الناحية الاجتماعية.
الناحية العلمية.
الناحية السياسية:
الشَّيخ -﵀- عاش في أواخر القرن السابع وأول القرن الثامن للهجرة، وقد كانت البلاد الإسلامية -في هذه الفترة- مليئة بالأحداث المحزنة التي يذكرها المؤرخون بالتفصيل، وأكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى أمور تعد من علامات العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام.
فقد بدأ الصليبيون غاراتهم على بلاد الشام سنة ٤٩١ هـ، كما يذكر ذلك
_________________
(١) انظر: ابن تيمية -حياته وعصره وآراؤه وفقهه -لأبي زهرة- ص: ١٢٤ (بتصرف).
[ ١ / ٣١ ]
ابن الأثير (١) عن الحوادث التي جرت في هذه السنة، عندما خرج الفرنج إلى بلاد الشام.
واستمر الصليبيون في غاراتهم على الشام ومصر، ينتصرون مرَّة، وينهزمون أخرى نحو قرنين من الزمان، حتَّى انتهى الأمر بطردهم نهائيًّا سنة ٦٩٠ هـ على يد الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون (٢).
يقول ابن كثير: "في تلك السنة فتحت "عكا" وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مدد متطاولة، ولم يبق فيها حجر واحد" (٣).
وقد ذكر البزار ما يدل على مشاركة الشيخ -﵀- في فتح "عكا" فقال: "وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح "عكا" أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها.
قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره" (٤).
وبينما كان المسلمون منشغلين بقتال الصليبين، دهمهم خطر التتار الذين قدموا بقيادة زعيمهم "جانكيز خان" يجتاحون البلاد الإسلامية، وكانوا قومًا فيهم غلظة، فأسرفوا في سفك الدماء، ونهب الأموال، وتخريب البلاد حتَّى سقطت بأيديهم بغداد عاصمة الخلافة سنة ٦٥٦ هـ، وأحالوا هذه المدينة العامرة إلى خراب، فأشعلوا النَّار في دورها، وقتلوا الآلاف من
_________________
(١) انظر: الكامل لابن الأثير ١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٨.
(٢) هو: خليل بن قلاوون الصالحي الملك الأشرف، من ملوك مصر، ولي بعد وفاة والده سنة ٦٨٩ هـ، واستفتح بالجهاد، فقصد البلاد الشامية، وقاتل الفرنج واسترد منهم "عكا" و"صورًا" و"صيدا" و"بيروت" وبقية الساحل وتوغل في الداخل، وكان شجاعًا مهيبًا، قتل غيلة بمصر سنة ٦٩٣ هـ. انظر: فوات الوفيات -للكتبي- ١/ ٤٠٦ - ٤١٥. والأعلام -للزركلي- ٢/ ٣٦٩.
(٣) البداية والنهاية- ١٣/ ٣٠٣.
(٤) الأعلام العلية -أبو حفص البزار- ص: ٦٣، ٦٤. وانظر: الكواكب الدرية -للإمام مرعي الحنبلي- ص: ٩٢.
[ ١ / ٣٢ ]
أهلها، وعلى رأسهم الخليفة العباسي المستعصم بالله (١).
وبعد استيلاء التتار على العراق وخراسان وغيرها من بلاد الشرق، أصبح الطريق أمامهم مفتوحًا لغزو الشام، فسارعوا بجيوشهم عبر الفرات وما لبثوا أن استولوا على حلب ثم دمشق، حتَّى وصلوا بقيادة "هولاكو" إلى غزة في طريقهم إلى مصر، لكن الملك المظفر "قطز" (٢) -سلطان ديار مصر- باغتهم بجيش، ودارت بينهم معركة في "عين جالوت" (٣) سنة ٦٥٨ هـ، انتهت بهزيمة التتار وفرارهم (٤).
لكن التتار عادوا مرَّة أخرى لغزو الشام سنة ٦٩٩ هـ، وقصدوا دمشق، فاجتمع أعيان البلد وتقي الدين بن تيمية، واتفقوا على المسير إلى "قازان" -سلطان التتار- ومواجهته قبل دخوله دمشق، وأخذ الأمان منه لأهلها، فتوجهوا إليه، وكلمه الشَّيخ كلامًا قويًّا شديدًا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين (٥)، فحقنت الدماء، وحميت الدَّراري واندحر التتار بعد قدوم العساكر المصرية لمساعدة أهل الشام.
وكان ﵀ يحث النَّاس على الجهاد والاستعداد له في أي لحظة،
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير- ١٣/ ٧٩، ٨٣ - ٨٨، ٩١، ١٩٠ - ١٩٤. وقد ذكر -﵀- في ص: ١٩٣ وصفًا محزنًا لبغداد وحالة أهلها بعد سقوطها بأيدي التتار.
(٢) هو: قطز بن عبد الله المعزي، سيف الدين، وثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام، كان مملوكًا للمعز "أيبك التركماني"، وكان شجاعًا مقدامًا حازمًا، حسن التدبير، وبعد قتال التتار وانتصاره عليهم، قتل أثناء عودته لمصر على يد بيبرس وبعض أمراء الجيش سنة ٦٥٨ هـ. انظر: فوات الوفيات -للكتبي- ٣/ ٢٠١ - ٢٠٣. والأعلام -للزركلي- ٦/ ٤٧.
(٣) عين جالوت: بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين كان الروم قد استولوا عليها مدة ثم استردها منهم صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٧٩ هـ. انظر: معجم البلدان للحموي- ٤/ ١٧٧.
