعيًا) (^٢).
وليس هذا موقف جهاد فاضل وحده، بل حتى خليل حاوي يهاجم هذه الفوضى المسماة "قصيدة النثر" فيقول عنها: (إنها ظاهرة مرض يسعى إلى إخفاء حقيقته ببهرج الصورة وزخرفها الزائف، ومما يلاحظ في شعر هؤلاء إن الانجذاب إلى صور ملتقطة من النتاج السوريالي تفرض عليهم طبيعة المضمون في شعرهم، لهذا يتكشف للمتبصر في صورهم أنها لا تعبر عن شحنة من تجربة شعورية مكثفة، وأفكار مكتنزة تذوب في وهج الشعور، بل عن تجارب مجتلبة تنطوي على فراغ في فراغ) (^٣).
والرد على نزار قباني من كلامه أقوى وأشد، فقد تناول الشعر الحديث بأوصاف تنطبق أول ما تنطبق على ما يسمى "قصيدة النثر" وإن كانت تعم كل الشعر الحديث، يقول قباني: (الشعر العربي واقع في أزمة ثقة مع الناس، فقد رمى نفسه من الطابق التاسع والتسعين للقصيدة القديمة، ولا يزال عالقًا بين السماء السابعة والأرض، أفلت رجليه عن حافة الشرفة العتيقة، ولم يجد أي شرفة بديلة يتعلق بها، كل هذا يجري والناس الذين تحت يضحكون يصفرون ويطلقون النكات على هذا المجنون الهابط عليهم من كوكب لا يعرفونه والذي يتكلم بلسان لا يعرفونه. . .
نطلب من الشاعر الحديث أن يكون طبيعيًا؛ لأن النتاج الشعري الذي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٩.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٨١. وانظر: نقد بدوي الجبل لقصيدة النثر في المصدر نفسه: ص ٣٩٦، ونقد جوزيف نجم لها أيضًا ولعموم الحداثة في المصدر نفسه: ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
[ ٢ / ١١٦٣ ]
نقرأه (^١) اليوم هو ضد الطبيعة وضد نفسه وضد النظام الشعري) (^٢).
ويتحدث سامي مهدي (^٣) في كتابه أفق الحداثة عن الصراع بين عصابة شعر وأضدادهم من الحداثيين حول الشعر الحر وقصيدة النثر، ثم يقول: (لكل ما تقدم انجلى الصراع عن النتائج التالية:
١ - لم يجد الشعر الحر مريدين له أو مروجين، ولعله لم يستهو أحدًا من الشباب سوى "رياض نجيب الريس (^٤) " الذي أصدر مجموعة يقتفي فيها أثر توفيق صايغ. . .
٢ - وجدت قصيدة النثر أرضًا خصبة لها في صفوف قطاع من الناشئين في لبنان، هم أولئك الذين تعلموا اللغة الفرنسية، ووجدوا في أطروحات مجلة شعر ما يبرر لهم الانقطاع النفسي عن التراث العربي، والانصراف عن دراسته والبحث فيه، وما يزهدهم في علم العروض ويشجعهم على إهماله كاملًا، ونبذ الوزن والاستخفاف بقيمته، واعتبار كل ذلك أمورًا لا غنى فيها ولا أهمية لها.
٣ - أمّا في باقي أقطار الوطن العربي لم تجد قصيدة النثر إلّا عددًا ضئيلًا من المريدين. . .) (^٥).
(وهكذا استنفذت قصيدة النثر نفسها بعد سنتين أو ثلاث من استيرادها، وانتهى الشعراء الذين اتخذوها شكلًا وحيدًا للتعبير الشعري إلى
_________________
(١) هكذا، والصواب: (نقرؤه).
(٢) المصدر السابق: ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٣) سامي مهدي ناقد عراقي حداثي، له كتاب أفق الحداثة وحداثة النمط، فضح فيه حداثة مجلة شعر، ولكن من وجهة نظر قومية وحداثية أخرى.
(٤) رياض نجيب الريس حداثي شامي، من أتباع يوسف الخال، وحركة شعر، أنشأ مجلة الناقد في لندن ودارًا سماها رياض الريس للكتاب والنشر، وراح يجمع من خلالهما فلول مجلة شعر، ويستكتب الملاحدة والحاقدين على الإسلام، وخصص جائزة بعنوان جائزة يوسف الخال للشعر.
(٥) أفق الحداثة وحداثة النمط: ص ٣١ - ٣٢.
[ ٢ / ١١٦٤ ]
طريق مسدودة وخير مثال على ذلك أنسي الحاج، فإذا كان الرجل قد كابر واستمر ونشر ثلاث مجموعات بعد إيقاف مجلة شعر، فإن هذه المجموعات لتشهد على سقوطه السريع في "النمط" و"التكرار". . .، وهكذا أثبتت التجربة أن قصيدة النثر هي شكل من أشكال التعبير النثري التي تتشبه بالشعر للاستفادة من بعض خصائصه، وليس فيه ما يبرره سوى ذلك) (^١).
وقد ذكر مؤلف "أسئلة الشعر" مدى الحيرة والاضطراب عند الحداثيين في تفسير مصطلح حداثة، ثم تجربة مجلة شعر واصطدامها بالجدران إثر عبثها باللغة والشعر من خلال طروحاتها، ثم يأتي بنموذج من شعر الانحطاط العربي الحديث، من كلام أنسي الحاج، مقطوعة بعنوان "حديث مع أبي التهوف" تثبت مقدار الانحطاط الحداثي (^٢).
وفي الحقيقة أن ما ينطبق على قصيدة النثر ينطبق أيضًا على أنماط أخرى من الحداثة، ويصح إطلاقه على مشاريع حداثية عديدة، ولكن المكابرات الحداثية ما تزال تضرب بأطنابها على قلوب الحداثيين.
وبعد هذه النصوص العديدة التي تبين مدى تفاهة "قصيدة النثر" وهي شهادات من داخل الاتجاه الحداثي، يُمكن لنا أن نتبين إلى حد بلغ الكذب الفكري والادعاء الحداثي والتدنيس الاعتقادي عند نزار قباني حين يجعل قصيدة النثر تعود في أصولها إلى القرآن.
وليست هذه الوحيدة من أوابد هذا الحداثي، بل له أقوال أخرى من قبيل قوله: (ويسألونك عن الشعر قل الشعر من علم ربي) (^٣).
ويشبه قول نزار قباني الذي يلحق فيه قصيدة النثر بالقرآن قول الحداثي اليمني عبد العزيز المقالح الذي يخلط فيه الأمور خلطًا حداثيًا معهودًا، وذلك في قوله: (المفهوم الحقيقي للشعر عند العرب وعرب الجاهلية بخاصة
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٩، ٧٠.
(٢) انظر: أسئلة الشعر: ص ٣٣.
(٣) فتافيت شاعر: ص ٨٥.
[ ٢ / ١١٦٥ ]
لا يجعل الوزن شرطًا ضروريًا لتكون الكتابة شعرًا ولم يظهر مفهوم الشعر "هو الكلام الموزون المقفى" إلّا في عصور متأخرة، ولو قد كان ذلك المفهوم شائعًا لما كان ذلك الوقف العجيب من القرآن الكريم، هذا الكتاب المقدس الذي ادهشهم بإيقاعه الجميل وببلاغته المنتقاه. . . إن فارقًا كبيرًا بين المعلقات ومعمارها وبين هذا المعمار القرآني العجيب، ومع ذلك فقد اختلط الأمر على عرب ذلك الحين فتوهموه شعرًا، ماذا يعني هذا الموقف؟!) (^١).
