وإذا نظرنا في تأويلات الذين أوّلوا الصفات في ضوء المقامات الأربعة التي ذكرها شيخ الإسلام تبين لنا مدى الضلال والتحريف الذي تلبس به المؤولة.
وقد ذكر لنا شيخ الإسلام مثلًا يوضح المسألة ويبينها، فالله - ﵎- وصف نفسه بأن له يدين، وجاءت النصوص كثيرة طيبة مصرحة بذلك، فقالت المؤولة: المراد باليد النعمة والعطية، سمّي الشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، وقول العربي: لفلان عندي أياد.
وجاء في الأخبار أن عروة بن مسعود قال لأبي
_________________
(١) الرسالة المدنية بشيء من الاختصار: ص ٤٢ - ٤٤.
[ ٤٧ ]
بكر في يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
وقد تفسر المؤولة اليد بالقدرة، تسمية للشيء باسم مسببه، لأن القدرة هي التي تحرك اليد، ومنه قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ والنكاح كلام يقال.
وإنما معناه أنه مقتدر عليه.
والعرب قد تجعل إضافة الفعل إلى الأيدي إضافة الفعل إلى الشخص نفسه فمما جاء عن العرب: يداك أو كتا، وفوك نفخ، تقوله توبيخًا لكل من جرَّ على نفسه جريرة، لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه.
ومما جاء في القرآن على هذا النحو قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ أي بما قدمتم، لأن بعض ما قدموه كلام تكلموا به.
[ ٤٨ ]
من هنا حمل المؤولون قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وقوله مؤنبا إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ على النعمة أو القدرة.
وقد نظر شيخ الإسلام في هذه الصفة التي أولها الجهمية ومن سار سيرهم في ضوء المقامات التي ذكرها ليبين فساد هذا التأويل.
فبين أولًا أن العرب قد تستعمل الواحد في الجمع كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ كما تستعمل صيغة الجمع في الواحد كقوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ وتستعمل الجمع في الاثنين كقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ ولكن
[ ٤٩ ]
العرب لا تستعمل لفظ الواحد في الاثنين، والاثنين في الواحد مطلقًا، وقد جاءت هذه الصفة مثناة فيما وصف الله به نفسه ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- السبب في عدم جواز استعمال الواحد في الاثنين، والاثنين في الواحد فمن هذه الألفاظ عدد، وهي نصوص في معناها، ولا يتجوز بها، فلا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، وعندي رجلان ويعني به الجنس لأن اسم الواحد يدل على الجنس ، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة، لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة، لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر
[ ٥٠ ]
عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يراد بقوله ﴿لما خلقت بيدي﴾ "بما خلقته أنا"، لأن العرب إذا أرادوا هذا المعنى فإنهم يضيفون هذا المعنى إلى اليد، فيكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفاعل كقوله ﴿بما قدَّمت يداك﴾ ﴿بما قدمت أيديكم﴾ ومنه قوله: ﴿مما عملت أيدينا أنعما﴾ أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدّى الفعل إلى اليد بحرف الباء كما هو الحال في هذه الآية ﴿لما خلقت بيدي﴾ فإنه نص في أنّه فعل الفعل بيده.
ولهذا لا يجوز أن يقال لمن تكلم أو مشي: فعلتَ هذا الفعل بيديك، أو يقال: هذا فعلته يداك،
[ ٥١ ]
لأن مجرد قوله: فعلتَ كاف في الإضافة إلى الفاعل.
فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة.
ويكاد يجزم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأنه لا يجوز في كلام العرب ولا العجم أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي. أو فعل فلان هذا بيديه، إلا ويكون فَعَلَه بيده حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
ولا يرد على هذا الذي قرره شيخ الإسلام مثل قوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾، قالوا: خاطب الواحد بصيغة التثنية ﴿ألقيا﴾ لأن تثنية الفاعل هنا لتثنية الفعل، فكأنه قال: ألق ألق. وقيل: إنّه خطاب للسائق والشهيد.
ومن قال: إنه خطاب الواحد، قال: إن الإنسان
[ ٥٢ ]
يكون معه اثنان أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليلي، خليلي. ثم إنه يقع الخطاب، وإن لم يكونا موجدين، كأنه يخاطب موجدين.
فقوله: ﴿ألقيا﴾ عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما.
وبين شيخ الإسلام في المقام الثاني أنه على فرض أنه يعني باليد حقيقة اليد، ويجوز أن يعني بها القدرة والنعمة، وأن يجعل ذكرها كناية عن الفعل فإنه ليس هناك ما يوجب صرفها عن الحقيقة.
فإن قيل: إن الموجب لذلك أن إطلاق اليد على الله يوهم أنها يد من جنس أيدي المخلوقين.
والجواب: أن هذا المعنى مرفوض وممتنع على الله تعالى، ولكن اليد المثبتة للباري - ﵎- يد تليق بجلاله وكماله، تستحق ما تستحقه ذاته الكريمة، فإذا كان هذا المعنى الذي نثبته لله تعالى،
[ ٥٣ ]
فلا موجل لصرف اليد من الحقيقة إلى المجاز.
