وهؤلاء محل اعتناء شديد من قبل أهل الأدب العربي المعاصر.
وكل ما ذكرناه عند الباطنية وفلاسفة الصوفية فهو يصح أن يقال هنا، باعتبار أن أولئك من رؤوس الزنادقة.
ومن الشخصيات التي اهتم أدونيس بها وبكلامها: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الملحد، فقد شرح إلحادياته وكفره باللَّه وجحده للنبوات والقرآن والمعاد، وامتدح هذا الاتجاه عنده، وأشاد به باعتباره أساسًا للحرية الفكرية، ومنبعًا للحداثة في التراث، وأصلًا للخروج على الأقواس والأطر، وابتداءً لمخالفة التقليدية والاتباعية والسلفية، ونموذجًا للحرية الفكرية، إلى آخر مدائحه لهذا الملحد الزنديق الذي كان فى الوقت نفسه شيعيًا باطنيًا شأنه في ذلك شأن أدونيس (^١).
ومن الشخصيات التي أثنى عليها واعتبرها أصلًا في الثقافة والإبداع الزنديق ابن الراوندي (^٢).
وقد أشاد بالتيارات الإلحادية وسماها بهذه التسمية وجعلها أصلًا للوعي والمعرفة في التراث وفيما يؤخذ منه فيما بعد (^٣).
واهتموا كذلك بأبي العلاء المعرّي (^٤)، وبعض شعره الشكي، وبعض أقاويله، واهتموا برسالة الغفران على وجه الخصوص، علمًا بأن
_________________
(١) انظر: كلامه عنه في الثابت والمتحول ٣/ ٢٦٦، ٢/ ٨٠ - ٥٨، ٢١٤، وزمن الشعر: ص ٥١، ٢٣٩.
(٢) انظر: كلامه عنه في الثابت والمتحول ٢/ ٢٦٦ و٢/ ٧٤ - ٧٦.
(٣) انظر ذلك في الثابت والمتحول ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٤) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان أبو العلاء المعري التنوخي الشاعر اللغوي الأعمى المتهم في نحلته، ولد في ٣٦٣ هـ، له تواليف من أردئها رسالة الغفران، حصلت له شكوك لم يكن له نور يدفعها فحصل له نوع انحلال وعنده أنواع من الريب والاعتراضات مات ٤٤٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٣ - ٣٩.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
حوله كلام طويل بين من يقدحه ومن يبرئه ويمدحه.
فها هو النصراني الفلسطيني والشيوعي الموظف لدى حكومة اليهود أميل حبيبي يقول: (في تاريخنا القديم لم يتوان المعارضون برهة عن المجاهرة بمناوأتهم للحكم حتى للدين بأساليب مختلفة وتعابير مزدوجة المعاني، وتبقى رسالة الغفران لأبي علاء -كذا- المعري مثالًا صارخًا على هذا الصعيد) (^١).
ويقول أدونيس: (يقال إن العرب يتكلمون كثيرًا، على العكس، إن ما يحتاج إليه العرب هو الكلام، منذ أبي العلاء المعري لم نتكلم، رددنا كررنا حفظنا لكننا لم نتكلم، والذين تكلموا قلائل جدًا) (^٢).
وقد جعل لويس عوض من المعري سلمًا لبث شكوكه ونصرانيته، فتصدى له الشيخ محمود شاكر في كتابه "أباطيل وأسمار" ودافع عن أبي العلاء، ولم يعتبر ما نقل عنه من شعر أو مؤلفات يطعن في عقيدته ودينه.
ومن الشخصيات التي اهتموا بها وحولها كلام طويل بين قادح ومادح عمر الخيام (^٣).
وممن امتدحه وأشاد به البياتي، حيث جعل فكره حياة نيسابور، بل إنه جعل اسم نيسابور من الأسماء الرمزية التي يكررها في شعره كثيرًا، مثل اسم عائشة التي صرح بأنها رمز لفكرة الخيام الدائمة ضد الإسلام الذي يراه مجرد ظلام وموت، ويرى الحياة والنور في فلسفة الخيام وفكره (^٤)، ومن أقواله:
_________________
(١) رأيهم في الإسلام: ص ٣٩.
(٢) زمن الشعر: ص ١٤١.
(٣) هو: عمر بن إبراهيم الخيامي النيسابوري، شاعر فيلسوف فلكي رياضي، اشتهر برباعياته التي نظمها بالفارسية وعربت، وهي مليئة بالشكوك، سار على نهج ابن سينا، وتعلم علوم اليونان فأثرت في عقيدته، فارتاب واضطرب، وكان سيء الخلق، ضيق العطن، توفي في نيسابور سنة ٥١٥ هـ، الأعلام ٥/ ٣٨.
