أن الله نزه نفسه في كتابه عن النقائص، تارة بنفيها، وتارة بإثبات أضدادها، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ (٤) وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٥). . . الآية، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٨) وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٩) وقوله:
_________________
(١) في ط: "التزم".
(٢) في س: "بتبديل".
(٣) سورة الإخلاص، الآيتان: ٣، ٤.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ١١١.
(٥) سورة الفرقان، الآية: ١.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٠٠. في س، ط: "بغير علم".
(٨) سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.
(٩) سورة المؤمنون، الآيات: ٩١ - ٩٢. وفي الأصل: "فتعالى الله عما يشركون". وفي ط: "وتعالى عما يشركون" وهو خطأ.
[ ١ / ١٨٨ ]
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣). . . الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٤).
. . الآية، وما في القرآن من خبره عن نفسه أنه بكل شيء عليم، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة من الأرض ولا في السماء، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء الله (٥) لا قوة إلّا بالله، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه العلي العظيم الأعلى المتعال العظيم الكبير، وكذلك الأحاديث عن النبي - ﷺ - موافقة لكتاب الله، كقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط (٦) ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار (٧)، وعمل النهار قبل عمل الليل (٨)، حجابه النور أو النار (٩)، لو (١٠) كشفه لأحرقت سبحات وجهه (١١) ما انتهى إليه
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٢٠.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٢٣.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦٤. في س، ط: لم تذكر "غلت أيديهم".
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.
(٥) في ط: "ما شاء الله كان".
(٦) القسط: هو الميزان. انظر: لسان العرب ٧/ ٣٧٧ (قسط).
(٧) في الأصل: "قبل النهار"، والمثبت من: س، ط، وصحيح مسلم.
(٨) في الأصل: "قبل الليل"، والمثبت من: س، ط، وصحيح مسلم.
(٩) صحيح مسلم ١/ ١٦٢ - كتاب الإيمان- باب ٧٩، وفي رواية أبي بكر: النار".
(١٠) في س، ط: "ولو".
(١١) سبحات وجهه: أي: نوره وجلاله وعظمته. انظر: لسان العرب ٢/ ٤٧٣ (سبح).
[ ١ / ١٨٩ ]
بصره (١) من خلقه" (٢)، وقوله - ﷺ - أيضًا- فيما يروي عن ربه "شتمني (٣) ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، فأما شتمه إياي فقوله: إنّي اتخذت ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" (٤)، وقوله في حديث السنن للأعرابي: "ويحك إن الله لا يستشفع له على أحد مر، خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سمواته و(٥) قال بيده: مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط (٦) الرحل الجديد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في الأصل، س: "ما أدركه بصره" والمثبت من: ط، وصحيح مسلم، وابن ماجة ١/ ٧٠ - المقدمة- الباب رقم ١٣، ومسند الإمام أحمد ٤/ ٤٠٥. وقد ورد في سنن ابن ماجة ١/ ٧١، حديث ١٩٦، ومسند الإمام أحمد ٤/ ٤٠١: ". . . لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره".
(٢) الحديث في صحيح مسلم ١/ ١٦١ - ١٦٢ - كتاب الإيمان- باب في قوله -﵇- إن الله لا ينام. . عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال:. . . ". وسنن ابن ماجة ١/ ٧٠ - ٧١ - المقدمة- الباب رقم ١٣ - الحديث ١٩٥، ومسند الإمام أحمد ٤/ ٤٠٥.
(٣) الشتم: هو السب والوصف بما يقتضي النقص. انظر: لسان العرب ١٢/ ٣١٨. (شتم). وفتح الباري ١٣/ ٩ - كتاب بدء الخلق.
(٤) الحديث مع اختلاف في الألفاظ رواه البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - في كتاب بدء الخلق ٤/ ٧٣ الباب الأول. وكتاب التفسير- تفسير سورة البقرة ٥/ ١٤٩ - باب (وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه) رقم ٨. وكتاب التفسير -أيضًا- باب تفسير (قل هو الله أحد) ٦/ ٩٥. وانظره في سنن النسائي ٤/ ٩١، كتاب الجنائز- باب أرواح المؤمنين. ومسند الإمام أحمد ٢/ ٣١٧، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٩٣، ٣٩٤.
(٥) في ط: "أو".
(٦) في س: "أطيل" وهو خطأ.
[ ١ / ١٩٠ ]
براكبه" (١) وقوله في الحديث الصحيح: "أنت الأول فليس (٢) قبلك شيء، وأنت الآخر فليس (٣) بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (٤). إلى أمثال ذلك.
_________________
(١) = وأطيط الرحل: هو صوتها من ثقل أحمالها، وهو كلام تقريب، أريد به تقرير عظمة الله ﷿ (لسان العرب ٧/ ٢٥٦ - "أطط").
(٢) الحديث مع اختلاف في اللفظ رواه أبو داود في كتاب السنة- باب الرد على الجهمية ٥/ ٩٤، ٩٥ - الحديث رقم ٤٧٢٦. ورواه الدارمي في سننه -كتاب الرقائق- باب في شأن الساعة، ونزول الرب ﵎ ٢/ ٢٣٣ - الحديث رقم ٢٨٠٣. كما أخرجه الآجري في الشريعة ص: ٢٩٣. والحديث سنده ضعيف فيه محمد بن إسحاق مدلس (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨). يقول محمد ناصر الدين الألباني -عند تخريجه لهذا الحديث في شرح الطحاوية ص: ٣١٠، ٣١٧ - المكتب الإسلامي: "إنه ضعيف الإسناد، ولا يصح في أطيط العرش حديث". وقال في تعليقه على هذا الحديث في كتاب السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٥٢، الحديث رقم ٥٧٥: "وإسناده ضعيف، ورجاله ثقات لكن ابن إسحاق مدلس، ومثله لا يحتج به إلَّا إذا صرح بالتحديث، وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه.
(٣) في الأصل: "فلا شيء" والمثبت من س، ط، وصحيح مسلم.
(٤) في الأصل: "فلا شيء"، والمثبت من س، ط، وصحيح مسلم.
(٥) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٨٤ كتاب الذكر والدعاء. . باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع- الحديث رقم ٢٧١٣. والحديث يروى عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه: "اللهم رب السموات ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم. . . ". وراجعه في سنن الترمذي ٥/ ٥١٨ - كتاب الدعوات- باب ٦٨ - الحديث رقم ٣٤٨١.
[ ١ / ١٩١ ]
[وليس في شيء] (١) من ذلك نفي الجهة والتحيز (٢) عن الله، ولا وصفه بما يستلزم لزومًا بينًا نفي (٣) ذلك، فكيف يصح مع كمال الدين وتمامه، ومع كون الرسول قد بلغ البلاغ المبين أن يكون هذا من الدين والإيمان ثم لا يذكره الله ورسوله قط؟ وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عن من (٤) جاء بالدين؟ هل هذا إلّا صريح تبديل الدين؟