إن قول القائل: نطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها: يتضمن إبطال أعظم أصول الدين ودعائم التوحيد، فإن من أعظم آيات الصفات آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (٤) وقل هو الله أحد، التي تعدل ثلث القرآن، كما
_________________
(١) في الأصل: "ووصف". والمثبت من: س، ط. ليستقيم المعنى.
(٢) في س: "الآية".
(٣) سورة الأنعام، الآيات: ١١٢، ١٢١.
(٤) روى مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: الله ورسوله =
[ ١ / ١٢١ ]
استفاضت لذلك الأحاديث (١) عن (٢) النبي - ﷺ - وكذلك فاتحة الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، كما ثبت ذلك في الصحيح (٣) -أيضًا- وهي أم القرآن التي لا تجزئ
_________________
(١) = أعلم، قال: "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر". راجع: صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٥٥٦ - باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي. يقول ابن عباس - ﵁ - أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة. راجع: الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي ٢/ ٢٧١.
(٢) روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ "، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن". راجع: صحيح مسلم ١/ ٥٥٦ كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقد رواه البخاري بلفظ يقرب من هذا عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. راجع: صحيح البخاري ٦/ ١٠٥ كتاب فضائل القرآن - باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. يقول القرطبي -﵀-: "هذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلى. . . وهي تعدل ثلث القرآن"، راجع: تفسير القرطبي ٢/ ٢٧٠. ولشيخ الإِسلام -﵀- رسالة تسمى: "جواب أهل العلم والإيمان أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن". راجع: مجموع فتاوى الشيخ ٥/ ١٧ - ٢٠٦. وقد طبعت مستقلة. وقد علمت أن الأخ سليمان الغفيص -أحد منسوبي قسم العقيدة بكلية أصول الدين، قام بتحقيق هذا الكتاب.
(٣) في س، ط: "عند".
(٤) روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في =
[ ١ / ١٢٢ ]
الصلاة إلّا بها (١)، فإن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) كل ذلك من آيات الصفات باتفاق المسلمين (٣)، وقيل هو الله أحد، قد ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه فيختم بـ:
_________________
(١) = المسجد فدعاني رسول الله - ﷺ - فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي فقال: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ " ثم قال في: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". راجع: صحيح البخاري ٥/ ١٤٦ كتاب تفسير القرآن - باب ما جاء في فاتحة الكتاب. وروى الترمذي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ - في حديث طويل: "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته". راجع: سنن الترمذي ٤/ ٢٣١ أبواب فضائل القرآن - باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب. يقول البخاري -﵀-: وسميت بأم الكتاب؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة. راجع: صحيح البخاري ٥/ ١٤٦ كتاب تفسير القرآن - باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب.
(٢) ثبت في الصحيح عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". راجع: صحيح البخاري ١/ ١٨٤ كتاب الأذان - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. وقد أشار إلى هذا الحكم شيخ الإسلام -﵀- عند تفسيره لسورة الفاتحة في مجموع الفتاوى ١٤/ ٥.
(٣) سورة الفاتحة، الآيات: ١، ٣.
(٤) راجع: مجموع الفتاوى لابن تيمية -تفسير سورة الفاتحة- ١٤/ ٤ فما بعدها. وتفسير ابن كثير ١/ ٢٥.
[ ١ / ١٢٣ ]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله - ﷺ -: "أخبروه أن الله يحبه" (٢).
وهذا يقتضي أن ما كان صفة لله من الآيات فإنه يستحب قراءته، والله يحب ذلك، ويحب من يحب ذلك، ولا خلاف بين المسلمين في استحباب قراءة آيات الصفات في الصلاة الجهرية التي يسمعها العامي وغيره، بل بسم الله الرحمن الرحيم من آيات الصفات، وكذلك أول سورة الحديد (٣)، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤) هي من آيات الصفات، وكذلك آخر سورة الحشر، هي من أعظم (٥) آيات الصفات، بل جميع أسماء الله الحسنى هي مما وصف الله بها (٦) نفسه، كقوله: الغفور، الرحيم، العزيز، الحكيم، العليم، القدير، العلي، العظيم، الكبير، المتعال، القوي، العزيز، الرزاق (٧)، ذو القوة المتين، الغفور، الودود، ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد،
_________________
(١) سورة الإخلاص، الآية: ١.
