إن أعظم ما يحذره المنازعون (٢) من آيات الصفات ما يزعم (٣) أن ظاهرها كفر وتجسيم، كقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٥)، وقوله (٦): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٩)، وقوله (١٠) تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
_________________
(١) سورة الإسراء، الآيات: ١٠٦، ١٠٩.
(٢) في س، ط: "المنازع".
(٣) يشير الشيخ -﵀- إلى رأي الجهمية والمعتزلة وكثير من الفلاسفة والباطنية الذين يقولون: إن إثبات الصفات يوجب أن يكون الله جسمًا وليس بجسم، فلا تثبت له الصفات لأن المعقول من الصفات أعراض قائمة بجسم، لا تعقل صفته إلا كذلك. انظر: مجموع فتاوى الشيخ ١٧/ ٢٩٩.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٦٧.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٦) في س، ط: زيادة "تعالى".
(٧) سورة ص، الآية: ٧٥.
(٨) سورة الرحمن، الآيتان: ٢٦، ٢٧.
(٩) سورة طه، الآية: ٣٩.
(١٠) في س، ط: "وقال".
[ ١ / ١٢٧ ]
وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (١)، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (٢). . . الآية، فهل سمع أن أحدًا ممن يؤمن بالله ورسوله منع أن يقرأ هذه وتتلى على العامة؟ وهل ذلك إلَّا بمنزلة من منع من سائر الآيات التي يزعم أن ظاهرها كفر وتجسيم وخبر يخالف رأيه؟ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٨)، وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٩)، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (١٠)، وكذلك آيات الوعد والوعيد، وأحاديث الوعد والوعيد، هل يترك تبليغها لمخالفتها لرأي الوعيدية (١١)،
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٥٢. الواو: من قوله: "وقربناه" ساقطة من: ط. وهو خطأ.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٢.
(٣) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.
(٤) سورة غافر، الآية: ٧.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٦٦.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٧) سورة البروج، الآية: ١٦.
(٨) سورة السجدة، الآية: ١٣.
(٩) سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.
(١٠) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.
(١١) الوعيدية: كتب الفرق لم تذكر تعريفًا لها على أنها فرقة مستقلة لها آراؤها ومبادؤها، وإنما يطلق لفظ "الوعيدية" غالبًا على من قال بنفاذ وعبد الله ووعيده، ومن قال: إن مرتكب الكبيرة كافر، أو في منزلة بين المنزلتين هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في النار، ولا يخفى أن مثل هذا القول =
[ ١ / ١٢٨ ]
والمرجئة (١)، أو آيات التنزيه والتقديس كقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٦)، ونحو ذلك، هل يترك تلاوتها وتبليغها لمخالفتها لرأي أهل التشبيه والتمثيل (٧)؟!
_________________
(١) = الذي حمل لواءه الخوارج والمعتزلة باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة. راجع: أصول الدين -للبغدادي ٢٤٢ - ٢٤٣ (بتصرف)، والإرشاد- للجويني ص: ٣٨٦.
(٢) المرجئة: طائفة من أهل الكلام. والإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير؛ لأنهم يؤخرون الأعمال عن الإيمان. والثاني: إعطاء الرَّجاء، فهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وهم أربعة أصناف: المرجئة الخالصة، ومرجئة القدرية، ومرجئة الخوارج ومرجئة الجبرية. راجع: الفرق بين الفرق- للبغدادي ص: ٢٠٢ وما بعدها، والتبصير في الدين - للإسفراييني ص: ٩٧، والملل والنحل- للشهرستاني ١/ ١٣٩.
(٣) سورة الإخلاص، الآيتان: ٣، ٤.
(٤) سورة مريم، الآية: ٦٥.
(٥) سورة الشعراء، الآيات: ٩٤ - ٩٨.
(٦) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٢.
(٨) المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري -﷾- بذات غيره، وهم أصناف مختلفة. وصنف شبهوا صفاته -﷾- بصفات المخلوقين، وهم أصناف -أيضًا- منهم الذين شبهوا كلام الله -﷿ - بكلام خلقه، فزعموا أن كلام =
[ ١ / ١٢٩ ]