وقبل ذلك خالف الجماعةَ:
١. الشيخ المحدِّث: إبراهيم بن جاسر (١) - ﵀ -، فقد خالفهم في
_________________
(١) الشيخ المُحدِّث: إبراهيم بن حمد بن عبدالله بن جاسر، ولد في بريدة (١٢٤١ هـ)، درس على آل سليم: محمد بن عبدالله، ومحمد بن عمر؛ وأكثر من لازم الشيخ: إبراهيم بن محمد بن عجلان. وكان جيِّد الفهم، حاد الذكاء والحفظ، سافر إلى العراق والشام، واتصل بعلمائها، وسافر إلى مكة وجالس علماءها؛ وكان بارعًا في عدد من العلوم؛ خصوصًا علم الحديث، ويقال عنه: بأنه كان يحفظ الصحيحين. ولما عاد حصلت بينه وبين مشايخه آل سليم جفوة، استمرت حتى توفي الشيخين من آل سليم: محمد بن عمر، ومحمد بن عبدالله. كان صريحًا في أقواله وأفعاله، مشهورًا بالكرم، والعطف على الفقراء. أفاد ابن بسام: بأنه كان أول الأمر على وفاق مع مشايخه آل سليم، ثم حصلت الخلافات بينهما إلى أن توفي الشيخين. وكان أهل العلم في بريدة حزبين: حزب مؤيد لآل سليم، وحزب مؤيد لابن جاسر، وليس بينهما مايوجب الخلاف والنزاع والفرقة، ولكنه غلبة الهوى، ووشاية الأعداء، وجهلة أتباع الطرفين أما مايقوله بعض الجهال والأعداء عن تساهله في توحيد الألوهية، وعدم تحقيقه؛ فهو كذب مفترى. =
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإن نجدًا بعد ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - ﵀ - صارت عقيدة أهلها واحدة في تحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة، وبُعْدِهم عن البدع والخرافات، وإن كان هناك خلافٌ بين هذين الحزبين فهو جسارة حزب في إطلاق الكفر على بعض الطوائف، وتورع الحزب الآخر عن ذلك، وترتب على هذه المسألة: السفر والإقامة في بلد هؤلاء المختلف في تكفيرهم، فمن كفرهم حرَّم السفر والإقامة في بلادهم، ومن سكت عنهم لم يمنع من ذلك، ومع تزايد الخلاف وعدم الحكمة فيه؛ امتدَّ إلى الخلاف على المسائل الفرعية، كصوم يوم الشك في رمضان ثم ذكر الشيخ دلائل لنفي التهمة الموجَّهة إليه، وثناء العلماء عليه. فلتُراجع. كذا قال - ﵀ - والحق أن بينهما مسائل عقدية كبيرة، ليست من المسائل التي تقبل الخلاف، نتج عنها أذايا ووشاية ابن عمرو وأتباعه لآل رشيد ضد علماء السنة. وواضح من كلام ابن بسام إنكاره ما نسب إلى ابن جاسر، وتوبته المكتوبة. وفي بعض الدلائل التي ذكرها الشيخ: عبدالله البسام في ترجمة ابن جاسر، تكلُّفٌ وضعف، وفيما نقله البسام: عدم إنكار ابن جاسر في مكة على من يريد بيع كتاب الفصوص، مع وجود المجادلات بين يديه، قرينة على ما دلت عليه رسالة التوبة، على الأقل في هذه الجزئية، وهي جزئية لا تخفى على من له نظر في العلم، خاصة في القرون المتأخرة بعد تقريرات ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - والشيخ: عبدالله البسام - ﵀ - تقع له أوهام في أحداث لها صلة ببلده «عنيزة»، والشيخ: ابن جاسر من مشايخ شيخه العلامة: ابن سعدي - رحم الله الجميع ـ. =
[ ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسبق - في ترجمة ابن عمرو - ذكر رأي البسام في الخلاف بين ابن عمرو، وآل سليم، وقد حاول الدفاع عنه، وتحويل القضية إلى الخلاف السياسي فحسب! وهناك تعقبات دقيقة، توجب التوقف فيما أشرتُ إليه. وللشيخ العبودي - حفظه الله - في «معجم أسر بريدة» تعقبات في عدد من المواضع على الشيخ: البسام، لو جُمِعت لجاءت سفرًا يُصحح بعض المعلومات المهمة؛ وانظر: ما كتبه الباحث: محمد بن صالح بن عبدالعزيز ابن الشيخ: محمد بن عمر بن سليم، في موقع أسرتهم في «الشبكة العالمية» عن الشيخ محمد بن عبدالله بن سليم. هذا، وقد تعيَّن الشيخ ابن جاسر في قضاء عنيزة من عام (١٣١٨ هـ) إلى عام (١٣٢٤ هـ) في ولاية: عبدالعزيز بن متعب بن رشيد. وتعين في قضاء بريدة من عام (١٣٢٤ هـ - ١٣٢٦ هـ) وقت ولاية الإمام عبدالعزيز ابن سعود - كذا قال الشيخ ابن بسام، والشيخ العبودي ـ، وقد أورد العبودي (٣/ ٦٥) وثيقة بتاريخ (٥/ ١/١٣٢٧ هـ) فيها مصادقة الملك عبدالعزيز، لحكم ابن جاسر في قضية. وفي كتاب «علماء آل سليم»: لم يتعيَّن في القضاء زمن آل سعود؛ لميله إلى الأتراك، ومناصرتهم. من تلاميذه: عبدالله بن أحمد الرواف، وصالح بن ناصر بن سيف، وصالح المرشود، عبالعزيز بن عقيل، وصالح بن عبدالعزيز بن عثيمين، وإبراهيم بن علي الرشودي،
[ ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والشيخ العلاَّمة: عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي، وعبدالله بن عمرو، وعثمان بن صالح القاضي، وناصر بن سليمان بن سيف، وسابق الفوزان، وعبدالرحمن الجلاجل. وذكر العلامة: محمد بن ناصر العبودي - حفظه الله - أن المسائل التي خالف فيها ابنُ جاسر العلماءَ سبعُ مسائل. وقد تراجع - ﵀ - عن أربع منها، وهي: عدم تكفير من طلب من الميت مما هُوَ منْ قُدْرَةِ الحيِّ؛ وتجويْزُهُ شَدَّ الرَّحْلِ إلى قَبرِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ وتجويزُهُ التوسلَّ بالنبي - ﷺ - بعد مَوْتِهِ؛ وعدم تكفيره ابن عربي. وقد كتب رسالة في تراجعه (سنة ١٣٠٣ هـ)، وهي مخطوطة في مكتبة الحرم، نشرها الشيخ: أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري في «مجلة الدرعية» عدد (٢)، والشيخ: سليمان الخراشي في مقال منشور في الشبكة العالمية، والعلامة الشيخ: محمد العبودي أشار إليها في «معجم أسر بريدة» (١/ ٣٦٠)، و(٣/ ٥٦)، وقد سألتُ الشيخ: محمد ابن ناصر العبودي مهاتفة في (١٦/ ٦/١٤٣٣ هـ) عن صحة نسبتها للشيخ إبراهيم؟ فصحح الشيخ نسبتها، وقال: أنا نسختها بيدي سنة (١٣٦٤ هـ) من الشيخ: محمد بن صالح بن سليم - ﵀ -. توفي - ﵀ - في الكويت سنة (١٣٣٧ هـ)، وقيل (١٣٣٨ هـ)، وعمره (٩٧ سنة). تنظر ترجمته في: [«علماء آل سليم وتلامذتهم» للعُمَري (٢/ ٢٠٣) (٧)، «علماء نجد» للبسام (١/ ٢٧٧)، «روضة الناظرين» للقاضي (١/ ٤١)، «تسهيل السابلة» (٣/ ١٧٦٧) (٢٩٥٢)، «مشاهير علماء نجد» (ص ١٨١)، «تذكرة أولي النهى =
[ ٧١ ]
مسألة الأتراك، وتبعاتها، وفي مسائل عقدية - كما في ترجمته - وذكر العبودي أنها سبع مسائل، وسبق في ترجمته أنه تراجع عن أربع منها، ولا يظهر أن الشيخ - ﵀ - صاحب هوى، بل مجتهدٌ له أجرُ الاجتهاد، وما أمر الإدراك المبين بلازم لسعة الحفظ، وكثرة العلم؛ والهداية في المسائل العقدية والفرعية توفيق من الله تعالى.
