قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ ـ: (فَالمُنْكَرَاتُ الْظَّاهِرَةُ يَجِبُ إِنْكَارُهَا بِخِلَافِ البَاطِنَةِ، فَإِنَّ عُقُوْبَتُهَا عَلَى صَاحِبِهَا خَاصَةٌ). (١)
- قَوْلُهُ: (تَجْوِيْزُ السَّفَرِ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ دِيْنٍ).
أَقُوْلُ: فَإِنَّ هَذِهِ المَقَالَةَ مِنْ أَشْنَعِ المَقَالَاتِ، وَأَوْضَعِ الاعْتِقَادَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ المُحَقِّقِيْنَ، كَيْفَ يُدْنَا إِلَى قَوْمٍ وَقَدْ أَبْعَدَهُمُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ، وَكَانُوْا ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ، قال تعالى:
_________________
(١) = قال الترمذي بعد إخراجه الحديث: (حديث حسنٌ صحيحٌ. وقد رواه غير واحدٍ عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعًا، وروى بعضهم عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر، قولَه، ولم يرفعوه). وانظر للاستزادة: تخريج الشيخ: سعد الحميِّد في «سنن سعيد بن منصور» (٨٤٠). وقد صحَّحَ الحديثَ الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٨٨) (١٥٦٤).
(٢) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢٨/ ٢٠٥، ٢١٧)، وانظر في المسألة: «الداء والدواء» لابن القيم - ط. عالم الفوائد - (ص ٢٦١)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص ٢٩٦)، و«الذخيرة» للقرافي (١٠/ ٤٧)، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للشيخ: خالد السبت (ص ٢٩٨)، «الحسبة في الماضي والحاضر بين ثبات الأهداف وتطور الأسلوب» د. علي بن حسن القرني (١/ ٢٥١)، «قواعد في فقه الاحتساب» د. عبدالعزيز البداح (ص ١٠٥).
[ ١٧٠ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ (١).
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (٢) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ اللهُ فِيْ كِتَابِهِ مِنَ الْنَّهِيِ عَنِ الرُّكُوْنِ إِلَى المُشْرِكِيْنَ، وَقَدْ يَتَأَثَّرُ الْرُّكُوْن (٣) إِلَى المُشْرِكِيْنَ مِمَّنْ يُسَافِرُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا (٤) أَمْرَيْنِ:
الأَوَّلُ: عَدَمُ مَعْرِفَةِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ الخَلِيْلِ.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآيتان (١١٨ - ١١٩).
(٢) تكملة الآية ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ سورة آل عمران، آية (٢٨).
(٣) كذا، ولعله: بالركون.
(٤) طمس بمقدار كلمتين، (كأنها على سبب)، ثم ضُرِب عليها ..
[ ١٧١ ]
وَالْثَّانِيْ: مَحَبَّةُ عَرَضِ الْدُّنْيَا يَؤُوْلُ بِهِمْ إِلَى الْرُّكُوْنِ، مَعَ كَثْرَةِ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُكَالَمَةِ.
وَالْرُّكُوْنُ فِيْ الْلُّغَةِ (١): المَيَلَانُ إِلَى الْشَّئِ، وَالْسُّكُوْنُ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ: أَنَّ الْرُّكُوْنَ إِلَى المُشْرِكِيْنَ مِنَ المَحَبَّةِ وَالْقِيَامِ لَهُمْ إِلَى تَقْرِيْبِ الْقَلَمِ وَالْدَّوَاةِ (٢)؛ وَهَذَا كُلُّهُ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَافِرُ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ، وَقَدْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - العَدَوَاةَ وَالبَغْضَاءَ، وَصَرَمَ عَنْهُمْ المُخَالَطَةَ وَالمُجَالَسَةَ بِقَوْلِهِ: «أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيْمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِيْنَ» (٣).
وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ (٤) عَنِ المُسْلِمِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَمَا فِيْ
_________________
(١) قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٢/ ٢٦١): (الرُّكُونِ: السُّكون إِلَى الشَّيْءِ والمَيْل إِلَيْهِ)، وانظر: «تاج العروس» للزبيدي (٣٥/ ١١٠)، وفي «المخصص» لابن سِيْدَه (٣/ ٤٦٢): [«صَاحب الْعين»: ركِن إِلَى الدُّنْيَا رَكْنًا: مَال إِلَيْهَا واطمأنّ بهَا ولُغة سفلى مُضر ركَن يركُن رُكونًا، وناس أخذُوا من اللغتين فَقَالُوا: ركن يركَن رَكانة. ابْن السّكيت: ركِن يركُن نَادِر ].
(٢) كذا في المخطوطة، ولعلَّ في الكلام سقطًا.
(٣) سيأتي تخريج المؤلِّفِ له، انظر (ص ١٧٩).
(٤) نهاية الورقة [٢] من المخطوط.
[ ١٧٢ ]
حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيْ الْصَّحِيْحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا، أَنَّ الْنَّبِيَّ - ﷺ - أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: «أَخْرِجُوْا المُشْرِكِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيْزُوْا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيْزُهُمْ » وَنَسِيْتُ الْثَّالِثَةَ، وَالْشَكُّ مِنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ (١).
وَأَخْرَجَ «مُسْلِمٌ»، وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - يَقُوْلُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُوْدَ وَالْنَّصَارَى مِنْ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَايَبْقَى فِيْهَا إِلَّا مُسْلِمٌ» (٢).
وَأَخْرَجَ «أَحْمَدٌ» مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - أَنْ قَالَ: «لَانَتْرُكَ (٣) بِجَزِيْرَةِ الْعَرَبِ دِيْنَانِ».
وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:: حَدَّثَنِيْ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الْزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِالله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْهَا (٤).
_________________
(١) أخرجه: البخاري في «صحيحه» (١١٤) و(٣٠٥٣) و(٤٤٣١)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٣٧) من حديث عبدالله بن عباس - ﵄ -.
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٧٦٧)، ولفظه: « حتى لا أَدَعَ إلا مُسْلِمًَا».
(٣) كذا في المخطوط، وفي «المسند»: (لايُتْرَكُ).
(٤) إسناد حسنٌ؛ لأجل ابن إسحاق، والحديث صحيح؛ لشواهده. أخرجه: أحمد في «مسنده» (٤٣/ ٣٧١) (٢٦٣٥٢) من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف. والطبري في «تاريخه» (٣/ ٢١٤)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٢) (١٠٦٦) من طريق محمد بن سَلَمَة. ورواه زياد البكائي كما ذكره الدارقطني في «العلل» (١٣/ ٢٥٦). ثلاثتهم: (إبراهيم بن سعد، ومحمد بن سلمة، وزياد البكائي) عن محمد بن إسحاق، به. خالفهم عبدالله بن نمير، فرواه عن محمد بن إسحاق، به. مرسلًا. أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٢٥٤). قال الطبراني عقبه: (لم يروه عن صالح إلامحمد). وصحَّحَ الحديثَ الدارقطنيُّ في «العلل» (١٣/ ٢٥٦). ورواه معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، مرسلًا. أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (٦/ ٥٣) (٩٩٨٤)، (١٠/ ٣٥٧) (١٩٣٥٩). ويشهد للحديث، ماذكره المؤلف قبله من حديث عمر - ﵁ - في «صحيح مسلم».
[ ١٧٣ ]
وَالأَدِلَّةُ هَذِهِ، دَلَّتْ عَلَى مُبَايَنَةِ المُشْرِكِيْنَ مُطْلَقًَا؛ فَالمُخَالَطَةُ رَأَسُ كُلِّ شَرٍّ، كَمَا هُوَ المَعْرُوْفُ عِنْدَ مَنْ كَانَ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ فِي أَصْلِ الْدِّيْنِ، وَاتِّسَاءٌ بِإبْرَاهِيْمَ الخَلِيْلَ - ﵇ - ومَنْ مَعَهُ، حَيْثُ ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ إِظْهَارَ الدِّيْنِ فِيْ قَوْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١).