بل نقول: ماذا يعني هذا الكلام؟ وفيه من الكذب والمغالطة وقصد تدنيس القرآن الشيء البين، فما هو الدليل على أن العرب كانوا يجعلون الشعر بلا وزن ولا قافية؟، إن هذا دليل آخر يضاف إلى الأدلة الكثيرة التي تثبت جرأة الحداثيين على الادعاءات الكاذبة من غير حياء ولا تردد.
ثم ما هذا الربط المتهافت بين الشعر الوهمي الذي ادعى وجوده، والقرآن العظيم؟، ألم يعلم أن وصف الكفار للقرآن بأنه شعر هو ضمن أوصاف أخرى أرادوا منها التنفير من القرآن والرسول -ﷺ- والتقليل من شأنهما.
وقد قالوا بأنه سحر وأنه قول مجنون، فهل يصح بناء على استنتاج المقالح أن يقال بأن في القرآن تشابهًا مع السحر والكهانة؛ لأن العرب كانت تعرف زمزمة السحرة والكهان؟، ووصفت القرآن بالسحر؟، نعم قد قال ما يشبه هذا نصر أبو زيد في كتاب مفهوم النص (^٢).
وهل يصح بناء على استنتاج المقالح ونصر أبو زيد أن يقال بأن القرآن قول مجنون كما قال الجاهليون؟، وقد كانوا يعرفون الجنون والمجانين؟.
الحقيقة أن الكفار قديمًا وحديثًا يعانون من الوقوع تحت وطأة التناقض بين الحقيقة الناصعة التي يعرضها عليهم الإسلام من غير شوب ولا شك،
_________________
(١) قضايا الشعر المعاصر: ص ٢٤٦.
(٢) انظر: مفهوم النص: ص ٣٣ - ٣٧، ٣٩، ٤٠، ٤٥.
[ ٢ / ١١٦٦ ]
وبين ما اختاروه لأنفسهم من مذاهب باطلة يغلفها عناد أجوف وشبهات عارمة يحاولون بها أن يقذفوا في وجه الحق بأي دعوى ولو كانت صفراء باهتة كالحة كلاحة أفكارهم، ولو كانت متناقضة تناقض عقائدهم.
ومن هذا القبيل -أعني إلحاق القرآن بالشعر- قول البياتي:
(خرجت من نار الشعر الآيات.
ونبيو الثورات
فلماذا شاعرنا مات؟
فوق رصيف مهجور، منتحرًا بفقاعات الكلمات) (^١).
وقبل أن استرسل في ذكر شواهد من الحداثة الأدبية على انحرافاتهم في باب الكتب المنزلة والقرآن خاصة، أود أن أستأنف الحديث كرة أخرى مع الحداثة الفكرية، بعد أن سردت جملة من أقوال فلاسفة الحداثة ونقادها.
فها هو أحدهم يهاجم سيد قطب (^٢) -﵀- ومنهجه في التركيز على قضية الحكم بما أنزل اللَّه والذي سماه "المشروع القطبي"، وفي هذا السياق يعترض على سيد احتجاره -حسب زعمه- حق فهم القرآن وإدانة كل من يخالفه (^٣)، وهو بهذا لا يدين سيد قطب وحده بل يدين كل اتجاه
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٤٤٣.
(٢) هو: سيد بن قطب بن إبراهيم، كاتب إسلامي شهير وداعية كبير، ولد في قرية من قرى أسيوط عام ١٣٢٤ هـ، أرسلته الحكومة المصرية للدراسة في الغرب فعاد من هناك مقتنعًا بزيف الغرب وأمريكا خاصة، وبأن الحل في الإسلام وحده، وانضم إلى الإخوان بعد الثورة المصرية فسجن، فعكف على تأليف الكتب ومنها كتابه الكبير الشهير "في ظلال القرآن" وكتابه "معالم في الطريق" وغيرها من الكتب التي انتشرت في كل بقاع العالم الإسلامي لقيت قبولًا هائلًا وأحدثت تأثيرًا كبيرًا وخاصة بعد أن قتله جمال عبد الناصر سنة ١٣٨٧ هـ. انظر: الأعلام ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٣) انظر: قضايا وشهادات ٤/ خريف ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ١٧، والقول لسعد اللَّه ونوس.
[ ٢ / ١١٦٧ ]
قائم على وجوب فهم القرآن وفق الموازين والضوابط والأحكام الشرعية؛ لأنه يريد -وكذلك سائر العلمانيين- أن تمحى هذه المعايير والضوابط في قضية فهم القرآن وتفسيره وتطبيقه ليصبح سهلًا عليهم حينئذٍ أن يدخلوا عليه بأنواع شكوكهم وشبههم وإلحادياتهم، فهذا الكاتب نفسه بعد أن اعترض على سيد قطب ومنهجية الفهم والتفسير للقرآن، يتحدث عن الإنسان الذي يتجه إلى اللَّه تعالى أنه إنّما يفعل ذلك ليتخلص من الحكام المستبدين الظالمين، يقول ذلك ليصل إلى نتيجة علمانية حداثية مفادها أن إقبال الناس في بلاد المسلمين على انتخاب المسلمين المتمسكين بدينهم والدعوة إلى تطبيق شريعة اللَّه إنّما سببه ما يشعرون به من ظلم، فهم يبحثون عن حلول طوباوية -حسب تعبيره- أي أن التدين والإيمان باللَّه تعالى ليست منبعثة من يقين واستسلام ومحبة وخضوع للَّه تعالى بل من حاجة مادية بحتة.
يقول: (إن المدجنة الحقيقية التي تفرخ هذه الجماعات هي الأنظمة العسكرية المستبدة، فهذه الأنظمة التي خنقت روح الشعب، وأغرقته بالشعارات والرعب، وفاقمت مشكلاته بالتبعية والنهب، هي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهشمة إلى حلول طوباوية وردود فعل يائسة، وحين يخير إنسان مقموع ومنهوب بين إله أرضي يقمعه وينهبه ويفوض عليه فوف ذلك عبادته، وبين إله ديني يعده بالخلاص والمثوبة، فإن من الطبيعي أن يفر من زنازين الأرض إلى فضاء السماوات) (^١).
وفي مجلة الناقد يجعل أحد الحداثيين قضية القراءات القرآنية مجرد اختلاق من بني أمية الذين لم يكتفوا -حسب زعمه- بذلك بل سعوا في إيجاد أطنان الأحاديث المنسوبة للنبي في فضائل معاوية وبني مروان ليجري كل ذلك في خط متواز ومتزامن مع إعمال السيف في رقاب من يجرؤ على رفع صوته أمام خليفة اللَّه في خلقه (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢٠ والقول لسعد اللَّه ونوس.
(٢) مجلة الناقد - العدد الثامن شباط فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ١٧ من مقال بعنوان السلفية وأثرها في حداثية الآداب لأنيس الجزائري، وفيه حط على الإمام =
[ ٢ / ١١٦٨ ]
وهذا أيضًا دليل جديد على الجهل والمجادلة بالباطل والدعاوى الكاذبة التي لا رصيد لها في ميزان الحقيقة.
