غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله - ﷺ - وزعم أن من وصف من الله شيئًا (١) مما وصف الله به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله - ﷺ - (٢) كان كافرًا، وكان من المشبهة، فأضل بكلامه بشرًا كثيرا (٣)، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد (٤) بالبصرة، ووضع دين الجهمية (٥).
وهكذا وصف العلماء حال يهم (٦) كما قال أبو عبد الله محمَّد بن
_________________
(١) في الرد على الجهمية: ". . . ومن وصف الله بشيء. . ".
(٢) " - ﷺ - " ساقطة من: الأصل، ط. والمثبت من: س.
(٣) في جميع النسخ: "وأضل بشرًا كثيرًا". والمثبت من الرد على الجهمية.
(٤) هو: أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب البصري، من أبناء فارس، شيخ المعتزلة في عصره، وأتباعه يسمون "العمروية". قال الخطيب البغدادي: جالس الحسن البصري وحفظ عنه واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنة فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن. . قال عنه يحيى بن معين: رجل سوء، وكان من الدهرية الذين يقولون: إنما الناس مثل الزرع. ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٤٢ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للخطيب البغدادي- ١٢/ ١٦٦ - ١٨٨. ولسان الميزان -لابن حجر- ٣/ ٢٧٣ - ٢٨٠. والبداية والنهاية -لابن كثير- ١٠/ ٩١ - ٩٣.
(٥) نهاية كلام الإِمام أحمد -﵀-.
(٦) حال جهم وقصته مع السمنية، ذكرها البخاري عن ضمرة عن ابن شوذب -خلق أفعال العباد- تحقيق د. عبد الرحمن عميرة ص: ٣١. وسوف يوردها الشيخ فيما بعد. كما ذكرها اللالكائي بسند ينتهي بأبي معاذ البلخي أنه قال: "كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلًا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم، ولا مجالسة لأهل العلم، كان يتكلم كلام المتكلمين، وكلمه السمنية فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج كذا ولا كذا. قال: ثم خرج عليهم بعد أيام فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء، ولا يخلو منه =
[ ١ / ٢٣٧ ]
سلام البيكندي (١)، شيخ البخاري في كتاب السنة والجماعة (٢)، من تأليفه: ما جاء في بدو الجهمية والسمنيّة، وكيف كان شأنهم وكفرهم بآيات الله.
[عن] (٣) حفص بن عبد الرحمن البلخي (٤) قال: حدثنا سعيد بن
_________________
(١) = شيء". وقال أبو معاذ: "كذب عدو الله، إن الله في السماء على عرشه، كما وصف نفسه". راجع: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة -للالكائي- تحقيق د. أحمد سعد حمدان - ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١. كما أوردها من هذا الطريق الذهبي، في مختصر العلو -تحقيق محمَّد ناصر الدين الألباني ص: ١٦٣.
(٢) هو: أبو عبد الله محمَّد بن سلام بن فرج السلمي، مولاهم البخاري البيكندي، الإِمام الحافظ الناقد، ومحدث "ما وراء النهر"، كان من أوعية العلم، وأئمة الأثر، حدث عنه البخاري، وأبو محمَّد الدارمي، وغيرهم، له مصنفات في كل باب من العلم. ولم يذكره سزكين، ولا أشار غيره من أصحاب الكتب التي تهتم بالتراث أن له مؤلفًا بعينه. ولد سنة ١٦٠ هـ، وتوفى سنة ٢٢٥. راجع: الجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- ٣/ ٢ / ٢٧٨. والجمع بين رجال الصحيحين -لابن القيسراني ٢/ ٤٥٩. والأنساب -للسمعاني- ٢/ ٤٠٤. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ص: ٦٢٨ - ٦٣٠. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ٩/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٣) لم أقف على هذا الكتاب في مظانه، ولم تشر المصادر التي رجعت إليها في ترجمة محمد بن سلام، إلى مؤلف له بعينه -كما ذكرت ذلك في الهامش السابق- سوى أنه صنف في كل باب من العلم.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط، يقتضيها السياق.
