فَهَؤُلَاءِ الَّذِيْنَ عَامَلَهُمُ المُسْلِمُوْنَ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - الشَّعِيْرَ، وَأَرْهَنَهُمْ دِرْعَهُ، الَّذِيْ أَخَرَجَ حَدِيْثَهُ «الشَّيْخَانُ» (١).
وَاشْتَرَى مِنْ يَهُوْدِيٍّ إِلَى مَيْسَرةَ، الَّذِيْ أَخْرَجَ حَدِيْثَهُ «التِّرْمِذِيُّ»، وَ«النَّسَائِيُّ»، وَ«الحَاكِمُ»، مِنْ حَدِيْثِ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. (٢)
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٢٠٩٦) (٢٢٠٠) (٢٥٠٨) (٢٥٠٩) (٢٥١٣)، و«مسلم» (١٦٠٣).
(٢) الحديثُ صحيح. أخرجه: أحمد في «مسنده» (٤٢/ ٧٠) (٢٥١٤١)، والنسائي في «المجتبى» (٧/ ٢٩٤)، وفي «السنن الكبرى» له (٦٢٢٤)، و«الترمذي» (١٢١٣)، وإسحاق ابن راهوية في «مسنده» (١٢٠٠)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» (٣/ ١١٧) (١٦٢٩)، وعبدالله بن أحمد في «زوائده على الزهد لأبيه» (ص ٢٣)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٨) (٢٢٠٧) (٢٢٠٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٤٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٥) من طرق عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن عائشة - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَوْبَانِ عُمَانِيَّانِ، - أَوْ قَطَرِيَّانِ - فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّ هَذَيْنِ ثَوْبَانِ غَلِيظَانِ تَرْشَحُ فِيهِمَا، فَيَثْقُلَانِ عَلَيْكَ، وَإِنَّ فُلَانًا قَدْ جَاءَهُ بَزٌّ، فَابْعَثْ إِلَيْهِ يَبِيعُكَ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَبِيعُهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِثَوْبَيَّ - أَوْلَا يُعْطِينِي دَرَاهِمِي - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -. قَالَ شُعْبَةُ: أُرَاهُ قَالَ: «قَدْ كَذَبَ، لَقَدْ عَرَفُوا أَنِّي أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ - ﷿ - أَوْ قَالَ: «أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَآدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ». لفظ أحمد. وإسناده صحيح. قال الترمذي: حسن غريب صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. قال الترمذي: (وفي الباب عن ابن عباس، وأنس، وأسماء بنت يزيد). قلتُ: حديث ابن عباس - ﵄ -، فيه أنه أراد أن يشتري من نَصْرانيٍّ لا يَهُودِيِّ: أخرجه: ابن أبي شيبة في «مصنفه» - ط. عوامة ــ (١٠/ ٤٩٨) (٢٠٣٨٩)، وأحمد في «مسنده» (٤/ ١٨) (٢١٠٩) وابن سعد في «الطبقات» (١/ ٤٨٨)، والدارمي في «مسنده» (٢٥٨٢)، وعبد بن حميد كما في «المنتخب من مسنده» (٥٨١)، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/ ٢٣٨)، والترمذي في «جامعه» (١٢١٤)، والنسائي في «سننه» (٧/ ٣٠٣) (٤٦٢٨)، وابن ماجه في «سننه» (٢٤٣٩)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥/ ٨٩) (٢٦٩٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٢٣٨) (١١٧٩٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٦)، من طُرُقٍ عَنْ عِكْرمَةَ، عن ابن عباس - ﵄ -. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن دقيق العيد في «الإقتراح» (ص ٣٧٨) وعنه: ابن حجر في «التلخيص» (٤/ ١٨٢٩): على شرط البخاري.
[ ٢٢٧ ]
وَهُمْ الَّذِيْنَ اسْتَدَانَ مِنْهُمْ عَبْدُاللهِ (١) وَالِدُ جَابِرٍ، وَقَضَى دَيْنَهُ جَابِرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنَ اليَّهُوْدِ، وَلَهُ قِصَّةٌ. (٢)
_________________
(١) عبدالله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري، أبو جابر - ﵄ - أحدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، شَهِدَ بَدْرًَا، واسْتُشْهِدَ يوْمَ أُحُدٍ. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١/ ٣٢٤).
