على أن نفيه هذا عن الموجود، واجبه وممكنه (١) معلوم الفساد بالضرورة العقلية، وهو أن يعلم بالضرورة العقلية أنه يمتنع وجود قائم بنفسه، حيث يكون موجود آخر قائم بنفسه، أو لا يكون إلّا حيث يكون موجودا (٢) آخر قائم النهيه (٣)، وأن كل موجود إما أن يكون مباينا لغيره منفصلًا عنه فيكون في الجهة العدمية، وإما أن يكون محايثًا له داخلا فيه، فيكون في الجهة الوجودية، ووجود موجود لا في جهة وجودية ولا جهة عدمية ممتنع عندهم في صريح العقل، ثم إن قول هؤلاء موافق لما عليه بنو آدم من الفطرة، موافق لما جاء به (٤) الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.
وبالجملة فالنزاع في ذلك ظاهر مشهور، وإذا كان كذلك لم يكن نفي ذلك بالهين حتى يدعي دعوى مجردة (٥)، بلا دليل سمعي ولا عقلي، ثم يوجب اعتقاد ذلك ويعاقب تاركه.
ومن الناس من قد يعني بالجهة [ما ليس مغايرًا لذي الجهة] (٦)
_________________
(١) = واشتغلوا بعبادتها. وقيل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ويزعمون أنهم على دين نوح، وهم كاذبون. وقيل: هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه، وجعل ابن كثير -﵀- هذا القول من أظهر الأقوال. راجع: لسان العرب -لابن منظور ١/ ١٠٧ - ١٠٨ (صبأ). والملل والنحل -للشهرستاني ٢/ ٥. واعتقادات فرق المسلمين والمشركين -للرازي- مع ذيله كتاب المرشد الأمين ص: ١٤٣ - ١٤٤. وتفسير ابن كثير ١/ ١٠٤.
(٢) في الأصل: "واجبة وممكنة".
(٣) في ط: "حيث لا يكون موجود".
(٤) من قوله: "أو أن يكون. . . " إلى قوله: "قائم بنفسه": ساقطة من س.
(٥) "به": ساقطة من س.
(٦) في الأصل: "حجره" وهو تصحيف، والمثبت من: س، ط.
(٧) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فيكون كونه في جهة بحيث يتوجه إليه أو يشار إليه، ولا يعني بالجهة موجودًا منفصلًا عنه، ولا يعني عدميًّا، وهؤلاء قد يقولون: الجهة من الأمور الإضافية، فكون الشيء من الجهة معناه أنه مباين (١) لغيره، وكل موجود قائم بنفسه فإنه مباين لغيره.
وقد يقولون كونه في الجهة معناه: أنه متميز بذاته محقق الوجود، وإن لم يقدر موجود سواه، وهؤلاء يقولون: هو في الجهة قبل وجود العالم، والأولون يقولون: لا نعقل الجهة إلا بعد وجود العالم.
وأصل ذلك (٢) أن هؤلاء يقولون: إن مسمى الجهة نوعان: إضافي متنقل، وثابت لازم.
فأما الأول فهي الجهات الست للحيوان -أمامه وهو ما يؤمه، وخلفه وهو ما يخلفه، ويمينه، ويساره، وفوقه، وتحته، وهو ما يحاذي ذلك، وهذه الجهات ليست جهات لمعنى يقوم بها (٣)، ولا ذلك صفة لازمة لها، بل تفسير (٤) اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والعلو سفلًا، والسفل علوًا بتحرك (٥) الحيوان من غير تغير في الجهات.
وأما الثاني: فهو جهتا (٦) [العالم وهي] (٧). . . . . . . . . .
_________________
(١) في س: "مباينًا".
(٢) أي: منشأ غلطهم. وقد أشار إلى هذين النوعين الشيخ -﵀- في كتابه بيان تلبيس الجهمية ٢/ ١٢١. وانظر كلام الشيخ -﵀- عن الجهة وتنازع الناس فيه، في الرسالة التدمرية ص: ٢٦، ومجموع الفتاوى ٥/ ٢٦٢.
(٣) بل هي جهات تتغير وتتبدل بحسب حركته.
(٤) في الأصل: "نظير"، وأثبت ما يناسب المعنى من: س، ط.
(٥) في س، ط: "يتحرك".
(٦) في س: "جهة".
(٧) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
[ ١ / ٢٢٤ ]
العلو والسفل، فليس للعالم إلّا جهتان:
أحدهما: العلو، وهو جهة السموات وما فوقها.
و[الأخرى] (١): السفل، وهو جهة الأرض وما تحتها وفي جوفها، وعلى هذا المعنى فكل ما كان خارج العالم مباينًا للعالم فهو فوقه، وهو في الجهة العليا، فالباري -تعالى- إما أن يكون مباينًا للعالم منفصلًا عنه، أو لا يكون مباينًا له منفصلًا عنه، فإن كان الأول (٢) كان خارجًا عنه عاليًا عليه بالجهة العليا، وإن كان الثاني كان حالًا في العالم قائمًا به محمولًا فيه.
قال هؤلاء: وهذا كله معلوم بالفطرة العقلية، فالباري قبل أن يخلق العالم كان هو وحده سبحانه لا شريك له، ولما خلق الخلق فإنه لم يخلقه في ذاته، فيكون هو محلًا للمخلوقات، ولا جعل ذاته فيه فيكون مفتقرًا محمولًا قائمًا بالمصنوعات، بل خلقه بائنًا عنه فيكون فوقه وهو بجهة (٣) العلو.
وقد بسطنا كلام هؤلاء وخصومهم في الحكومة العادلة، فيما ذكره الرازي في تأسيسه من المجادلة (٤).
وإذا كان كذلك، فالداعي للناس إلى اعتقاد نفي الجهة، إما أن يدخل معهم في هذه الدقائق ويكشف هذه الحقائق، وإما أن يعرض عن هذه ويقف عند الجمل التي وقف عليها (٥) المؤمنون، فأما أن يدعو (٦) إلى قول لا يبين حقيقته وأقسامه، ولا يبين حجته التي تصحح مرامه
_________________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة تناسب الكلام.
(٢) في س: "للأول" وهو تصحيف.
(٣) في س: "الجهة". وفي ط: "جهة".
(٤) راجع "بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية -لابن تيمية ٢/ ١٢١.
(٥) في الأصل، ط: "التي عليها"، والمثبت من: س، ولعله المناسب.
(٦) في الأصل، س: "يدعوا".
[ ١ / ٢٢٥ ]
و[لا] (١) يكون القول موجودًا في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أئمة الإِسلام، فإذا غاية ما يكون من الجهل والضلال والظلم في الكلام.