وفي العدد نفسه يكتب أحدهم عن مجموعة من الكتب التراثية التي تعرضت لشرح بعض قضايا الجنس، ويستنتج من هذه الكتب وفق عقله المريض قولًا شنيعًا ينقله عن أحد أشباهه من الحداثيين فيقول: (إن قراءة القرآن مهيئة للجماع. . .، إن القرآن إذا هو الكلام الشعائري الفاتح للشهية، إنه وسيلة الجماع) (^١).
وفي عدد آخر من مجلة "الناقد" الابن غير الشرعي لمجلة شعر وعصابتها، والامتداد المظلم لمشروع يوسف الخال، يتصدى الصادق النيهوم (^٢) -كعادته- للإسلام ومصدره الأول القرآن العظيم، ثم للمصدر الثاني السنة المطهرة، فيقول: (ميزة كل كتاب مقدس، إن معلوماته تصبح تلقائية غير قابلة للجدل، وهي ميزة مفيدة -فقط- إذا كانت المعلومات نفسها حقائق نهائية. . .، أسطورة تعلن أن المرأة نفسها مجرد مخلوق جانبي صنعه الرب من ضلع آدم، وهي ترجمة سحرية لحكمة تريد أن تقول: مكان المرأة إلى جانب الرجل. . .
. . . وإذا كان الحجاب قد أصبح الآن فريضة إسلامية، يدعو إليها
_________________
(١) = مالك -﵀- بأبشع الألفاظ والتهم باعتبار مذهبه هو السائد فى بلاد المغرب وهو الذي يقاوم الاستغراب والتفرنس.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٦٩ من مقال لعبود سليمان بعنوان التراث الجنسي، وينقل عن المغربي عبد الكبير الخطيبي النص المذكور.
(٣) الصادق النيهوم، كاتب علماني حداثي من ليبيا، يقيم في جنيف، صدرت له عدة كتب منها فرسان بلا معركة، ومن هنا إلى مكة، وصوت الناس. محنة ثقافة مزورة، وهو كاتب حاقد على الإسلام، جاحد أن أركانه خمسة، وجاحد للغيبيات ومنكر لأركان الإيمان، ويمتليء كلامه بالتهكم والسخرية بالدين الإسلامي مع جهل فاضح، وينضح ببغضاء شديدة للصحوة الإسلامية المعاصرة ولدعاتها ولعلماء الإسلام وللحركات الإسلامية، اتخذ مجلة الناقد منبرًا لتسويق أفكاره الضالة، ووجدت فيه المجلة بغيتها في التنفيس عن أحقادها ضد الإسلام. انظر عنه: مجلة الناقد - العدد الأول: ص ١١.
[ ٢ / ١١٦٩ ]
الوعاظ علنًا باسم الإسلام، فإن هذه الدعوة ليس مصدرها النص القرآني بل مصدرها أن الواعظ المسلم يتكلم لغة عبرانية من دون أن يدري، فمن مطلع القرن الهجري الأول كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه بحماسة كبيرة في مدرسة التوراة، وكان موضوع الطمث قد أعيد إلى خانه "النجاسة" من جديد، فتحولت المرأة المسلمة خلال فترة الطمث إلى امرأة "غير طاهرة" مرة أخرى، وعمد الفقهاء إلى إبطال صلاتها وصيامها طوال أيام المحيض في فتوى، لا تستند إلى نص القرآن بل تستند إلى قول التوراة "كل شيء مقدس لا تمس، وإلى المقدس لا تجيء". . . فحجاب المرأة ليس شريعة من أي نوع بل منهجًا تربويًا مكتوبًا بلغة السحرة، قاعدته النظرية أن "المرأة مخلوق نجس" وقاعدته العملية أن يقنع المرأة نفسها بقبول هذه الشخصية، وهي كارثة تحققها فكرة الحجاب. . .، فالمرأة المحجبة لا تخفي نفسها كالطفل داخل عباءة؛ لأنها امرأة ورعة بل لأنها امرأة مسحورة، تعرضت لحرب نفسية رهيبة، شنها السحرة ضدها طوال ثلاثة آلاف سنة، ضمن خطة تربوية مكتوبة بلسان أكبر ساحر في العالم، وقد نجم عن هذا الضغط الهائل شل عقل المرأة وتدنيس جسدها، وأتاح إدانتها -شرعيًا- بأنها "ناقصة عقل دين" وأحالها إلى مخلوق مريض في حاجة ماسة إلى رحمة اللَّه، إن الحجاب فكرة فظيعة إلى هذا الحد) (^١).
إن هذا القول يعطينا صورة عن الجهل الكبير الذي يعيشه الحداثيون والعلمانيون، والمغالطات الجلية التي يتخذونها في سبيل مضادة الإسلام والحق والدين، ومن يطلع على هذا القول وأشباهه الكثيرة لهذا "النيهوم" يحمد اللَّه على العقل والسلامة من داء الجهل، ونظرة عجلى من أحد عامة المسلمين لهذا الكلام -فضلًا عن متعلميهم- يدرك مقدار الجهل والعته الفكري والضلال المبين ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا
_________________
(١) الناقد - العدد ١٣ تموز ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٦ - ٧.
[ ٢ / ١١٧٠ ]
الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (^١).
ويفتح أحد الحداثيين باب التأويل لنصوص الشرع، ولكنه ليس التأويل الكلامي الذي كان أهل الكلام يقولونه في ظل إيمانهم بالنص الشرعي جملة وعلى الغيب، ولكنه التأويل الحداثي القائم على المادية وجحد الشرع جملة وتفصيلًا، يقول: (تخطي ظاهر النص والاهتداء بروحه يفتح ولا شك باب التجديد والتطور على مصراعيه لجهة مستلزمات الحياة اليومية. . .، أصحاب الآفات الطبقية يؤثرون التقيد بحرفية النص والالتزام بجزئيات القواعد، وبظاهر التعاليم والشعائر بدل الغوص في بحر التبحر والتأويل الواسع) (^٢).
من المؤكد أن عدوى الباطنية لم تعد مقصورة على الطوائف الإسماعيلية والنصيرية والدرزية وأشباهها، بل امتدت على نطاق واسع تحت شعار التحديث والعلمانية ولافتات "الإسلام المنفتح المستنير" والجامع بين الاتجاهين تخريب الدين وهدم قاعدة التشريع والتدين.
والقول السابق في فتح باب التأويل العلماني للنصوص، نادى به توفيق الحكيم حين سئل (هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟) فأجاب: (ممكن، ولكن يتعين اعتماد تفسيرات جديدة تتفق والمفاهيم العصرية، والمؤسف تبنى البعض تفسيرات القرون الوسطى للنصوص الدينية) (^٣).
لقد شرق الحداثيون والعلمانيون بالإسلام الذي صمد أمام هجوم أساتذتهم الغربيين، ثم أمام دسائس أتباعهم اللادينيين من أبناء المسلمين، فما وجدوا وسيلة لتجاوزه وإبطاله إلّا بخلخلته ومحاولة إفساده من الداخل، كما حاول الباطنيون من قبل، وما الدعوات الحداثية التي تنادي بتفسير القرآن تفسيرًا يتفق مع المفاهيم العصرية، أو تأويله تاويلًا يتخطى ظاهر
_________________
(١) الآيتان ١٧٦ - ١٧٧ من سورة الأعراف.
(٢) رأيهم في الإسلام: ص ٨٢، والكلام للعلماني حسين أحمد أمين.
(٣) المصدر السابق: ص ١٠٥.