(٢) يُنظر: «صحيح البخاري» (٢٦٠١) و(٢٧٠٩)، «فتح الباري» (٦/ ٥٨٧، ٥٩٣)، «شرح ابن بطال» (٦/ ٥١٩).
[ ٢٢٨ ]
وَهُمُ الَّذِيْنَ عَامَلَهُمُ رَسُوْلُ الله - ﷺ - عَلَى أَشْجَارِ خَيْبَرَ (١).
وَهُمُ الَّذِيْنَ سَافَرَ إِلَيْهِمُ الصَّحَابَةُ لِلْتِّجَارَةِ: كَأَبِيْ بَكْرٍ، وَعَبْدِالْرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِالله بْنِ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةِ بْنِ مَسْعُوْدٍ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَافَرَ إِلَى أَهْلِ الْذِّمَّةِ.
وَهُمُ الَّذِيْنَ قَالَ فِيْهِمُ الْنَّوَوِيُّ: (وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُوْنَ عَلَى جَوَازِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْذِّمَّةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ؛ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيْمُ مَا مَعَهُ) (٢).
- قَوْلُهُ: (دَلِيْلُكَ فِيْ الْقُرْآنِ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الآيَةَ﴾.
أَقُوْلُ: إِنَّمَا أَرَادَ بِالأَرْضِ أَرْضَ المُسْلِمِيْنَ، لَا أَرْضَ الْكَافِرِيْنَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْنَّهْيِ عَنْ رَسُوْلِ الله - ﷺ - عَنْ مُخَالَطَةِ المُشْرِكِيْنَ، وَتَوَعَّدَهُمْ اللهُ ــ سُبْحَانَهُ ــ، وَرَسُوْلُهُ، بِالْسُّكْنَى مَعَهُمْ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ أَهْلِ الحَدِيْثِ، أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، أَنَّهُ سَافَرَ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ، مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ دِيْنٍ الْبَتَّة.
_________________
(١) يُنظر: «سنن أبي داود» (٣٠٠٦)، «زاد المعاد» (٣/ ١٤٣).
(٢) يُنظر: «شرح النووي على مسلم» (١١/ ٤٠)، «أحكام أهل الذمَّة» لابن القيم - ط. رمادي - (١/ ٥٥١).
[ ٢٢٩ ]
وَأَيْضًَا لَمْ يَقْدُمْ أَحَدٌ (١) مِنْهُمْ عَلَى المُسْلِمِيْنَ لِلْتِّجَارَةِ، إِلَّا وَهُوَ ذَلِيْلٌ، كَمَا سَيَأَتِيْ - إِنْ شَاءَ اللهُ ـ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: (أَيُّمَا رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًَا إِلَى مَدِيْنَةٍ مِنْ مَدَائِنِ المُسْلِمِيْنَ، صَابِرًَا مُحْتَسِبًَا، فَبَاعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، كَانَ عِنْدَ الله بِمَنْزِلَةِ الشَّهَدَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ. الآيَةَ﴾ (٢).
_________________
(١) نهاية الورقة [٦] من المخطوط.
(٢) ضعيفٌ. أخرجه: الثعلبي في «تفسيره» (١٠/ ٦٥) من طريق المعافى بن عبدالرحمن، عن فرقد السبخي، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، فذكره. ورواه ابن مردويه في «تفسيره» مرفوعًا من حديث عيسى بن يونس، عن أبي عمرو ابن العلاء البصري، عن فرقد السبخي، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره. أفاده الزيلعي في «تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكشاف» للزمخشري (٤/ ١١١ ــ ١١٢)، وانظر «الدر المنثور» - ط. هجر - للسيوطي (١٥/ ٦٠). ـ فَرْقَد بن يعقوب السَّبَخِي، أبو يعقوب البصري. قال في «التقريب» (ص ٤٧٤): صَدوقٌ، عَابِدٌ، لكنَّهُ ليِّنُ الحديث، كثير الخطأ. وفي «تحرير التقريب» (٣/ ١٥٥): (بل ضعيفٌ، ضعَّفَهُ أيوب السختياني، والقطان، وابن المديني، والبخاري، والنسائي، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وابن سعد، وأبو زرعة الرازي، وابن حبان، والبزار، والدارقطني، وأحمد بن حنبل، وأبو أحمد الحاكم. وقال العجلي: لابأس به. واختلف قول ابن معين فيه، فوثقه في رواية، وضعفه في أخرى). والراجح أنه ضعيف الحديث، وقد اختُلِف عليه هنا، فرواه مرَّةً مرفوعًا، ويذكر فيه «علقمة» بين إبراهيم وابن مسعود؛ وتارةً يُوقِفُهُ، ولايَذْكُر «علقمة». وقد ضعَّف الحديثَ ابن حجر في «الكافي الشاف» (ص ١٧٩).
