ليوافقهم (١) على رأي جهم (٢) الذي مبدؤه أن القرآن مخلوق، وعاقبوا من لم يوافقهم على ذلك.
ومن المعلوم أن هذا من المنكرات المحرمة بالعلم الضروري من دين المسلمين، فإن العقاب لا يجوز أن يكون على ترك واجب أو فعل محرم، ولا يجوز إكراه أحد على ذلك والإيجاب والتحريم ليس إلّا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله، وشرع ذلك دينًا فقد جعل لله ندًّا، ولرسوله نظيرًا، بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا (٣)، وبمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب (٤)، وهو ممن قيل فيه (٥): ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٦)، ولهذا كان أئمة (٧) السنة والجماعة لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد ولا يكرهون أحدًا عليه، ولهذا لما استشار هارون الرشيد (٨) مالك بن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في ط: لتوافقهم.
(٢) سبق التعريف به وبمذهبه ص: ١١٩، ١٧١.
(٣) في س: أنداد. وهو خطأ.
(٤) هو: أبو ثمامة مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي متنبيء كذاب، أكثر من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، أرسل إليه أبو بكر خالد بن الوليد، فقضى عليه وعلى فتنته، ومات مقتولًا سنة ١٢ هـ. راجع: الكامل -لابن الأثير- ٢/ ٣٦٠ فما بعدها. والبداية والنهاية -لابن كثير- ٦/ ٣٦٤ - فما بعدها. وشذرات الذهب -لابن العماد- ١/ ٢٣. والأعلام -للزركلي- ٨/ ١٢٥.
(٥) فيه: ساقطة من: س.
(٦) سورة الشورى، الآية: ٢١.
(٧) في س، ط: أهل.
(٨) هو: أبو جعفر هارون (الرشيد) بن محمد (المهدي) بن المنصور العباسي أمير المؤمنين، وخامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، ولد بالري سنة ١٤٩ هـ، وبويع له بالخلافة سنة ١٧٠ هـ بعد وفاة أخيه الهادي وازدهرت الدولة في أيامه، =
[ ١ / ١٧٧ ]
أنس (١) في حمل الناس على موطئه، قال له: (لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - تفرقوا في الأمصار فأخذ كل قوم عمن كان عندهم وإنما جمعت علم أهل بلدي)، أو كما قال (٢)، وقال
_________________
(١) = وتوفي سنة ١٩٣ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ١٤/ ٥ - ١٣. والبداية والنهاية -لابن كثير - ١٠/ ٢٤٢ فما بعدها. والأعلام -للزركلي- ٩/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) في الأصل، س: لمالك، والمثبت من: ط. ولعله المناسب. تقدمت ترجمته ص: ١٣٣.
(٣) أخرج أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٣٢: "عن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت مالك بن أنس يقول: شاورني هارون الرشيد في ثلاث، في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه. . .، فقلت: يا أمير المؤمنين، أما تعليق الموطأ في الكعبة، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الآفاق، وكل عند نفسه مصيب. . . ". وفي الانتقاء لابن عبد البر ص: ٤١: ". . أن مالك بن أنس قال: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلت عليه، فحادثته، وسألني فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعت -يعني "الموطأ"- فتنسخ نسخًا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها، ويدعوا ما سوى ذلك. . . قال: فقلت يا أمير المؤمنين: لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به. . . وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه. وورد نحو هذا في: ترتيب المدارك -للقاضي عياض- ٢/ ٧٢. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٨/ ٧٨. وفي تذكرة الحفاظ -للذهبي- ١/ ٢٠٩: "أن إسماعيل القاضي قال: حدثنا أبو مصعب قال: سمعت مالكًا يقول: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين وهو على فراشه. . . قال: ثم سألني عن أشياء منها حلال ومنها حرام، ثم قال لي: أنت والله أعقل الناس، وأعلم الناس، قلت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: بلى ولكنك تكتم، لئن بقيت لأكتبن قولك كما يكتب المصاحف، =
[ ١ / ١٧٨ ]
مالك أيضًا: (إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة).
وقال أبو حنيفة (١): (هذا رأي فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلنا).
وقال الشافعي (٢): (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط)، وقال: (إذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فإني أقول بها).