[ ٢ / ١١٧١ ]
النص وحرفية الشعائر والعقائد إلّا أحد الأمثلة على أساليبهم المتعددة في حرب الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ (^١).
نلتفت قليلًا إلى بهارج الدعايات الحداثية، والتمجيد لرؤوس الطواغيت، لنجد أن الحداثيين يسوقون بضاعتهم المستوردة من خلال احتفاليات ومدائح تتجاوز حدود العقل والمنطق ومن ذلك أنه قد (صرح أحدهم بكامل البلاهة إنه يرى في "مفرد بصيغة الجمع" لأدونيس ثاني اثنين في العربية: القرآن ونهج البلاغة) (^٢).
هكذا نقل مؤلف كتاب أدونيس منتحلًا، والذي كشف فيه عورات السرقات الأدونيسية، ولكن بنفس حداثي وبعقلية علمانية لادينية، فها هو يسخر باللَّه تعالى وبالوحي الكريم في سياق اعتراضه على أدونيس الذي رد على من اتهمه بالانتحال والسرقة قائلًا: (إن تداخل النصوص أمر قائم حتى في النصوص المقدسة)، وأجابه: (لن نتوقف عند الجانب المضحك من إجابته، إذ يطالب لنفسه بما يجوز في النصوص المقدسة من تناسخ و"انتحال" ولن نرد عليه بالحجة اللاهوتية البسيطة التي ترى في النصوص المقدسة كتبًا لـ "مؤلف" واحد متعال له أن يلعب بنصوصه ما يشاء) (^٣).
لا يعترض مؤلف أدونيس منتحلًا على أدونيس في فكره وعقيدته، وإنّما يصفي حساباته معه جهة أنه سرق وانتحل وأخذ من غيره ونسبه إلى نفسه، وهذا من تسليط اللَّه بعض الظالمين على بعض، أمّا الملة الحداثية فالناقد والمنقود يجتمعون فيها ويؤمنون بها، وإن اختلفت شعب ضلالهم داخل هذه الملة، ولا أدل على ذلك من النص السابق الذي تتحدر منه المضامين الحداثية الضالة المناقضة للدين القويم، حتى أصبحوا علامة على "اللادينية"
_________________
(١) الآية ١١٨ من سورة آل عمران.
(٢) أدونيس منتحلًا: ص ٨٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٨٦.
[ ٢ / ١١٧٢ ]
في أبشع وأقذر صورها وتطبيقاتها، من غير إحساس بأدنى حرج من جهلهم المطبق وتناقضاتهم الهائلة.
خذ -مثلًا- هذا الناقد لأدونيس الذي كشف عواره في انتحالاته وسرقاته من كتب ومجلات الغربيين، لكنه نفسه لم يسلم من الانتحال، فها هو يردد ألفاظ الغربيين، فيما يتعلق بالوحي من أمثال "الحجة اللاهوتية" و"المؤلف المتعالي" و"النص المتعالي"، كل هذا من العقائد والأفكار المنتحلة التي ليست من تراث الأمة ولا من مصطلحاتها، فما الفرق إذن بين الاثنين؟.
بل ما الفرق بين هذين وسواهم من الحداثيين والعلمانيين؟ الذين لا يخرجون من دائرة الانتحال والاستعارة مهما حاولوا التشبث بالتراث واللغة، ومهما ادعوا التحرر الفكري والاستقلال الثقافي؟ لأن القاعدة الفكرية التي ينطلقون منها ليست سوى أفكار الغربيين حشوا بها أدمغتهم وملأوا بها أوعيتهم ثم فاضت قلوبهم وألسنتهم وأعمالهم بما يؤكد أنهم دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، وهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، واللَّه غالب على أمره.
ولأستاذ الحداثة وسادنها الأكبر يوسف الخال أقوال في هذا الصدد من خلال أسئلة شكية يلقيها في قلوب الاتباع فتورثهم ريبًا، ومن خلال تحليلات نصرانية حداثية تقود إلى الجحد وتوصل إلى الزعزعة التي هي من مقاصده الكبرى: فهو يصف طبيعة الوحي أو نظرية الوحي -حسب قوله- والفرق بين اللاتينية والعربية، فالمسلم يؤمن بأن الوحي منزل بالحرف والمسيحية ترى أن الوحي منزل بالمعنى، ثم يقول إذا كنت أشعر شعورًا مسيحيًا فليس هذا أنني ضد التراث العربي (^١).
أمّا كون الوحي منزل بالحرف، فهذا هو حال جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، وأمّا النظرة النصرانية التي وصفها فهي تبرير كنسي للاختلاقات
_________________
(١) انظر: أسئلة الشعر: ص ١٥١.
[ ٢ / ١١٧٣ ]
والاختلافات التي أضافوها على التوراة والانجيل.
غير أن الخال يوضح في موضع آخر مراده بهذا الطرح، ويطرح استفهامًا شكيًا يوصل إلى التشكيك في كون القرآن موحى به لفظًا ومعنى من اللَّه تعالى، فيقول: (هل أن أحكام الشريعة إلهية أم من صنع البشر وبالتالي تحتمل التطوير؟.
وفي معرض هذا الاستفهام تستوقفنا مسألة أخرى: هل القرآن منزل حرفيًا أم أوحي به معنى وروحًا، كما هي الحال بالنسبة للدين المسيحي) (^١).
والخال الذي يقول: (أنني شاعر مسيحي، والمسيحية جزء من تراثي إن لم تكن في جوهره وصميمه) (^٢) يبدو متفقًا مع ديانته حتى وهو في قمة الحداثة، التي كان من شأنها سلخ أبناء المسلمين عن دينهم، ففي معرض حديثه عن النصرانية والإسلام يرى أن من حسن حظ النصرانية إن جوهرها هو المسيح ذاته ﵊، وأن الذين شرحوها هم من صميم الحضارة، وأمّا الإسلام فإن جوهره القرآن وإن الذين فسروا واجتهدوا فيه لم يكونوا من صميم الحضارة، وهذا -حسب قوله- من سوء حظ الإسلام، يقول: (ينطلق كل دين من الدعوة إلى حياة أفضل ومصير أفضل، وبما أن المسيح لم يضع كتابًا، فإن جوهر المسيحية هو شخص المسيح لا ما روي عن لسانه وعن سيرة حياته، أمّا الإسلام فإن جوهره القرآن، ومن حسن حظ المسيحية أن الذين فسروا حياة المسيح وأقواله وشرحوها ولوهتوها هم من صميم الحضارة الإنسانية النامية في حوض البحر المتوسط، هذه الحضارة التي قلنا -فيما سبق- إنها مركزت الجهد الإنساني العقلي والروحي، وهكذا جاءت المسيحية من ضمن هذه الحضارة الإنسانية فتفاعلت معها وأغنتها، بل غيرتها وطبعتها بطابعها، ومن سوء حظ الإسلام
_________________
(١) رأيهم في الإسلام: ص ٢٨.
(٢) أسئلة الشعر: ص ١٥٣.
[ ٢ / ١١٧٤ ]
أن الذين فسروه واجتهدوا فيه لم يكونوا من صميم هذه الحضارة، بل كانوا على هامشها. . .) (^١).
ولا عجب في أن يقف نصراني ضد الإسلام ويدافع عن ملته، بل العجب من الإمعات من أبناء المسلمين الذين يتخذون هذا إمامًا وأسوة!!، ويرددون معه قوله:
(انبح فينا صوت الألوهية) (^٢).