(٥) في جميع النسخ: "البجلي". ولم أجده بهذا الاسم فيما وقع تحت يدي من مصادر. ولعله: أبو عمر حفص بن عبد الرحمن بن عمر بن فروخ بن فضالة البلخي ثم =
[ ١ / ٢٣٨ ]
أبي عروبة (١)، عن أيوب بن أبي تميمة (٢)، قال: ما أعلم أحدًا من أهل الضلال (٣) أكذب على كتاب الله من السمنية، قال: وهو عندنا كما قال، لا أعلم أحدًا (٤) أجهل ولا أحمق قولًا منهم، لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار، فصارت (٥) طائفة جهمية لم تكن على عهد رسول الله
_________________
(١) = النيسابوري الحنفي الإِمام الفقيه مفتي خراسان. قال فيه ابن المبارك: اجتمع فيه الفقه والوقار والورع، توفي سنة ١٩٩ هـ. يقول الذهبي: كان من أبناء الثمانين، حدث عن أبي حنيفة، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. راجع: الجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- ١/ ٢ / ١٧٦. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٩/ ٣١٠ - ٣١١. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٢) هو: أبو النضر سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، ثقة حافظ للحديث، ثم اختلط في آخر عمره. يقول عنه الذهبي: إمام أهل البصرة في زمانه، ولد حوالي سنة ٨٠ هـ. وتوفي سنة ١٥٦ هـ. راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤. ولسان الميزان -لابن حجر- ٢/ ١٥١ - ١٥٣. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٦.
(٣) هو: أبو بكر أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري. قال عنه ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث، جامعًا عدلا ورعًا كثير العلم حجة. ولد سنة ٦٨ هـ، وتوفي سنة ١٣١ هـ. راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- ٧/ ٢٤٦ - ٢٥١. والجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- ١/ ١ / ٢٥٥ - ٢٥٦. وتهذيب التهذيب -لابن حجر - ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩.
(٤) في س، ط: "الصلاح" وهو خطأ.
(٥) في س، ط: ". . أن أحد".
(٦) في س، ط: "وصارت".
[ ١ / ٢٣٩ ]
- ﷺ - ولا على عهد الصحابة، وإنما هو رأي محدث، ويرون أن أول من تكلم فيه (١) جهم بن صفوان، وكان جيهم -فيما بلغنا- لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانًا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه، يجادل السمنية، وهم شبه المجوس، يعتقدون الأصنام، فكلمهم فأحرجوه (٢) حتى ترك الصلاة أربعين يومًا، لا يعرف ربه، وكلامهم يدعو إلى الزندقة، وكلامهم وصفناه (٣) لغير واحد من أهل الفقه (٤) والبصر، فمالوا (٥) آخر أمرهم إلى الزندقة، والرجل إذا رسخ في كلامهم ترك الصلاة، واتبع الشهوات.
وكان أبو الجوزاء (٦) صاحب جهم، وكان أقوى في أمرهم من جهم -فيما بلغنا- وكان يسكن الفارياب (٧)، وأخبرنا أناس من أهلها من صالحيهم، أنه ترك الصلاة، وشرب الخمر، واتبع الشهوات، وأفسد عالمًا من الناس، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، ما أعلم من تكلم في الإِسلام قوم أخبث من كلامهم، القرآن كله نقض على كلامهم.
وبلغنا أن منهم من يقول: إن ما يفسد علينا كلامنا (٨) القرآن
_________________
(١) "فيه": ساقطة من س، ط.
(٢) في جميع النسخ: "فأخرجوه". ولعل ما أثبت هو المناسب.
(٣) في ط: "وضعناه".
(٤) في ط: "اللغة".
(٥) في الأصل، س: "فقالوا". والمثبت من: ط.
(٦) أبو الجوزاء لم أعثر له على ترجمة.
(٧) في جميع النسخ: "الفاريات". ولعل الصواب ما أثبته. والفارياب: مدينة مشهورة بخراسان من أعمال جوزجان، قرب "بلخ" ينسب إليها جماعة من الأئمة. راجع: معجم البلدان -لياقوت الحموي- ٤/ ٢٢٩.
