جيلان (١) لما وقع بينهم من الفتنة في كلام الآدميين، وأظهروا من البدعة والغلو في الإثبات ونفي الخلق عن كثير من المخلوقات ما هو من أعظم الجهالات والضلالات، وقد كتبت جملًا من الكلام [في ذلك] (٢) في جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (٣)، وفي فتاوى أخر، ومواضع أخر.
فإن مسألة القرآن وقع فيها بين السلف والخلف من الاضطراب والنزاع ما لم يقع نظيره في مسألة العلو والارتفاع، إذ لم يكن على عهد السلف من يبوح بإنكار ذلك ونفيه، كما كان على عهدهم من باح (٤) بإظهار القول بخلق القرآن، ولا اجترأ الجهمية إذ ذاك على دعاء الناس إلى نفي علو الله على عرشه، بل ولا أظهرت ذلك، كما اجترؤوا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحانهم على ذلك، وعقوبة من لم يجبهم بالحبس، والضرب، والقتل، وقطع الرزق، والعزل عن
_________________
(١) جيلان: بالكسر: اسم لبلاد كثيرة من وراء طبرستان، وليس في جيلان مدينة كبيرة، إنما هي قرى في مروج بين جبال، وقد نسب إليها من لا يحصى من أهل العلم في كل فن وعلى الخصوص في الفقه. راجع: معجم البلدان -لياقوت الحموي- ٢/ ٢٠١.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط. توضح المعنى.
(٣) كتاب "جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية" من كتب الأصول، ومن المصنفات الكبار التي كتبها الشيخ -رحمه الله تعالى- وهو بالسجن في مصر ويقع في أربع مجلدات. ذكره: ابن عبد الهادي -في العقود الدرية ص: ٢٩ - وقال عنه: "كتاب عزيز الفوائد سهل التناول" كما ذكره: ابن القيم في "أسماء مؤلفات ابن تيمية" ص: ١٩. وابن شاكر في "ذوات الوفيات" ١/ ٧٦. وابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٠٣. وغيرهم ممن كتب عن الشيخ ومؤلفاته. وذكر الدكتور محمَّد رشاد سالم -﵀- محقق كتاب "الاستقامة" لشيخ الإِسلام- ١/ ١٣٩ ت: رقم (١)، أن هذا الكتاب مفقود.
(٤) في ط: "ممن أباح".
[ ١ / ٢٣٠ ]
الولايات ومنع قبول الشهادة، وترك افتدائهم من أسر العدو، إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإِسلام، وبدّلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين، فأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون (١) لومة لائم، فجاهدوا في الله حق جهاده، متبعين سبيل الصديق وإخوانه الذين جاهدوا المرتدين (٢)، بعد موت رسول الله - ﷺ - حتى وسم المسلمون بالإمامة، وبأنه الصديق الثاني، من كان أحق بهذا التحقيق عند فتور الواني.
فإن أولئك الجهمية جعلوا المؤمنين كفارًا مرتدين، وجعلوا ما هو من الكفر والتكذيب للرسول إيمانًا وعلمًا، ولبسوا على الأئمة والأمة الحق بالباطل، وكانت فتنتهم في الدين أعظم ضررًا من فتنة الخوارج المارقين (٣)، فإن أولئك -وإن كفروا المؤمنين واستحلوا دماءهم
_________________
(١) في ط: "يخالفون".
(٢) بعد وفاة النبي - ﷺ - سنة إحدى عشرة من الهجرة، ارتد بعض قبائل العرب، وامتنعوا عن دفع الزكاة، فأشار بعض الصحابة على أبي بكر الصديق -﵁ وعنهم- بتركهم وتأليفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك، وأصر على قتالهم، وقال: ". . . والله، لو منعوني عناقًا- وفي رواية: عقالًا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. . . ". وقد ذكرت أحداث الردة مفصلة في: تاريخ الطبري- ٣/ ٢٢٣ فما بعدها. الكامل لابن الأثير- ٢/ ٣٤٢ فما بعدها. والبداية والنهاية -لابن كثير ٦/ ٣٥٠ - ٣٥٤. وفي كثير من المراجع الأخرى.
(٣) الخوارج: تقدم التعريف بهم ص: ١٧٦. المارقة: الذين مرقوا من الدين لغلوهم فيه. والمروق: سرعة الخروج من الشيء، ومنه سميت الخوارج مارقة.
[ ١ / ٢٣١ ]