ويعتبرون ذلك هو بداية التحرر والانطلاق والنهضة!!.
ومن الاستخفاف بالقرآن قول نازك:
(يارب الحانة، أين الخمر؟ وأين الكاس
نادا الغانية الكسلي العاطرة الأنفاس
افدى عينيها بالقرآن وبالأقدار) (^٣).
ولبلديها مظفر النواب الشاعر الرافضي الحداثي البذي أقوال عديدة، فيها تدنيس واستهانة بالقرآن وآياته كقوله يخاطب أحد الفدائيين في فلسطين:
(اهبط عليهم
فإنك قرآننا
قل هي البندقية أنت
ومالك من كفؤ أحد) (^٤).
ويقول في مقطع بعنوان "آر-بي- جي" واصفًا التسلل الفدائي بين خطوط العدو: (ويدلف بين مدرعتين كأن بدايات الآيات المكية) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦١.
(٢) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ٢٢٨.
(٣) ديوان نازك الملائكة ٢/ ٣٥٢.
(٤) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص ٢٨.
(٥) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص ٥٨.
[ ٢ / ١١٧٥ ]
ويقول:
(فإذا ما بسملت شاحنة بالحزن والبارود
سجلت على حاشية القرآن
اسما، شاحنات للذين استضعفوا
أهدافها شتى) (^١).
ومن هذا القبيل في الاستهانة قول أمل دنقل في مدح أو رثاء أحد رفاقه:
(وكأن وجهه النبيل مصحفًا
عليه يقسم الجياع) (^٢).
ويضمن بعض الآيات القرآنية على النهج ذاته فيقول:
(اركضي أو قفي الآن أيتها الخيل:
لست المغيرات صبحًا
ولا العاديات -كما قيل- ضبحًا) (^٣).
ويتضح مقدار الاستهانة بالقرآن وقائله -﷾- في إضافة عبارة "كما قيل" الموحية بالضعف والشك.
أمّا نزار قباني فإنه قد خطا في ميدان التسفه على القرآن والوحي خطوات واسعة، في كلامه النثري والشعري، وقد سبق نقل وصفه لقصيدة النثر بأنها مثل القرآن، ومن كلامه المملوء بالانحراف إلى أقصى درجة يمكن أن يصل إليها ضال أو ملحد، قوله: (إنني على الورق، امتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعًا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٢٩.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص ١٧١.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٨٧.
[ ٢ / ١١٧٦ ]
ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، وإلّا حكم اللَّه على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة اللَّه في ميدان النشر والإعلام وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج للناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر) (^١).
ليس بإمكان زنديق في الماضي أو الحاضر أن يتفوه عن اللَّه تعالى وعن كتبه المطهرة بأكثر مما تفوه به نزار قباني في هذا النص.
أمّا أمثلة الانحراف في شعره فكثيرة منها قوله:
(وكتبت شعرًا لا يشابه سحره إلا كلام اللَّه في التوراة) (^٢)
وقوله عن الحب:
(يمد عباءته تحت رأسي ويقرأ لي ما تيسر من سورة الصابرين) (^٣).
ويصر الحداثيون على أن الكتب السماوية المنزلة من "تأليف اللَّه" وهي عبارة مقصودة تدل على غاية الاستهانة باللَّه وبكتبه، وذلك حين يصفون اللَّه بأنه مؤلف -تعالى وتقدس- ويجعلون الكتب مؤلفات، أي: مجموعة من أماكن شتى، ومن مصادر عدة كما يفعل البشر في الكتب التي يؤلفونها، ونزار قباني يصف الكتاب بهذا الوصف، ويستخف بها وبمنزلها -﷾-، وذلك في قوله:
(حين وزع اللَّه النساء على الرجال
وأعطاني إياك، شعرت
إنه انحاز بصورة مكشوفة إلي
وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها) (^٤).
_________________
(١) أسئلة الشعر: ص ١٧٨.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٤٦٥.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٧٤.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٠٢.
[ ٢ / ١١٧٧ ]
وتبلغ وقاحته غايتها حين يخاطب الخامس من حزيران قائلًا:
(سوف ننسيك فلسطين
ونستأصل من عينيك أشجار الدموع
وسنلغي سورة الرحمن
والفتح
ونغتال يسوع) (^١).
وفي سياق رفضه للأمة والتراث والتاريخ والحضارة وكل ما يتصل بهذه القضايا من رموز يقول في مقطوعة بعنوان "أبي":
(افتح صندوق أبي
امزق الوصية
أبيع في المزاد ما ورثته:
مجموعة المسابح العاجية. . .
وأهدم الشرق على أصحابه
تكية تكية
افتح صندوق أبي
فلا أرى
إلّا دراويش ومولوية. . .
اسحب سيفًا غاضبًا
وأقتل المعلقات العشر والألفية. . .
افتح تاريخ أبي
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٢١٢.
[ ٢ / ١١٧٨ ]
افتح أيام أبي
أرى الذي ليس يُرى
أدعية مدائحٌ دينية. . .
ابحث عن كتابة تخص هذا العصر أو تخصني
فلا أرى حولي سوى رمل وجاهلية
أرفض ميراث أبي
وأرفض الثوب الذي ألبسني
وأرفض العلم الذي علمني. . .
أحرق رسم أسرتي أحرف أبجديتي. . .
أدخل مثل البرق من نافذة الخليفة
أراه لا يزال مثلما تركته
منذ قرون سبعة
مضاجعًا جارية رومية
اقرأ آيات من القرآن فوق رأسه
مكتوبة بأحرف كوفية
عن الجهاد في سبيل اللَّه والرسول
والشريعة الحنفية) (^١).
هذه المقطوعة هي لسان حال الحداثيين ومنطق فعالهم، وهي تصوير واقعي وحقيقي لانفصالهم عن هذه الأمة وعداوتهم المتأصلة لها، وحقدهم الشديد عليها، على قرآنها وتاريخها وخلفائها وشرائع دينها وعلومها
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٣، وله أقوال أخرى تصور انحرافه في هذا الباب. انظر: المصدر نفسه ٣/ ١٧٧، ٢٧٢، ٣٥٦، ٣٧٢، ٤٨٠، ٦٤٣.
[ ٢ / ١١٧٩ ]
وحضارتها، وإن أصح وصف يُمكن أن يوصفوا به هو قول اللَّه تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ (^١).
أمّا شاعر الأرض المحتلة عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "محمود درويش" فيقول:
(أنا الحجر الذي مسته زلزلة
رأيت الأنبياء يؤجرون صليبهم
واستأجرتني آية الكرسي دهرًا، ثم صرت بطاقة للتهنئات) (^٢).
ويقول:
(وتناسل فينا الغزاة تكاثر فينا الطغاة، دم كالمياه
وليس تجففه غير سورة عمَّ، وقبعة الشرطي
وخادمه الأسيوي، وكان يقيس الزمان بأغلاله) (^٣).
ويقول:
(ونمت على وتر المعجزات
ارتدتني يداك نشيدًا إذا أنزلوه على جبل، كان سورة ينتصرون) (^٤).
ويصف كغيره من الحداثيين الأمة ودينها بالرمل رمزًا للتخلف والرجعية:
(والرمل هو الرمل أرى عصرًا من الرمل يغطينا
ويرمينا من الأيام. . .
والرمل جسم الشجر الآتي
_________________
(١) الآية ٤ من سورة المنافقون.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٤٨٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٤٨.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٣٦.
