فَاعْتَبِرُوْا يَا أُوْلِيْ الأَبْصَارِ، كَيْفَ صَنِيْعُ الصِّدِّيْقِ بِأَهْلِ ذَلِكَ (١) الْدِّيَارِ مِنَ المُشْرِكِيْنَ، وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِمْ، وَغِلْظَتُهُ!؟
وَقَدْ أَخْرَجَ «الإِمَامُ الإِسْمَاعِيْلِيُّ»، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -، وَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، وَقَالُوْا: نُصَلِّي وَلَا نُزَكِّيْ؛ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَاخَلِيْفَةَ رَسُوْلِ الله، تَأَلَّفِ الْنَّاسَ، وَارْفِقْ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ؛ فَقَالَ: رَجَوْتُ نُصْرَتَكَ، وَجِئْتَنِيْ بِخِذْلَانِكَ! جَبَّارًَا فِيْ الجَاهِلِيَّةِ، خَوَّارًَا فِيْ الإِسْلَامِ! بِمَاذَا عَسَيْتَ أَتَأَلَّفُهُمْ؟ ! بِشِعْرٍ مُفْتَعَلٍ، أَوْ بِسِحْرٍ مُفْتَرَى؟ ! هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، مَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَاللهِ لَأُجَاهِدَهُمْ مَا اسْتَمْسَكَ الْسَّيْفُ فِيْ يَدِيْ، وَإِنْ مَنَعُوْنِيْ عِقَالًَا.
فَقَالَ عُمَرُ: فَوَجَدْتُّهُ أَمْضَى مِنِّيْ وَأَصْرَمُ، وَآدَبَ الْنَّاسَ عَلَى أُمْوْرٍ هَانَتْ عَلَيَّ كَثِيْرٌ مِنْ مُؤْنَتِهِمْ حِيْنَ وَلَيْتُهُمْ. (٢)
_________________
(١) كذا في المخطوطة، والصواب (تلك).
(٢) الحديث ضعيف جدًا. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: حدثنا محمد بن عَلَّويه الفقيه، قال: حدثنا أبو شعيب السوسي، قال: حدثنا يحي بن سعيد العطار، قال: حدثنا فرات بن السائب، عن ميمون، عن ابن عمر أنَّ أبا موسى إذ كان واليًا على البصرة، كان إذا خطب يوم الجمعة حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النَّبي - ﷺ - ثم ثَنَّى بعمر =
[ ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يدعو له، ولا يترحم على أبي بكر - ﵁ -، فتقدم إليه ضبَّة بن محصن يقول: أين أنت من ذكر صاحبه قبلَه تذكره بفضله؟ ! ففعل ذلك جُمَع، ثم كتب إلى عمر بقول ضبَّة بن مِحصن، فكتب إليه عمر يأمره بتسريحه إليه، فلما أتاه الكتابُ قال: اشخص إلى أمير المؤمنين، فلما قدم المدينة استتأذن على عمر فدخل عليه، فقال: أنت ضبة بن المحصن؟ قال: نعم. قال: فلا مرحبًا ولا أهلًا. قال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال، فعلامَ استحللت إشخاصي من مصر يا عمر بلا ذنب ولا جناية وسوء أتيته؟ ! وما تبوء بذنب تعتذر منه؟ قال: لا. قال: فما شجر بينك وبين عاملك؟ قال: كان إذا خطب يوم الجمعة صلى على النبي - ﷺ - ثم ثنّى بك يدعو لك، ولا يترحم على أبي بكر، فكان ذلك مما يغيظني منه. قال: أنت كنت أوفق منه وأفضل، فهل أنت غافر ذنبي إليك؟ قال: نعم يغفر الله لك. فاستبكى عمر حتى انتحب، ثم قال: والله ليوم أو ليلة من أبي بكر - ﵁ - خير من عمر وآل عمر من لدن ولدوا الحديث. وفيه قصة دخول أبي بكر - ﵁ - مع النبي - ﷺ - الغار، وفي آخره ما أورده المؤلف، وفيه اختلاف يسير. قال ابن كثير - ﵀ - بعد إيراده الحديث بإسناده ومتنه: (وهذا إسناد غريب من هذا الوجه، ويحيى بن سعيد العطار هذا حمصي، فيه ضعف، ولكن لهذا شواهد كثيرة من وجوه أخر). «مسند الفاروق» لابن كثير - تحقيق إمام بن علي، - ط. دار الفلاح - (٣/ ٩٥) (٩٧٠). وقد أخرج الحديث بنحوه: اللالكائي في «شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة» (٧/ ١٢٧٨) (٢٤٢٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٤٧٦)، وابن قدامة المقدسي =
[ ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» (ص ٥٤٨) (١٧٠)، وابن بَلْبَان المقدسي في «تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق» (ص ١٢٤) كلهم من طريق يحيى بن جعفر الزبرقان، قال: حدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم الراسبي، قال: حدثنا الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ضبَّة بن مِحصَن، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -. وليس عند ابن قدامة، وابن بلبان (عن عمر). وذكر الحديث بنحو الحديث السابق، وفيه الشاهد الذي ذكره المؤلف هنا وهو محاورة عمر لأبي بكر - ﵃ -. إلا اللالكائي فإن فيه الاقتصار على خروج أبي بكر مع النبي - ﷺ - ودخولهما الغار، ويبدو أنه سقط من النسخة التي اعتمدها المحقق - ط. دار طيبة - بدليل نهاية الحديث عند قوله: وأما يومه. ولم يكمل الحديث، وأشار المحقق إلى أنه هكذا في الأصل لم تكمل. فمدار الحديث على فرات بن السائب - وهو ضعيف جدًا - وقد اختُلِف عليه: فرواه يحيى بن سعيد العطار، عنه، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر أن أبا موسى كان واليًا على البصرة .. ورواه يحيى بن أبي جعفر، عن عبدالرحمن بن إبراهيم الراسبي، عنه، عن ميمون بن مهران، عن ضبة بن محصن، عن عمر. وجاء عند بعض من روى هذا الوجه بإسقاط عمر. وهو إسناده ضعيف جدًا؛ فيه: يحيى بن سعيد العطار الأنصاري، أبو زكريا الشامي الحمصي ويقال: الدمشقي. ضعفه ابن معين، والدارقطني، ومسلمة بن القاسم، وابن عدي، وقال الجوزجاني =
[ ٢٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والعقيلي: منكر الحديث، وقال ابن خزيمة: لايحتج به، وذكره ابن حبان في المجروحين وذكر أنه ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، والمعضلات عن الثقات، لايجوز الاحتجاج به بحال، وقال الساجي: عنده مناكير. وانفرد بتوثيقه ابن مصفَّى، وقال الآجري عن أبي داود: جائز الحديث. والصواب أنه منكر الحديث، لايحتج به، وقول ابن مصفى وأبي داود - إن ثبت - معارَضٌ بتضعيف الأئمة؛ لذا اختار الذهبي وابن حجر تضعيفه. ينظر: [«الجرح والتعديل» (٩/ ١٥٢)، «كتاب المجروحين» لابن حبان (٢/ ٤٧٥)، «الكامل» لابن عدي (٧/ ١٩٣)، «الضعفاء» للعقيلي ط. الصميعي (٤/ ١٥١٤)، «تهذيب الكمال» (٣١/ ٣٤٣)، «ميزان الاعتدال» - ط. الرسالة - (٥/ ١١٩)، «المغني في الضعفاء» (٢/ ٥١٧)، «تقريب التهذيب» (ص ٦٢٢)]. فرات بن السائب، أبو سليمان، وقيل: أبو المعلى، الجزري، قال البخاري: فرات بن السائب عمن ميمون بن مهران تركوه، منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشئ، وقال النسائي والدارقطني والساجي: متروك، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: له أحاديث غير محفوظة وعن ميمون مناكير، ونقل عن البخاري أن روايته عن ميمون مناكير. ينظر: [«التاريخ الكبير» للبخاري (٧/ ١٣٠)، «الضعفاء» للبخاري (٣٠٧)، «تاريخ الدوري عن ابن معين» (٢/ ٤٧١)، «الجرح والتعديل» (٧/ ٨٠)، «الكامل» لابن عدي (٦/ ٢٢)، «الضعفاء» للعقيلي ط. الصميعي (٣/ ١١٤٤)، «ميزان الاعتدال» (٣/ ٣٤١)، «لسان الميزان» ط. أبي غدة (٦/ ٣٢٢)]. =
[ ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يحيى بن أبي طالب، واسم أبي طالب: جعفر بن عبدالله بن الزبرقان أبو بكر البغدادي. قال عنه أبو حاتم: محله الصدق، وقال الدارقطني: لابأس به عندي، ولم يطعن فيه أحد بحجة، .وقال موسى بن هارون: أشهد أنه يكذب. قال الذهبي معلقًا: (عنى في كلامه، ولم يعن في الحديث فالله أعلم، والدارقطني فمن أخبر الناس به) (ت ٢٧٥ هـ). ينظر: [«الجرح والتعديل» (٩/ ١٣٤)، «سؤالات الحاكم للدارقطني» (ص ١١٠) (٢٤٢)، «تاريخ بغداد» ط. دار الغرب (١٦/ ٣٢٣)، «ميزان الاعتدال» (٥/ ١٠٩، ١٢٥)]. عبدالرحمن بن إبراهيم أبو علي الرَّاسِبي المُخَرِّمي. ضعفه الدارقطني، وقال أبو نعيم: فيه ضعف ولين. وذكر الذهبي أنه روى عن ميمون بن مهران، عن ضبة بن محصن، عن أبي موسى، بقصة الغار، وهو يشبه وَضع الطُّرُقية. ينظر: [«تاريخ بغداد» (١١/ ٥٣٣)، «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٨٣)، «لسان الميزان» (٥/ ٨١)، «المغني في الضعفاء» (١/ ٥٩٣)، «الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث» (ص ١٦٣) (٤٢٥)]. وأما أبو شعيب السوسي في إسناد الإسماعيلي فهو: صالح بن زياد الرستبي المقرئ، وميمون هو ابن مهران وكلاهما ثقة. وشيخ الإسماعيلي: محمد بن علَّويه هو ابن الحسين الفقيه الرزاز الجرجاني، روى عنه الإسماعيلي وابن عدي وجماعة، توفي سنة ٣٠٠ هـ لم أجد فيه كلامًا. =
[ ٢٦٥ ]
فَهَذِهِ صِفَةُ الْصِّدِّيْقِ فِيْ إِظْهَارِ دِيْنِ اللهِ؛ فَكَيْفَ يُسَافِرُ إِلَى بَلَدٍ لَمْ يُظْهِرِ دِيْنَهُ فِيْهَا، لِلْتِّجَارَةِ.
_________________
(١) = ينظر: [«معجم أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي» (١/ ٤٥١) ٠١٠٦)، «تاريخ جرجان» للسهمي (ص ٣٨٩)، «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين (٤/ ١٦٨)]. فالحديث ضعيف جدًا، مداره على فرات بن السائب، وهومتروك، وقد اضطرب فيه. والرواة عنه ضعفاء. وقصة الغار الواردة فيه، جاءت من طرق أخرى، تنظر في «دلائل النبوة» للبيهقي (٢/ ٢٧٥) وما بعدها. وأما الشاهد الذي أورده المؤلف، وهي معاتبة أبي بكر لعمر، وفيه مسبَّةٌ له، فلا يصح، وإنما ورد في «الصحيحين» مناقشتهما - ﵃ - ولفظه: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ - واستُخْلِفَ أبو بكر بعده، وكَفَرَ مَنْ كَفَر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمَنْ قال لا إله إلا الله فقد عصم مِنِّي مالَه ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله؟ فقال أبو بكر: والله لأُقاتِلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقَالًا كانوا يُؤدُّونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتَلتُهُم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا رأيتُ اللهَ - ﷿ - قد شرحَ صدرَ أبي بكر للقتال؛ فعَرَفْتُ أنه الحق. أخرجه: البخاري في «صحيحه» (١٣٩٩) و(١٤٥٦) و(٦٩٢٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠).
[ ٢٦٦ ]