وقال البهوتي - ﵀ -: [«وتكره التجارة والسفر إلى أرض العدو، وبلاد الكفر مطلقًا» أي: مع الأمن والخوف، «وإلى بلاد الخوارج، والبغاة، والروافض، والبدع المُضِلَّة، ونحو ذلك»؛ لأن الهجرة منها - أن لو كان فيها - مُستَحبَّةٌ إنْ قَدِرَ عَلى إظهار دِيْنِه، «وإن عَجَزَ عن إظهار دينه فيها؛ حَرُمَ سَفَرُهُ إليها»؛ لأنه تعريضٌ بنفسه إلى المعصية] (١).
وقال الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين - ﵀ -: وما ذكرت من حال من يكون بين ظهراني المشركين، فإن كان يقدر على إظهار التوحيد، بحيث يظهر لهم القول بأن هذه الأمور الشركية، التي تفعل عند القبور وغيرها، باطل وضلالة، وأنا بريء منه وممن يفعله، فمثل هذا لا تجب عليه الهجرة. وإن كان لا يقدر على إظهار ذلك، مع اعتقاد بطلانه، وأنه الشرك العظيم، فهذا ترك واجبًا عليه، ولا يكفُر بذلك (٢).
قال الشيخ العلامة: حمد بن علي بن عتيق (ت ١٣٠١ هـ تقريبًا) - ﵀ - في مسألة إظهار الدين: [إنَّ كثيرًا من الناس، قد ظن أنه إذا قدر على أنْ يتلفَّظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلوات، ولا يرد عن المساجد،
_________________
(١) «كشاف القناع» - ط. العدل - (٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
(٢) «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٨/ ٢٩٥).
[ ٩٧ ]
فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين، أو في أماكن المرتدين. وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.
فاعلم أنَّ الكفرَ له أنواعٌ وأقسامٌ تتعدَّدُ بِتَعدُّد المكفرات، وقد تقدم بعض ذلك، وكلُّ طائفة من طوائف الكفر فلا بد أن يشتهر عندها نَوعٌ منه، ولا يكون المسلم مُظهِرًا لدينه، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها، ويُصرِّح لها بعداوته، والبراءة منه، فمن كان كفره بالشرك، فإظهار الدين عنده التصريح بالتوحيد، أو النهي عن الشرك والتحذير منه، ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح بأن محمدًا رسول الله - ﷺ -، والدعوة إلى اتباعه. ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده فعل الصلاة، والأمر بها، ومن كان كفره بموالاة المشركين والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين عنده التصريح بعداوته، والبراءة منه ومن المشركين.
وبالجملة فلا يكون مظهرًا لدينه، إلا من صرَّح لمن ساكنه من كل كافر ببراءته منه، وأظهر له عداوته لهذا الشيء الذي صار به كافرًا، وبراءته منه، ولهذا قال المشركون للنبي - ﷺ -: عابَ ديننَا وسفَّهَ أحلامَنا، وشتمَ آلهتنا.
[ ٩٨ ]
وقال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ (١) فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يقول لهم: (يا أيها الناس ..) إلى آخره، أي: إذا شككتم في الدين الذي أنا عليه، فدينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه، وقد أمرني ربي أن أكون من المؤمنين الذين هم أعداؤكم، ونهاني أن أكون من المشركين الذين هم أولياؤكم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ (٢) إلى آخر السورة.
فأمر الله رسوله - ﷺ - أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه، أنا بريء منه، وديني الذي أنا عليه أنتم برآء منه. والمراد: التصريح لهم بأنهم على الكفر، وأنه بريء منهم ومن دينهم.
_________________
(١) سورة «يونس»، آية (١٠٤ - ١٠٦).
(٢) سورة «الكافرون».
[ ٩٩ ]
فمن كان متبعًا للنبي - ﷺ -، فعليه أن يقول ذلك، ولا يكون مظهرًا لدينه إلا بذلك، ولهذا لما عمل الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم النبي - ﷺ - بالهجرة إلى الحبشة، ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين، لما أمرهم بذلك إلى بلد الغربة.
إلى أن قال:
والمقصود منه: أن الرجل لا يكون مظهرًا لدينه حتى يتبرأَ من أهل الكفر الذي هو بين أظهرهم، ويصرِّح لهم: بأنهم كفار، وأنه عدوٌ لهم، فإن لم يحصل ذلك لم يكن إظهار الدين حاصلًا. (١)
قال الشيخ: إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ - ﵀ -: (واستثناء المستضعفين في هذه الآية، يبطل دعوى من قصر إظهار الدين على مجرد العبادة، لأنه إذا حمل على ذلك، فقد تساوى المستثنى والمستثنى منه، إذ هو مناط الرخصة في زعم المجيز؛ ولا يُتصور في المستضعف أنه يترك عبادة ربه، فما فائدة تعلق الوعيد بالقادر على الهجرة، دون من لم يقدر؟ وقد عُلِم أن الاستثناءَ مِعيارُ العموم (٢)
_________________
(١) «سبيل النجاة والفكاك» للشيخ: حمد بن عتيق (٩٢ - ٩٥).
(٢) «الأجوبة السمعيات» (ص ٧٧).
[ ١٠٠ ]
وقال بعد بيان مطوَّل:
فالحاصل هو ما قدمناه من أن إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة، هو الامتياز عن عباد الأوثان بإظهار المعتقد، والتصريح بما هو عليه، والبعد عن الشرك، ووسائله؛ فمن كان بهذه المثابة إن عرف الدين بدليله، وأمن الفتنة، جاز له الإقامة، والله أعلم. (١)
وقال: وقد علمتَ معنى إظهار الدين فيما مرَّ من كلامهم، وقد جعلوا هنا حكم المسافر حكم المقيم صريحًا، موافقين للسلف في ذلك، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
قال الشيخ عبد اللطيف - ﵀ - في بعض رسائله: ولا بد في إباحة السفر إلى بلاد المشركين، من أمن الفتنة؛ فإن خاف بإظهار الدين الفتنة بقهرهم وسلطانهم، أو شبهات زخرفهم وأقوالهم، لم يبح له القدوم إليهم والمخاطرة بدينه (٢).
وقال: والحاصل أن المسلم لا يكون مظهرًا لدينه، سواءٌ كان مسافرًا
_________________
(١) «الأجوبة السمعيات» (ص ٩٧)، وانظر: «مجموع الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٣٢)، «الدرر السنية» (٨/ ٣٣٥).
(٢) «الأجوبة السمعيات» للشيخ: إسحاق بن عبدالرحمن آل الشيخ (ص ٩٩).
[ ١٠١ ]