إنه لو فرض أن هذا القول الذي ألزموا به حق وصواب، قد ظهرت حجته ووجبت عقوبة تارك التزامه، فهذا لم يذكروه إلّا في هذا الوقت، بعد هذا الطلب والحبس والنداء على الشخص المعين بالمنع من موافقته، ونسبته إلى البدعة والضلالة ومخالفة جميع العلماء والحكام، وخروجه عما كان عليه الصحابة والتابعون إلى أنواع أخر مما قالوه وفعلوه في حقه من الإيذاء، والعقوبة والضرر، زاعمين أن ما صدر عنه من الفتاوى والكتب يتضمن ذلك، فإذا أعرضوا عن ذلك بالكلية، ولم يبينوا في كلامه المتقدم شيئًا من الخطأ والضلال الموجب للعقوبة، لم يكن ابتداؤهم بالدعاء (١) إلى مقالة أنشؤوها مبيحًا لما فعلوه قبل ذلك من الظلم والعدوان (٢) والكذب والبهتان والصد عن سبيل الله والتبديل لدين الله، إنما هذا انتقال من ظلم إلى ظلم ليقروا (٣) بالظلم المتأخر حسن الظلم المتقدم، كمن يستجير من الرمضاء بالنار (٤)، وهذا يزيدهم ظلمًا (٥) وعذابًا، فهب أن هذا الشخص وافقهم الآن على [ما] (٦) أنشؤوه من
_________________
(١) في الأصل: بالد. وهو من سهو الناسخ.
(٢) العدوان: ساقطة من: س، ط.
(٣) في س، ط: ليقرروا.
(٤) هذا اقتباس من قول الشاعر: المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار ويقال: إن أول من قاله التكلام الضبعي. انظر: فصل المقال للبكري ص: ٣٧٧.
(٥) في س، ط: إثمًا.
(٦) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
[ ١ / ١٨٤ ]
القول، أي شيء في ذلك مما يدل على خطئه وضلاله في أقواله المتقدمة، إذا لم تناف هذا القول، دع استحقاق العقوبة والكذب والبهتان، فما لم يبينوا أن فيما (١) صدر عنه [قبل طلبه وحبسه وإعلام ما ذكروه من أمره ما يوجب ذلك، لم ينفعهم هذا، وهم قد عجزوا عن إبداء خطأ أو ضلال فيما صدر عنه] (٢) من المقال، وهم دائمًا يمتنعون من المحاجة (٣) والمناظرة بلفظ أو خط، وقد قيل لهم مرات متعددة (٤): من أنكر شيئًا فليكتب ما ينكره بخط يده، ويذكر حجته ويكتب جوابه، ويعرض الأمران على علماء المشرق والمغرب، فأبلسوا وبهتوا وطلب منهم غير مرة (٥) المخاطبة في المحاضرة والمحاجة (٦) والمناظرة، فظهر (٧) منهم من العي في الخطاب والنكوص على الأعقاب والعجز عن الجواب ما قد اشتهر واستفاض بين أهل المدائن والأعراب، ومن قضاتهم الفضلاء من كتب اعتراضًا على الفتيا الحموية (٨) وضمنه أنواعًا
_________________
(١) في س: إذا لم يبينوا فيما. . .
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٣) في الأصل: يسحنون من المحاقة. وفي س، ط: يستعفون من المحاقة. ولعل ما أثبت يستقيم به الكلام.
(٤) في س: بتعدده.
(٥) في الأصل: غيره. والمثبت من: س، ط. ولعله المناسب.
(٦) في جميع النسخ: المحاقة. ولعل ما أثبت يستقيم به الكلام.
(٧) في الأصل: فنظر. والمثبت من: س، ط. ولعله المناسب.
(٨) ألفها -﵀- بين الظهر والعصر، وهي جواب عن سؤال ورد من حماة سنة ٦٩٨ هـ عن آيات الصفات وأحاديثها، وجرى بسبب تأليفها أمور ومحن وقد اعترض عليها بكتاب "الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية" وأجاب الشيخ -﵀- على هذه الاعتراضات بكتابه "جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية" في أربع مجلدات، عده ابن القيم من كتب الأصول، وسوف نتحدث عن هذا الكتاب فيما بعد. راجع: العقود الدرية -لابن عبد الهادي- ص: ٢٩، ٦٧، ١٩٥، ١٩٨. =
[ ١ / ١٨٥ ]
من الكذب وأمورًا لا تتعلق بكلام المعترض عليه، وقد كتبت جوابه في مجلدات، ومنهم من كتب شيئًا ثم خبأه وطواه عن الأبصار، وخاف من نشره ظهور العار وخزي أهل الجهل والصغار، إذ مدار القوم على أحد أمرين: (إما) (١) الكذب الصريح، وإما الاعتقاد القبيح، فهم لن يخلوا من كذب كذبه بعضهم وافتراه، وظن باطل خاب من تقلده وتلقاه، وهذه حال سائر المبطلين من المشركين، وأهل الكتاب الكفار والمنافقين.
* * *
_________________
(١) = ومؤلفات ابن تيمية -لابن القيم- ص: ١٩.
(٢) في الأصل: أحدها.
[ ١ / ١٨٦ ]