ذكرت فيما تقدم أن سبب تأليف هذا الكتاب هو ما ورد في ورقة بعث بها
_________________
(١) تقدم ذكر بعضها كالعقود الدرية لابن عبد الهادي، وأسماء مؤلفات ابن تيمية والقصيدة النونية وكلاهما لابن القيم، وفوات الوفيات لابن شاكر، والوافي بالوفيات للصفدي، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب.
(٢) راجع ص: ٢٣٠، ٣٨٩، ٧٤٦.
[ ١ / ٥٩ ]
الأمراء والقضاة والفقهاء المجتمعون للنظر في إخراج الشيخ من السجن، مع الرسولين، وطلبهم من الشيخ موافقتهم على ما تتضمنه الورقة (١)، وكان ذلك بعد أكثر من سنة من وصول الشيخ إلى مصر، فإذا علم أن وصوله -﵀- لمصر سنة ٧٠٥ هـ، دل على أن تأليف هذا الكتاب -وهو الإجابة على ما ورد من الأمراء والقضاة- كان سنة ٧٠٦ هـ، وهذا أمر لا يخالجني معه شك، لا سيما وأنه نص على هذه السنة في (س) -إحدى النسخ الخطية التي اعتمدتها في التحقيق- لكن ما ورد في الأصل و(ط) من أن تكرار الرسل على الشيخ من عند الأمراء والقضاة المجتمعين كان سنة ٧٢٦ هـ، وهي السنة التي كان -﵀ بها في دمشق- يجعلني أورد بعض الأسباب -إضافة إلى ما تقدم- التي تدل على أن تأليف الكتاب كان سنة ٧٠٦ هـ:
١ - قول الشيخ -﵀- في هذا الكتاب الذي بين أيدينا ص: ١١١: ". . . فقلت: أنا لا أحضر إلى من يحكم فِيَّ بحكم الجاهلية وبغير ما أنزل الله، ويفعل بي ما لا تستحله اليهود ولا النصارى، كما فعلتم في المجلس الأول، وقلت للرسول: قد كان ذلك بحضوركم أتريدون أن يمكروا كما مكروا بي في العام الماضي؟ هذا لا أجيب إليه، ولكن من زعم أني قلت قولًا باطلًا، فليكتب خطه بما أنكره من كلامي، ويذكر حجته، وأنا أكتب جوابي مع كلامه، ويعرض كلامي وكلامه على علماء الشرق والغرب، فقد قلت هذا بالشام، وأنا قائله هنا، وهذه عقيدتي التي بحثت بالشام بحضرة قضاتها ومشايخها وعلمائها، وقد أرسل إليكم نائبكم النسخة التي قرئت، وأخبركم بصورة أخرى".
فخطاب الشيخ -﵀- لهم بهذا الكلام وهو في السجن وبعد أن بقي فيه أكثر من سنة من تاريخ وصوله إلى مصر.
وتصريحه بما حصل له بالشام، وما عقد له من مجالس بسبب عقيدته السلفية، وأن ما قاله بدمشق هو قائله بمصر، يدل على أن الكتاب ألف بمصر بعد سنة من وصوله إليها.
_________________
(١) تقدم ذكر مضمونها.
[ ١ / ٦٠ ]
٢ - ما جاء في مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦٤: "حكاية مناظرة في الجهة والتحيز" صورة ما طلب من تقي الدين بن تيمية -﵀ ورضي عنه- حين جيء به من دمشق على البريد، واعتقل بالجب بقلعة الجبل، بعد عقد المجلس بدار النيابة، وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان، وعقد المجلس يوم الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلاة الجمعة، وفيه اعتقل -﵀.
وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز، وأن لا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته، وأنه سبحانه -لا يشار إليه إشارة حسية، ويطلب منه ألا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة بها.
وهذا الكلام يؤكد أن تأليف الكتاب كان بمصر، وليس بالشام كما يدل عليه التاريخ المدون في الأصل، و(ط).
٣ - أن الموضوعات التي عالجها هذا الكتاب هي رد على الاعتراضات التي وجهها القضاة والفقهاء عبر تلك الورقة انتقادًا على الشيخ في عقيدته.
٤ - أن ابن عبد الهادي، وابن القيم -وهما من تلامذة الشيخ- قالا عند ذكرهما لمصنفات الشيخ في الأصول "كتاب محنته بمصر. . . ".
كما أن ابن القيم قال في "بدائع الفوائد" -كما تقدم- مشيرًا إلى هذا الكتاب: ". . . تسعون برهانًا لا تندفع ذكرها شيخ الإسلام في الأجوبة المصرية".
وقد نص ابن رجب الحنبلي -كما تقدم أيضًا- على أن من أعيان المصنفات الكبار التي ألفها بمصر "المحنة المصرية".
ومعروف أن الشيخ -﵀- كان بمصر من سنة ٧٠٥ هـ إلى سنة ٧١٢ هـ، وهذا يؤيد أن تأليفه لهذا الكتاب كان في هذه الفترة، وبالتحديد سنة ٧٠٦ هـ بمصر.
٥ - أنه ورد في هذا الكتاب (١) أن المحكم من القضاة: أبا الحسن
_________________
(١) انظر: ١١٠، ١١١ من قسم التحقيق لهذا.
[ ١ / ٦١ ]
علي بن مخلوف المالكي، قد كتب ورقة من الورقات التي جاء بها الرسولان إلى الشيخ في إحدى المرات من عند الأمراء والقضاة المجتمعين، فإذا عرفنا أن ابن مخلوف المالكي توفي سنة ٧١٨ هـ ثبت أن تأليف هذا الكتاب كان قبل هذا التاريخ.
٦ - مما تقدم يتضح أن ما ورد بالأصل تصحيف من الناسخ، لما بين التاريخين من التشابه.
وأما ما جاء في (ط) (١)، فإن الناشر أثبت ذلك متابعة للأصل من غير تثبت بدليل أنه عندما وضع فهرسًا للكتاب قال في أوله:
(خطبة التسعينية المشتملة على بيان المحنة التي وقعت لابن تيمية بعد مضي ربع القرن الثامن من الأمراء والقضاة، وما افتروه عليه في الوريقات التي أرسلوها إليه، وجوابه عن الورقة الأخيرة التي طلبوا منه فيها أن يعتقد نفي الجهة والتحيز. . .).
ثم ذكر مضمون الورقة -الذي تقدمت الإشارة إليه.
وكما تقدم، هذه الورقة وصلت الشيخ -﵀- وأجاب عنها إجابة مجملة لاستعجال الرسول له في الجواب، ثم أجاب إجابة مفصلة من وجوه عديدة حواها هذا الكتاب الذي بين أيدينا وكان ذلك بمصر سنة ٧٠٦ هـ.
والله أعلم.