فيجب أن يتلافى هذا الخطر من لهم الأمر، وهم المسؤولون عن ذلك المتعين عليهم، نرجو أن يأخذ الله بنواصيهم إلى الخير، إنه جواد كريم (١).
وفي فتاوى سماحة الشيخ: عبدالعزيز بن باز - ﵀ -
سؤال: نحن طلبة مسلمون ندرس في أمريكا لفترات تتراوح ما بين ستة أشهر وأربع سنوات وجئنا للدراسة هنا بمحض إرادتنا - أي لسنا مبتعثين من أي جهة ــ والدراسة هنا في أمريكا لا تختلف عن الدراسة في بلادنا سوى بالحصول على اللغة الإنجليزية، فما حكم جلوسنا في هذه البلاد للدراسة؟ جزاكم الله خيرًا. (ع. س. غ أمريكا)
الجواب: من كان منكم لديه علم وبصيرة بدين الله يمكنه أن يدعو إلى الله، ويُعلِّمَ الناس الخيرَ، ويَدفعَ الشبهة عن نفسه، ويُظهِرَ دِينَهُ بين من لديه من الكفار؛ فلا حرج عليه؛ لأنَّ إقامتَه والحال ما ذكر وتزوُّدَهُ من العلم الذي يحتاج إليه؛ ينفعه وينفع غيره، وقد يهدي الله على يديه جمعًا غفيرًا إذا اجتهد في الدعوة وصبر وأخلص النية لله - ﷾ -، أما من ليس عنده علم وبصيرة، أو ليس عنده صبر على الدعوة، أو يخاف على
_________________
(١) «الفتاوى السعدية» (ص ١٠٤ - ١١٢).
[ ١٣٣ ]
نفسه الوقوع في ما حرم الله، أو لا يستطيع إظهار دينه بالدعوة إلى توحيد الله والتحذير من الشرك به وبيان ذلك لمن حوله؛ فلا تجوز له الإقامة بين أظهر المشركين؛ لقول النبي - ﷺ -: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين».
ولما عليه من الخطر في هذه الإقامة، والله ولي التوفيق (١).
وقال أيضًا:
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى الأخ المكرم: ن. م - وفقه الله لما فيه رضاه وزاده من العلم وإلإيمان - آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فإشارة إلى رسالتك التي تذكر فيها أنك شاب مسلم تقيم في إيطاليا، وأن بها شبابًا من المسلمين كثيرين، وأن أغلبهم استجاب لرغبة الصليبيين في إبعادهم عن دين الإسلام وتعاليمه السامية، فأصبح أغلبهم لا يصلي، وتخلق بأخلاق سيئة، ويعمل المنكرات ويستبيحها .. إلى غير ذلك مما ذكرته في رسالتك.
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن باز» (٩/ ٤٠١).
[ ١٣٤ ]
وأفيدك بأن الإقامة في بلد يظهر فيها الشرك والكفر، ودين النصارى وغيرهم من الكفرة لا تجوز، سواء كانت الإقامة بينهم للعمل أو للتجارة أو للدراسة، أو غير ذلك؛ لقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ (١).
ولقول النبي - ﷺ -: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين».
وهذه الإقامة لا تصدر عن قلب عرف حقيقة الإسلام والإيمان، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، ورضي بالله ربًَّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ - ﷺ - نبيًا ورسُولًا.
فإنَّ الرضا بذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه،
_________________
(١) سورة النساء، الآيات (٩٧ - ٩٩).
[ ١٣٥ ]
والانحياز إلى أوليائه ما يوجب البراءة التامة والتباعد كل التباعد من الكفرة وبلادهم، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجتمع مع هذه المنكرات، وصح عن جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله بايعني واشترط، فقال رسول الله - ﷺ -: «تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين» أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وصحَّ عن رسول الله - ﷺ - الحديث السابق، وهو قوله - ﵊ -: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» وقال - ﵊ -: «لا يقبل الله ﷿ من مشرك عملا بعد ما أسلم؛ أو يفارق المشركين». والمعنى: حتى يفارق المشركين.
وقد صرَّحَ أهل العلم بالنهي عن ذلك، والتحذير منه، ووجوب الهجرة مع القدرة، اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة، فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وشرح محاسن الإسلام لهم، وقد دلت آية سورة براءة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
[ ١٣٦ ]
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)
على أن قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي، بل فاعِله فاسِقٌ متوعَّدٌ بعدم الهداية إذا كانت هذه الأمور أو بعضها أحبَّ إليه من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيل الله. وأيُّ خَيرٍ يبقى مع مشاهدة الشرك وغيره من المنكرات والسكوت عليها، بل وفعلُها، كما حصل ذلك من بعض من ذكرتَ من المنتسبين للإسلام.
وإن زعم المقيم من المسلمين بينهم أنَّ له أغراضًا من الأغراض الدنيوية، كالدراسة، أو التجارة، أو التكسب، فذلك لا يزيده إلا مقتًا.
وقد جاء في كتاب الله - ﷾ - الوعيد الشديد والتهديد الأكيد على مجرد ترك الهجرة، كما في آيات سورة النساء المتقدم ذكرها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآيات وما بعدها.
_________________
(١) سورة التوبة، آية (٢٤).
(٢) سورة النساء، آية (٩٧).
[ ١٣٧ ]
فكيف بمن يسافر إلى بلاد الكفرة، ويرضى الإقامة في بلادهم، وكما سبق أن ذكرت أن العلماء - ﵏ - تعالى حرَّموا الإقامة والقدوم إلى بلاد يعجز فيها المسلم عن إظهار دينه، والمقيم للدراسة أو للتجارة أو للتكسب، والمستوطن، حكمهم وما يقال فيهم حكم المستوطن لا فرق، إذا كانوا لا يستطيعون إظهار دينهم، وهم يقدرون على الهجرة.
وأما دعوى بغضهم وكراهتهم مع الإقامة في ديارهم فذلك لا يكفي، وإنما حرم السفر والإقامة فيها لوجوه، منها:
١. أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر وغير حاصل.
٢. نصوص العلماء - ﵏ - تعالى، وظاهر كلامهم وصريح إشاراتهم أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه، ويستطيع المدافعة عنه، ويدفع شبه الكافرين، لا يباح له السفر إليهم.
٣. من شروط السفر إلى بلادهم: أمن الفتنة بقهرهم وسلطانهم
[ ١٣٨ ]
وشبهاتهم وزخرفتهم، وأمن التشبه بهم والتأثر بفعلهم.
٤. أن سد الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده؛ ولا شك أنما ذكرتَهُ في رسالتك مما يصدر عن الشباب المسلمين الذين استوطنوا هذه البلاد هُوَ من ثمرات بقائهم في بلاد الكفر، والواجب عليهم الثبات على دينهم والعمل به، وإظهاره، واتباع أوامره، والبعد عن نواهيه، والدعوة إليه، حتى يستطيعوا الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.
والله المسؤول أن يصلح أحوالكم جميعًا، وأن يمنحكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعينكم على الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وأن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين لكل ما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان، وأن يعيننا جميعا على كل خير، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يصلح ولاة أمور المسلمين ويمنحهم الفقه في دينه، وأن يوفقهم
[ ١٣٩ ]
لتحكيم شريعة الله في بلادهم، والتحاكم إليها، والرضا بها، والحذر مما يخالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء (١)
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن باز» (٩/ ٤٠٢).
[ ١٤٠ ]