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير- ١٣/ ٢٠٧ - ٢١١.
(٥) المصدر السابق ١٤/ ٦ - ١٢، والأعلام العلية للبزار- ص: ٦٤، ٦٥.
[ ١ / ٣٣ ]
ويتلو عليهم آيات الصبر والجهاد، ويجتمع بنواب قازان -بعد رجوعه- لتخليص أسرى المسلمين، وقد فك أسر كثير منهم بسبب جهوده -﵀-.
وفي سنة ٧٠٠ هـ جاءت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، ففزع النَّاس، وشرعوا في الهروب من تلك الديار، لكن الشَّيخ -﵀- حرضهم على البقاء والمدافعة بالغالي والرخيص، وذكرهم بفضل الجهاد، وكلما اقترب التتار من دمشق زاد فزع النَّاس واضطرابهم وهروب البعض منهم، خصوصًا بعد رجوع السلطان الناصر وعساكره إلى مصر من عرض الطريق، وكان خرج منها إلى الشام لمساعدة أهلها، ممَّا جعل الشَّيخ -وبطلب من نائب دمشق- يتوجه إلى مصر بالبريد لحث السلطان على حماية دمشق، إن كانت لهم بهم حاجة.
وقال لهم فيما قال: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه، ويستغله في زمن الأمن".
ولم يزل الشَّيخ تقي الدين بهم حتَّى خرجت العساكر من مصر إلى الشام، وحثهم على الجهاد ووعدهم بالنصر المؤزر، لكن ملك التتار أحس بضعف جيشه فرجع، وكفى الله المسلمين شرهم (١).
وفي سنة ٧٠٢ هـ وردت الأخبار بعزم التتار على غزو الشام، ففزع النَّاس -كما هي حالهم في كل مرَّة- وقدموا فعلًا إلى الشام، وجاءت العساكر المصرية، وخرج الشَّيخ إلى العسكر، واجتمع بهم ووعدهم النصر وحث الأمراء على الصبر ومواصلة الجهاد وعدم التخاذل، ووقعت معركة "شقحب" (٢) وشارك الشَّيخ -﵀- فيها مشاركة فعلية بعد أن كاد يدب اليأس إلى قلوب النَّاس، وبدأت مظاهر التفرق فيهم، وأفتى -﵀- بفطر النَّاس مدة قتالهم، وأفطر هو -أيضًا- فانتصر المسلمون -بحمد الله-
_________________
(١) المصدر السابق ١٤/ ١٣ - ١٥، والعقود الدرية لابن عبد الهادي- ص: ١١٩.
(٢) شقحب: عين ماء جنوب دمشق بعد الكسوة على يمين المذاهب إلى حوران، وهي الآن مزرعة تبعد أربعين كلم عن دمشق. انظر: ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية -محمد كرد علي،- ص: ٢٣ ت (١).
[ ١ / ٣٤ ]
وغنموا مغانم كثيرة، وخذل التتار وولوا مدبرين (١).
وفي سنة ٧٠٥ هـ، كان لجماعة من التتار صولة على جيش حلب، فخرج الشَّيخ أبو العباس ومعه طائفة من الجيش لغزوهم، ثم تبعه نائب السلطان بما بقي من الجيوش الشامية، وقد أبان الشَّيخ -﵀- في هذه الغزوة علمًا وشجاعة ملأت قلوب أعدائه حسدًا وغمًّا (٢).
فمن هذا العرض الموجز نجد أن حياة المسلمين السياسية في الفترة التي عاش فيها الشَّيخ مضطربة، وقد أدى تلاحق الحوادث والحروب إلى عدم استقرارها، ودفع بخيرة أبناء البلاد إلى الحرب والجهاد.
هذا بالنسبة للوضع السياسي خارج دولة المماليك.
أما في الداخل: فكان حكمهم يزخر بالفتن والاغتيالات والمؤامرات، فما أن تهدأ الأمور وتسير في صالح سلطان حتَّى يتطاول عليه أمير من الأمراء محاولًا اغتصاب السلطة. . . وهكذا، فالقوة كانت إحدى مميزات هذه العصر (٣)، ممَّا جعل السلاطين يعيشون في وضع غير مستقر، لما يلاقونه ويتعرضون له من القتل والعزل والإذلال.
ومما لا شك فيه أن هذا الوضع المضطرب له الأثر السلبي على العلماء المعاصرين له الذين أخذوا العهد على أنفسهم بتوجيه النَّاس الوجهة الصالحة، وبيان الحق لهم، فكانوا يغضبون على تلك الطائفة التي تحاول إثارة الشغب بما تحيكه من المؤامرات ضد السلاطين، خصوصًا وأنهم أظهروا الدفاع عن البلاد الإسلامية، وحماية أهلها، وصدوا هجمات التتار المتكررة -كما رأينا- وحرصوا على مصالح الرعية، وأشاعوا العدل بينهم (٤).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/ ١٩ - ٢٣. والكواكب الدرية -للإمام مرعي الحنبلي- ص: ٩٦، ٩٧.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير- ١٤/ ٣١.
(٣) انظر: النجوم الزاهرة -لابن تغري بردي- ٨/ ٢٦٤ - فما بعدها. وحسن المحاضرة -للسيوطي- ٢/ ١٠٥ - ١١٤.
(٤) انظر: النجوم الزاهرة -لابن تغري بردي- ٧/ ١٦٣.
[ ١ / ٣٥ ]