. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = «الهجر في الكتاب والسنة» للشيخ: مشهور سلمان (ص ١٧٧ ــ ١٩١)، و«تحفة الأخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران» للشيخ: حمود التويجري (ص ٤٧ ــ ٧٧)، و«دعوة أهل البدع» للزهراني (ص ٩٧ ــ ١٠٨). ولشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - فتوى محررة في مسائل الهجر، أنقلها بتمامها، لنفاستها، وهي في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٣)، وقد طبعت مفردة بعنوان «مسألة في صفة من يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما؛ لله تعالى» تحقيق: أبو محمد إبراهيم الميلي، طبعها على مخطوطة في الظاهرية، وعلى مطبوعة «مجموع الفتاوى». قال - ﵀ -: [الهجر الشرعى نوعان: أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات. والثانى: بمعنى العقوبة عليها. فالأول: هو المذكور فى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة، مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك؛ بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم أو حضر بغير اختياره؛ ولهذا يقال: حاضر المنكر كفاعله، وفى الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر». وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، =
[ ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يُمكِّنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. النوع الثانى: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبى - ﷺ - والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقًا؛ فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير. والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعى إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التى ظهر أنها بدع. وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يُفرِّقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات؛ فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم فإنه ليس شرًا من المنافقين الذين كان النبى - ﷺ - يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم، ولهذا جاء فى الحديث: «إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تُنْكر ضرَّت العامة». وذلك لأن النبى - ﷺ - قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغيِّروه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه». فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلاف الباطنة، فإن عقوبتها على صاحبها خاصة. =
[ ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين فى قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة فى ذلك راجحة بحيث يُفضِى هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته؛ لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبى يتألَّف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين فى عشائرهم فكانت المصلحة الدينية فى تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثير فكان فى هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع فى العدو القتال تارة والمهادنه تارة وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. وجواب الأئمة كأحمد وغيره فى هذا الباب مَبْنيٌّ على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التى كثرت فيها البدع كما كثُر القدر فى البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم،؛ وإذا عُرف مقصود الشريعة سلك فى حصوله أوصل الطرق إليه. وإذا عُرِفَ هذا، فالهِجْرَة الشرعية هي من الأعمال التى أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصه لله، وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صوابًا؛ فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا غيرَ مأمور به كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانَّةً أنها تفعله طاعةً لله. =
[ ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والهَجْرُ لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث، كما جاء فى الصحيحين عن النبى - ﷺ - أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصدُّ هذا ويصد هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام». فلم يُرخِّص فى هذا الهجر أكثر من ثلاث، كما لم يرخِّص فى إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث، وفى الصحيحين عنه أنه قال: «تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا». فهذا الهجرلحق الانسان حرام وإنما رُخِّص فى بعضه، كما رُخِّص للزوج أن يهجر امرأته فى المضجع إذا نشزت، وكما رُخِّص فى هجر الثلاث. فينبغى أن يُفرَّق بين الهجر لحق الله، وبين الهَجْرِ لحَقِّ نَفسِهِ، فالأول: مأمور به، والثانى: منهيٌّ عنه؛ لأن المؤمنين إخوة، وقدقال النبى - ﷺ - فى الحديث الصحيح: «لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم». وقال فى الحديث الذى فى السنن: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين». وقال فى الحديث الصحيح: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد فى سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادى فى الله، ويوالي فى الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع =
[ ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الموالاة الإيمانية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغى، والأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع فى الرجل الواحد خيرٌ وشَرٌّ، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة؛ استحَقَّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستَحَقَّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع فى الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تُقطَع يده لسرقته، ويُعطَى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذى اتَّفَق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًا للثواب فقط ولا مستحقًا للعقاب فقط، وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر مَن يعذبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة مَن يأذن له فى الشفاعة بفضل رحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن النبى - ﷺ -.والله ﷾ أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين].انتهى جواب شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.