وعند التَأمُّلِ في ترجمته - ﵀ - يظهر أنه على علم بالحديث وتميز فيه، مع عدد من الفنون؛ إلا أنه ربما لم يتسع في دراسة كتب الاعتقاد؛ فأثَّر هذا الإقلال عليه في بعض المسائل؛ مع اتصافه بصفة التردد، وسرعة التأثر، بمن أعطاه الله الولاية: ابن رشيد، أو اللسانة والصلافة كتلميذه: عبدالله بن عمرو بن رشيد؛ أو غيره من الناس (١) فأدَّى به ذلك إلى الاضطراب في مسائل عقدية كبيرة، كالمسائل التي تراجع عنها وتاب.
_________________
(١) = والعرفان» لابن عبيد - ط. الرشد - (٢/ ١٣٣)، «المبتدأ والخبر» لابن سيف (١/ ٣١)، «معجم أسر بريدة» للعبودي (٣/ ٥٤)، «علماء الحنابلة» لبكر أبو زيد (ص ٤٥٢) (٣٧٩٣)، «تاريخ مساجد بريدة» للرميان (ص ٨٦)، «الحنابلة خلال ثلاثة عشر قرنًا» د. الطريقي (١٠/ ٨٠) (٤٩٠٥)، «الدعوة الوهابية» ديفيد كمنز (ص ١٢٢)].
(٢) ينظر: «معجم أسر بريدة» للعبودي (٣/ ٥٦ - ٥٧).
[ ٧٢ ]
ففي أوان طلبه تردد في عقيدة شيخه الكبيرقاضي بريدة: سليمان بن علي بن مقبل، ثم تبيَّنَ له صلاحه، فلزمه، وندم على ما فرَّط.
المسائل التي تراجع عنها كانت مبثوثة مبسوطة في مؤلفات أهل السنة: كابن تيمية، وابن القيم، وأئمة الدعوة، وفي دروس مشايخه: آل سليم، فتأثُّرُه، ثم اعتقاده - أول الأمر قبل توبته - دليل على وجود الاضطراب الناشئ عن هشاشة الموقف العقدي، والنفسي.
وللشيخ - ﵀ - طلاب في بريدة يزدادون عصبية وبغضًا للمشايخ: آل سليم، وآل الشيخ، وتلامذتهم، يؤزهم كبيرُهم: عبدالله بن علي بن عمرو، مع ما عُرِف عن ابن عمرو من الوشاية بهم؛ يكفيك شيوع نبزهم أهلَ السنة والجماعة من آل سليم وتلامذتهم ب (المغاليث)، وغير ذلك من الأذايا المتعددة، ومع ذلك لم تَذكُر الرواة، وكتبُ التاريخ، والتراجم، موقفًا رشيدًا قويًا من الشيخ ابن جاسر ضد هذا البغي والعدوان، وأعظم العدوان وشايات ابن عمرو وكذبه ضد علماء آل الشيخ وآل سليم وأتباعهم.
وقد قيل بأن الشيخ ابن جاسر كان ممن يراسل ابن رشيد. (١)
_________________
(١) ينظر: «منبع الكرم والشمائل» (ص ٦٣).
[ ٧٣ ]