أني (٦) قد قلت لهم: قائل هذا القول: إن أراد به أن ليس في السموات رب، ولا فوق العرش إله، وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلّا العدم المحض، فهذا باطل مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها، وهذا المعنى هو الذي يعنيه جمهور الجهمية (٧) من مشايخ الممتحنين ونحوهم، يصرحون به في كلامهم وكتابهم.
وإن أراد به أن الله لا يحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي، وإثبات هذا المعنى، وهو
_________________
(١) = وسنن ابن ماجة ٢/ ١٢٧٤ كتاب الدعاء -باب ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه- الحديث رقم ٣٨٧٣.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٣) في الأصل: "الحيز" وهو تصحيف، والمثبت من: س، ط.
(٤) في س "ينفي".
(٥) في س: "غير من"، وفي ط: "عمن".
(٦) في هذا الوجه يناقشهم شيخ الإسلام -﵀- باصطلاحهم، إذ أن مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم ليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة. راجع: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٤٣.
(٧) "إني": ساقطة من س، ط.
(٨) الجهمية: سبق التعريف بهم ص: ١٠، ٥٦.
[ ١ / ١٩٢ ]
أنه بذاته في الموجودات ليس خارجًا عنها، هو قول كثير من الجهمية -أيضًا- الذين ينفون أنه على العرش أيضًا، سواء قالوا (١): إنه بذاته في كل مكان، أو قالوا: إنه هو في (٢) الموجودات، كما يقوله الاتحادية (٣) منهم، وذلك أن الجهمية الذين ينفون أن يكون الله فوق عرشه، بائنًا من خلقه، منهم من يقول: [إنه] (٤) لا داخل العالم ولا خارجه، ومنهم من يقول: إنه داخل العالم، ومنهم من يقول: إنه داخله وخارجه،
_________________
(١) في الأصل: "سواء أن قالوا. . . " والكلام يستقيم بالمثبت من: س، ط.
(٢) "في": ساقطة من س، ط.
(٣) الاتحادية: هم القائلون بأن الله متحد بمخلوقاته كاتحاد الماء باللبن، والنار بالحديد، فوجود الخالق عين وجود المخلوق. وحقيقة قولهم: تعطيل الصانع بالكلية، والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الإلهية. والقائل بهذا غلاة الصوفية والفلاسفة، كابن عربي، وابن سبعين، والتلمساني، وغيرهم. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/ ٧٥، ٦/ ١٥٢ - ١٥٤. يقول ابن القيم -﵀-: "الاتحادية هم القائلون بوحدة الوجود، فالله -سبحانه- عندهم هو عين هذا الوجود، فصفاته هي صفات الله، وكلامه هو كلام الله، وأصل هذا المذهب إنكار مسألة المباينة والعلو". انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧. يقول محب الدين الخطيب: ". . . وهي في الأصل عقيدة برهمية تقوم عليها مؤلفات تاغور، أحد البراهمة المعاصرين، ويدعو إليها جميع المنافقين من ملاحدة الشرق والغرب". انظر: مختصر منهاج السنة النبوية لابن تيمية -للذهبي. تحقيق محب الدين الخطيب ص: ٥٥، الحاشية رقم ١. وسوف يتكلم عليهم الشيخ بشيء من التفصيل في ص: ٥٧٣ - ٥٧٥.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
[ ١ / ١٩٣ ]
متناهيًا أو غير متناه، جسمًا أو غير جسم، كما بينا مقالاتهم في غير هذا الموضع (١).
فصارت الجهمية (٢) الذين ينفون عن الله الجهة والحيز، مقصودهم أنه ليس فوق العرش رب، ولا فوق السموات إله، والجهمية الذين يقولون: إنه في الموجودات يثبتون له الجهة والحيز، فبينت في الجواب بطلان قول فريقي الجهمية النفاة والمثبتة، فإن نفاة الجهمية لا يعبدون شيئًا ومثبتتهم يعبدون كل شيء، وذكرت هذين القسمين (٣)، لأنها هي التي جرت عادة المتكلمين بنفي الجهة والحيز عن الله أنهم يعنونها، فإن كانوا عنوا معنى آخر كان عليهم بيانه، إذ اللفظ لا يدل عليه؛ وليس لأحد أن يمتحن الناس بلفظ مجمل، ابتدعه هو من غير بيان لمعناه.