وقال المزني (٣) في أول. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولأبعثن به إلى الآفاق فأحملهم عليه". وانظر نحو هذا في: ترتيب المدارك -للقاضي عياض- ٢/ ٧١. ومهما اختلفت الرواية في هذا فإن المعنى واحد، وهو أن الإمام مالك بن أنس طلب من أمير المؤمنين -في أي رواية- أن لا يحمل الناس على موطئه. ولئن تضاربت الروايات حول من عزم على حمل الناس على موطأ مالك، هل هو أبو جعفر أم هارون الرشيد؟ فيمكن أن نجمع بين هاتين الروايتين بأن أصل الفكرة انبجست في ذهن أبي جعفر، إلّا أنها اتضحت وتأكدت عند هارون الرشيد فخر الخلفاء العباسيين، فأراد تنفيذها طلبًا لتوحيد الأمة على كتاب واحد في السنة، إلّا أن مالكًا أبي ذلك تورعًا وخوفًا من ضياع أحاديث كثيرة حملها الجم الغفير من صحابة الرسول - ﵇ -، الذين تفرقوا في الآفاق يحملون كلمة التوحيد وينشرون الإسلام.
(٢) تقدمت ترجمته ص: ١٥٥.
(٣) تقدمت ترجمته ص: ١٣٤.
(٤) هو: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيي بن عمرو بن مسلم المزني -نسبة إلى مزينة بنت كلب قبيلة مشهورة- صاحب الشافعي، كان عالمًا فقيهًا، راجح المعرفة، جليل القدر، عارفًا بوجوه الكلام والجدل، له تصانيف كثيرة منها "المختصر"، وقد شرحه قوم منهم: أبو إسحاق المروزي، وأبو العباس بن سريج وغيرهما كثير، ذكرهم فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي -المجلد الأول- الجزء الثالث- ١/ ٣ - الفقه- ص: ١٥٩. ولد المزني سنة ١٧٥، وتوفي سنة ٢٦٤ هـ. راجع: الانتقاء -لابن عبد البر- ص: ١١٠. ووفيات الأعيان -لابن خلكان =
[ ١ / ١٧٩ ]
مختصره (١): (هذا كتاب اختصرته من علم أبي عبد الله الشافعي (٢) لمن أراد معرفة مذهبه، مع إعلامه نهيه (٣) عن تقليده وتقليد غيره من العلماء).
وقال الإمام أحمد (٤): (ما ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم). [قال] (٥): (ولا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا).
فإذا كان هذا قولهم في الأمور العملية (٦) وفروع الدين، لا يستجيزون إلزام الناس بمذاهبهم (٧)، مع استدلالهم عليها بالأدلة الشرعية، فكيف بإلزام الناس وإكراههم على أقوال لا توجد في كتاب الله، ولا في حديث عن رسول الله - ﷺ -، ولا تؤثر عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد من أئمة المسلمين؟ ولهذا قال الإمام أحمد (٨) [لابن] (٩) أبي دؤاد (١٠) الجهمي، الذي كان قاضي القضاة في عهد
_________________
(١) = - ١/ ٢١٧ - ٢١٩. وطبقات الشافعية -للسبكي- ٢/ ٩٣ - ١٠٩.
(٢) مختصر المزني- ص: ١ - مطبوع ضمن كتاب "الأم" للشافعي.
(٣) تقدمت ترجمته ص: ١٣٤.
(٤) في جميع النسخ، والمختصر: إعلامية نهبة. ولعله المناسب.
(٥) تقدمت ترجمته ص: ١٣٤.
(٦) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٧) في س، ط: الأصول العلمية. والعملية مفرد عمليات. ولعل العمليات ما يسميها البعض الفروع والشرع والفقه. راجع: معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول -لابن تيمية- ص: ٢١.
(٨) في الأصل: بمذهبهم. والمثبت من: س، ط. ولعله المناسب.
(٩) تقدمت ترجمته ص: ١٣٤.
