نحن هنا أمام ظاهرة برزت في مؤلفات شيخ الإسلام -﵀- وهي وجود أكثر من اسم للمؤلف الواحد، وأن الشيخ يستعمل -كذلك- أكثر من اسم لمؤلف من مؤلفاته، وهذا يجعلنا أمام احتمالين:
الأول: أن الشيخ -﵀- كان يطلق أكثر من اسم على المؤلف الواحد، لتعدد الموضوعات التي يطرقها، والأساليب التي يواجه بها الآخرين، فإذا ما جاء ذكر معنى من المعاني أثناء مناقشته يتعلق بكتاب من كتبه، فقد يذكر اسم الكتاب مغلبًا ما يتصل بالمعنى الذي يناقشه، وهذا كما جاء في حديثه عن كتاب "نقض التأسيس" فقال (٣): ". . . بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ويسمى -أيضًا- تخليص التلبيس من كتاب التأسيس".
الثاني: أن تلامذته قد عرفوا عنه هذا التوسع في إطلاق عناوين كتبه ورسائله فتعددت أسماء الكتب من قبلهم، وقد رجح هذا الاحتمال كثير ممن عني بكتب شيخ الإسلام -﵀ (٤).
والكتاب الذي بين أيدينا له أكثر من اسم.
ففي الأصل (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) راجع هذه الإجابة المختصرة من ص: ١١٠ من قسم التحقيق لهذا الكتاب.
(٢) من ص: ١١٩ حتى آخر الكتاب.
(٣) انظر ص: ٣٨٩ من قسم التحقيق لهذا الكتاب.
(٤) انظر: ما ذكره الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه بالهامش رقم (١) ص: ١٧ من كتاب "المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي".
(٥) وهي النسخة التي اعتمدتها أصلًا في تحقيق هذا الكتاب.
[ ١ / ٥٦ ]
عنوانه "التسعينية في الرد على من قال بالنفسي" لشيخ الإسلام العلامة ابن تيمية -﵀-.
وجاء في (س) (١): "هذه الرسالة المسماة بالتسعينية" من كلام شيخ الإسلام، بحر العلوم العقلية والنقلية، تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية -قدس الله روحه-.
وفي (ط) (٢): "كتابه المنعوت بالتسعينية في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة، وغيرهم ممن نحا نحوهم من تسعين وجهًا".
أما ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ) فإنه قال (٣) عندما ذكر مصنفات الشيح: "وله كتاب في محنته بمصر، مجلدان رد فيه على القائلين بالكلام النفسي من نحو ثمانين وجهًا.
وتابع ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) في كتابه "أسماء مؤلفات ابن تيمية" (٤) ابن عبد الهادي في هذه التسمية.
لكن نجده -﵀- في القصيدة النونية (٥) ينص على تسمية الكتاب بالتسعينية، وأن سبب التسمية -كما سيأتي- الرد على القائلين بالكلام النفساني من تسعين وجهًا، فقال:
وكذاك تسعينية فيها له رد على من قال بالنفساني
تسعون وجهًا بينت بطلانه أعني كلام النفس ذا الوحدان
وقال -﵀- في كتابه "بدائع الفوائد" - (٦) بعد أن ذكر أن الكلابية انفردت عن جميع الطوائف بالقول: إن معاني التوراة والإنجيل والزبور
_________________
(١) وهي إحدى النسخ التي اعتمدتها في التحقيق.
(٢) وهو الكتاب المطبوع الذي اعتمدته كنسخة في التحقيق ورمزت له بـ (ط) وسيأتي الكلام على هذه النسخ الثلاث مفصلًا عند الكلام على وصفها.
(٣) العقود الدرية- ص: ٣٦.
(٤) انظر ص: ٢١.
(٥) وهي المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ص: ١٦٥.
(٦) ٢/ ١١٥.
[ ١ / ٥٧ ]
والقرآن وسائر الكتب المنزلة واحد-: ". . . وهذا قول يقوم على بطلانه تسعون برهانًا لا تندفع، ذكرها شيخ الإسلام في الأجوبة المصرية. . . ".
أما ابن شاكر الكتبي (١) - (ت ٧٦٤ هـ)، وصلاح الدين الصفدي (٢) (ت ٧٦٤ هـ) فكلاهما ذكر أن من مصنفات الشيخ في الأصول: "إبطال الكلام النفساني" أبطله من نحو ثمانين وجهًا.
كما ذكر ابن رجب (٣) (ت ٧٩٥ هـ) أن من أعيان المصنفات الكبار التي ألفها بمصر "المحنة المصرية" مجلدان.
هكذا نجد الكتاب سمي بأكثر من اسم، وعنون له بأكثر من عنوان، لكن مما تقدم نستطيع القول بأن الاسم الذي ورد في الأصل هو المناسب لأن يكون عنوانًا لهذا الكتاب، لأنه يجمع أكثر العناوين الواردة في المصادر الآنفة الذكر، لكن نضيف إليه كلمة "بالكلام" الواردة عند ابن عبد الهادي، وابن القيم، وابن شاكر، والصفدي، ويكون اسمه:
(التسعينية في الرد على من قال بالكلام النفسي)