[ ٢٤٠ ]
وَقَالَ صَاحِبُ «الْفَتْحِ» عَنْ غَيْرِهِ (١): وَأَمَّا المُبْتَدِعُ، وَمَنْ اقْتَرَفَ ذَنْبًَا عَظِيْمًَا، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ؛ فَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُرَدُّ ﵈، كَمَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهَلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
وَنَقَلَ صَاحِبُ «الْفَتْحِ» عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «لَاتُسَلَّمُوْا عَلَى مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ، وَلَا تَعُوْدُوْهُمْ إِذَا مَرِضُوْا، وَلَا تُصَلُّوْا عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوْا» (٢).
_________________
(١) هُوَ النووي - ﵀ - كما في «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٠).
(٢) ضعيفٌ. قال في «الفتح» (١١/ ٤١): (وأخرج سعيد بن منصور بسند ضعيف عن ابن عمر، فذكره وقال: وأخرجه ابن عدي، بسند أضعف منه، عن ابن عمر، مرفوعًا). وقال في «تغليق التعليق» (٥/ ١٢٥): (قال سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث، عن عبيدالله هو ابن زحْرٍ، عن أبي عمران، قال: فذكره، ثم قال: ذكره البخاري في «التاريخ» عن عمرو، عن إسماعيل بن إبراهيم. ثم ذكر تخريج ابن عدي ..) وينظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٣/ ٩٠) (٣١٢) فالحديث: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٢١٤)، ومن طريقه: ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٢٠٨) (١٤٣٣) من طريق ليث بن أبي سُليم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، مرفوعًا. بنحوه، وفيه زيادة. قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ١٢٥): إسناده ضعيف جدًا. وأخرجه أبو علي الحداد في «معجمه» كما في «اللآلئ» (٢/ ٢٠٥) من طريق ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، مرفوعًا. وأخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» كما في «اللآلئ» (٢/ ٢٠٥) من طريق ليث، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن عمر، مرفوعًا. =
[ ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (٩/ ٢٤٠) (١٧٠٧٤) من طريق ليث، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمرو بن العاص، موقوفًا، مقتصرًا على ذكر الجزء الثاني، وهو العذاب الأخروي من قوله: (يجئ يوم القيامة شارب الخمر، مسوَّدًا وجهه ) فالحديث ضعيف؛ لضعف ليث، واضطرابه، فقد رواه على خمسة أوجه - كما سبق ـ. وليث هو بن أبي سُلَيم بن زُنَيم القرشي، قال عنه الإمام أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس. وسئل جرير بن عبدالحميد عن: ليث، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، فقال: كان يزيد أحسنهم استقامة في الحديث، ثم عطاء، وكان ليث أكثر تخليطًا. قال أحمد وأبو حاتم: أقول كما قال جرير. قال أبو حاتم وأبو زرعة: لايشتغل به، هو مضطرب الحديث. قال ابن حجر في «التقريب»: صدوق اختلط جدًا، فلم يتميز حديثه، فتُرك. أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. وقال في «هدي الساري»: ضعفه أحمد، وغيره، وعلق له قليلًا، وروى له مسلم مقرونًا. ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٢٧٩)، «ميزان الاعتدال» (٣/ ٤١٣)، «تقريب التهذيب» (ص ٤٩٤)، «هدي الساري» (ص ٤٨٥). وقد أورد البخاري في «صحيحه» (١١/ ٤٠ ــ «فتح») معلَّقًَا عن عبدالله بن عمرو - ﵄ - قوله: لاتسلموا على شربة الخمر. قال ابن حجر: [وصله البخاري في «الأدب المفرد» (٢/ ٤٨٥ (١٠١٧) من طريق حبان بن أبي جبلة، بفتح الجيم والموحده، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، بلفظ: لاتسلموا على شراب الخمر، وبه إليه (١/ ١٢٦) (٥٢٩) قال: لاتعودوا شراب الخمر إذا مرضوا، وأخرج الطبري عن =
[ ٢٤٢ ]