(٢) الحديث ورد في صحيح البخاري بهذا اللفظ عدا كلمة "رسول" في المواضع الثلاثة فإنها وردت بلفظ "النبي". راجع: صحيح البخاري ٨/ ١٦٤ - ١٦٥ كتاب التوحيد - باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله. وكذا ورد في صحيح مسلم بهذا اللفظ، عدا كلمة "ذكروا" فإنها وردت بلفظ "ذكر". راجع: صحيح مسلم ١/ ٥٥٧ حديث رقم ٢٦٣ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
(٣) في الأصل، س: "أول الحديد وآخر الحشر". والمثبت من: ط.
(٤) سورة الحديد، الآيات: ١، ٤.
(٥) في الأصل: "هي أعظم". والمثبت من: س، ط.
(٦) في س، ط: "به".
(٧) في الأصل: "الرازق" ولم ترد في القرآن الكريم بهذا اللفظ والمثبت من س، ط.
[ ١ / ١٢٤ ]
وما أخبر الله بعلمه، وقدرته، ومشيئته، ورحمته، وعفوه، ومغفرته، ورضاه، وسخطه، ومحبته، وبغضه، وسمعه، وبصره، وعلوه (١)، وكبريائه، وعظمته، وغير ذلك، كل ذلك من آيات الصفات، فهل يؤمر من آمن بالله ورسوله بأن يعرض عن هذا كله، وأن لا يبلغ المؤمنين من أمة محمَّد - ﷺ - هذه الآيات ونحوها من (٢) الأحاديث وأن لا يكتب بكلام الله وكلام رسوله الذي هو آيات الصفات وأحاديثها إلى البلاد ولا يفتى من ذلك ولا به، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣) وأسوأ أحوال العامة أن يكونوا أميين، فهل يجوز أن ينهى عن (٤) أن يتلى على الأميين آيات الله أو عن [أن] (٥) يعلموا الكتاب والحكمة.
ومعلوم أن جميع من أرسل إليه الرسول من العرب كانوا قبل معرفة الرسالة أجهل من عامة المؤمنين اليوم، فهل كان النبي - ﷺ - ممنوعًا من تلاوة ذلك عليهم وتعليمهم إياه أو مأمورًا به؟ أوليس هذا من أعظم الصد عن سبيل الله؟ وقد قال (٦) تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾ (٧). . . . الآية، وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٨) أوليس هذا نوعًا من الأمر بهجر القرآن والحديث وترك استماعه، وقد قال تعالى:
_________________
(١) في س: "وعلو".
(٢) في الأصل: "في ". والمثبت من: س، ط. ولعله المناسب.
(٣) سورة الجمعة، الآية: ٢.
(٤) "عن": ساقطة من: س، ط.
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٦) في س، ط: "قال الله".
(٧) سورة آل عمران، الآية: ٩٩.
(٨) سورة النساء، الآية: ١٦٠.
[ ١ / ١٢٥ ]
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). . . . الآية، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)، فهل (٥) قال: فاستمعوا له إلا لأعظم ما فيه وهو ما وصفت به نفسي فلا تستمعوه (٦)، أو لا تسمعوه لعامتكم، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٩). . . . الآية، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١٠). . . الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (١١)، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ
_________________
(١) سورة الفرقان، الآيتان: ٣٠، ٣١.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٢٦.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٣.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.
(٥) في س، ط: "فهلا".
(٦) في الأصل، س: "فلا تستمعه". والمثبت من: ط. ولعله المناسب.
(٧) سورة الأنفال، الآية: ٢.
(٨) سورة الزمر، الآية: ١٨.
(٩) سورة المائدة، الآية: ٨٣.
(١٠) سورة الزمر، الآية: ٢٣.
(١١) سورة الكهف، الآية: ٥٧.
[ ١ / ١٢٦ ]
عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١).