(٨) "كلامنا" ساقطة من: س.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ويكسره ولا يرون أن في السماء ساكنًا، وذكر طرفًا من كلامهم ثم قال (١):
قال: علي (٢) سمعت عبد الله (٣) يقول (٤): إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال في شعر له (٥):
ولا أقول يقول الجهم إن له قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا
ثم قال: حدثنا عبيد الله، يعني ابن واصل، ثنا عبد الله بن محمَّد، شيخ من أهل بغداد، ثنا ابن صالح، قال: لقيت جهمًا فقلت: نطق الله؟ قال: لا، قلت: فهو ينطق؟ قال: لا، قلت: فمن يقول يوم القيامة: لمن الملك اليوم؟ ومن يرد عليه: لله الواحد القهار؟ قلت: إنهم زادوا في القرآن ونقصوا منه.
_________________
(١) القائل هو: محمَّد بن سلام البيكندي - شيخ البخاري.
(٢) هو: أبو عبد الرحمن علي بن الحسين بن شقيق بن دينار المروزي، الإِمام الحافظ، شيخ خراسان، لزم ابن المبارك زمنًا، وسمع كتبه مرارًا، حدث عنه البخاري، والإمام أحمد، وغيرهما. ولد سنة ١٣٧ هـ، وتوفي بمرو سنة ٢١٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى -لابن سعد- ٧/ ٣٧٦. والجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- ٣/ ١٨٠. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ١٠/ ٣٤٩ - ٣٥٢.
(٣) يعني: عبد الله بن المبارك، وقد تقدمت ترجمته ص: ١٤٨.
(٤) أورد عبد الله بن الإِمام أحمد، قول عبد الله بن المبارك في "السنة- ص: ٤١ ". قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه أبو عبد الرحمن قال: سمعت علي بن الحسين، يعني ابن شقيق، يقول: سمعت عبد الله يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وسمعته يقول: إنا لنحكي كلام اليهود. . .
(٥) أورد البخاري في كتابه -خلق أفعال العباد ص: ٣١ - ثلاثة أبيات لابن المبارك، مطلعها ما ذكره الشيخ -﵀- هنا. وسوف يوردها -﵀- بعد صفحات قليلة من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٤١ ]
وروى (١) أبو داود [و] (٢) الخلال وغيرهما عن أبي شوذب (٣)، قال: ترك جهم الصلاة أربعين يومًا، وكان فيمن خرج مع الحارث بن سريج (٤).
وعن مروان بن معاوية الفزازي (٥)، وذكر جهمًا فقال: قبح الله جهمًا، حدثني ابن عم لي أنه شك في الله أربعين صباحًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود السجستاني في مسائل الإِمام أحمد ص: ٢٦٩، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن هاشم الرملي، قال: حدثنا ضمرة. . .
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط. يقتضيها الكلام.
(٣) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن شوذب البلخي ثم البصري نزيل بيت المقدس، وثقه أحمد وغيره، روى عنه ابن المبارك وغيره. ولد سنة ٨٦ هـ وتوفي سنة ١٥٦. راجع: الجرح والتعديل -لابن أبي هاشم- ٢/ ٢ / ٨٢ - ٨٣. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٧/ ٩٢ - ٩٣.
(٤) في الأصل: "سريح" والمثبت من: س، ط. هو: الحارث بن سريج التميمي، كان من سكان خراسان، وخرج على أميرها سنة ١١٦ هـ في خلافة هشام بن عبد الملك، ثم خرج منها هو وأتباعه واستولى على بلخ، والجوزجان وغيرها، وعظم أمره، ثم عاد إلى مرو سنة ١٢٧ هـ، وجرت بينه وبين نصر بن سيار، أمير خراسان فتنة قتل بسببها هو والجهم بن صفوان سنة ١٢٨ هـ. راجع: الكامل -لابن الأثير- ٥/ ٣٤٢ فما بعدها. والبداية والنهاية -لابن كثير- ١٠/ ٣١ فما بعدها. والأعلام -للزركلي- ٢/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٥) هو: أبو عبد الله مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان الفزازي الكوفي، ثم الدمشقي، الإِمام الحافظ، وثقه النسائي وغيره، كان جوالًا في طلب الحديث، توفي سنة ١٩٣ هـ. راجع: الجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- ٤/ ١ / ٢٧٢ - ٢٧٣. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٩/ ٥١ - ٥٤. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ١٠/ ٩٦ - ٩٨.
[ ١ / ٢٤٢ ]