ووِئَام وصلة مستمرة بآل الشيخ وتلامذتهم في الرياض (١)، وجميعهم من أتباع دعوة الإمام المجدد: محمد بن عبدالوهاب - ﵀ -، ودَعْوَتُهُ: اتِّبَاعُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
يَذْكرُ أهلُ العلم: محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ، وإبراهيم بن عبيد، وعبدالله البسام، ومحمد العبودي، ومحمد بن عثمان القاضي، أنَّ أهل العلم في بريدة على قسمين:
١) آل سليم، وأتباعهم، وهم الأكثرون.
٢) ابن جاسر، ومن مشاهير أصحابه: عبدالله بن عمرو، وعلي المطلق، وابن صقيه الأعمى، وصالح الدخِيل، وعبدالرحمن الجلاجل، وسابق الفوزان والد فوزان السابق، وإبراهيم بن علي الرشودي، وكَثِيرٌ من أهل عقيل «عقيلات»، وآل سيف - عدا ناصر بن سليمان بن سيف ـ، والتويجري أهل صباخ، والرشود الصالح أهل صباخ (٢).
_________________
(١) بين علماء آل سليم وآل الشيخ - ﵏ - وِفَاقٌ كَبِيرٌ، ومَحَبَّةٌ عَظِيْمَةٌ، انظر كلام الشيخ عبدالله ابن الشيخ: محمد بن عبدالله بن سليم، في الثناء والتعظيم لعلماء آل الشيخ «تذكرة ابن عبيد» (١/ ٣٧٩) و(٣/ ٢٨٦).
(٢) ينظر: «معجم أسر بريدة» (٣/ ٥٤ - ٥٥، ٦٥).
[ ٦٤ ]
ويبدو أن هؤلاء العلماء نظروا إلى انقسام الجماعات العِلْمِية، دون النظر إلى مجموعات قليلة شَذَّت بمسائل، ماتت بموتهم، أو أفرادٍ من العوام تناقلوا بفهومهم القاصرة، ولُغَتِهم العَامِّيَّة ما كتبهُ أهلُ الأهواء ممن اتبعوهم، فلم يَعْتَبِرُوا مَنْ هذا شأنُه قِسْمًا من أقسام الخلاف العلمي في «بريدة».
وهناك من المعاصرين من جعلهم ثلاثة أقسام: آل سليم وتلامذتهم، وفَصَلَ الشيخَ: ابنَ جاسرٍ عن تلميذه: ابن عَمْرو.
وجعلَ خلاف ابن جاسر من الخلاف المشروع السائغ الذي يُقبل فيه الاجتهاد.
وجميع مَن سبق - عدا العبودي - يحصرُ الخلافَ بينهم في مسألة: تكفير دولة الترك، وما ينبني على ذلك من الولاء والبراء، والسفر إلى البلدان الداخلة تحت حكمهم.
والصحيح أنَّ الخلاف ليس محصورًا بذلك - كما سيأتي ـ، وهناك مسائلُ عقدية تراجع عنها الشيخ ابن جاسر، وربما بقي من أتباعه من يعتقِدُ صِحَّتَها.
[ ٦٥ ]
والظاهر - والله أعلم - أنَّ ابن عَمْرٍو هُوَ الذي فرّق أهل العلم في «بريدة» إلى فريقين، كما قاله الشيخ ابن مانع - كما سبق في ترجمته ـ، وقد تبنَّى ابنُ عمرو مسائلَ مخالفة، واحتمى لها، ونافح عنها، وانتهج نهجًا ليس عليه شيخه ابن جاسر، ولابن عمرو أتباع؛ نظرًا لبيانه، وسلاطته، وقربه من حكام آل رشيد، وحماسه المنقطع النظير؛ عِداءً لدعوة التوحيد وأهله.
وعند التفصيل يظهر - والله أعلم - أنهم أربعة أقسام؛ لأن الباطل دومًا يتشعب، ومَن خرج عن جادة الصواب؛ وجد أمامه السبل تتفرق به، وعلى كل سبيل صاحب هوى يحمل الراية، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وإن كان بعضهم كثيرٌ عليه أنْ يُجْعَلَ في قسمٍ خاص - ولو كان قسمًا سيئًا ـ، وليس من تلازم بين المخالفة وأن يُصنَّفَ المخالِفُ في قسم شهير من أقسام المخالفين، والغالب وجود ارتباط وتشابه.
فربما نجد مَنْ انفرد بآراءٍ لايمكن وصفه بأنه من أتباع هؤلاء وهؤلاء، لذلك يهمنا القسمان الشهيران اللذان ذكرهما غالب العلماء، وإن
[ ٦٦ ]
شئتَ احترامًا للشيخ ابن جاسر - ﵀ -، أفردتَ عنه التلميذَ ابن عمرو، المناوئَ لأهل السُّنَّةِ.
فيقال: هناك قسمان اثنان كبيران: آل سليم، وآل جاسر، ثم تفرع عنه ابن عمرو
والبقية لاتكاد تُذْكَرُ، لِزوال خلافهم سريعًا بزوالهم، وإما لأنهم من العوام كالأعراب الإخوان، الذين خلافهم ليس خلافًا علميًا وإن تكلموا بكلام أهل العلم، وتأثروا ببعضهم، فإنما هم نقَلةُ شُبَه - دون فهم ـ، وحمَلَةُ أهواء.
ومع ما سبق يقع في نفسي على الأقل تأدبًا أن أجعل أهل الحق - وهم الأكثرون - داخلون في التقسيم، ألا يكونوا هم الأصل، والمفارِق لهم في الهامش؟ !
إنَّ أهل السنة والجماعة في «بريدة» من أتباع علماء الدعوة السلفية المباركة؛ لاقَوا من صنوف الأذى ما لاقوا، تحت ولاية: محمد بن عبدالله ابن رشيد، وابن أخيه بعده: عبدالعزيز بن متعب؛ فقد أُبعدوا عن التدريس، والإمامة، والخطابة، والقضاء، وسُجِنوا، وأُهِينُوا؛ ومع ذلك صبروا، وصابَروا، ورابَطُوا؛ فنصرهم الله - ﷿ - وأكرمهم بولاية شرعية سُنِّيَّة سَنِيَّةٍ بحُكْمِ الملك عبدالعزيز - ﵀ - (سنة ١٣٢٢ هـ).
[ ٦٧ ]