[ ٢ / ١١٨٠ ]
غيوم تشبه البلدان
لون واحد للبحر والنوم
وللعشاق وجه واحد
وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري
سنرى ألف نهر في مجاري الماء
والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا
سيد الأيام
والنخلة أم اللغة الفصحى
أرى فيما أرى مملكة الرمل على الرمل) (^١).
وهذه النصوص كلها من كلام درويش تدل على مقدار السفه الحداثي الذي يتخذ من القرآن العظيم وسوره غرضًا للسخرية، ورمزًا للضياع والتخلف والانحطاط، وتاللَّه ما أصيبت الأمة بما أصيبت به من هوان ومذلة إلّا عندما تركت القرآن ونهجه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (^٢).
وليس هذا مجرد قول ينبع من عاطفة إيمانية دينية -كما يحلوا للحداثيين أن يقولوا- ولكنها شواهد التاريخ والواقع تدل على ذلك أبلغ دلالة، أمّا التاريخ فيعرف العالم كيف كانت أمة الإسلام سيدة الأمم وماحية الظلم لما كانت مستمسكه بهدى اللَّه تعالى.
وأمّا الواقع فيكفي أن نرى اليوم ونلمس ونشاهد التآلب العالمي الهائل والكبير على دعاة الإسلام وعلمائه الذين يدعون إلى تطبيق الإسلام تطبيقًا شاملًا، والخوف اليهودي من نمو وازدهار الحركات والدعوات الإسلامية في
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦١٠.
(٢) الآية ١٢٤ من سورة طه.
[ ٢ / ١١٨١ ]
البلدان، في الوقت الذي يمدون فيه أيديهم بالدعم المادي والمعنوي لكل القوى والأحزاب والمنظمات والمنظومات التي لا تتخذ الإسلام الأصيل منهجًا لها، أو تلك التي تتنكر للإسلام وتعاديه.
فإذا كان الغرب يرى أن الإسلام والقرآن هو مصدر تخلفنا كما يقول ذلك تلامذة الغرب من أبناء المسلمين، فلماذا لا يتركنا الغرب نأخذ من إسلامنا وقرآننا مناهج حياتنا؟.
ألأنهم حريصون على تقدمنا وازدهارنا؟ أم لأنهم يعلمون أن المعركة مع الإسلام ليست كالمعركة مع الأنظمة التي غرسها الغرب ورعاها، من قومية وعلمانية واشتراكية وليبرالية وغيرها؟.
لقد رأى الغرب بعينيه كيف كان الإسلام المحرك القوي الشديد لجهاد الأفغان ومن ناصرهم من المسلمين، وكيف أدى ذلك إلى تحطيم الاتحاد السوفيتي، ولقد رأى الغرب كيف يكون المسلم الصادق في إسلامه، كيف يتغلب على محاولات الترويض والابتزاز والعمالة، ويستقل بسيادته وإرادته وفكره وعمله عن التبعية، كل ذلك يعطي دروسًا من الواقع على أن الإسلام والقرآن والسنة والجهاد والشريعة هي مقومات الحياة العزيز القوية السعيدة، وما عداها ليس إلّا السراب والخواء والضياع والذيلية والتدجين.
وقد مر معنا أمثلة لتسمية الكلام والفعل البشري سورًا وآيات، ومن ذلك قول معين بسيسو:
(تسافرين في كتاب الماء سورة اقرأ
ترجعين في كتاب النار سورة اكتب
تكتبين سورة المقاومة
والأرض قادمة) (^١).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ٥٩٢.
[ ٢ / ١١٨٢ ]
وقد يقول قائل عن هذا المثال والأمثلة التي سلفت من جنسه، ما المانع أن نستعمل لفظ مصحف وآية وسورة؟.
والجواب على ذلك أن لكل لفظ من هذه الألفاظ دلالته الخاصة والمقدسة عند المسلمين فامتهانه وإنزاله من درجة قداسته إلى درجة وصف كلام البشر به، دلالة على عدم توقير مضامين هذه الأسماء الشريفة.
ولو أن أحدًا أخذ لفظ حداثة أو إبداع التي لها عندهم المقام العالي، ثم وصف به الغائط أو المخاط أو أي شيء قذر، لرأيت حملات الدفاع والهجوم والمقاومة تنهال من كل صوب!!، ولا يُمكن أن يقول أحد منهم حتى الداعين إلى تفجير اللغة بأن ذلك سائغ ومقبول، وهذا دليل على أن الألفاظ لها دلالالتها الخاصة والأسماء لها مضامينها التي تخصها.
أمّا سميح القاسم فإنه يصف نفسه ويضفي عليها مدائح "لا دينية" من قبيل قوله:
(أنا لم أحفظ عن اللَّه كتابا أنا لم ابن لقديس قبابا
أنا ما صليت وما صمت وما رهبت نفسي لدى الحشر عقابا
والدم المسفوك من قافيتي لم يراود من يدي عدنٍ ثوابا) (^١)
فإذا كان المؤمن باللَّه تعالى وبدينه يفرح ويعتز بأنه يحفظ كلام اللَّه ويصلي ويصوم ويخاف عقاب الآخرة ويرجو ثوابها، فإن الحداثي الماركسي يفتخر بأنه على عكس ذلك كله، فهو لم يحفظ عن اللَّه كتابًا، ولا بعض كتاب، ولا يريد ذلك ولا يحبه؛ لأنه قد تمهد عنده بناء على عقيدته الماركسية أن الدين خرافة، وأن الحياة مادة، وأنه لا شيء بعد هذه الحياة الدنيا، ومنطقهم اليوم هو منطقهم بالأمس ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٢)، وقد وصفهم الباري -﷿- أدق وصف
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٦٩.
(٢) الآية ٢٤ من سورة الجاثية.
[ ٢ / ١١٨٣ ]
وأوضحه في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (^١).
وفي موضع آخر يجعل الحروف التي تخرج من شفة محبوبته في منزلة عظيمة بحيث يخضع لها الوحي ويسجد لها، وذلك في قوله:
(وحروف يسجد الوحي لها لسوى عاطفتي لم تسجد) (^٢)
مع أنه ماركسي لا يؤمن بالوحي، ولكنها الأساليب الحداثية والعلمانية التي تحاول طرد المفاهيم والألفاظ الإسلامية وتحطيمها مرة بالجحد ومرة بالسخرية ومرة بالتدليس، والمؤدى واحد.
ومن هذا القبيل -أيضًا- قول سميح القاسم في سخرية فجة ومادية وقحة:
(صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات
ألبوا اللَّه عليها
واقذفوها بالوصايا العشر
والجفر
وآيات السماء البينات) (^٣).
مع أن الإسلام لم يدخل حقيقة في المعركة المعاصرة حتى الآن، والذي ناب عن الشعوب الإسلامية في المعركة مع إليهود ومع سندهم الغربي، هي الأنظمة والأحزاب العلمانية والقومية والاشتراكية والماركسية والوطنية، فلماذا تعلق الهزائم على الإسلام وعلى أهله؟.
ثم من الذي قال من المسلمين أن مقابلة الطائرات والقذائف تكون بالتعاويذ والدعاء فقط؟ ولماذا تلصق المفاهيم الخرافية بالإسلام؟ إن المسلم
_________________
(١) الآية ١٢ من سورة محمد.
(٢) المصدر السابق: ص ١٤٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٣٧.
