جاء أميران رسولين (١) من عند الملأ المجتمعين من الأمراء والقضاة ومن معهم، وذكرا رسالة من عند الأمراء، مضمونها طلب الحضور، ومخاطبة القضاة لتخرج وتنفصل القضية، وأن المطلوب خروجك، وأن يكون الكلام مختصرًا (٢)، ونحو ذلك.
فقلت: سلم على الأمراء، وقيل لهم: لكم سنة، وقبل السنة مدة أخرى تسمعون كلام الخصوم الليل والنهار، وإلى (٣) الساعة لم تسمعوا مني كلمة واحدة، وهذا عن أعظم الظلم، فلو كان الخصم يهوديًّا أو نصرانيًّا أو عدوًا آخر للإسلام ولدولتكم، لما جاز أن تحكموا عليه حتى تسمعوا كلامه، وأنتم قد سمعتم كلام الخصوم وحدهم (٤) في مجالس كثيرة، فاسمعوا كلامي وحدي في مجلس واحد، وبعد ذلك نجتمع ونتخاطب بحضوركم (٥)، فإن هذا من أقل العدل الذي أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦).
فطلب الرسولان أن أكتب ذلك في ورقة، فكتبته، فذهبا ثم عادا وقالا: المطلوب حضورك لتخاطبك القضاة بكلمتين وتنفصلوا (٧)،
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ولعل ذلك على أنها حال. وقد تكون: "رسولان" على أنها صفة.
(٢) في الأصل: "محتضرًا" وهو تصحيف، والمثبت من: س، ط.
(٣) في الأصل: "وإلا" وهو خطأ.
(٤) "وحدهم": ساقطة من: س.
(٥) في س: "لحضوركم".
(٦) سورة النساء، الآية: ٥٨.
(٧) في س، ط: "وتنفصل". أقول: إن رغبتهم في الانفصال بعد المخاطبة بكلمتين دليل على خشية الخصوم من تفصيل الشيخ -﵀- للمسائل المدعمة بالأدلة النقلية والعقلية، حتى لا يحرجوا بموافقته، وترك ما يحفظون من متون بلا أدلة.
[ ١ / ١١٠ ]
وكان في أوائل النصف [من الشهر المذكور] (١) جاءنا هذان الرسولان بورقة كتبها لهم المحكم من القضاة (٢) [أبو الحسن علي بن مخلوف المالكي] (٣) وهي طويلة، طلبت منهم نسخها فلم [يوافقوا وتأملتها فوجدتها مكذوبة على إلا كلمة واحدة] (٤) من أنه على العرش حقيقة وأن كلامه حرف وصوت قائم به [بلا تكييف ولا تشبيه] (٥).
قلت: [ليس هذا في كلامي ولا] (٦) في خطي، وخاطبني بخطاب فيه طول قد ذكر في غير هذا الموضع، فندموا على كتابة تلك الورقة وكتبوا هذه، فقلت: أنا لا أحضر إلى من يحكم فيّ بحكم الجاهلية، وبغير ما أنزل الله، ويفعل بي ما لا تستحله اليهود ولا النصارى،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط. وهو بياض في الأصل.
(٢) في هامش (س) الأيمن: هو القاضي ابن مخلوف المالكي. هو: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري أبو الحسن المالكي، ولد سنة ٦٣٤ هـ، وتوفي سنة ٧١٨ هـ. راجع: الوافي بالوفيات - للصفدي ٢٠/ ١٨٩، والبداية والنهاية -لابن كثير ١٤/ ٧٨، والدرر الكامنة -لابن حجر العسقلاني ٣١/ ٢٠٣، وشذرات الذهب- لابن العماد ٦/ ٤٩.
(٣) ما بين المعقوفتين بياض في الأصل س. بقدر نصف سطر تقريبًا. والكلام متصل في: ط، إلا أنه رمز للبياض بحرف (ط). ولعل ما أثبته يكون مناسبًا لسياق الكلام.
(٤) ما بين المعقوفتين بياض في الأصل س. بقدر نصف سطر، ورمز للبياض. في: ط، بحرف (ظ). ولعل ما أثبته يناسب سياق الكلام. وانظر مجموع الفتاوي ٢/ ٢١٧.
(٥) ما بين المعقوفتين بياض في الأصل بقدر نصف سطر تقريبًا، وبقدر سطر في: س، ورمز له في: ط، بحرف (ظ) ولعل ما أثبته يكون مناسبًا للسياق وانظر المجموع ٢/ ٢١٧.
(٦) ما بين المعقوفتين بياض في الأصل، س، بقدر نصف سطر تقريبا. والكلام متصل في: ط، ورمز للبياض بحرف (ظ). ولعل ما أثبته يناسب سياق الكلام.
[ ١ / ١١١ ]
كما فعلتم في المجلس الأول (١)، وقلت للرسول: قد كان ذلك بحضوركم، أتريدون أن يمكروا (٢) كما مكروا [بي] (٣) في العام الماضي؟ هذا لا أجيب إليه، ولكن من زعم أني قلت قولًا باطلًا، فليكتب خطه بما أنكره من كلامي، ويذكر حجته، وأنا أكتب جوابي مع كلامه، ويعرض كلامي وكلامه على علماء الشرق والغرب، فقد قلت هذا بالشام، وأنا قائله هنا (٤)، وهذي عقيدتي (٥) التي بُحثت بالشام بحضرة قضاتها ومشايخها وعلمائها، وقد أرسل إليكم نائبكم النسخة التي قرئت، وأخبركم بصورة ما جرى، وإن كان قد وقع من التقصير في حقي والعدوان والإغضاء عن الخصوم ما قد علمه الله والمسلمون،
_________________
(١) راجع ملخص ما حصل للشيخ -﵀- في هذا المجلس، في: العقود الدرية -لابن عبد الهادي- ص: ٢٥٠ فما بعدها، البداية والنهاية -لابن كثير ١٤/ ٣٢.
(٢) في س، ط: "تمكروا".
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من: س.
(٤) هذا دليل على أن الرسالة كتبت في مصر ولم تكتب في الشام. وقد جاء في العقود الدرية لابن عبد الهادي ص: ٢٠٣: "أنه في يوم الإثنين ثامن رجب من سنة خمس وسبعمائة طلب القضاة والفقهاء، وطلب الشيخ تقي الدين إلى القصر، إلى مجلس نائب السلطنة الأفرم، فاجتمعوا عنده وسأل الشيخ تقي الدين وحده عن عقيدته. وقال له: هذا المجلس عقد لك، وقد ورد مرسوم السلطان: أن أسألك عن اعتقادك. فأحضر الشيخ عقيدته الواسطية، وقال: هذه كتبتها من نحو سبع سنين، قبل مجيء التتار إلى الشام. فقرئت في المجلس، وبحث فيها، وبقي مواضع أخرت إلى مجلس آخر ثم اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور وحضر المخالفون ومعهم الشيخ صفي الدين الهندي. . . ".
(٥) هي "العقيدة الواسطية"، التي دار الكلام حولها في المجلس الأول والثاني. راجع: العقود الدرية -لابن عبد الهادي- ص: ٢٠٦ فما بعدها.
[ ١ / ١١٢ ]