يجزمون بنفي ولا إثبات، ومنهم من لا يقر إلَّا بما أحسه، قد ردّ هذا النقل والحكاية من عرف حقيقة الأمر وقال: إن لفظ السوفسطائية (١) في الأصل كلمة يونانية معربة، أصلها سوفسطيا؛ أي: الحكمة المموهة، فإن لفظ "سو" معناه في لغة اليونان الحكمة، ولهذا يقولون (٢): فيلاسوفا؛ أي: محب (٣) الحكمة، ولفظ فسطيا، معناها: المموهة، ومعلم المستأخرين المبتدعين منهم أرسطو (٤)، لما قسم حكمتهم التي هي علمهم إلى برهانية وخطابية وجدلية وشعرية ومموهة (٥)، وهي المغاليط سموها "سوفسطيا" (٦) فعربت وقيل: "سوفسطا" ثم ظن بعض المتكلمين أن ذلك اسم رجل، وإنما أصلها ما ذكر، وإن كان لفظ
_________________
(١) = راجع: التعريفات- للجرجاني ص: ١٩١ - باب اللام. وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ٢/ ٣١١، ٣/ ١٧٣. والصفدية -لابن تيمية- ١/ ٩٧ - ٩٨.
(٢) في الأصل، س: "السوفسطانية" والمثبت من ط.
(٣) راجع حول هذا المعنى: الملل والنحل- للشهرستاني ٢/ ٥٨.
(٤) في س: "يحب".
(٥) هو: أرسطوطاليس بن نيقوماخس، الفيلسوف اليوناني، والمعلم الأول -ولد سنة ٣٨٤ ق. م في "أسطاغيرا" مدينة مقدونية شمال "أثينا" تبعد عنها بنحو مئتي ميل، انتقل إلى "أثينا" لما بلغ الثامنة عشرة من عمره ليستكمل علومه، فانضم إلى المدرسة التي أسسها أفلاطون، وتتلمذ عليه عشرين سنة ثم اختلف معه بعد ذلك واستقل بآرائه. له كتب كثيرة في فنون مختلفة. توفي سنة ٣٢٢ ق. م. راجع: الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ١١٩ - ١٢٠. وقصة الفلسفة- و. ل. ديورانت- ترجمة فتح الله المشعشع ص: ٦٧ - ١٢٥ وفي سبيل موسوعة فلسفية- أرسطو- د. مصطفى غالب ص: ١٥ وما بعدها.
(٦) في س، ط: "مموه".
(٧) في ط: سوفسقيا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
السفسطة (١) قد صار في عرف المتكلمين عبارة عن جحد (٢) الحقائق، فلا ريب أن هذا يكون في كثير من الأمور، فمن الأمم من ينكر كثيرًا من الحقائق بعد معرفتها، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٣)، وقد يشتبه كثير من الحقائق على كثير من النَّاس، كما قد يقع الغلط للحس أو العقل في أمور كثيرة، فهذا كله موجود كوجود الكذب عمدًا أو خطأ، أما اتفاق أمة على [إنكار] (٤) جميع العلوم والحقائق، أو على إنكار كل منهم لما لم يحسه، فهو كاتفاق أمة على الكذب في كل خبر أو التكذيب بكلِّ خبر، ومعلوم أن هذا لم يوجد في العلم (٥)، والعلم بعدم وجود أمة على هذا الوصف، كالعلم بعدم وجود أمة بلا ولادة ولا اغتذاء، وأمة لا يتكلمون ولا يتحركون، ونحو ذلك ممَّا يعلم أن البشر لا يوجدون (٦) على هذا الوصف، فكيف والإنسان هو حي ناطق، ونطقه هو أظهر صفاته (٧) اللازمة له، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٨) والنطق إما إخبار، وإما إنشاء، والإخبار أصل، فالقول بوجود أمة لا تقر بشيء من المخبرات إلَّا أن تحس المخبر بعينه ينافي ذلك، وإذا كان كذلك، فأولئك المتكلمون من المشركين والسمنية الذين ناظروا الجهم، قد غالطوا الجهم، ولبسوا (٩)
_________________
(١) في الأصل: "السفسنطة"، والمثبت من: س، ط.
(٢) في ط: حجر.
(٣) سورة النمل، الآية: ١٤.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط. يقتضيها الكلام.
(٥) في س، ط: "العلما".
(٦) في جميع النسخ: "يوجدن". ولعل ما أثبته يستقيم به الكلام.
(٧) في الأصل: "صفات". والمثبت من: س، ط.
(٨) سورة الذاريات، الآية: ٢٣.
(٩) في س: "غالطوا الجهم ليسوا". وفي ط: "غالطوا. . . ".
[ ١ / ٢٥٤ ]
عليه في الجدال، حيث أوهموه أن ما لا يحسه الإنسان بنفسه لا يقربه، وكأن الأصل أن ما لا يتصور الإحساس به لا يقرّ به، فكان حقه أن يستفسرهم عن قولهم ما لا يحسه الإنسان لا يقرّ به، هل المراد به هذا (١) أو هذا؟.
فإن أراد أولئك المعنى الأول أمكن بيان فساد قولهم بوجوه كثيرة، وكان أهل بلدتهم وجميع بني آدم يرد عليهم ذلك.
وإن أرادوا المعنى الثَّاني، وهو أن ما لا يمكن الإحساس به لا يقر به، فهذا لا يضر تسليمه لهم، بل يسلم لهم، يقال لهم (٢): فإن الله تعالى يمكن (٣) رؤيته ويسمع كلامه، بل قد سمع بعض البشر كلامه، وهو
_________________
(١) في س: "و".
(٢) "لهم": ساقطة من: س.
(٣) في ط: "تمكن رؤيته". وهذا هو مذهب السلف الصالح -رضوان الله عليهم- المستمد من الكتاب والسنة وأقوال الصّحابة والتابعين لهم بإحسان، والأمر الذي يجب اعتقاده على كل مسلم يسير على نهجهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في الرسالة التي أرسلها إلى أهل البحرين، وهي مذكورة ضمن الفتاوى ٦/ ٤٨٥ فما بعدها: ". . وإنَّما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة وبعد ما يدخلون الجنة على ما تواترت به الأحاديث عن النَّبيِّ - ﷺ - عند العلماء بالحديث، فإنَّه أخبر - ﷺ - أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة لا يضام في رؤيته". ورؤيته -سبحانه- هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به. والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك عرف ذلك. كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر. . ". والأدلة على ثبوت الرؤية من الكتاب والسنة وأقوال الصّحابة والتابعين =
[ ١ / ٢٥٥ ]