[ ٢٣٠ ]
وَأَخْرَجَ «سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: «مَا مِنْ حَالٍ يَأْتِيْنِيْ عَلَيْهِ المَوْتُ بَعْدَ الجِهَادِ فِيْ سَبِيْلِ الله أَحَبُّ إِليَّ أَنْ يَأْتِيَنِيْ (١) وَأَنَا أَلْتَمِسُ مِنْ فَضْلِ الله، ثُمَّ تَلَى هَذِهِ الآيَةَ» (٢).
_________________
(١) في «الدر المنثور» (١٥/ ٦٠) نقلًا من «سنن سعيد بن منصور»، زيادة: «وَأَنَا بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِيْ».
(٢) أخرجه: عبدالرزاق في «مصنفه» (١١/ ٤٦٤) (٢١٠١٨)، ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٥٠) (١١٩٨) عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله: أنَّ عمرَ أو غيره قال: «ما جاءني أجلي في مكان، ماعدا في سبيل الله، أحبَّ إليَّ من أن يأتيني، وأنا بين شعبتي رحلي، أطلب من فضل الله» وروي عن عمر جزمًا بلا شك، ذكره البيهقي عقب الحديث (٣/ ٤٥٠). وقد عزاه السيوطي في «الدر المنثور» - ط. هجر - (١٥/ ٦٠) إلى «سعيد بن منصور»، و«عبد بن حميد»، و«ابن المنذر».
[ ٢٣١ ]
وَقَدْ أَذِنَ عُمَرُ - ﵁ - لِلْحَرْبِيِّ فِيْ دُخُوْلِ دَارِ الإِسْلَامِ، بِشَرْطِ أَخْذِ عُشْرِ مَامَعَهُ، مِنْ أَمْوَالِ الْتِّجَارَةِ.
كَمَا أَخْرَجَ «الْبَيْهَقِيُّ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيْرِيْنَ (١)، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِيْ عَلَيْهِ عُمَرُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَعْمَلُ لَكَ حَتَّى تَكْتُبَ لِيْ عَهْدُ عُمَرَ، الَّذِيْ عَهِدَ إِلَيْكَ. فَكَتَبَ لِيْ: أَنْ تَأَخُذَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْذَّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوْا فِيْهَا لِلتَّجَارَةِ، نِصْفَ الْعُشْرِ» (٢).
وَقَالَ سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُوْ عَوَانَةَ وَأَبُوْ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، (٣) عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ (٤)، قَالَ: (اسْتَعْمَلَنِيْ عُمَرُ
_________________
(١) كذا في المخطوطة «محمد بن سيرين»، وهو أيضًا في «البدر المنير» (٩/ ٢١٣)، و«التلخيص الحبير» (٦/ ٢٩٧٦)، والصوابُ: «أنس بن سيرين»، كما في «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ٢١٠).
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢١٠) من طرق، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك. وفي آخره: «ومن أموال أهل الحرب العشر». وأخرجه أبويوسف في «الخراج» (ص ١٣٥) من طريق القاسم، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك - ﵁ -، به.
(٣) ابن جابر البجلي الكوفي، صدوق لين الحفظ من الخامسة، أخرج له مسلم والأربعة. «التقريب» - ط. عوامة - (ص ١١٩)، أخرج له مسلم حديثين في المتابعات.
(٤) الأسدي، وله ذِكْرٌ في الصحيح، ثقة عابد من الثانية أخرج له أبو داود. «التقريب» - ط. عوامه - (ص ٢٦١).
[ ٢٣٢ ]