عمن حفظ عنه كلام في هذا ضد هذا القول، وغايته (١) أن يحكي عن مثل أبي المعالي الجويني (٢)، وهو أجل من يحكي عنه ذلك من المتأخرين، وأبو المعالي ليس له وجه في المذهب، ولا يجوز تقليده في شيء من فروع الدين عند أصحاب الشافعي (٣)، فكيف يجوز أو يجب تقليده في أصول الدين؟ وهذا هو الذكي اللوذعي (٤)، وكتابه (٥) في المذهب هو
_________________
(١) = راجع: تاريخ بغداد -للخطيب البغدادي- ٤/ ٣٦٨ - ٣٧٠. وتهذيب الأسماء واللغات -للنووي ٢/ ٢٠٨ - ٢١٠. ووفيات الأعيان -لابن خلكان ١/ ٧٢ - ٧٤. وطبقات الشافعية -للسبكي ٤/ ٦١ - ٧٤.
(٢) في الأصل: "وعاينه"، والمثبت من: س، ط.
(٣) في الأصل: "أبو العالي الحوني". وهو خطأ. هو: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني -نسبة إلى "جوين" قرية من قرى نيسابور -الشافعي الأشعري، الملقب بإمام الحرمين، لمجاورته بمكة أربع سنين، رحل إلى بغداد ثم عاد إلى نيسابور فبنى له الوزير نظام الملك "المدرسة النظامية" وتولى بها الخطابة والتدريس، ولد سنة ٤١٩، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ، وله مؤلفات منها: "العقيدة النظامية" ط، و"الشامل في أصول الدين" ط، و"الإرشاد". راجع: تبيين كذب المفتري -لابن عساكر ٢٧٨ - ٢٨٥. ووفيات الأعيان -لابن خلكان ٣/ ١٦٧ - ١٧٠. وطبقات الشافعية -للسبكي ٥/ ١٦٥. فما بعدها. والبداية والنهاية -لابن كثير ١٢/ ١٣٨.
(٤) الشافعي: تقدمت ترجمته ص: ١٣٤.
(٥) هو: الخفيف الذكي، الظريف الذهن، الحديد الفؤاد، واللسان الفصيح، كأنه يلذع بالنار من ذكائه. راجع: تاج العروس -للزبيدي- ٥/ ٤٩٩ (لذع).
(٦) لعله "نهاية المطلب في دراية -أو رواية- المذهب". وهو كتاب ما صنف مثله في المذهب في رأي ابن خلكان (وفيات الأعيان ٣/ ١٦٨) وابن العماد الحنبلي (شذرات الذهب ٣/ ٣٥٩)، وهو اثنا عشر مجلدًا في الفقه الشافعي -خ- جمعه بمكة وأتمه بنيسابور، واختصره أبو سعد عبد الله بن محمد اليمني، المعروف بابن أبي عصرون -المتوفى سنة ٥٨٥ هـ، وسماه "صفوة المذهب من نهاية المطلب" وهو سبع مجلدات.
[ ١ / ١٩٨ ]
الذي رفع قدره، وفخم أمره، فإذا لم يجز تقليده فيما ارتفع به قدره، وعظم به أمره عند الأصحاب، فكيف يقلد في الأمر الذي كثر فيه الاضطراب، وأقر عند موته بالرجوع عنه وتاب (١)؟ وهجره على بعض مسائله (٢)، مثل أبي القاسم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = راجع: الأعلام -للزركلي ٤/ ٣٠٦. وكشف الظنون -لحاجي خليفة ٢/ ١٩٩٠.
(٢) ذكر ابن الجوزي: أن الحافظ أبا جعفر قال: سمعت أبا المعالي يقول: "ركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، وإلا فالويل لابن الجويني". راجع: المنتظم ٩/ ١٩. وقد ذكر هذا الخبر: الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٠ - ٤٧١. والسبكي في طبقاته ٥/ ١٨٥. وإقرار الجويني بهذا عند موته، يدل على أن المنهج الحق هو ما استمد من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان من أهل العلم والعرفان، وأن الاشتغال بالكلام تكون نهايته الضياع.
(٣) كمسألة: "إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات". وقد أشار إلى هذه المسألة ابن الجوزي، وتعجب من هذه المقالة، ونقل عن ابن عقيل أنها في غاية الضلالة. راجع: المنتظم ٩/ ١٩. وقال المازري: "وددت لو محوتها بدمي" وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحًا، بل ألزم بها، لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة، فالله أعلم. راجع: شرح البرهان. يقول الذهبي -بعد ذكره لما تقدم: "هذه هفوة اعتزال هجر أبو المعالي عليها، وحلف أبو القاسم القشيري لا يكلمه، ونفي بسببها فجاور وتعبد وتاب -ولله الحمد- منها كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف في الصفات وأقره. راجع: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٢. وذكر هذه المسألة: السبكي، لكن في معرض الإنكار والتكذيب.
[ ١ / ١٩٩ ]