فلما جلسوا بين يديه، أخرج كتابَ ابن رشيد (١) إليه، وناوَلَهُ القارئ، فلمَّا سمِعَ الكِتَابَ، وَعَرَفَ مَوْضُوْعَهُ، تكَلَّم الأميرُ سَعْدٍ، بقوله:
أينَ ابن مضَيَّان، الذي صوتُهُ كرنِيْنِ الذُّبَابَةِ، أمَا تَستحِي، وتلزم فِلَاحَتَكَ، وتَتْرُكَ المَشْيَ إلى الناسِ بفَوائِدِكَ؟ !
فتكَلَّمَ مُجِيْبًَا: كَذِبٌ - أيها الأمير، إنِّي لمْ أمْشِ بَيْنَ النَّاسِ، ويَا لَيْتَنِيْ أُفِيْدُ نَفْسِي.
ثُمَّ جعَلَ يقُوْلُ: أينَ ابنُ يحيى؟
_________________
(١) هو محمد بن عبدالله آل رشيد، المتوفى في (٣/ ٧/١٣١٥ هـ)، وخلفه بعده على الإمارة: عبدالعزيز بن متعب آل رشيد. انظر: «تذكرة أولي النهى والعرفان» لابن عبيد (١/ ٣٤٠ - ٣٤١). وانظر: «حكم محمد بن عبدالله بن رشيد ١٢٨٩ هـ - ١٣١٥ هـ» لحمد بن عبدالله العنقري، ماجستير في جامعة الملك سعود (١٤٢٥ هـ) - لم تنشر، أفادها الرديعان في «منبع الكرم» (ص ٥٩)، «إمارة آل رشيد في حائل» لمحمد بن عبدالله الزعارير، و«التاريخ السياسي لإمارة حائل» د. جبار يحيى عبيد، تقديم ومراجعة: عبدالله بن المنيف، و«نشأة إمارة آل رشيد» د. عبدالله بن صالح العثيمين، «الدعوة الوهابية» لديفيد كمنز (ص ١٢٠).
[ ٥٨ ]
فأجابه بقَولِهِ: حَاضِرٌ.
فَأنَّبَهُ بِقَوْلِهِ: تَرَكْتَ فِلَاحَتَكَ تَهْلَكُ عُشْبًَا! ألَا تجْلِسْ لِلْحِرَاثَةِ، وَتَدَعُ الذَّهَابَ إِلى النَّاسِ، فَقَدْ شغَلْتَهُمْ عَنْ فَلَائِحِهِمْ؟ !
فَأجَابَ بِقَوْلِهِ: كَذِبٌ - بَارَكَ اللهُ فِيْكُمْ - مَا مَشَيْتُ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَكَلَّمَ مُتَهَدِّدًَا لِابْنِ مُدَيْهِشْ، يَقُوْلُ: إِيْهًا يَا بْنَ مُدَيْهِشْ! يَوْمًَا بِ «المِسْتِجِدَّةِ» (١)، وَيَوْمًَا بِ «وهطان» (٢)! ! أَلَا تَتَّقِيْ اللهَ فِيْ نَفْسِكَ مِنْ تَعْوِيْقِ النَّاسِ عَنْ فَلَائِحِهِمْ وَشُغْلِهِمْ!؟
فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ البَّاحُوْثِ: أَنْتَ صَنَمُهُمْ! تَدْهَنُ لِحْيَتَكَ، وَتَذْهَبُ تَدْجُلُ عَلَى النَّاسِ! .
وكان هذا معروفًا بالخوارق، ويُجْرِي اللهُ على يَدَيْهِ عَجَائِبَ، قال مرَّةً لابْنِهِ: تُرِيْدُ هَذَا العُصْفُورَ، فقُمْ فَخُذْهُ، وكان لايُطَاقُ إلا ببُنْدُقِيَّةٍ، فقَامَ وأخَذَهُ بِيَدِهِ.
ثُمَّ سَكَتَ [الأميرُ] قَلِيلًا، ثُمَّ تكلَّم يقُوْل: أينَ ابْن ثُوَيْنِي؟ إنَّك تُسَابِقُ إمامَ مَسْجِدِكُمْ ابْنَ سَيْفٍ فِي الإمَامَةِ، تَؤُمُّ وَهُوَ إِلى جَانِبِكَ، فَأَعْرِضْ وَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ.
_________________
(١) سبق التعريف بها في (ص ٤٥).
(٢) سبق التعريف بها في (ص ٤٥).
[ ٥٩ ]
فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِصَحِيْحٍ، فَإِنِّي لَا أَتَقَدَّمُ بِهِمْ حَتَّى يُقَدِّمُوْنِيْ.
وَأَنتَ يَا سْعُوْدَ بْنَ فُوْزَان، يَوَمًَا بِ «المِذْنَبِ»، ويَوْمًَا بِ «الشمَاسِيَّةِ»، فَلَوْ اسْتَرحَتَ، فَأَرَحْتَ النَّاسَ؟ !
فأجاب: بأنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ إِخْوَانِهِ فِي الزِّيَارَةِ.
فَلمَّا فَرَغَ الأَمِيْرُ مِنْ كَلَامِهِ، سَكَتَ قَلِيْلًَا، وَقَالَ: تَعْلَمُوْنَ بِأَنِيْ مُدَبَّرٌ، وَإِلَّا فَأَشْهَدُ بِأَنَّكُمْ عَلَى الحَقِّ، قُوْمُوْا إِلى أَوْلَادِكُمْ بِالسَّلَامَةِ، فَقَامُوْا مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرِيْنَ.
وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَخْشَى عَلَيْهِمُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)] انتهى (٢).
مؤلفاته: لم يصل إلى علمي سوى هذا الكتاب، والمؤلف - فيما يبدو - تأثَّرَ بشيوخه من آل سليم ممن لم يشتغلوا بالتأليف؛ اكتفاءً بالمؤلفات السابقة، والتدريس؛ وهذا الرأي يذهب إليه قِلَّة من أهل العلم (٣).
_________________
(١) سورة المنافقون، آية (٨).
(٢) «تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان» للشيخ: إبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن - ط. الأولى - (١/ ٣٣٨)، - ط. الرشد - (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، وعنه: الشيخ العبودي في «معجم أسر بريدة» (١٥/ ٦٢٤).
(٣) ينظر: «معجم أسر بريدة» للعبودي (١٠/ ٢٢٨).
[ ٦٠ ]
إضافة إلى ما اشتهر عنهم من الزهد في الدنيا، والبعد عمَّا يَظُنُّ أنه يُشتَهَرُ به، ازدراء بنفسه، واكتفاءً بالأعلام العلماء في زمانِهِ، ولكلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيْهَا، فاستبقوا الخيرات.
ويمكن أن يقال: بأن اشتغال بعضهم بالتنقل في عدد من الهجر؛ للدعوة إلى الله تعالى، والقضاء فيها أيضًا، مع الاضطرابات السياسية، وضعف المعيشة، حال دون التفرغ للتأليف، وكلٌّ مُرَابطٌ في سبيل الله تعالى.
[ ٦١ ]