وهذا موجود في سيرة كثير من ملوك الأعاجم وغيرهم، وكثير من أهل البدع، وأهل الفجور، فحال أهل الأيدي والقتال، يشبه حال أهل الألسنة والجدال.
وهكذا ذكر العلماء مبدأ حال يهم، فقال الإِمام أحمد -فيما أخرجه- في الرد على الزنادقة والجهمية (١):
قال (٢) أحمد: "وكذلك الجهم وشيعته، دعوا (٣) الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرًا كثيرًا، فكان مما بلغنا من أمر الجهم -عدو الله- أنه كان من أهل خراسان، من أهل ترمذ (٤)، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله
_________________
(١) = ومعنى "ضئضئ": أي: أصله ونسله. راجع: لسان العرب -لابن منظور- ١/ ١١٠ (ضأضأ). وهذا: إشارة إلى الرجل الذي قال للنبي - ﷺ -: اتق الله يا محمَّد، كما في هذا الحديث، وفي بعض الروايات أنه قال: اعدل يا محمَّد -عندما قسم الرسول - ﷺ - قسمًا. وفي بعض الروايات أن رجلًا من بني تميم يقال له: "ذو الخويصرة" قال للنبي - ﷺ - عندما قسم قسمًا: اعدل يا رسول الله. صحيح مسلم -كتاب الزكاة- ذكر الخوارج وصفاتهم - ٢/ ٧٤٤ - الحديث رقم ١٤٨.
(٢) تقدم الكلام على كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة- للإمام أحمد.
(٣) الرد على الجهمية والزنادقة -للإمام أحمد- ص: ١٠١ - ١٠٥.
(٤) في س: "ردعو". وهو تصحيف.
(٥) في جميع النسخ: "الترمذي". والمثبت من كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة. وهي: مدينة مشهورة من أمهات المدن في خراسان، على نهر جيحون من الجانب الشرقي، يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وإليها ينسب بعض العلماء، كالترمذي صاحب الصحيح، وغيره. راجع: معجم البلدان -للحموي- ٢/ ٢٦، ٢٧. والروض المعطار - للحميري ص: ١٣٢.
[ ١ / ٢٣٤ ]
﵎، فلقي ناسًا (١) من المشركين يقال لهم: السمنية (٢) فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له:
ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا. فقالوا له: هل (٣) سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممت له رائحة؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له حسًّا؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له مجسًا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ فتحير الجهم، فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم إنه استدرك حجة من جنس [حجة] (٤) الزنادقة من النصارى، وذلك أن زنادقة (٥) النصارى يزعمون أن الروح الذي (٦) في عيسى هي من روح (٧) الله من ذات الله، وإذا أراد [الله] (٨) أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان
_________________
(١) في الرد على الجهمية والزنادقة: "أناسًا".
(٢) السمنية: إحدى الفرق الضالة، كانت قبل دولة الإِسلام، ينفون النظر والاستدلال، ويقولون بقدم العالم، ويزعمون أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت، وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة. . . إلى غير ذلك من أقوالهم الباطلة. راجع: الفرق بين الفرق -للبغدادي- ص: ٢٧٠ - ٢٧١. والتبصير في الدين -للإسفراييني- ص: ١٤٩. وكشاف اصطلاحات الفنون -للتهانوني- ٤/ ٥٢.
(٣) في الرد على الجهمية والزنادقة: "قالوا: هي. . . ".
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط. وفي الرد على الجهمية والزنادقة: ". . . حجة مثل حجة الزنادقة. . . ".
(٥) في الأصل: "زندقة". والمثبت من: س، ط، والرد على الجهمية.
(٦) في ط: "التي".
(٧) في الرد على الجهمية: "هي روح الله".
(٨) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط، وهامش كتاب الرد على الجهمية.
[ ١ / ٢٣٥ ]
خلقه (١)، فيأمر بما شاء، وينهى عن ما شاء (٢)، وهو روح غائب (٣) عن الأبصار.
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني:
ألست تزعم أن فيك روحًا؟ فقال (٤): نعم. قال (٥): فهل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فتسمعت كلامه؟ قال: لا. قال: فهل (٦) وجدت له حسًّا؟ قال: لا. قال: فكذلك (٧) الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان قال (٨): ووجد ثلاث آيات (٩) من القرآن (١٠) من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١) ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (١٢) و﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١٣).
فبنى أصل كلامه كله (١٤) على هؤلاء الآيات، وتأول القرآن على
_________________
(١) في س، ط: "بعض خلقه".
(٢) في الرد على الجهمية: "بما شاء وينهى عما شاء".
(٣) في الرد على الجهمية: "غائبة".
(٤) في الرد على الجهمية: "قال".
(٥) في الرد على الجهمية: "فقال".
(٦) "فهل" ساقطة من: س، ط.
(٧) في الأصل "فذلك". والمثبت من: س، ط، والرد على الجهمية.
(٨) "قال" ساقطة من كتاب الرد على الجهمية.
(٩) "آيات" ساقطة من: س.
(١٠) في س، ط: "في القرآن". "من القرآن" ساقطة من كتاب "الرد على الجهمية".
(١١) سورة الشورى، الآية: ١١. في س: (وهو السميع البصير).
(١٢) سورة الأنعام، الآية: ٣.
(١٣) سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.
(١٤) "كله" ساقطة من: س.
[ ١ / ٢٣٦ ]