الحياة العلمية في زمنٍ مَّا، تتبع الحياة السياسية؛ استقرارًا واضطرابًا،
_________________
(١) هناك تميِّزٌ في القصيم في أبواب العلوم والآداب، ناتجٌ من حرصهم على العلم، إضافة إلى تنقلاتهم التجارية في بلدان كثيرة، مما أكسبهم فنون عديدة، ينظر: «الأحوال السياسية في القصيم في عهد الدولة السعودية الثانية» د. محمد السلمان (ص ٣٧٦ وما بعدها)، وممن شهد بذلك أيضًا الكاتب: سليمان بن صالح الدّخِيْل [ت ١٣٦٤ هـ، ترجمته في: «علماء نجد» (٢/ ٢٨٥)، «تسهيل السابلة» (٣/ ١٨٢١) (٣٠٢٨)، وأفرد القشعمي في ترجمته كتابًا بعنوان «سليمان بن صالح الدخيل - صحفيًا ومفكرًا ومؤرخًا ـ]، صاحب جريدة الرياض، الصادرة من بغداد، انظر: «مسائل من تاريخ الجزيرة العربية» لأبي عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري (ص ٢٥٩). فائدة: لمَّا ذكرتُ لمعالي الشيخ: محمد بن ناصر العبودي - حفظه الله - في (٧/ ١٤٣٣ هـ) وصف الدّخِيل لأهل القصيم، قال: في بعضه مبالغة، مثل قوله عن معرفة أهل بريدة عددًا من اللغات الأجنبية: التركية، الفارسية، الهندية، الإيطالية، الفرنسية، الأردية، التامولية، الانكليزية! ! قال الشيخ: (أنا لا أعرفُ إلا رجلًا واحدًا يعرف اللغة الانجليزية). ثم وجدت للشيخ كلامًا في: «معجم أسر بريدة» (٦/ ١١٩). قلتُ: ثم وقفتُ على كلام للشيخ: حمد الجاسر في «مجلة العرب» (١/ ٤٧٢) يقول عن الدخيل: (.. وبالإجمال فإن كثيرًا من كتاباته - على ضآلة نفعها - تعوزها الدِّقةُ، وينقص كثيرُ منها تحرِّي الصواب، ولكنه مع ذلك قام بنشاطٍ كَبيرٍ في مجال الصحافة والنشر، ويُعدُّ أوَّل نجديٍّ زاولَ مِهْنَةَ الصحَافة، وأوَّل نجديٍّ اتجه لنشر المخطوطات ..).
[ ٦٢ ]
قوّةً وضعفًا؛ لأن السياسة تُرغِّبُ وتُلزِمُ بقوة السلطان ما تراه مناسبًا لها؛ باختلاف البواعث، ولكل راية أتباع، ولكل أتباع متحمِّسون، تختلف مراتبهم العلمية، ودرجاتهم العقلية.
وإن بين الرياض والقصيم ارتباطًا وثيقًا جدًا؛ فالاضطراب في الرياض عاصمة الدولة السعودية يعكس أثرًا على القصيم نقصًا واضطرابًا.
وقد سبقت الإشارة في (ص ٤٢) إلى الفتنة بين أبناء الإمام فيصل؛ وما تبع ذلك من استيلاء محمد بن عبدالله بن رشيد على بلدان «نجد»: «الرياض» (من سنة ١٣٠٩ هـ إلى ١٣١٩ هـ) و«القصيم» (من سنة ١٣٠٨ هـ إلى ١٣٢٣ هـ).
وبما أن منطقة القصيم منطقة استراتيجية في الجزيرة، خاصةً بين المتنازعين (آل سعود، وآل رشيد)، وهي مليئة بالعلماء الكبار؛ كان فيها اضطرابٌ ونزاعٌ حادَّين يوازي قيمتها وثقلها.
وليس من شرط النزاع العلمي تكافؤ الأدلة والحجج؛ فإن الباطل يرتفع - في الظاهر ـ، لينازع الحق؛ بتأييد السلطان، وحمله الناس عليه؛ ترغيبًا تارةً، وترهيبًا تارات عديدة.
وهذا ما حصل في «بريدة»؛ فيها أهل السنة والجماعة من علماء آل سليم، ومن انتهج نهجهم، وتلامذتهم؛ وهم الأكثرون، وكانوا على وِفَاقٍ
[ ٦٣ ]