[ ٢ / ١١٨٤ ]
يعتقد أن اللَّه بيده النصر والهزيمة، وهو الذي شرع الجهاد القائم على فعل الأسباب المادية والاعتماد قلبيًا على رب الأسباب، ومع فعل الأسباب يعوذ باللَّه ويدعو اللَّه ويقرأ آيات الكتاب المبين، وهذه أيضًا من الأسباب العظيمة للنصر، ولكن الماديين لا يفقهون ذلك، فقد عششت خرافات المادية الجدلية في أدمغتهم وعملت فيها عمل المخدرات، وصدق من سمى المادية "مذهب ذوي العاهات" (^١) ومن أطلق عليها وصف "الخمور الفكرية" (^٢).
أمّا عبد العزيز المقالح فإنه يجعل القرآن موضعًا للأساطير، فيتمنى أن نعيش في القرآن أسطورة جميلة، مثل سبأ وسد مأرب، وهذا تكذيب بالقرآن وترديد لقول الكافرين السالفين ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (^٣).
يقول المقالح:
(لكم تمنيت لو أننا توقفنا عن الحياة من زمان
لو ارتضينا أن نعيش في "القرآن"
أسطورة جميلة
قصة سد حوله تقوم جنتان
عن اليمين والشمال
لكان أحنى
بالحجارة البادية الوجوم، بالرمال) (^٤).
وهذا كلام في غاية الخبث والفضاعة حيث جعل القرآن مثوى التخلف والجمود والركود، وموئل الأساطير والخرافات والحكايات الكاذبة، ويضرب
_________________
(١) اسم كتاب للعقاد ينقض فيه المبادئ الماركسية.
(٢) اسم كتاب لسارتر يفضح فيه الممارسات الماركسية.
(٣) الآية ٥ من سورة الفرقان.
(٤) ديوان المقالح: ص ١٥٤.
[ ٢ / ١١٨٥ ]
لذلك مثلًا لقصة مأرب التى ذكرها اللَّه في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ (^١).
ومن العجائب الحداثية أن هؤلاء يجحدون الحقائق ويجعلونها أساطير، ويؤمنون بالأساطير والأكاذيب المعاصرة ويجعلونها حقائق، نقرأ لهذا الجاحد قصائد امتداح وتمجيد للشيوعية الماركسية تحت عناوين مثل "نشيد الذئاب الحمر" (^٢) و"قبلة إلى بكين" (^٣) و"البرجوازي" (^٤) وغيرها كثير.
ولما يمت المقالح بعد، وقد رأى بعينيه سقوط هذه الخرافات المادية، وتهاوى هذه الأساطير الماركسية من عدن إلى موسكو.
أمّا ممدوح عدوان فيصور الزمن الحاضر بأنه غير ما جاء في كتب اللَّه، وغير ما أنذر الأنبياء به، ثم يقرن هذه المعاني الجليلة في مساواة تدنيسية بكتب الماركسيين، فيقول:
(أنت مازلت تحلم أن تستعيد لدمعتك الكبرياء
تبتغي أن تطال السماء
إنه زمن غير ما علموك
وغير الذي جاء في كتب اللَّه.
أو كتب الماركسيين
غير الذي أنذر الأنبياء به) (^٥).
_________________
(١) الآية ١٥ من سورة سبأ.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٢٤.
(٣) المصدر السابق: ص ١٣٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٧١.
(٥) الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان جـ ٢ لابد من التفاصيل: ص ٢٨.
[ ٢ / ١١٨٦ ]
أمّا أحمد دحبور فإنه يسمى الوحي صوت اللَّه ويجعله حجرًا، وذلك في قوله:
(يا أم: عدت، تعثر الدم فيّ:
ناقة عمري الخضراء. . . اترابي، وصوت اللَّه. . .
أحجار تهر عن الجبين) (^١).
وفي رثائية حداثية لأحد الفلسطينيين الماركسيين يذكر آية الكرسي علامة على الرأسماليين العرب، ويجعل التمسك بها وصفًا ملازمًا للطمع والجشع فيقول:
(ستأتي الريح بالبياع والشاري
وبالمتمسكين بآية الكرسي، ماع لعابهم نفطًا على الصحراء
سيطلب لحمنا لوليمة الجزار والضاري. . .
كذلك علمتنا سورة الموت) (^٢).
أمّا في مجال الرواية فنجد أن عبد الرحمن منيف في مدن الملح ينسب كلامًا عاديًا إلى اللَّه سبحانه إمّا جهلًا، وإمّا استخفافًا واستهانة، يقول على لسان أحد الشخصيات: (اللَّه جلت قدرته، فتح أبواب السماء على هذا الشعب الطيب الفقير، فبعد انتظار طويل، أطول من انتظار يعقوب لابنه يوسف، بعد أن كان الناس يأكلون الجراد والتمر وخبز الشعير ويموتون من سوء التغذية والطواعين قال لهم الكريم: كفاكم جوعًا وعذابًا يا عبادي الصابرين فقد رأفت بكم وأنا حين أرأف وأجود أفعل ذلك بلا حدود، وإذ كنت قد بلوتكم فيما مضى من الزمان بالجوع والحكام الظالمين، فإني اليوم
_________________
(١) ديوان أحمد دحبور: ص ٧٨ - ٧٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٨٧.
[ ٢ / ١١٨٧ ]
أرفع عنكم الكرب وعذاب الدنيا لأحاسبكم في الآخرة، امنحكم اليوم سلطانًا ليس كالسلاطين وافتح لكم خزائن الأرض أجمعين) (^١).
أمّا ابن جلون فإنه يصف القرآن بأنه ليس فيه شيء إلّا الوهم، وذلك في سياق قوله: (الموتى أو مرتلوا الآيات القرآنية المحفوظة بشكل سيء، المرتلة بشكل سيء، أو المرتلة بيقين جسد جائع يتمايل لكي يوهم بأن الرسالة في الطريق القويم) (^٢).
ويجعل إحدى الشخصيات يعلم القرآن للصغار مثل الشعر ثم يطرح أسئلة شكية في الأديان على لسان الأطفال، فيقول: (لابد أن أذهب، فالأطفال رهيبون، إنني أحاول تعليمهم القرآن مثلما كنت سأفعل بشعر رائع، لكنهم يطرحون أسئلة مربكة من قبيل "هل حقًا سيدخل جميع النصارى النار؟ " أو "بما أن الإسلام هو أفضل الديانات فلماذا انتظر اللَّه طويلًا لكي ينشره؟ " وكجواب أردد السؤال رافعًا عيني إلى السقف: "لماذا وصل الإسلام متأخرًا جدًّا؟ ") (^٣).
قد يقال بأن هذا توصيف لحالات معينة يسوقها الروائي على سبيل المعالجة، ولكن القارئ لهذه الرواية كلها يعلم أن هذه الأقوال والشكوك هي عقائد المؤلف يصوغها على شكل روائي، وقد أجاب على الأسئلة الشكية السابقة بشك آخر مثله ثم أضاف (لقد سبق أن فكرت في هذا ولكن كما ترى أنا مثلك أحب القرآن كشعر رائع وأمقت الذين يستغلونه في تشويشات ويحدون من حرية الفكر إنهم منافقون) (^٤).
أمّا الرواية النجسة المسماة "مسافة في عقل رجل" فقد امتلأت بأوقح وأدنس العبارات ضد الوحي والكتب المنزلة وضد اللَّه العلي العظيم، ومن ذلك قوله: (إذا كانت الأديان قد اعتبرت بعض الكتب معجزة وبعض
_________________
(١) مدن الملح ٢ - الأخدود: ص ١١١.