_________________
(١) سورة الممتحنة، آية (٤).
[ ١٧٤ ]
فَأَبْدَى إِظْهَارَ الدِّيْنِ فِيْهِمْ - ﵇ - فِيْ هَذِهِ الخِصَالِ الأَرْبَعِ، وَهِيَ: البَرَآءَةُ مِنْهُمْ، وَالكُفْرُ بِهِمْ، وَالعَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ حَتَّى يُؤْمِنُوْا بِالله؛ فَهَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيْمَ فِيْهِمْ - ﵇ -، وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ المُعَامَلَةِ مَعَ المُشْرِكِيْنَ، مِنْ المَبْعَثِ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ القَيِّمِ - قَدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ ـ: (وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِيْنَةَ، صَارَ الكُفَّارُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ صَالحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُحَارِبُوْهُ وَلَايُظَاهِرُوْا عَلَيْهِ (١) عَدُوَّهُ، وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، آمِنُوْنَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ؛ وَقِسْمٌ حَارَبُوْهُ وَنَصَبُوْا لَهُ الْعَدَاوَةَ؛ وَقِسْمٌ تَارَكُوْهُ، فَلَمْ يُصَالِحُوْهُ، (٢) بَلْ انْتَظَرُوْا مَا يَؤُوْلُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَمَرُ أَعْدَائِهِ (٣).
إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ آلَتْ حَالُ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالْصُّلْحِ إِلَى الإِسْلَامِ، فَصَارُوْا مَعَهُ قِسْمَيْنِ: مُحَارِبِيْنَ؛ وَأَهْلِ ذِمَّةٍ) (٤).
قُلْتُ: أمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ، فَقَدْ بَارَزَهُمْ رَسُوْلُ الله - ﷺ -، وَبَرَزَ إِلَيْهِمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ، وَمُبَايَنَتِهِمْ.
_________________
(١) في المطبوع من «الزاد» زيادة: ولا يوالو.
(٢) في «الزاد»: ولم يحاربوه.
(٣) «زاد المعاد» (٣/ ١٢٦).
(٤) «زاد المعاد» (٣/ ١٦٠).
[ ١٧٥ ]
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ - ﷾ - نَبِيَّهُ - ﷺ - بِالهِجْرَةِ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١) كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
أَخْرَجَهُ: «التِّرْمِذِيُّ» وَصَحَّحَهُ هُوَ، وَالحَاكِمُ، وَذَكَرَ الحَاكِمُ أَنَّ خُرُوْجَهُ - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيْبًَا مِنْهَا.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِيْ «صَحِيْحِهِ» عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، سَمِعْتُ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - يَقُوْلُ: «الْأَعْمَالُ (٢) بِالنِّيَّةِ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيْبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ» (٣).
وَبَقِيَ وُجُوْبُ الهِجْرَةِ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى أَنْ تَقُوْمَ الْسَّاعَةُ، لِحَدِيْثِ عَبْدِاللهِ بْنِ الْسَّعْدِيِّ، رَفَعَهُ: «لَاتَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الْعَدُوُّ» رَوَاهُ الْنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (٤).
_________________
(١) سورة الإسراء، آية (٨٠).
(٢) نهاية الورقة [٣] من المخطوط.
(٣) «البخاري» (١) و(٥٤) و(٣٨٩٨)، و«مسلم» (١٩٠٧).