وفي المقام الثالث أورد شيخ الإسلام الأدلة الجلية القاطعة الظاهرة الدالة على أن لله "يدين" حقيقة.
فمن ذلك قوله تعالى مخاطبًا إبليس: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ فالباري جلّ وعلا ذكر هنا ما فضل به آدم على غيره من المخلوقات، فقد خلقه ﵎ بيديه، فلو كان الخالق - ﵎- خلقه بقدرته أو بنعمته أو بمجرد إضافة خلقه إليه، لشاركه في ذلك إبليس وكل المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان.
ونبه شيخ الإسلام هنا إلى أن كلَّ إضافة إلى الله - ﵎- على وجه التشريف لا بدّ أن يكون فيها معنى تشرف به على غيرها، كقوله: (ناقة الله) و(بيت الله)، فلو لم يكن في الناقة والبيت من
[ ٥٤ ]
الآيات البينات ما امتازوا به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة.
ومن هذا النصوص التي صرحت بخلق آدم بيديه توجب أنه اختص بشيء لم يشركه فيه غيره، ألا وهو خلقه - ﵎- بيديه دون غيره من المخلوقات التي خلقها بكلمة "كن".
ونبه أيضًا إلى أمرين:
الأول: أن العرب تفقه من مثل قوله تعالى: ﴿بيد الملك﴾ ﴿مما عملت أيدينا﴾ أمرين:
إثبات اليد.
إضافة الملك والعمل إلى اليد.
الثاني: هو الذي يقع التجوز كثيرًا.
ولكنهم لا يطبقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة فلا يقولون:
[ ٥٥ ]
يد الهوى، ولا يد الماء فقوله تعالى: ﴿بيده الملك﴾ وإن قيل المراد به قدرة الله، إلا أن هذا التعبير لا يقال إلا لمن له يد حقيقة.
والأمر الثاني الذي نبه إليه هو الفارق بين قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ وقوله: ﴿مما عملت بأيدينا﴾.
فقد فرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه في الآية الأولى أضاف الفعل إلى نفسه، وبين أنه خلقه بيديه، وفي الثانية أضاف الفعل إلى الأيدي.
وثانيهما: أن الآية الثانية وضع اسم الجمع وموضع التثنية، وهذا جائز عن العرب إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾
[ ٥٦ ]
أي يديهما. وقوله: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ قلباكما.
ومن النصوص المصرحة بأن لله يدين قوله ﵎: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمنه﴾ وقد تواتر في السنة التصريح بذكر اليدين كقوله ﷺ: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» رواه النسائي وأحمد.
وقوله ﷺ: «يأخذ الرب - ﷿- سماواته وأرضه بيديه، وجعل يقبض يديه ويبسطهما، ويقول: أنا الرحمن، حتى نظرت إلى
[ ٥٧ ]
المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط برسول الله» رواه مسلم وابن ماجه في سننه.
والأحاديث في ذلك كثيرة طيبة صحيحة، وقد ساق شيخ الإسلام بعضًا منها وعقب على ذلك قائلًا: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلًا، وقد تلقتها الأمة بالقبول والتصديق؟
وفي المقام الرابع بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- أنه لم يرد في شيء من الكتاب والسنة، كما أنه لم يرد عن واحد من الصحابة أو الأئمة الذين تابعوهم على أثرهم أن المراد باليد خلاف ظاهره، أو أن الظاهر غير مراد كما لم يرد نص عن الله ولا عن رسوله ولا عن واحد من أئمة السلف ينفي إثبات اليد لرب العزة، وأقصى ما يلجأ إليه المعارض هو الاحتجاج بالنصوص الدالة على تنزيه الباري كقوله:
[ ٥٨ ]
﴿قل هو الله أحد﴾، ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿هل تعلم له سميًا﴾ وهذه النصوص تدل على نفي التشبيه والتجسيم، ولكنها لا تدل على نفي الصفات التي جاءت بها النصوص، كل ما تدل عليه نفي مماثلة أيدي المخلوقين ليد الباري ﵎.
وقد توصل شيخ الإسلام من خلال ما أورده من حجج وبينات إلى أنه لم يوجد في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد.
وكل ما يحتج به من ينفيها أو يؤولها إنما هو شبه فاسدة.
ويخلص إلى قوله بأنه لا يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله خلق آدم بيديه، وأن
[ ٥٩ ]
يداه مبسوطتان وأن الملك بيده، وفي الحديث، مالا يحصى، ثم لا يبين الرسول - ﷺ- لأمته أن هذا الكلام يراد به حقيقة ظاهرة، حتى يأتي مثل الجهم بن صفوان وبشر بن غياث المريسي ومن سلك سبيلهم فيدَّعوون أنه يجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها، ويسلكون سبيلًا يخالفون به النصوص القرآنية والحديثية، وما كان عليه الصحابة وأعلام التابعين والأئمة (١).