سَمِيًّا﴾ (١)، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) وعلى هذا أهل العلم والإيمان أتباع المرسلين من الأولين والآخرين.
وأما طريقة هؤلاء فهي نفي مفصل ليس بكذا ولا كذا (٣)، وإثبات مجمل، يقولون: هو الوجود المطلق لا يوصف إلّا بسلب أو إضافة أو مركب منها ونحو ذلك، وكل من علم ما جاءت به الرسل، وما يقوله هؤلاء، علم أن هؤلاء في غاية المشاقة والمحادة والمحاربة لله ورسوله (٤)، وانتدب هؤلاء في تقرير شبه (٥) عقلية ينفون بها الحق، وتأولوا كتاب الله على غير تأويله، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسماء الله وآياته بحيث حملوها على ما يعلم بالاضطرار أنه خلاف مراد الله ورسوله؛ كما فعل إخوانهم القرامطة (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٦٥.
(٢) سورة الإخلاص، الآيتان: ٣، ٤.
(٣) ولا كذا: ساقطة من: س، ط.
(٤) في س، ط: ورسله.
(٥) في الأصل: بشبه. والمثبت من: س، ط. ولعله المناسب.
(٦) القرامطة: من الباطنية ولقبوا بذلك نسبة إلى رجل من دعاتهم يقال له: حمدان بن قرمط، ويعود في أصله إلى خوزستان -الأهواز- أظهر التقشف والزهد في أول عهده فاستمال إليه بعض الناس فسموا "قرامطة" وهؤلاء قوم تبعوا طريق الملحدين، وجحدوا الشرائع، وظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول أن تكون مدركة للحق لما يعترضها من الشبهات، والمعصوم يطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائع، ولا بد في كل زمان من إمام معصوم يرجع إليه. إضافة إلى أقوالهم الباطلة وآرائهم الشنيعة في الإله والنبوة، والقيامة والتكاليف الشرعية، والتي يتضح من خلالها أنها فرقة ملحدة ضالة، وحركة باطنية هدامة. راجع تفاصيل أخبارهم وعقيدتهم وأهدافهم: فضائح الباطنية -للغزالي - ص: ١٢ فما بعدها. القرامطة -لابن الجوزي (وهو فصل مطول عن القرامطة =
[ ١ / ١٧٢ ]
والباطنية (١) وجحدوا الحقائق العقلية، كما فعل إخوانهم السوفسطائية (٢) فجمعوا بين السفسطة في العقليات، والقرمطة في
_________________
(١) = في المنتظم ٥/ ١١٠ - ١١٩. قام بتحقيقه محمد الصباغ وإفراده بكتاب مستقل) - ص: ٢٩ - ٧٢. الكامل لابن الأثير- ٧/ ٤٩٣. فما بعدها. ٨/ ١٤٣ البداية والنهاية -لابن كثير ١١/ ٩١، ١٨٠. القرامطة- لمحمود شاكر- ص: ٥ فما بعدها.
(٢) الباطنية: جماعة ترى أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن، تجري مجرى اللب من القشر، وأنها توهم الأغبياء صورًا، وتفهم الفطناء رموزًا وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عن الغوص على الخفايا والبواطن متعثر، ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه، ويزعمون أنهم أصحاب التعاليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم. وقد أسس دعوة الباطنية جماعة منهم: ميمون بن ديصان المعروف بالقداح، ومحمد بن حسين الملقب بدندان. ولمعرفة الكثير عن هذه الفرقة، وبيان ضلالها وعظم خطرها يراجع: الفرق بين الفرق -لعبد القاهر- ص: ٢٨١ - ٣١٢. التبصير في الدين -للإسفراييني- ص: ١٤٠ - ١٤٧. فضائح الباطنية -للغزالي - ص: ١١ فما بعدها. القرامطة -لابن الجوزي (وهو فصل مطول عن القرامطة في المنتظم ٥/ ١١٠ - ١١٩ قام بتحقيقه محمد الصباغ- وإفراده بكتاب مستقل) - ص: ٣٦ - ٧٢.
(٣) في الأصل: س: السوفسطائية. والمثبت من: ط. السوفسطائية: هم قوم كانوا قبل دولة الإسلام في القرن الخامس قبل الميلاد، يقولون بنفي الحقائق. وقد قسم ابن تيمية السفسطة إلى أربعة أنواع: الأول: السوفسطائية المتجاهلة اللا أدرية الذين يقولون: لا نعلم هل الحقائق ثابتة أو منتفية، وهل يمكن العلم أو لا يمكن؟. الثاني: قول أهل التكذيب والجحود والنفي الذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم بها. الثالث: الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد، فمن اعتقد ثبوت الشيء كان في حقه ثابتًا ومن نفاه كان في حقه منتفيًا، ولا يجعلون للحقائق أمرًا هي عليه في أنفسها. الرابع: قول من يقول: الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم بها، إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته، وإما لغير ذلك.
[ ١ / ١٧٣ ]
السمعيات (١)، فلهذا انتدب سلف الأمة وأئمتها وغيرهم للرد عليهم وتقرير ما أثبته الله ورسوله ورد تكذيبهم وتعطيلهم، وذكروا دلائل الكتاب والسنة على بيان الحق ورد باطلهم، ولما احتج أولئك بشبه عقلية بينوا لهم -أيضًا- (٢) أن العقل يدل على فساد قولهم، وصحة ما جاءت به الرسل كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٣)، وإذا (٤) كان الأمر كذلك، فمن نهى عن بيان ما بعث الله به رسوله من الإثبات، وأمر بما أحدث من النفي الذي لا يؤثر عن الرسل، كان قد أخذ من مشاقة الله ورسوله ومحادة الله ورسوله، ومحاربة الله ورسوله، بحسب ما سعى فيه من ذلك، حيث أمر بترك ما بعث به الرسول، وبإظهار ما يشتمل على مخالفته.
_________________
(١) = وهذا الاسم -أعني السوفسطائية- اسم المهنة التي بها يقدر الإنسان على المغالطة والتمويه والتلبيس بالقول والإيهام، وهو مركب في اليونانية من "سوفيا" وهي الحكمة، من "أسطس" وهي المموهة، فمعناها الحكمة المموهة. راجع: التبصير في الدين -للإسفراييني- ص: ١٤٩. والصفدية -لشيخ الإسلام ابن تيمية- ١/ ٩٧ - ٩٨ ت (٢) نفس الصفحة. وص ١٧٠ - ١٧١ من هذا الكتاب. والتعريفات -للجرجاني- ص: ١١٨ - باب السين. وتاريخ الفلسفة اليونانية -ليوسف كرم- ص: ٥٧.
(٢) كثيرًا ما يشير الشيخ -﵀- إلى هذه العبارة في كتبه. راجع مثلًا: السبعينية ص: ٧. ودرء تعارض العقل والنقل- ٢/ ١٥ وكلاهما لابن تيمية، أي: يفعلون فعل القرامطة، فيجعلون للنص ظاهرًا وباطنًا كي يتفق مع مذهبهم الباطل.
(٣) في س، ط: أيضًا لهم.
(٤) سورة سبأ، الآية: ٦.
(٥) في س، ط: وإن.
[ ١ / ١٧٤ ]