(٤) انظر: ديوان البياتي ٢/ ٧١ - ٧٢، ٣٠٨.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
(فانا غاليلوا -سقراط- الحلاج
وأنا الحسن الصبّاح الخيام) (^١).
وهو القائل:
(بتراث معري النعمان
والمتنبي وعلي وأبي حيان
وتراث الثورات
أتحصن ضد اللاجدوى، وردئ الزمن المرفوض بكل
الأزمان) (^٢).
ويمتدح سعدي يوسف المعري ويضع لسماع كلامه اعتبارًا ومكانة، ولمخالفته خطورة (^٣).
ومن الشخصيات التي يذكرونها بإشادة ومدح عبد اللَّه بن المقفع (^٤)، ويندبون مقتله ويعتبرون ذلك جريمة في حق الفكر والحرية.
وممن امتدحه ودافع عنه واعتبر أن قاتليه رموزًا للتخلف والرجعية، معين بسيسو (^٥).
ومن الشخصيات المعروفة بالزندقة ميمون القداح أحد مؤسسي الفرقة
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣١٠.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٤٤٥.
(٣) انظر: ديوان سعدي يوسف: ص ٧٢.
(٤) هو: عبد اللَّه بن المقفع، أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتاب، وأول من عني في الإسلام بترجمة كتب المنطق، أصله من فارس كان مجوسيًا فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح، وولي كتابة الديوان للمنصور العباسي وترجم له كتب أرسطو وإيساغوجي وكليلة ودمنة، اتهم بالزندقة فقتله والي البصرة سنة ١٤٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٠٨، والبداية والنهاية ١٠/ ٩٦، والأعلام ٤/ ١٤٠.
(٥) انظر: الأعمال الكاملة لمعين بسيسو: ص ٢٦٤.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
الإسماعيلية، وقد وضع في مدحه شاب يمني حداثي يدعى إسماعيل الوريث كلامًا بعنوان "من هموم ميمون القداح" قال فيه:
(يا ريحًا صارخة في أكواخ القش
مضى زمن مغلقة فيه المدن العباسية
هذا زمن الدعوة تحتضن البسطاء
نزلت الليلة في قلب مدينة من أهواه
أنصت إلى الهمسات المسموعة
عانقني شوق ناري في أعماق المقهورين
تحدر من عيني الدمع
الألق الموحي بالفجر) (^١).
وقد كتب عبد اللَّه الزيد وهو حداثي من تلاميذ صغار الحداثيين مدحًا لصاحبه اليماني فقال: (من هذه الدوائر الشاعر الشاب إسماعيل الوريث، يحاول من خلال الشخصيات التاريخية -ميمون القداح- أن يكتب ظلالًا من المواقف الشجاعة، تتزامن مع الكلمة والمعنى الذي تؤديه وحدات القصيدة من هموم ميمون القداح) (^٢).
هذا هو أخذهم من التراث، وهذه هي استفادتهم منه، يتقلبون بين الباطنية والصوفية الاتحادية والزنادقة والفلاسفة والفرق الضالة من الشيعة والخوارج والمعتزلة.
وهذا مما يؤكد أن الحداثة تستهدف بصورة مقصودة حرب هذا الدين القويم، وهدم أسسه ومبانيه، وجحد فضائله ومحاسنه، وإشاعة ما ظنه المارقون والشاكون عيوبًا ومثالب.
_________________
(١) مجلة اقرأ - العدد ٣٥٣، ومجلة الناقد - العدد الأول: ص ٣٦.
(٢) مجلة اقرأ - العدد ٣٥٣.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
إنهم يتلموس في ردهات الإسلام الطاهر النقي أي شيء ليعيبوه به، ويبحثون في تاريخه وحضارته عن كل همل ساقط، وكل ردئ خبيث الطوية والمعتقد، فيستخرجونه من غبار الإهمال الذي ران عليه طوال قرون، ويجعلون منه السيد العاقل البصير.
فإذا أضفت إلى كل هذا أنهم ما تركوا عفنًا عقديًا إلّا ارتادوه وأقبلوا إليه يأخذون منه ويَرِدُونَ عليه ورود الهيم، تبين أن القوم في عماية الغواية، وأن الضلالة قد استبدت بهم وترسخت في أفئدتهم وغطت على عقولهم فإذا هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ (^١).
• • •
_________________
(١) الآية ١٧١ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٩٦٩ ]