(٤) أخرجه كما قال المؤلف: النسائي في «المجتبى» (٧/ ١٤٦) (١٤٧٢)، وفي «السنن الكبرى» (٨/ ٦٥) (٨٦٥٤) إلى رقم (٨٦٥٧)، وفي (٧/ ١٧٩) رقم (٧٧٤٧) و(٧٧٤٨)، وابن حبان في «صحيحه» (١١/ ٢٠٧) (٤٨٦٦) ولفظه عندهما: «ما قُوْتِلَ الكُفَّارُ». وأخرجه: أحمد في «مسنده» (٣/ ٢٠٦) (١٦٧١)، و(٣٧/ ١٠) (٢٢٣٢٤)، وغيرُه. ولفظ أحمد (٣٧/ ١٠): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حَسَلٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا لَهُ: احْفَظْ رِحَالَنَا. ثُمَّ تَدْخُلُ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَضَى لَهُمْ حَاجَتَهُمْ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: ادْخُلْ فَدَخَلَ. فَقَالَ: «حَاجَتُكَ؟» قَالَ: حَاجَتِي. تُحَدِّثُنِي: أَنْقَضَتِ الْهِجْرَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حَاجَتُكَ خَيْرٌ مِنْ حَوَائِجِهِمْ لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ». ومن ألفاظ النسائي: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ - ﵁ - قَالَ: وَفَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابِي فَقَضَى حَاجَتَهُمْ، ثُمَّ كُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولًا عَلَيْهِ» فَقَالَ: «حَاجَتُكَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ». والحديث في إسناده اخْتِلَافٌ كَثِيْرٌ،، وَلَهُ شَوَاهِدُ، يُنْظر: «التخريج المحبَّر الحثيث لأحاديث كتاب المحرر في الحديث» لسليم الهلالي (٢/ ٨٨٤ - ٨٨٧)، «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢/ ٤٢)، «إرواء الغليل» (٥/ ٣٤)، «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٢٤٠)، طبعة الرسالة ل «المسند» (٣٧/ ١١). وحسَّنَ إسنادَه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ٣٤).
[ ١٧٦ ]
وَلِأَبِيْ دَاوْدَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، مَرْفُوْعًَا: «لَاتَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ
[ ١٧٧ ]
الْتَّوْبَةُ، وَلَاتَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الْشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١).
وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ سُبْحَانَهُ الَّذِيْنَ لَمْ يُهَاجِرُوْا مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ إِذَا كَانُوْا قَادِرِيْنَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا
_________________
(١) أخرجه: أحمد في «مسنده» (٢٨/ ١١١) (١٦٩٠٦)، ومن طريقه: [المزي في «تهذيب الكمال» (١٧/ ٣٣٠)]، والدارمي في «مسنده» (٣/ ١٦٣٤) (٢٥٥٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٩/ ٨٠)، وأبو داود في «سننه» - ط. الرسالة - (٤/ ١٣٦) (٢٤٧٩)، وعنه: [ابن سمعون في «أماليه» (٢٣٢)]، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨/ ٦٧) (٨٦٥٨)، والطحاري في «مشكل الآثار» (٧/ ٤٥) (٢٦٣٤)، وأبو يعلى في «مسنده» (١٣/ ٣٥٩) (٧٣٧١)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٩/ ٣٨٧) (٩٠٧)، وفي «مسند الشاميين» (٢/ ١٣٨) (١٠٦٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ١٧) مِنْ طُرُقٍ عن عبدالرحمن بن أبي عَوْفٍ الجُرَشي، عن أبي هند البجلي قال: كنا عند معاوية - ﵁ - فذكره. وهذا الإسناد ضعيف؛ لجهالة أبي هند، قال الذهبي في «الميزان» - ط. الرسالة - (٥/ ٢٩٧): (لايُعْرَف، لكن احتجَّ به النسائي على قاعدته)، وقال ابن حجر في «التقريب» (ص ٧٠٤): مقبول. أي إذا تُوبِع، وإلا فَلَيِّنُ الحَدِيْثِ. ولم يُتابَع هُنَا؛ قال البغوي في «شرح السنة» (١٠/ ٣٧١): (وَهَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ). لكن له شَاهِدٌ يُقَوِّيْهِ، وهُوَ حَدِيثُ ابنِ السَّعْدي السابق. والحديثُ صحَّحَهُ العَلَّامَةُ الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٣٣) (١٢٠٨)، وانظر: «أنيس الساري» للبصارة (٩/ ٦٠٩٨) (٤٢٨٣).
[ ١٧٨ ]