(١٠) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(١١) في س، ط: داود. وهو خطأ. =
[ ١ / ١٨٠ ]
المعتصم (١) لما دعا الناس إلى التجهم، وأن يقولوا القرآن مخلوق، وإكراههم (٢) عليه بالعقوبة وأمر بعزل من لم يجبه، وقطع رزقه إلى غير ذلك مما فعله في محنته المشهورة (٣)، فقال له في مناظرته لما طلب منه الخليفة أن يوافقه على أن القرآن مخلوق: "ائتوني بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله [حتى أجيبكم به، فقال له ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلّا بما في كتاب الله أو سنة رسوله] (٤)، فقال له: هب أنك تأولت تأويلًا فأنت أعلم وما تأولت، فكيف تستجيز أن تكره الناس عليه بالحبس والضرب (٥)؟ ".
فبين أن العقوبة لا تجوز إلّا على ترك ما أوجبه الله أو فعل ما حرمه
_________________
(١) = هو: أبو عبد الله أحمد بن دؤاد فرج بن جرير بن مالك الإيادي أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، ولي القضاء للمعتصم والواثق، وحمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن. قال عنه الذهبي: جهمي بغيض، ولد سنة ١٦٠ هـ، وتوفي مصابًا بالفالج سنة ٢٤٠ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ٤/ ١٤١ - ١٥٦. ووفيات الأعيان -لابن خلكان- ١/ ٨١ - ٩١. وباب ذكر المعتزلة من كتاب: مقالات الإسلاميين -لأبي القاسم البلخي- ص: ١٠١.
(٢) هو: أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي أحد خلفاء الدولة العباسية، بويع بالخلافة سنة ٢١٨ هـ، ولد سنة ١٧٩ هـ، وتوفي سنة ٢٢٧ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٧. الكامل لابن الأثير - ٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤. والبداية والنهاية -لابن كثير- ١/ ٣٣٤.
(٣) في س، ط: وأكرههم.
(٤) مناقب الإمام أحمد -لابن الجوزي- ص: ٣٩٧ - فما بعدها.
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٦) مناقب الإمام أحمد -لابن الجوزي- ص: ٤٠١.
[ ١ / ١٨١ ]
الله، فإذا كان القول ليس في كتاب الله وسنة رسوله لم يجب على الناس أن يقولوه، لأن الإيجاب إنما يتلقى من الشارع، وإن كان القول في نفسه حقًّا، أو اعتقد قائله أنه حق، فليس له أن يلزم الناس أن يقولوا ما لم يلزمهم الرسول أن يقولوه -لا نصًّا ولا استنباطًا. وإذا (١) كان كذلك فقول القائل: المطلوب من فلان أن يعتقد كذا وكذا، وأن لا يتعرض لكذا وكذا إيجاب عليه لهذا الاعتقاد وتحريم عليه لهذا الفعل، وإذا كانوا لا يرون خروجه من السجن إلّا بالموافقة على ذلك فقد استحلوا عقوبته وحبسه حتى يطيعهم في ذلك، فإذا لم يكن ما أمروا به قد أمر الله به ورسوله، وما نهوا عنه قد نهى الله عنه ورسوله، كانوا بمنزلة من ذكر من الخوارج (٢) والروافض (٣) والجهمية (٤) المشابهين للمشركين والمرتدين، ومعلوم أن هذا الذي قالوه لا يوجد في كلام الله ورسوله بحال، وهم -أيضًا- لم يبينوا أنه يوجد في كلام الله ورسوله، فلو كان هذا موجودًا في كلام الله ورسوله لكان عليهم بيان ذلك، لأن العقوبات لا تجوز إلّا بعد إقامة الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٥)، فإذا لم يقيموا حجة الله (٦) التي يعاقب من خالفها، بل لا يوجد ما ذكروه في حجة الله، وقد نهوا عن تبليغ حجة الله ورسوله، كان هذا من أعظم الأمور مماثلة لما ذكر من حال الخوارج (٧) المارقين المضاهين للمشركين والمرتدين والمنافقين.
_________________
(١) في س، ط: وإن.
(٢) سبق التعريف بهم وبمذهبهم ص: ١٧٦.
(٣) سبق التعريف بهم وبمذهبهم ص: ١٥١.
(٤) سبق التعريف بهم وبمذهبهم ص: ١١٩، ١٧١.
(٥) سورة الإسراء، الآية: ١٥.
(٦) في س: لله.
(٧) سبق التعريف بهم وبمذهبهم ص: ١٧٦.
[ ١ / ١٨٢ ]