(٢) ليلة القدر: ص ٢٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٦٠.
[ ٢ / ١١٨٨ ]
القدرات كشفاء المرضى وإتيان بعض الخوارق معجزة. . .، فهذا لا يعني مع افتراضها كذلك أن اللَّه قد اتصل بهؤلاء البشر ليلهمهم إياها. . .، مثل هذا القول يؤدي بنا إلى طريق تحفه الحيرة والغموض والأشواك. . .، فماذا لو ادعى أحد العلماء أن اختراعه ملهمة ألهمه اللَّه إياها، وماذا لو سار في الطريق لنهايته وادعى النبوة طالبًا من الغير أن يأتي بمثلها، وماذا لو عجز هذا الغير!! هل نعترف بمثل هذا العالم نبيًا مرسلًا؟! مثل هذه الاستنتاجات تجرنا في النهاية لمتاهات تضيع فيها ومضة العقل البشري ليتحول إلى قطعة من الصفيح الصديء. . .، ويتوه داخل اللامعقول، لذلك فيجب للثبت من صدق الادعاء لقيام مثل هذه الصلة المفترضة باللَّه أن يثبت بدءا (^١) ذي بدء حقيقة هذه الصلة وصحة وجودها، لا أن يفرض على الإنسان الإيمان بها متحاجًا في ذلك بالمعجزة المتمثلة في الاختراع أو الاكتشاف أو إبراء الأكمه أو كلمات منظومة، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك فيفرض على الإنسان الولاء والإيمان بأمور أخرى هلامية لا يفهمها العقل ولا يستسيغها المنطق) (^٢).
ثم يطرح سؤالًا إلحاديًا يمهد به لشكوكه وخرافاته التافهة: (هل الكتب السماوية من عند اللَّه؟) (^٣).
ثم يقول بعد ذلك: (إذا كانت الإجابة بالإيجاب فكل ما جاء بالكتب السماوية من تأليف اللَّه هو المؤلف العظيم، وما الأنبياء إلّا مستقبلين؛ ولأن اللَّه كامل لا يخطيء، إذن فكل ما جاء بالأديان من أحكام واجبة الطاعة، والطاعة العمياء، ومن ثم لا يصح ولا يجوز نقاشها، ويجب الأخذ بها في كل التشريعات الوضعية، كل صغيرة وكبيرة، ومنكرها متمرد على قانون اللَّه وجب عقابه وسحقه، هذه الأحكام كل لا يتجزأ وحدة واحدة، وإذا كان هذا كذلك، وإذا كان ما ورد بها من أحكام ليست سوى قوانين أملاها اللَّه على البشر فيمتنع حيالها أن يفسرها دون الخروج على نصها،
_________________
(١) هكذا والصواب: بادئ.
(٢) و(^٣) مسافة في عقل رجل: ص ١٩٣.
[ ٢ / ١١٨٩ ]
ومن ثم فيحظر على العقل البشري نفي تنزيل الكتب السماوية. . .) (^١).
(. . . يصبح الإنسان بهذا المعنى مجرد وسيلة، قطعة شطرنج على لوح الأديان) (^٢).
(. . . أحكام الأديان ليست سوى قطع شطرنج على مربع الحياة يُمكن في أي وقت من الأوقات استبدالها بصيغة أكثر نضجًا واتساقًا مع العصر) (^٣).
(. . . إذا كان النص الوارد في الكتب السماوية وسيلة لإسعاد البشر من أجل حياة أفضل، أوليس للإنسان وهو حقل تجارب مثل هذا النص أن يدرس ويحلل معانيه ومنطوقه وحيثياته ليعرف جدواه وصلاحيته للتطبيق حتى ولو أدى الأمر لرفضه) (^٤).
(. . . لا يتحصن أي نص مهما بلغت قداسته بمقولة انه سماوي) (^٥).
(. . . إن مناقشة قضية تنزيل الكتب السماوية بالتحليل والرأي الدارس باتت ملحة بعد أن أغلقت على العقل الجماعي النوافذ وأوصدت دونه الأبواب ولم يعد ثمة وسيلة لتنقية الهواء الفاسد سوى ثغرة تطل منها على الحقيقة خلف جدار الخوف. . .، إن فتح تلك الثغرة بمعول الجدل والنقاش من شأنه أن يثري الحركة الفكرية برأيان متعارضان (^٦) يطرقان الحديد وهو ساخن، يطرحان أبعاد القضية وأدق تفاصيلها على بساط البحث يشرحان جسدهما المنهوك، لنتبين في النهاية أساس الداء، ولنبتر بمبضع الحقيقة الآفة الشريرة، فمن المرض إلى الشفاء، ومن الشك إلى اليقين، سواء كان هذا اليقين مع أو ضد الرأي القائل بالتنزيل، وننتهي بهذا إلى ثورة فكرية، ريح صرصر عاتي تسقط كثيرًا من أوراق الخريف المتمثلة في الخرافات التي عاشت قرونًا تلوث طهارة العقل الجماعي) (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩٤.
(٢) و(^٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ١٩٥.
(٣) المصدر السابق: ص ١٩٦.
(٤) هكذا، والصواب: برأيين متعارضين.
(٥) المصدر السابق: ص ١٩٦.
[ ٢ / ١١٩٠ ]
وكلامه من هذا القبيل كثير (^١)، وهو على النمط المتهافت الذي يلقي الشك والشبهة ويبني عليها الحكم، والناظر في أصول جدليات الكافرين حول الحقائق الدينية يجد أنها تعتمد على:
(١ - الاحتجاج بما كان عليه الآباء وجحود الحقائق والأدلة الظاهرة بالمكابرة.
٢ - الإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل، أو أساطير الأولين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة وإنّما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق الشتائم، وتكذيب للحقائق بالأوهام.
٣ - الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد دون سند من العقل الصحيح، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة؛ لأنها تعتمد على عدم الألف للموضوع أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية، وليس شيء ذلك بمقبول منطقيًا، فما كل حقيقة بحب أن تكون مألوفة، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس كلهم أو بعضهم.
٤ - الاحتجاج بامتياز الكافرين على المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة، واعتبار ذلك دليلًا على فساد عقيدة المؤمنين ومنهجهم؛ لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم اللَّه وزادهم رفاهية وترفًا، وهذه حجة ساقطة، وأن أي عاقل يدرك أساس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا، يعلم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وأن إحدى مواد الإمتحان في هذه الحياة الابتلاء بالغني أو بالفقر، بحسب حال كل إنسان، وإن الابتلاء بالغنى ليس تكريمًا، وأن الابتلاء بالفقر ليس إهانة، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور الجزاء الأكبر في الآخرة ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين، فللمؤمنين دار النعيم الخالد وللكافرين دار الشقاء الأبدي. . . .
٥ - اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق والشتائم والهزء والسخرية ونحو ذلك مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم وتتساقط
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٢٨.
[ ٢ / ١١٩١ ]
أدلتهم وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر والحجة بالحجة والبرهان بالبرهان) (^١).
• • •
_________________
(١) صراع مع الملاحدة حتى العظم للشيخ عبد الرحمن الميداني: ص ٤٣٥ - ٤٣٦.
[ ٢ / ١١٩٢ ]