وقد ضرب ابن رشد - فيما نقله عنه ابن القيم- مثلًا للذين تأولوا شيئًا من القرآن، يبين مدى جنايتهم على هذا الدين.
فقد مثل أوَّل شيئًا من الشرع زاعمًا ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال طبيب ركَّب دواءً يحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم، فجاء رجل لم يلائم ذلك الدواء مزاجه لرداءة مزاج كان به، فزعم بعضهم أن تلك الأدوية التي ركب منها الدواء لم يرد بها ذلك الدواء. وإنما أراد بها دواءً آخر، فأزال ذلك الدواء، وجعل بدله دواءً آخر زعم أن الطبيب الأول قصده، فتابعه قوم أخذوا منه ذلك الدواء، ففسدت أمزجة كثير من الناس.
فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس من
[ ٧٢ ]
ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بدواء جديد غير الدواء الأول، فزاد المرض، ثم تتابع الذين تلاعبوا بذلك الدواء، وكلما غيروا في تركيب الدواء الأول ازدادت الأمراض وفساد الأمزجة، ولم يزل الأمر هكذا حتى فسدت منافع الدواء الأول.
وهذه حال أصحاب التأويل، كل واحد منهم يؤول الشرع تأويلًا غير ما أوله غيره، زاعمًا أن تأويله هو الذي قصده الشرع حتى تمزق الشرع، واختلط عند كثير من الناس في وسط ذلك الركام من الآراء والتأويلات، وأدى هذا إلى افتراق الأمّة واختلافها (١).
نسأل الله العصمة من الزلل، والسداد في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) أعلام الموقعين: ٤/ ٣٢٠.
[ ٧٣ ]