وكلامًا (١) آخر كثيرًا، ثم قمت وطلبت فتح الباب والعود إلى مكاني.
وقد كتبت هنا بعض ما يتعلق بهذه المحنة، التي طلبوها مني في هذا اليوم وبينت بعض ما فيها من تبديل الدين واتباع غير سبيل المؤمنين لما في ذلك من المنفعة للمسلمين، وذلك من وجوه كثيرة، نكتب منها ما يسر (٢) الله تعالى:
الوجه الأول:
إن هذا الكلام أمر فيه بهذا الكلام المبتدع الذي لم يؤثر عن الله ولا عن أحد من رسله، ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو من ابتداع بعض المتكلمين الجهمية (٣) الذي وصف ربه فيه بما وصفه، ونهى فيه عن كلام الله، وكلام رسوله الذي وصف به نفسه ووصفه (٤) به رسوله
_________________
(١) = وكتب الفرق لا تطلق هذا اللفظ على طائفة معينة، وإن كان صاحب مروج الذهب -وكذا ابن النديم- يطلقه على أصحاب (ماني)، ومعتنقي مذهبه. راجع: مروج الذهب - للمسعودي ١/ ٢٥٠، ٢٥١، والفهرست -لابن النديم ص: ٤٧٢ فما بعدها. ولمعرفة الكثير عن الزنادقة وبعض فرقها ومعنى الزندقة -قبل الإِسلام وبعده- وأصلها، يراجع كتاب: الزندقة والزنادقة -لعاطف شكري أبو عوض- وخاصة ص: ٦٩ - ٧٩، ١٠٧ - ١١٣، ١٢٣ - ١٧٢.
(٢) في س: "كلام" وهو خطأ.
(٣) في ط: "يسره".
(٤) الجهمية: هم أتباع الجهم بن صفوان، وهي إحدى الفرق الضالة، تقول بالجبر والاضطرار إلى الأعمال، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين مجازًا، وتزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به، وأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان إلى غير ذلك من الضلالات والبدع. راجع: الفرق بين الفرق ص: ٢١١، والملل والنحل- للشهرستاني ١/ ٨٦.
(٥) في الأصل: "ووصف"، ولا يستقيم المعنى إلا بما أثبت.
[ ١ / ١١٩ ]
أن يفتي به (١)، أو يكتب به، أو يبلغ لعموم الأمة، وهذا نهى عنه القرآن والشريعة والسنة والمعروف والهدى والإرشاد (٢) وطاعة الله ورسوله، وعن ما تنزلت به (٣) الملائكة من عند الله على أنبيائه، وأمر بالنفاق والحديث المفترى من دون الله، والبدعة (٤) والمنكر والضلال (٥) وطاعة أولياء من دون الله واتباع لما تنزلت به الشياطين، وهذا من أعظم تبديل دين الرحمن بدين الشيطان، واتخاذ أنداد (٦) من دون الله، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٨) الآية.
وهذا الكلام نهى فيه عن سبيل المؤمنين، وأمر بسبيل (٩) المنافقين وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (١٠) فذم سبحانه من كان من أهل الكتاب نبذ (١١) كتاب الله وراء ظهره، واتبع ما تقول (١٢) الشياطين، ومن
_________________
(١) في س: "بها".
(٢) في س، ط: "والرشاد".
(٣) "به" ساقطة من: س.
(٤) في س: "والبدع".
(٥) في س، ط: زيادة "والغي".
(٦) في الأصل: "أندادًا" وقد أثبت الصواب من: س، ط.
(٧) سورة التوبة، الآية: ٧١.
(٨) سورة التوبة، الآية: ٦٧.
(٩) في س: "بسيل".
(١٠) سورة البقرة، الآيتان: ١٠١، ١٠٢.
(١١) في س: "بنبذ".
(١٢) في س، ط: "تقوله".
[ ١ / ١٢٠ ]
أمر بهذا الكلام فقد أمر بنبذ كتاب الله وراء الظهر، حيث أمر بترك التعرض لما وصف الله به نفسه ووصفه (١) به رسوله وذلك آيات الصفات وأحاديث الصفات، فأمر بأن لا يفتى بها ولا يكتب بها ولا تبلغ لعموم الأمة (٢)، وهذا من أعظم الإعراض عنها والنبذ لها وراء الظهر، وأمر من ذلك باعتقاد هذه الكلمات المتضمنة لمخالفة ما جاءت به الرسل -كما سنبينه إن شاء الله تعالى- وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. . . الآية، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٣). . . الآية.
فبين -سبحانه- أن للأنبياء عدوًا من شياطين الإنس والجن يعلم بعضهم بعضًا بالقول المزخرف غرورًا، وأخبر أن الشياطين توحي إلى أوليائها بمجادلة المؤمنين، فالكلام الذي يخالف ما جاءت به الرسل هو من وحي الشياطين وتلاوتهم، فمن أعرض عن كتاب الله واتباعه، فقد نبذ كتاب الله وراء ظهره واتبع ما تتلوه شياطين الإنس والجن.