فانظروا النسخة التي عندكم، وكان قد حضر عندي نسخة أخرى منها، فقلت: خذ هذه النسخة فهي (١) اعتقادي، فمن أنكر منها (٢) شيئًا فليكتب ما ينكره وحجته لأكتب جوابي، فأخذا العقيدة وذهبا، ثم عادا ومعهما ورقة لم يذكر فيها شيء من الاعتراض على كلامي، بل قد أنشؤوا فيها كلامًا طلبوه، وذكر الرسول أنهم كتبوا ورقة ثم أخرى (٣)، ثم قطعوها، ثم كتبوا هذه، ولفظها (٤):
الذي يطلب (٥) منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز، وأن لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته، وأنه -سبحانه- لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية، ويطلب منه أنه (٦) لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها.
فلما أراني الورقة (٧) كتبت جوابها فيها مرتجلًا مع استعجال الرسول:
أما قول القائل: الذي يطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز، فليس في كلامي إثبات هذا (٨) اللفظ؛ لأن إطلاق هذا اللفظ
_________________
(١) في س، ط: فهذا.
(٢) في س، ط: منه.
(٣) "ثم أخرى" سقطت من: س، ط.
(٤) جاء لفظ ما ورد في هذه الورقة وإجابة الشيخ -﵀- عليه الإجابة المختصرة في مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٦.
(٥) في ط: "نطلب".
(٦) في ط: "أن".
(٧) في س: "للورقة".
(٨) في ط: "لهذا".
[ ١ / ١١٣ ]
نفيًا وإثباتًا بدعة (١)، وأنا لا أقول (٢) إلّا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة.
فإن أراد قائل هذا القول أنه ليس فوق السموات رب، ولا فوق العرش إله (٣)، وأن محمدًا - ﷺ - لم يعرج (٤) به إلى ربه وما فوق العالم
_________________
(١) البدعة: الحدث، وما ابتدع من الدين بعد الإكمال. راجع: لسان العرب -لابن منظور ٨/ ٦ (بدع). يقول ابن الأثير: "البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله - ﷺ - فهو في حيز الذم والإنكار وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله أو رسوله فهو في حيز المدح". انظر: البداية والنهاية -لابن الأثير ١/ ١٠٦. لكن هذا التقسيم لغوي -في نظري- أما في الشرع فإن البدعة إذا أطلقت فهي مذمومة. يقول ابن رجب الحنبلي: "والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشرع يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة. انظر: جامع العلوم والحكم -لابن رجب- ص: ٢٣٣. ويقول ابن حجر العسقلاني: "والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع مقابل السنة، فتكون مذمومة. انظر: فتح الباري ٨/ ٩١. كتاب "صلاة التراويح" -باب فضل من قام رمضان.
(٢) في الأصل: "لم أقول". ولعلها من سهو الناسخ، والمثبت من: س، ط.
(٣) الكلام على إثبات علو الله على خلقه عند السلف بالأدلة النقلية والعقلية، وبيان بطلان مذهب المخالف، تطرقنا له في الدراسة عند موضوع: "دراسة مسائل الكتاب"، وأوضحنا رأي شيخ الإِسلام -﵀- في هذه المسألة، فليرجع إليه. إضافة إلى أن شيخ الإِسلام قد ناقش هذه المسألة في هذه الرسالة.
(٤) الإسراء: هو السير ليلًا. راجع: لسان العرب -لابن منظور ١٤/ ٣٨١ - ٣٨٢ (سرى). المعراج: مفعال من العروج، أي: الآلة التي يعرج فيها، أي: يصعد، =
[ ١ / ١١٤ ]
إلا العلم المحض، فإذا باطل مخالف لإجماع الأمة وأئمتها.
وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات، فهذا مذكور مصرح به في كلامي (١)، فأي فائدة في تجديده؟
وأما قول القائل: لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته [فليس في كلامي (٢) هذا -أيضًا- ولا قلته قط، بل
_________________
(١) = وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو، وحكمه حكم غيره من المغيبات نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته. راجع: تاج العروس - للزبيدي ٢/ ٧٢ (عرج). والنبي - ﷺ - أسري به ليلًا من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى على البراق بصحبة جبريل - ﵇ - يقظة لا منامًا، بروحه وجسده، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، وفي كل سماء يستفتح فيفتح له، ثم يسلم على الأنبياء الذين فيها بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار -ﷻ- فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، ثم خففها عدة مرات إلى أن وصلت إلى خمس رحمة منه ولطفًا بعباده، ثم هبط به إلى بيت المقدس، وعاد إلى مكة بغلس. وفي هذا دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى لمن تأمله. والإسراء والمعراج تواترت النصوص بإثباتهما في حق الرسول - ﷺ - مما لا يدع مجالًا للتشكيك، أو محاولة تحكيم العقل في ثبوتهما من عدمه وقد استقصى الأدلة عليهما: ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢ - ٢٤، والآجري في الشريعة ص: ٤٨١ - ٤٩١، وانظر: الإسراء والمعراج لابن هشام مع شرحها للإمام السهيلي، وشرح الطحاوية -لصدر الدين الحنفي ص: ٢٤٥ - ٢٤٩، ومعارج القبول للحكمي ٢/ ٤٥٢ - ٤٧٠.
(٢) انظر مثلًا: الرسالة التدمرية -لابن تيمية- ص: ٢٥، ٢٦، ومجموع الفتاوى ٥/ ٢٦٢، ٢٦٣.
(٣) في الأصل، س: "كلام"، وأثبت المناسب من: ط، ومجموع الفتاوى ٥/ ٢٦٤.
[ ١ / ١١٥ ]